رواية غفران العاصي للكاتبة لولا نور الفصل الخامس

رواية غفران العاصي للكاتبة لولا نور الفصل الخامس

رواية غفران العاصي للكاتبة لولا نور الفصل الخامس

اشرق الصباح وتوسطت الشمس في كبد السماء، وهي لازالت على نفس جلستها منذ ان اخبرها بحقيقه زواجهم المزعوم...
فقط الذي زاد عليها هي دموع عينيها التي اغرقتها واغرقت الارض القاحلة من حولها، ولكنها فقط دموع دون صوت، دون نحيب، دون صراخ...
دموع، مجرد دموع!

نظرت إلى ضوء الشمس الظاهر من خلف ستائر الشرفه تتمعن به، فقد آتي النهار بعد الليل، والنور بعد الظلام، اذاً فلكل بدايه نهايه، وحياتها التي انتهت قبل ان تبدأ!
تدحرجت عينيها إلى الفراش المزين بالورود الذي كان من المفترض ان يشهد على ليله من اجمل الليالي التي طالما حلمت بها وتخيلتها...
ابتلعت غصه مؤلمه تسد حلقها حزناً على حالها ولكنها نفضت عنها هذا الحزن، هي ابداً لن تستسلم.

سوف تعيش الحياه التي تريدها وتاخذ حظها من الدنيا، فهي تستحق، ستقف، ستواجه، ستحارب من اجل حقها حتى لو اضطرت ان تحاربه هو شخصياً ستحاربه وستنتصر عليه فأن كان قد أُجبر على الزواج منها فهي لن تُجبر على ان تستسلم له وان كان هو ابن الجارحي فهي ايضاً ابنه الجارحي وتحمل نفس دماؤه، التي تجري فيها دماء العصيان والقوه وعدم الاستسلام!

يجلس في مقعده ينظر إلى البحر امامه بشرود، هذه هي حالته بعدما اختفي خلف الستار ستواري خلفه منها ومن مواجهتها...
لم يغمض له جفن، عقله يعمل ويفكر كالمكوك، غاضب من نفسه ومن الظروف ومن كل شيء حوله.
يعرف انه كان قاسي وغليظ معها ولكن لم يكن امامه حل اخر سوي الحقيقة...
ماذا عساه ان يفعل، هذا هو وهذه طريقته، لم يعرف انصاف الحلول او اللف والدوران، الخط المستقيم هو اقصر الطرق بين نقتطين!

تنهد بقوه، تنهيده اخرج بها بعض مما يعتريه، بريد الاطمئنان عليها بعد ما حدث، فهي لم يصدر منها اي رده فعل على حديثه، لم تثور او تغضب او تعترض؟
سخر هازئاً من نفسه وتسأل كيف تثور وتغضب وهي مجبره مثله ولا تريده، ويبدو ان حديثه لقي صدي مرضي لديها!

ولكنه لم يتركها، حسم امره وتقدم باتجاه الجزء الاخر من النجاح ليطمئن عليها فهي ابنه عمه في الاول والاخر...
فتح الستار وبعده فتح الباب الزجاجي، فوجدها تجلس على الفراش تنظر امامها بشرود وعينيها منتفخه من اثر البكاء والكحل الاسود سايل على وجنتيها البيضاء...

شعر بقبضه قويه تعتصر قلبه، فحالتها مذريه للغايه، وشعر بقلبه يتمزق حزناً عليها فهي رقيقه للغايه، لا تستحق ذلك ولكن ما عساه ان يفعل وهو مجبر هو الاخر؟
تقدم إلى الداخل بخطوات حثيثه فهو لا يعرف ماذا يقول لها وكيف؟
وقف على بعد خطوات منها وحمم لكي يجذب انتباها اليه منادياً باسمها بصوته الاجش: غفران!

شعرت بوجوده عندما استمعت لصوته وهو ينادي عليها...
حركت رأسها نحوه ونظرت له مطولاً، نظره تحمل في طياتها الكثير من المشاعر، الالم، الحزن، الخزلان، والتحدي؟

عندما نظرت له هاله منظر عينيها، ولكن اكثر ما آلمه تلك النظره التي تناظره بها، نظره لم ولن ينساها!
هذه ليست نظره صغيرته التي دائماً ما تنظرها له، هذه نظره حزينه مجروحه!
نهضت من على الفراش ببطيء ورفعت طرف فستانها وتحركت بخطوات بطيئه متجهه نحو المرحاض حتى انها تخطته وهو واقف امامها ينظر لها منتظر منها ان تصدر اي رد فعل غير ذلك.

