رواية غفران العاصي للكاتبة لولا نور الفصل الرابع

رواية غفران العاصي للكاتبة لولا نور الفصل الرابع

رواية غفران العاصي للكاتبة لولا نور الفصل الرابع

بعد مرور اسبوعين،
يقف في شرفه غرفته ينظر إلى منظر البحر الممتد امامه والي امواجه المتلاطمه في قوتها وعنفوانها والتي تشبه الصخب الذي يدور داخل رأسه!
فاليوم هو اليوم الذي من المفترض ان يكون اسعد ايام حياته مثله مثل باقي البشر، فاليوم هو يوم زفافه على ابنه عمه!
ولكن على العكس هو لايشعر بشيء سوي بالاشمئزاز والنفور من نفسه ومن ما فُرض عليه...

فهو منذ ذلك اليوم الذي اعلن فيه رغبته في الزواج منها امام الجميع وما حدث بعدها يكاد يصيبه بالجنون؟!
لقد اتخذ قراره بعد تفكير طويل وكان هذا هوالخيار االمناسب، حتى ينفذ وصيه والده ورغبه جده ويحميها ويحمي اموالهم وفضل مصلحه العائله على مصلحته الشخصيه وأجبر نفسه على تقبل الامر!، وايقن ان الله كتب لهم ان يجتمعوا معاً وعلى ذلك قرر ان يتزوجها ويعاملها كما آمره الله، ويرعي الله فيها...

ولكن رد فعلها الغريب هو ما اصابه بالاحباط واعاده إلى نقطه الصفر وايقن تمام اليقين انها لاتريده ومجبوره عليه مثلما أُجبر هو عليها في باديء الامر...

ويبدو ان القدر يعانده فهو في صباح اليوم التالي اضطر إلى السفر للندن لحدوث بعض المشاكل في فرع شركته الثاني مما جعله يسافر على الفور، وكان يعتقد انه سيعود في خلال يومين ولكنه اضطر ان يمكث لاسبوعين كان يواصل فيهم الليل بالنهار للانقاذ حلم عمره من الضياع، واستطاع بفضل الله ان ينجو من كارثه كادت ان تنهي ما وصل اليه...

وفي خلال الاسبوعين لم يتثني له الحديث معها، فقد قرر جده تحديد موعد زفافهم بعد اسبوعين، وهي بدورها انشغلت في ترتيبات العرس...
وها هو عاد في صباح يوم زفافه ومن المفترض ان يكون في خلال الساعات القادمه جالساً امام المأذون عاقداً قرانه عليها.
شرد امامه وتذكر حالتها ذلك اليوم، فهي بمجرد ان انتهي من حديثه واعلان جده لموافقته على الزواج.
اخذت تبكي وتضحك في نفس الوقت ثم فقدت الوعي!

حملها وصعد بها إلى غرفتها وطلبوا لها الطبيب، الذي شخص حالتها على انها انفعال زائد أدي إلى حدوث زياده في ضربات القلب اكثر من معدلها وارتفاع ضغط الدم مما سبب لها الاغماء.
وكأن دلو من الماء البارد سقط فوق رأسه!
فأدرك حقيقه انها لا تريده ولا تراه زوجاً لها، يعلم ذلك، فهي تراه شقيقها الاكبر فقط!
وهي اضعف وارق من ان ترفض وتعصي آمر جدها، فقبلت الزواج منه رغماً عنها...

زفر بحرقه عندما استمع للطرق على باب غرفته، وصوت نعمات التي تخبره بأن العروس قد انتهت من زينتها وفي انتظاره...
تحرك بخطوات ثقيله للداخل، ووقف امام مرآه الزينه يلقي نظره سريعه على مظهره قبل ان يخرج لهم...
فهو اتخذ قرار وعليه تحمل تبعاته، فهو لن يتراجع عنه ولكنه ايضاً لن يعيش مجبراً على شيء ولا يقبل على نفسه وكرامته ان تعيش معه رغماً عنها...

لذلك عليه ان ينفذ الخطوه التاليه الفاصله في حياتهم والتي تضمن لهم العيش بكرامه دون اجبار!