ما ان تخطته حتى امسكها من مرفقها يوقفها امامه يمنعها من الحركه!
تفاجئت من لمسته لها والتي اهتز جسدها على اثر تلك اللمسه فهي كانت قريبه منه بشكل كبير، ورائحته التي تعشقها تغزو رئتيها وتعبث بكيانها! اغمضت عينيها تستنشق رائحته بشوق...
ماذا تفعل في قلبها الذي شب على عشقه ويتمني وصاله ولكنه لا يريدها ومجبر عليها؟

فاقت من نشوه قربه عند هذه النقطه ونظرت إلى يده التي يده التي تمسك ذراعها ثم حركت عينها صاعده إلى اعلي على طول ذراعه وجذعه القوي، مروراً بمقدمه صدره العريض التي تود ان تضع راسها عليه ويحتويها بحنانه، إلى لحيته الكثيفه التي طالما حلمت ان تلمسها باناملها ثم شفتيه الغليظه التي اطلقت منها قذائف مدويه فتت قلبها إلى اشلاء، واخيراً وصلت إلى عيناه، تلك العيون الشرسه التي طالما وجدت الأمان والاحتواء والحنان...

ظلت تنظر له بصمت تريد معرفه ما يدور بخلده نحوها وما يخفيه بصدره تجاهها!

بعدما نهضت وسارت مبتعده عنه، امسكها من زراعها يوقفها ويمنعها من الرحيل...
لاول مره يكون قريب منها إلى هذا الحد، تفحصها بنظراته القويه من راسها إلى اخمص قدميها، لقد تغيرت!
هناك شيء بها مختلف، هل الحزن الذي يكسو ملامحها، ام حقيقه انها اصبحت زوجته لها تأثير مختلف؟
عندما رفعت عينها إلى عينيه شعر بشعور غريب نحوها لم يستطع تفسيره، شعور جعل قلبه يهتز داخل صدره!

ابتلع لعابه بصعوبه مما جعل تفاحه ادم تتحرك والتي لفتت نظر غفران ولكنها اعادت عينيها كما كانت...
تحدث بنبره مضطربه مهزوزه: غ غفران...
غفران، انا، انا...
وقفت الكلمات في حلقه، لم يعرف ماذا يقول، نظره عينيها السوداء تشتت تركيزه!
افلتت غفران يدها من يده بهدوء وتحركت بصمت.
وولجت إلى المرحاض واغلقت الباب خلفها دون ان تنطق بحرف!
اما هو ظل يتطلع إلى الباب المغلق لفتره وشعر انه تلقي منها صفعه على وجهه!

اغلقت الباب ووقفت خلفه تستند عليه مغمضه العينين تحاول ان تسيطر على دقات قلبها الهادره بحبه، يجب ان تقوي ولا تظهر اي ضعف او استسلام امامه...
خلعت فستانها والقته باهمال تحت قدميها وعبرت من فوقه وهي تدعس عليه كما دُعس على احلامها، وقفت تحت المياه الساخنه وغصب عنها انهمرت دموعها بقهر...

فهي كانت تتخيل ان تحظي بحمام صباحيه زواجها وهي محموله بين ذراعي زوجها حبيبها وهي يغازلها بوقاحه ويجبرها على اخذ الحمام معها كما كانت تقرأ في روايتها الرومانسيه وتتخيل نفسها وعاصي معاً!
سخرت من سذاجتها ورمانسيتها التي اوصلتها لهذه الحاله واقسمت انها ستجعله يتلظي بنار عشقها كما اكتوت هي بنيران عشقه!

اغلقت المياه وخرجت من المرحاض وكلها عزيمه واصرار على الثأر لنفسها ولكرامتها منه وستبدأ باستخدام اول واهم سلاح يكرهه الرجل وخصوصاً لوكان مثل عاصي الذي يشعر بنفسه انه محور الكون!

اما عاصي كان يزرع الغرفه ذهاباً واياباً بغضب، هو يكره صمتها، يودها ان تصرخ، تتحدث، تلومه، تسأله، لا ان تظل صامته هكذا...
استدار على صوت فتح باب المرحاض، وجدها تخرج منه بعد ان ظل حوالي نصف ساعه يدور حول نفسه...

كانت ترتدي روب الاستحمام وتحكمه بالحزام الخاص حول خصرها بقوه، وتلف شعرها حالك السواد بمنشفه، كانت بحق غفران صغيرته ذات الخمس سنوات عندما كانت تجري من مربيتها وتلعب معها وهي ترتدي مثل ذلك الروب بعد استحمامها...
ابتسامه شوق وحنين لتلك الايام ارتسمت على شفتيه دون اراده منه، واسترخت ملامحه التي كانت متجهمه قبل قليل،.

دلفت إلى غرفه الملابس واغلقتها خلفها بعدما لمحته يقف وسط الغرفه ينظر لها ويبتسم تلك الابتسامه المستفزه...
ارتدت بيجاما من الستان الازرق ذات اكمام طويله ومشطت خصلاتها السوداء الرطبه وتركتها حره خلف ظهرها...
خرجت من غرفه الملابس وتوجهت نحو ستائر الغرفه واغلقتها باحكام حتى غرقت الغرفه في الظلام الدامس الا من ضوء بسيط من لمبات الاناره الجانبيه جانب الفراش...

توجهت إلى الفراش وازاحت الغطاء من عليه، ثم جلست على الفراش واستعدت لكي تنام!
كل هذا وهو يتابع حركاتها بنظرات محتاره مغتاظه!
غفران، نداها بنبره قويه غاضبه...
لم تجيبه بل اكملت ما بدأته وكأن لم يكن له اي وجود.
اقترب من الفراش حتى اصبح واقفاً بجانبها ونداها بنبره اكثر حده وغضب: غفران انا بكلمك، ردي عليا...
اطلع باره! هتفت بها بنبره هادئه ولكنها حاسمه!

قطب عاصي جبينه من كلمتها المفاجاه وتسأل بعدم فهم وكانه اخطيء السمع: انتي قولتي ايه؟
جاءه الرد الحاسم القاطع: باره، قلت لك اطلع باره...
نعم يا اختي! انتي بتقوليلي انا اطلع باره!
هتف بها باستنكار وغضب شديد...
قالت بتاكيد: ايوه اطلع باره، اظن انت شايف اني ضلمت الاوضه ودخلت السرير يعني عاوزه انام، فاتفضل من غير مطرود اطلع باره علشان مش بعرف انام وفي حد غريب معايا في الاوضه!

قالتها وهي تضع راسها على الوساده وتغمض عينيها دليل على استعدادها للنوم...
كان ينظر لها بفاه مفتوح، هل طردته مت غرفته ونعتته بالغريب بل وانها لم تعرف ان تنام وهناك احد معها وهي التي كانت تتسلل اليه في غرفته تنام داخل احضانه وهي ذات الست سنوات؟!

فتح فمه واغلقه اكثر من مره يحاول ان يجد الرد المناسب على ما تفوهت به ولكنه لم ينطق بكلمه خاصه بعدما لاحظ استرخاء ملامحها وانتظام انفاسها دليلاً على انها غرقت في النوم مجرد ما اغمضت عينيها كما كانت تفعل في صغرها، وقف ينظر اليها قليلاً وقرر انه سوف يتحدث معها عندما تستيقظ فهي اكيد متعبه واعصابها متوتره وغاضبه مما حدث...

فلينتظر قليلاً وبعدها يحلها الحلال، ثم توجه هو الاخر إلى المرحاض لينعم بحمام مثلها ويحاول ان ينام قليلاً هو الاخر فهو لم ينام منذ الامس،
وطبعاً لن يجروء على النوم في الفراش مثلها، فهو لن يتحمل طردها له مره اخري، سينام في غرفه المعيشه على الاريكه!
والله عال على اخره الزمن عاصي الجارحي يطرد من اوضه نومه وينام على الكنبه!