ولجت دريه إلى غرفه نسرين، فوجدتها تجلس على فراشها تضم ركبتيها إلى صدرها وتستند بذقنها عليها، تنظر امامها في شرود بعيون حمراء منتفخه من اثر البكاء...
هتفت دريه مستنكره حالتها: هتفضلي قاعده كده، قافله على نفسك وهاتك يا عياط لحد امتي؟
نظرت لها نسرين بكره وهتفت ساخره بغل: وانتي هيفرق معاكي حالي في ايه، ما انت سعيده ومبسوطه بجوازت المحروس ابنك من الهانم بنت عمه ولا على بالك حاجه...

وبقالك اسبوعين بتجري ورا نفسك بتنفذي اوامر منصور باشا الجارحي وبتجهزي لهم جناح seven stars!
وانا، انا بنت اختك اخر همك ولا كأنك كنتي بتحلمي اني اكون مرات ابنك في يوم من الايام.
تابعت ساخره: اللي يشوف فرحتك دي يصدق انك فرحانه بجد، ده انا بنفسي صدقت انك فعلاً فرحانه لهم!
بس انا بقي مش هسكت والله لخالي حياتهم جحيم هما الاتنين وابنك ده هدفعه ثمن لعبه معايا وضحكه عليا غالي اوي...

كانت دريه تستمع اليها وهي جالسه امامها عاقده ذراعيها حول صدرها...
تحدثت بهدوء ما ان انتهت نسرين: خلصتي اللي عندك، اول مره اعرف انك غبيه وما بتفهميش...
صاحت نسرين صارخه: انا غبيه!
فعلاً عندك حق انا غبيه علشان صدقتك وصدقت حركات ابنك في يوم من الايام، ده مش بعيد تكونوا متفقين عليا علشان تنيموني وبعدين تضربوا ضربتكم بس يكون في علمك اللي حصل ده مش هيعدي بالساهل وعاخد حقي منكم تالت ومتلت...

اغتاظت منها دريه ومن جناننها وهتفت تنهرها بعنف: اتهدي بقي واسمعيني، انا مكانش قدامي حل غير اني امثل اني موافقه على الجوازه دي، علشان حاحات كتيره اوي...
اهمها واولها اني ما اخسرش عاصي ابني، ولا اخسر الثروه اللي ضيعت احلي سنين عمرها علشانها وعملت حاجات عمري ما كنت اتخيل اعملها في حياتي علشان الثروه دي تبقي من حقي انا...
انا وبس...

وكمان علشان عمي يقتنع ان انا ندمت على كلامي اللي قلته قبل كده واني خلاص اتغيرت والدليل اني مش معترضه على جواز ابني من بنت جميله اللي عارف انا قد ايه بكرهها...
والاهم من ده كله اني هعرف اذل غفران كويس واعمل فيها اللي مقدرتش اعمله في امها زمان، هعمله فيها هي وهي بقت مرات ابني...
فهمتي ولا اقول كمان!

وعلشان كل ده يحصل لازم تكوني جانبي وتمثلي انك خلاص رضيتي بالأمر الواقع وان كل شيء قسمه ونصيب زي ما بيقولوا، وانك مش اول ولا اخر واحده حبت ابن خالتها وهو محبهاش...
صرخت نسرين بجنون: ما تقوليش ما حبنيش!
هو. هو مكانش عارف يشوفني علشان غفران طول الوقت كانت واقفه ما بينا...
عارفه لو هي مش موجوده اكيد كان حبني، لاني احلي واشيك واجمل منها. صح مش كده يا انطي...

تحدثت دريه بمهادنه كانها تتحدث مع طفل صغير: صح يا قلب انطي، هو عاصي هيلاقي زيك فين، بس الظروف هي اللي وصلتنا لكده، بس احنا هنصبر شويه وهنعرف نغير الظروف دي لصالحنا وننتقم من اللي بعدكم عن بعض...
بس الاول كده لازم نهدي ونخطط صح علشان احنا اللي نكسب في الاخر...
اسمعي كلامي وحطي ايدك في ايدي وانتي تكسبي وعاصي في الاخر هيكون ليكي، بس اصبري شويه...