اما هي فكانت ترتجف من الخوف، فهي ادعت النوم هرباً منه حتى تتجنب بطشه فهي تعرفه عند الغضب، لا يري امامه ويحرق الاخضر والبايس، كما انها لم تعرف كيف واتتها الجرأه وحدثته بتلك الطريقه!
كتمت ضحكه كادت ان تفلت من بين شفتيها عندما سمعته يتمتم بجملته الاخيره اعتراضاً على نومه فوق الاريكه...

في المساء...
علي طاوله السفره كان الجد يترأس الطاوله كعادته وتجلس معه دريه ونسرين التي كانت تتأكل من الغيظ والغيره!
هتفتت من بين اسنانها تتحدث بغل: مش كنا بعتنا نعمات علشان تنادي للعرسان علشان يتعشوا معانا!
قاطعها الجد معارضاً بحسم: محدش هيطلع لهم، دول عرسان، يعني المفروض يبقوا على راحتهم من غير ازعاج!
وبعدين طلباتهم هتطلع لهم لحد جناحهم فمالوش لزوم الزن والازعاج على الفاضي...

اغتاظت منه نسرين بشده واخذت تضغط على سكينه الطعام التي بيدها حتى كادت ان تقطمها من شده الضغط عليها!
وكزتها دريه في قدمها من تحت الطاوله وعلقت موافقه على حديث عمها: طبعاً يا عمي، مظبوط كلامك، هي بس نيسو مش واخده على الوضع الجديد للعاصي، صمت قليلاً واضافت بامتعاض: وغفران.
نظر لها الجد وهتف بتهكم: بكره تتعود...

قبل قليل في جناح العرائس...
استيقظت غفران من النوم بعد عده ساعات، وجدت الجناح يغرق في الظلام، قطبت جبينها واضاءت مصباح الاناره بجانبها واخذت تتلفت حولها باستغراب وعدم استيعاب!
حتي تذكرت انها تنام في جناحهم الجديد مع زوجها!
سخرت من تلك العباره، نفضت عنها الغطاء وقامت تسير بخفه تبحث عنه حتى وجدته نائم في غرفه المعيشه على الاريكه وتارك الباب والستائر مفتوحه
اغتاظت من فعلته كيف له ان يفعل ذلك،؟

ذهبت اليه كي توقظه وتنهره على فعلته ولكنها تراجعت عندما وجدته غارق في النوم ويبدو عليه التعب!
اشفقت عليه ولم يطاوعها قلبها ان تيقظه، وقفت ثواني تنظر اليه بعشق منزوج بالالم...
ثم عادت ادراجها للخلف باتجاه غرفه الملابس واخذت منها ثيابها وتوجهت للمرحاض لتغتسل وتنزل لاسفل...

استيقظ عاصي على صوت اغلاق باب المرحاض، نظر في ساعه معصمه الموضوعه بجانبه على المنضده التي تتوسط الغرفه ووجد ان الساعه تشير إلى التاسعه مساءاً...
ايه ده انا نمت كل ده؟
ثم اخذ يحرك جسده ويطقطق رقبته التي تشنجت من نومته الغير مريحه على الاريكه؟

بعد قليل خرجت غفران من المرحاض وتوجهت إلى مرأه الزينه تصفف خصلاتها السوداء ورفعت احدي جانبي شعرها واطلقت بعض الخصلات على وجهها مما اعطاها مظهر ساحر واكتفت بوضع لمساته تجميله خفيفه ابرزت جمالها الهاديء وتتانسب مع فستانها الاحمر المحتشم...

كل ذلك وهو ينظر اليها من خلف الباب الزجاجي بتمعن ويتفحص كل شيء تقوم به بدقه...
هب من مكانه مسرعاً عندما وجدتها تتوجه إلى باب الجناح تنوي الخروج...
نداها بصوته القوي: استني عندك؟
وقفت مكانها وتحدثت وهي توليه ظهرها دون ان تلتفت له: افندم!
سالها بنبره غليظه: لابسه كده ونازله رايحه فين؟
اجابته باقتضاب وهي على نفس وضعها: نازله تحت.

اغتاظ من برودها وعدم نظرها اليه وهتف بغضب مكبوت وهو يجز على اسنانه: يعني ايه نازله تحت ولوحدك، ، وبعدين لما اكون بكلمك تبصيلي مش تكلميني وانت مدياني ظهرك...
اخذت نفس عميق تهديء به من حنقها وهي تحدث نفسها: اهدي، اهدي...
ثم استدارت له وهي تعقد ذراعيها فوق صدرها وهتفت بملل: اتفضل قول اللي انت عاوزه...
شتم في سره من طريقتها فهي تنجح في استفزازه ببراعه...

اقترب منها خطوتين وتسأل مستفهماً: ممكن اعرف سيادتك كنت نازله تحت تعملي ايه لوحدك...
قلبت عينيها بملل واجابته بامتعاض: نازله تحت علشان اتعشي مع جدو، وبعدين ايه لوحدك لوحدك دي اللي عمال تقولها لي هو انا عيله صغيره نازله الشارع وخايف عليها لا تتوه...
قطع الخطوات الفاصله ببنهم حتى اصبحوا متقابلين ونظر اليها بغضب هاتفاً من بين اسنانه المطبقه: غفراااان، اعدلي طريقتك معايا...

انتي عمرك ما اتكلمتي معايا بالطريقه دي، بلاش تستفزيني وتعصبيني علشان انتي عارفه اني لما يتعصب ببقي غبي وانا مش عاوز اتغابي عليكي. ثم تابع يضيف بتحذير: وبعدين ما ينفعش تنزلي تحت لوحدك من غيري علشان المفروض انهارده صباحيه جوازنا يعني المفروض الاكل يطلع لنا هنا لوحدنا، ولو عاوزين ننزل نتعشي معاهم يبقي ننزل سوا واحنا مع بعض مش كل واحد لوحده.
فهمتي بقي قصدي بكلمه لوحدك ولا لاء،
ردت باقتضاب: والمطلوب!

مسح على وجهه بعصبيه واستغفر ربه حتى لا يتهور عليها بسبب برودها واجابها: ان سيادتك تستنيني لما اخد شاور واغير هدومي وانزل معاكي تحت...
نظرت له ثواني وكانها تفكر في الامر ثم اردفت تقول بفتور: اممممم وماله، بس يا ريت تنجز وتخلص بسرعه علشان انا مش بحب استني كتير.
وبعدين الوضع ده مش هيطول علشان انا مش بحب اتقيد بحد، يعني هنزل وهطلع براحتي من غير ما استني حد او اخذ اذن من حد...

اقترب منها حد الخطر وهسهس بنبره خطره: مش انا اللي تملي شروطك عليه يا هانم، انا جوزك وليا حكم عليكي وطول ما انتي على زمتي الكلمه اللي هقولها هتتنفذ من غير تفكير حتى لو جوازنا ده بشكل مؤقت!
وابقي فكري يا غفران تعصيني وتعصي كلامي وساعتها هتشوفي مني وش عمرك ما تتمني تشوفيه...
كانوا يحدقون في بعضهم البعض بنظرات قويه شرسه من جانبه ونظرات مهزوزه تتعدي القوه من جانبها...

ثم اولاها ظهره دون ان ينتظر ردها على كلامه واتجه إلى المرحاض صافعاً الباب خلفه بقوه مما جعل بدنها يهتز بقوه اجفلتها، وهي تدعو الله في داخلها ان يجعلها تتحلي بالقوه لكي تجابهه فهي لن تستطيع الصمود كثيراً امام قوته وشراسته من جانب وامام عشقها له من جانب اخر!

صمتت دريه ونسرين بعد كلمه الجد ولم يتحدثوا بل ظلوا يتناولون طعامهم بصمت حتى استمعوا إلى صوت عاصي القوي وهو يلقي عليهم تحيه المساء وغفران تقف بجانبه...
مساء الخير...
كانت نسرين اول من انتبه له. تهلل وجهها بايتسامه عريضه ونطقت اسمه بلهفه: عاااصي!
وكزتها خالتها في ذراعها ونهرتها بنظراتها تخذرها من اي خطأ قد يصدر عنها ونهضت ترحب بولدها وانتظرت حتى ينتهي الجد من الترحيب بهم...

رحب بهم الجد بسعاده هاتفاً بفرحه: مساء الخير والهنا على احلي عرسان في بر المحروسه كلها.
اقترب عاصي منه وقبل كف يده ثم ومن بعده غفران التي ضمها الجد إلى صدره بقوله، واخذ يربط على ظهرها بحنان: الف مبروك يا نور عين جدك الف مبروك...
اقتربت دريه من عاصي تضمه بحب: حبيبي، مساء الهنا على عيونك يا قلب امك. مبروك يا حبيبي...
قبل عاصي جبينها واجابها باحترام: الله يبارك فيكي يا امي...