ياللا قومي خدي شاور واجهزي وانزلي وانتي رافعه راسك علشان الكل يعرف انك قويه وان مفيش حاجه تقدر تهزمك والبسي اشيك واغلي حاجه عندك...
علشان الكل يعرف مين هي نسرين الحوفي!
كانت تستمع لها بانصات شديد وقد وجدت كلمات خالتها صدي داخلها، فكانت تتسع ابتسامتها ويزداد غرورها كلما تحدثت عنها ويلمع بريق الجشع والطمع داخل مقلتيها مما جعلها تتحرك كالدميه بين يديها وتنفذ اوامرها...
حاضر يا انطي. انتي صح!

قالتها وهي تنهض لتستعد وتتجهز وتكون نجمه الحفل تحت نظرات خالتها الشيطانيه والتي استطاعت التلاعب بها وتوجيهها كيفما تشاء...

تجلس امام المرآه تنظر إلى انعكاس صورتها بانبهار تكاد لا تصدق نفسها، : فقد تحقق حلمها المستحيل في طرفه عين، واصبحت بين ليله وضحاها ملكه وعلى اسمه، فقط بعض الاجراءات الشكليه وتصبح زوجته وأمراته لاخر العمر...
لازالت تتذكر نبره صوته الاجشه القويه وهو يطلب يدها من جدها، تقسم انها اعذب ما سمعته في حياتها.
سطر مكون من عده كلمات بسيطه تعني لها الدنيا وما فيها عندما حرجت من بين شفتيه!

ابتسمت بخجل من نفسها عندما تذكرت رد فعلها الغريب يومها، ضحكت وبكت من شده فرحتها في آن واحد ومن فرط تأثرها لم تتحمل الفرحه وسقطت فاقده الوعي بين يديه، وكانت صورته اخر ما رأته عينها قبل ان تستسلم للظلام الذي لفها في طياته.
صورته التي عاشت عليها طوال الاسبوعين الماضيين وهو بعيداً عنها...

تشعر بالضيق منه لانه لم يحادثها طوال هذه المده مثلهم مثل حال كل المخطوبين، يسهرون الليل يتحدثون في امور العشق والهوي!
يحكي لها عن مشاعره نحوها، متي وكيف حبها؟
هل يعشقها منذ زمن مثلها ام من فتره قريبه؟
هل كان يسهر يناجي طيفها في لياليه مثلها ام ماذا؟

لكنها لم تظهر له ذلك فهي يجب عليها ان تقدر مسؤلياته فهي تتزوج رجل من اكبر رجال الاعمال في البلد وعليها يجب ان تكون على قدر كبير من الوعي والمسؤليه، وتشعره انه تزوج من فتاه تقدره وتقدر مشاغله وليس مجرد فتاه صغيره مدللة!
لا بأس، فالايام والعمر امامهم طويل يقضونه معاً ويعرفون كل شيء معاً، ويكتشفون مشاعرهم وحقيقه ما في قلوبهم معاً...

افاقت من شرودها على صوت خبيره التجميل تخبرها بأنتهائها: احنا كده خلصنا شغلنا يا انسه غفران، ما شاء الله طالعه زي القمر، الف مبروك وربنا يتمم لحضرتك على خير...
حيتها برقه: الله يبارك فيكي، تسلم ايديكي تعبتك معايا...
تعبك راحه يا هانم، والف مبروك مره تانيه، قالتها وانصرفت خييره التجميل وتركتها بمفردها...
وقفت تتطلع إلى هيئتها امام المرآه بسعاده بالغه وهي تتسائل في نفسها، هل هيعجب بها؟

هل ستسحره بطلتها الآسره ويعبر عن عشقه لها في الحال؟
ام هل هيحملها ويدور بها صارخاً بسعادته وعشقه لها كما تقرأ في الروايات وتشاهد في الافلام؟
ابتسمت بخجل وشعرت بالحراره تغزو وجنتيها عندما تخيلته وهو يحملها ويدور بها امام الناس!