ثم القي تحيه عابره على نسرين: اذيك يا نسرين...
ثم تحرك وجلس على مقعده دون ان يدع لها فرصه للحديث!
مما جعل الفرحه التي كانت مرتسمه على وجهها تتلاشي ويحل محلها الغيظ والغيره...
اقتربت دريه من غفران تضمها إلى حضنها وتقبلها وهي تمثل الفرحه والسعاده بزواجهم...
الف مبروك يا غافي يا حبيبتي ربنا يسعدكم...
اجابتها غفران برقه وهي تقبلها من وجنتيها: الله يبارك في حضرتك. شكراً...

ثم فعلت مثلما فعل عاصي مع نسرين وتوجهت لكي تجلس مكانها بجانبه، فهم ابداً لم يكونوا على وفاق!
قبضت نسرين على قبضتيها بغل من طريقتهم الفظه معها وجلست مكانها تناظرهم بحقد وغل حتى انها لم تشعر باظافرها التي غرست في لحمها وادمته...

هتفت دريه بسعاده: احسن حاجه عملتها يا عاصي انك نزلت تتعشي معانا، بدل ما كنت تتعشي لوحدك.
هتف صوت الجد بنبره تحذيره: دريييه!
اجابته بتلعثم: ق قصدي يعني اننا مش متعودين على العشاء من غيرهم...
نظر لها الجد نظره اخرستها، ثم نظر إلى عاصي وتحدث مازحاً: ها يا اسد طمني، رفعت راسنا؟
ثعل عاصي بحرج واحمرت اذنيه من مغذي حديث جده...

اما دريه ونسرين فانتبهوا بكل حواسهم في انتظار اجابه عاصي، عدا غفران التي لم تفهم معني كلمه الجد ولكنها لم تحاول ان تسأل وانتظرت تستمع لاجابه عاصي علها تفهم...
حمم عاصي يجلي صوته ورد باقتضاب: الحمد الله يا جدي الحمد الله...

تهللت اسارير الجد بفرحه حقيقه، بينما امتعضت ملامح دريه بغيط واشتعلت النيران بقلب نسرين والتي تود في تلك اللحظه ان تنقض على عنق غفران تخنقها حتى تزهق روحها كلما تتخيل ما حدث بينهم في غرفه النوم!
هتف الجد بسعاده: اسد يا ولد طالع لجدك...
المهم علشان تكون عامل حسابك من دلوقتي انا هعد تسع شهور من دلوقتي وتكون مسلمني جارحي صغير انا بقولكم اهو...
حمم عاصي بارتباك وهو يقول: ان شاء الله...

اما غفران فقد غرقت في خجلها واحمرت وجنتيها بشده وقد فهمت على جدها وما يقصده ولم ترفع نظرها من الصحن امامها الا عندما وجه لها الجد حديثه: قوليلي يا روح جدك، الواد ده مريحك ومبسوطه معاه ولا زعلك في حاجه، قوليلي بس لو عمل حاجه ضايقتك وانا املص لك ودانه...
ما يغركيش عضلاته اللي فرحان بيها دي، انا اه رجل عجوز بس هعرف اجيب لك حقك منه ومن اللي يتشدد له...
نظر لها عاصي ينتظر اجابتها على حديث جده...

رفعت غفران نظراتها إلى عاصي تنظر له قليلاً. ثم نظرت إلى جدها وهتفت تجيبه وهي ترسم ابتسامه مزيفه على ثغرها: ما تقلاقش يا جدو، انا كويسه.
ثم عادت بنظراتها اليه مره اخري وهي تتابع بمغذي: هو في زي عاصي في حنيته وطيبه قلبه...
شعر عاصي بغصه في قلبه من مغذي حديثها وشعر بالذنب نحوها...
اما هي اخذت تنظر إلى دبله زفافها وتعبث بها وفوقها خاتم جدتها...