قطع تخيلاتها دخول جدها عليها، تقدم الجد منها يسير بخطوات متمهله مستنداً على عصاه ويطالعها بنظرات تلتمع بها الدموع من شده الفرح!
حمم يجلي حنجرته وتحدث بنبره متحشرجه من فرط التأثر وهو يقاوم العبرات اللامعه في مقلتيه.
ما شاء الله ولا قوه الا بالله، قمر يا روح جدك...
الف حمد وشكر ليك يا رب اني عشت لحد ما شوفت اليوم ده، وانا بسلمك لعريسك اللي هيقدرك ويصونك ويحافظ عليكي...

طبع قبله حانيه على جبينها وضمها إلى صدره بحنان جارف...
لم تتحمل غفران كل ذلك الحنان الذي يغدقها به، فسقطت الدموع من عينيها غصب عنها...
ابتسم الحد بحنان وهو يمد يده المجعده يمسح دموعها وهتف بحنان: لا، انا مش عاوز اشوف دموعك الغاليه دي، انا من هنا ورايح مش عاوز اشوف غير ضحكتك الحلوه اللي بتنور لي دنيتي وبتفكرني بحبيبه قلبي ملك روحي...

ابتعدت عنها قليلاً واخرج من جيبه علبه من القطيفه الحمراء وقام بفتحها واخرج منها خاتم من الالماس القديم خاطف للانفاس على هيئه قلب، كان ملكاً لجدتها رحمها الله...

امسك يدها وادخل الخاتم في بنصرها الايمن...
ربط بحنان على كف يدها وهتف بحنو: الخاتم ده بتاع جدتك الله يرحمها، ومعنديش اغلي منك علشان اهاديها بيه، عاوزك تحافظي عليه زي عنيكي ويوم ما ربنا يكرمك ببنت ان شاء الله تبقي تلبسيهولها يوم فرحها زي ما انا عملت كده بالظبط...

ارتمت في احضانه الدافئه التي طالما كانت ملاذها الآمن والتي كانت تحتويها دائماً وهتفت بنبره متحشرجه بالدموع: انا بحبك اوي يا جدو، اوووي.
ربط على ظهرها بحنان قائلاً: وانا اكتر يا روح قلب جدو.
يالا بقي علشان ننزل اتاخرنا على الناس والعريس زمانه مستني على نار...
قالها وهو يثني ذراعه كي تتأبطه وتضع ذراعها فيه ليأخذها ويسلمها إلى عريسها...

كانت حديقه قصر الجارحي مزينه بشكل خاطف للانفاس، فقد اشرف على تصميمها فريق من اشهر مصممي الحفلات والاعراس في الشرق الاوسط، حضروا بناء على رغبه منصور الجارحي لتصميم حفل زفاف يليق باسم عائله الجارحي.
فهو حفل زفاف احفاد الجارحي اصحاب اقوي كيان اقتصادي في البلاد...
عاصي وغفران الجارحي
كان يقف وسط الحديقه يستقبل الحضور من الشخصيات السياسيه البارزه ورجال اعمال مصريين والعرب...

يستقبل هذا، ويرحب بذلك وهو يرسم ابتسامه عريضه على شفتيه يحاول ان يخفي بها ما يعتل داخل صدره...

تعالت اصوات الموسيقي الصاخبه والتي تشير إلى قدوم العروس...
اتجهت الانظار إلى مصدر الضوء الساطع اعلي الدرج الذي ظهر من خلفه منصور الجارحي معانقاً ذراع حفيدته في ذراعه، ينزل معها الدرج حتى يسلمها إلى عريسها...
وقف اسفل الدرج ينتظر وصولها اليه وهو يراها تتأبط ذراع جده بفستانها الابيض ذات التصميم الرقيق مثلها، ووجهها مخفي عنه بطبقه رقيقه من التل الابيض.
وصل الجد اليه، وفتح ذراعيه يحتضنه بفرحه حقيقه.

اخذ يربط على ظهره بقوه وهو يوصيه على غفران قبل ان يسلمها اليه...
وقف امامها وقام برفع الطرحه من على وجهها، كانت مطرقه برأسها ارضاً وترتجف من شده الفرحه والتأثر!
رفع وجهها اليه، فرأي البدر في تمام اكتماله!
كانت فاتنه بحق، رقيقه، جميله، ناعمه.
اتسعت ابتسامته رغماً عنه انبهاراً بحسنها.
وهي كانت تحلق في السماء وهي تراه امامها بهيئته المهلكه لقلبها بوسامته التي تزداد يوماً عن الاخر.

تعلقت عينيها بعينيه وهي تنظر له تلك النظره وكانها تقول اخيراً اصبحت ملك لك واصبحت ملك لي...
رفع يديه الاثنين واحاط بوجنتيها طابعاً قلبه رقيقه فوق جبينها. ، ارتجف قلبها على اثرها!

شبك اصابعه مع اصابع يدها وسار بها نحو طاوله كتب الكتاب الموضوعه وسط الحديقه، وسط تعالي الصحيات والتصفيق والتهليل من الحضور...

وضع يده في يده جده وكيل العروس واخذ يردد خلف المأذون، وهي تردد خلفه في سرها، ويكاد يتوقف نبض قلبها من السعاده، فاخيراً بعد سنوات من العشق، الشوق، والفراق تحقق حلمها واصبحوا معاً...
حلم حياتها وعشقها المستحيل اصبح زوجها، لها وحدها...
انتبهت على قول المأذن بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكم في خير!

آمنت على قول المأذون وهي تبتسم باتساع، وقلبها يدوي داخل صدرها بصخب وهي تخط امضتها على وثيقه زواجهم!

كانت نسرين تقف بجانب دريه وحالهم لا يختلف عن بعضهم، فكلاهما تنظر اليهم بكره وحقد وغل ولكن لاختلاف الاسباب.
فدريه تري التاريخ يعيد نفسه من جديد عندما كانت تقف في نفس الموقف منذ عشرين عاماً وهي تري مصطفي ابن عمها وشقيق زوجها وعشقها الوحيد وهو يعقد قرانه على اكثر انسانه كرهتها وحقدت عليها في الحياة جميله!

غريمتها التي سرقت منها حلم حياتها وحرمتها من عشقها الوحيد، تري فيها غفران وهي تسرق منها ابنها الوحيد كما سرقت والدتها منها عشقها وعمرها قبل ذلك...
اما نسرين فكانت نيران الكره والغيره تكاد تفتك بها وتحرق كل ما حولها، فهي على الرغم من حديثها مع خالتها قبل قليل واصرارها على الصمود والمواجهه، الا ان رؤيتهم معاً بتلك الصوره والسعاده الظاهره عليهم تكاد تقسم انهم يعشقون بعضهم البعض وقد تحقق حلمهم اخيراً،.

وهو مازادها غلاً وحقداً وعزمت على ان تفرق بينهم وتحصل على حقها في عاصي مهما كلفها الامر!

افتتحوا العرسان فقرات الحفل برقصتهم الاولي معاً.
وقفوا امام بعضهم، ينظرون إلى بعضهم بتوتر!
اقترب منها عاصي ووضع يديه حول خصرها النحيف يقربها منه وهو يرسم ابتسامه صافيه على شفتيه.
رفعت غفران ذراعيها على استحياء تلفهم حول عنقه والخجل والتوتر يكادان يفتكان بها...
اخذ عاصي يتحرك معها على انغام الموسيقي الهادئه وهو يكاد لا يصدق كل ما يحدث حوله!

همس بابتسامه قرب اذنها حتى يتثني لها سماعه: مبروك يا غافي...
اجابته برقه: الله يبارك فيك...
تابع يضيف: طالعه زي القمر...
رمشت بعينيها بخجل وشعرت بالحراره تغزو جسدها، فهو يثني على جمالها...
لمعت دموع الفرحه داخل مقلتيها وهي تجيبه بخجل فخرج صوتها مهزوزاً من فرط التوتر والخجل: ميرسي!