لفتت هذه الحركه نظرات دريه والتي اشتعلت كرهاً وحقداً ولم تستطع السيطره على نفسها فسألتها بشك: مش ده خاتم جوازك يا غفران اللي جابه عاصي...
نظرت غفران إلى خاتم جدتها واجابتها بعفويه: ده خاتم نانا الله يرحمها جدو لبسهولي امبارح قبل الفرح وقالي مقلاعهوش من ايدي ابداً زي نانا...
اهااااا، قالتها دريه باقتضاب وهي تموت من الغيظ والقهر...

وجه الجد حديثه لهم يسالهم: وناوين تسافروا امتي شهر العسل يا ولاد. على فكره ده هديه مني ليكم شوفوا حابين تسافروا فين وانا هخالي مسؤل العلاقات العامه في المجموعه يخلص لكم كل حاجه...
فتح عاصي فمه ليرد على جده، الا ان غفران اجابته مسرعه: لا يا جدو مالوش لزوم، انا وعاصي قررنا اننا مش هنعمل شهر عسل، علشان مش هنقدر نسيب حضرتك لوحدك وكمان عاصي عنده شغل...
انهت حديثها وهي تنظر لعاصي بتحدي ان يعترض!

نظر لها رافعاً حاجبه باستنكار لحديثها!
متي تحدثوا؟ ومن سمح لها ان تقرر شيء وتقوله عن لسانه وهي جالس مكانه وكان ليس له وجود؟
صبراً يا صغيره صبراً...
تحدث عاصي كابتاً غيظه منها: فعلاً يا حج انا مشغول الفتره دي...
رد الجد معترضاً: مفيش الكلام ده هتسافروا يعني هتسافروا، انا كويس والحمد الله ومش لوحدي معايا ربنا الاحسن من الكل ودريه موجوده...
وانت الشغل مش هيطير هتسافروا يعني هتسافروا...

حاولت غفران الاعتراض: بس يا جدو...
قال الجد بحسم: مفيش بس، اللي اقوله يتنفذ ولا عاوزني اتعب تاني؟
ضحك عاصي بشماته وتحدث وهو ينظر لها بتشفي: خلاص يا غافي بقي، علشان جدو ما يتعبش، هتسافر شهر العسل...
نظرت له غفران باحباط فقد فشلت في اول جوله وانتصر هو عليها ونفذ رأيه كعادته المتسلطه...
ردت باستسلام: ماشي اللي تشوفه...
اجابها بزهو وانتصار: شطوره يا غافي...

بعد العشاء...
في غرفه دريه، كانت تزرع غرفتها ذهاباً واياباً بغل ونسرين جالسه على احد المقاعد تتابع حركتها بفتور...
هتفت دريه بغل: شوفتي الرجل العجوز، مش مكفيه ان كل حاجه كتبها باسمها هي وعاصي، لا وكمان رايح يدها خاتم مراته اللي يعتبر ثروه تانيه...
وانا، انا بنت اخوه ومرات ابنه الكبير اللي المفروض ده يكون من حقي انا...

حتي مراته لما كانت عايشه ادته لجميله تلبسه وانا لا ولما ماتت جميله رجع لها الخاتم تاني.
ولما ماتت مراته مفكرش يديهولي وجاي من تاني يديه لبنت جميله...
ااااه يا ناري هموت منهم عاوزين يقهروني...
بس لا ما اكونش دريه الجارحي ان ما اخذت كل حاجه منهم واحرق قلبهم زي ما حرقوا قلبي العمر كله...

نظرت لها نسرين بسخط وتحدثت بملل: هو ده بس اللي فارق معاكي ومش فارق معاكي ابنك اللي تمم جوازه من الست هانم، لا وكمان هياخدها ويسافروا شهر عسل...
والهانم معترضه وبتقول: مش هنسافر علشان خاطرك يا جدو، قالتها وهي تقلد طريقه غفران...
هتفت دريه معقبه: مش سهله وحربايه زي امها، تتمسكن لحد ما تتمكن...
بس ابداً مش هديها الفرصه انها تتمكن وتبقي ست البيت والكل في الكل طوال ما انا عايشه...