صمتت ولم تعرف ماذا تقول، كانت تريد ان تقول له وانت ايضاً سحرتني وخطفت قلبي منذ وعيت على الدنيا ولكن خجلها وحياؤها يمنعها...
نظر لها ولصمتها ولدموع عينيها التي تحاول ان تخفيهم عنه واخذت الافكار تتصارع داخل راسه
صغيرته كبرت واصبحت عروس، بل عروسه!
زفر بحنق مما وصل اليه الحال بهم؟
هو وضع بين اختيارين احداهما اصعب من الاخر!
ولكنه فضل مصلحه الكل على مصلحته ولكن اكثر ما يثير غضبه وحنقه انه يفعل ذلك مجبراً!

وهو الذي لم يجروء احد في يوم ما فرض رأيه عليه...
كما انه لا يريد ان بجرحها او يخسرها، فهي ابنه عمه وصغيرته التي تربت على يديه!
والتي لم يتخيل في يوم من الايام ان تكون في زوجته، هي شقيقته، اخته، وفوق ذلك انه لا يرغب اصلاً في الزواج منها او من غيرها...
كما ان سقوطها بين يديه، اكد له رفضها للامر مثله هي الاخري!

واكبر دليل على ذلك هو ارتجاف جسدها بين يديه الآن ولمعه الدموع في عينيها خير دليل على رفضها ونفورها منه!
هذا ما كان ينقصه!
سخر من نفسه والي ما وصل اليه حاله، عاصي الجارحي يجبر على الزواج ومن تزوجها اُجبرت عليه...
وهو العاذب التي تتمني اكبر العائلات في البلد ان يقترن اسمها باسمه، زوجته مجبوره عليه!
كبت غيظه وحنقه داخله مؤقتاً، فل تنتهي هذه الليله على خير ويصبح بعد ذلك لكل حادثً حديث!

انقضي الحفل مع الساعات الاولي للفجر والذي احياه عدد كبير من مطربين الوطن العربي وحضره العديد والعديد من الصحفيين والمصورين، ففرح عائله الجارحي ماده دسمه ستتناولها صحف المجتمع والمشاهير والاقتصاد لفتره طويله...

دلفوا معاً إلى جناحجهم الجديد...
كان جناح كبير يضم غرفه نوم واسعه ذات سرير ضخم ملحق بغرفه ملابس كبيره وحمام خاص، إلى جانب حجره معيشه داخل الجناح ولكنها منفصله عنه بباب زجاج ضخم يسمح برؤيه من داخل الغرفه والعكس ولكن توجد له ستائر خاصه ممكن ان تفصل هذا الجزء عن الجناح، ...
تركها وولج إلى شرفه الجناح المطله على شاطيء البحر دون ان يتفوه بحرف واحد!

فقط الصمت والجمود هما المرتسمين على ملامحه، فهو يحتاج إلى استجماع نفسه وافكاره قبل ان يتحدث معها في شكل حياتهم القادمه...
اما هي فقد ارتاحت إلى فعلته تلك، فهي تريد ان تستجمع شتات نفسها وتهديء من توترها!

جلست على الفراش الضخم والذي من المفترض ان يجمعهم معاً!
لازالت لا تستوعب ما حدث بين ليله وضحاها فقد اصبحت منذ سويعات قليله زوجته!
تزوجت من عشقها المستحيل كما كانت تصفه دائماً بينها وبين نفسها...
شعرت بالحراره تغزو جسدها من مجرد تخيلها انها ستتشارك معه نفس الغرفه ونفس الفراش!

حبست انفاسها داخل صدرها وهدرت دقات قلبها بعنف داخل صدرها عندما وجدته يدلف من الشرفه بجسده القوي وطوله المديد وهيبته التي طالما خطفت قلبها...
اطرقت راسها تداري توترها عن عينيه الثاقبه التي تتفرس فيها بنظرات قويه جعلت وجهها يشتعل بحمره الخجل وقشعريره غريبه تجتحاح جسدها ترقباً لما هو قادم!

وقف امامها يشرف عليها بطوله المديد واضعاً يديه في جيب بنطاله يطالعها بنظرات قويه جامده، ضاغطاً على اعصابه بقوه حتى لا يجرحها ويهينها فهي في الاول والاخير ابنه عمه الصغيره الرقيقه، صغيرته!
التي تربت على يده و
كان يعاملها مثل شقيقته في الماضي ولكنه اصبح في وضع مفروض عليه ومجبور ان يعاملها على انها زوجته!
فهو طوال سنوات عمره الثلاثون لم يفرض عليه احداً امر ما، هو سيد نفسه وسيد قراره!

هو عاصي الجارحي اسم على مسمي، لا احد يجروء على عصيانه وفرض رايه عليه ويآبي الرضوخ والخضوع لاي امر مهما كان حتى والده رحمه الله ووالدته لم يفرضوا رايهم عليه في شيء ابداً...
عدا جده الرجل العجوز الذي استطاع بحنكته مستغلاً حبه الشديد له في اقناعه بزواجه منها رغماً عنه وهو الذي يرفض فكره الزواج من الآساس وخصوصًا هي تلك الصغيرة!

زفر انفاسه بحنق واجلي حنجرته متحدثاً بجمود وبنبره قويه: احمممم، انا عاوز اقولك كلمتين مهمين علشان كل حاجه تبقي واضحه من الاول...

استطاع ان يجذب انتباهها فرفعت وجهها المشع بحمره الخجل اليه وهتفت بنبره رقيقه خافته من اثر التوتر: اتفضل...
نظر إلى ملامحها الرقيقه بتردد ولكنه حسم آمره واخرج ما في جعبته دفعه واحده في وجهها دون تردد: الوضع اللي اتحطينا فيه ده اتفرض علينا بس مش هيستمر كتير ده هيبقي وضع مؤقت لحد الوقت اللي اشوفه مناسب ونعلن فيه انفصالنا...
احنا قدامهم زوج وزوجه لكن بينا احنا ولاد عم واخوات وبس.

ثم اضاف بنبره محذره: وطول ما انت شايله اسمي مش هسمح باي تصرف غلط منك يقلل من احترامي او مكانتي قدام الناس لازم تعرفي انك شايله اسم عاصي الجارحي وانا كمان هحترم انك مراتي ومش هسمح لحد انه يهينك او يقلل منك انتي في الاول والاخر بنت عمي واختي وهتفضلي طول عمرك في المكانه دي وما تحلميش باكثر من كده،.

هل شعرت يوماً بألم السقوط من سابع سماء إلى اسفل السافلين؟
هل شعرت بانكسار قلبك وتحطمه إلى اشلاء بعدما كاد قلبك ان ينفجر من شده السعاده والفرح؟
ظللت غفران ترمش بعينها اكثر من مره دليل على توترها وعدم فهمها لما يقول وكأن عقلها قد عجز عن فك طلاسم حديثه الجارح!
ابتلغت غصه مسننه جرحت حنجرتها وشقت قلبها إلى نصفين وهتفت تسأله بصوت مجروح، مهزوز النبره: ااا اانت. ت تقصد ايه. بككلامك ده؟

اجابها بجمود وهو يوليها ظهره، فهو لا يستطيع النظر إلى وجهها الرقيق الذي اصبح شاحباً بشكل مخيف وكأن دماء الخجل التي كانت تكسوه منذ قليل كانها لم تكن...
هتف بنبره قاسيه جامده: اللي سمعتيه، اظن الكلام واضح ومالوش لزوم انه يتعاد من تاني...
بس اللي عاوزك تتاكدي منه ان الوضع ده مش هيستمر كتير...

انهي كلماته وهو يسرع في خطواته ودلف إلى غرفه المعيشه يغلق بابها الزجاجي خلفه مسدلاً الستائر عليه لتحجب رؤيتهم لبعض ويختفي خلفها...
ولا يعرف هل يختفي منها ام من نفسه...

ببنما هي فسقطت جالسه فوق الفراش بانهزام، بروح مذبوحه ودموعها تجري على وجنتيها وقد تحطمت كل احلامها على صخره الواقع المرير الذي كُتب عليها ان تعيشه على يده، . علي يد من ظنت انه يبادلها عشقها ولكنها ادركت انها لازالت تغرق في بحر من العشق المستحيل يعدما ظنت انها وجدت مرساها اخيراً...

الفصل التالي
بعد 22 ساعة و 04 دقائق.
جميع الفصول
روايات الكاتب