اشاحت نسرين بوجهها عنها وتحدثت بالامبالاه: اهو كلام بكره تشوفي هتبقي هي الآمر الناهي واحنا خدامين عندها...
وابنك اللي انتي فرحانه بيه وهيعمل وهيسوي اهو من اول ليله خالاها مراته وبكره تخلف له حته عيل يهبله وانا ابقي اخدت اكبر خازوق في حياتي علشان صدقتك...

تحدثت دريه تبخ ثمها في اذنيها: يا هبله، مفيش حاجه من دي هتحصل، عاصي متجوزها علشان رغبه جده وحوار الوصيه وبس ما انا مفهماكي على كل حاجه، يعني شويه ويطلقها بعد ما نصيه في الورث يتسجل باسمه.
وساعتها بقي انا اللي كلمتي هتمشي على الكل واولهم الرجل الخرفان ده...
نظرت لها نسرين بتحذير: طب وانا؟
هادنتها دريه فهي وسيلتها في الانتقام من غفران: انتي هتبقي مرات ابني حبيبي...

في جناح غفران وعاصي،
دلفت غفران بخطوات راكضه إلى الداخل تسبقه قبل ان يلحق بها ويصب غضبه عليها، فهي تعلم جيداً انها نجحت في استفزازه واثاره حنقه بما قالته في الاسفل...
كادت ان تغلق الباب خلفها ولكنها وجدته يقف امامها بطوله المديد سادداً مدخل الباب بجسده القوي...
كان يقف واضعاً يديه في جيوب بنطاله، ينظر اليها بنظرات متفرسه. بينما هي تنظر إلى كل شيء عدا عينه...

تقدم بخطواته يسير إلى الداخل الجناح، وكلما تقدم خطوه، ترجع هي نفس الخطوه إلى الخلف، حتى وقفوا في منتصف الجناح بعدما اغلق الباب خلفه بقدمه!
ظلوا يتبادلون النظرات بينهم حتى قطعت غفران حرب النظرات الدائره بينهم.
هتفت ببنره مهزوزه: ااايه؟
حرك راسه قليلاً ورفع حاجبه ينظر لها نظره يمعني ايه؟ ماذا؟..
سالته بتوتر: مالك بتبص لي كده ليه؟

تظر اليها قليلاً ثم اجابها: بصراحه بدور على الاسد اللي كان فارد عضلاته تحت وبيتكلم وبيقرر عن لساني وبقول هنسافر ولا لاء،
صمت قليلاً ثم اضاف بنبره هازئه: بس للاسف مش لاقيه، اظاهر انها كانت حلاوه روح...
هتفت بتلعثم: هي. هي مش حلاوه روح ولا حاجه، انا. انا قلت اللي المفروض يحصل...
ثم تابعت بغضب وتهكم: شهر العسل ده للمتجوزين بحق وحقيقي لكن انا وانتي متجوزين كده وكده فمالوش لزوم السفر من اصله...

كبت ضحكه كادت ان تفلت منه على طريقتها الطفوليه التي لم تتغير مهما كبرت، لازالت صغيره بريئه لم تغيرها السنوات...
تحدث بنبره حاول جعلها صارمه حتى لا تظهر الابتسامه عليه: اسمعي بقي، جواز بجد جواز بهزار اللي حصل ده ما بتكررش تاني، مفيش قرارات تتاخد من غير موافقتي وانا اللي اقرر هنعمل ايه...
واتفضلي يالله جهزي شنطتك علشان طيارتنا بكره الصبح...

هتفت تتحداه بعند فقد اثار حنقها بتسلطه وتحكمه: طب ايه رايك بقي انا مش هسافر...
نظر لها ببرود فهو يعلم انها تستفزه وهتف بلامبالاه: براحتك الطياره الصبح واحنا كده كده مسافرين. ، مهما تعملي مش هغير رايي هنسافر يعني هنسافر.
هتفت بعند اكبر: مش هسافر يا عاصي...
اجابها بغرور: هنشوف!

ثم تحرك من امامها ودلف إلى حجره المعيشه واغلق الباب الزجاجي والستائر حتى لايراها، : اخذت تدب بقدميها في الارض وتمتم بكلمات مبهمه تعبر عن غضبها وسخطها منه، ببنما هو على الجانب الاخر يضحك باستمتاع على طفولتها التي لن تتغير...

الفصل التالي
بعد 21 ساعة و 54 دقيقة.
جميع الفصول
روايات الكاتب