رواية غفران العاصي للكاتبة لولا نور الفصل الحادي والعشرون
تفطع غرفتها ذهاباً واياباً بغل وهي تقضم اظافرها تفكر في طريقه لوصاله والتقرب اليه...
مرت حوالي سنه منذ رحيل غريمتها واكتشاف برائتها، وكل الامور انفرطت عقدتها من يدها...
بعدما كانت قاب قوسين او ادني من تحقيق هدفها وسحقها تحت قدميها ونفيها من حياتها نهائياً والي الابد، استطاع عاصي ان يحكم شباكه من جديد والوصول إلى الحقيقه وانقاذها واثبات برائتها!
عاااااصي!
الي متي سيظل لا يراها ولا يشعر بها وهي التي تعشقه حد اللهوس...
نعم هي مهووسه بعاصي، عاصي الجارحي رجل الاعمال وصاحب اقوي امبراطوريه اقتصاديه، رجل النفوذ والسلطه الامحدود، الذي باشاره منه تفتح امامه كل الابواب المغلقه...
ااااااه وكم تتمني ان تنعم هي بلقب حرم عاصي الجارحي...
لمعت عينيها ببريق خاطف وهي تتخيل نفسها وهي تتأبط ذراعه وتمشي بخيلاء بجانبه وهو يعرفها على الجموع الغفيره امامهم والتي ينحنون احتراماً وتوقيراً لها وهي تناظرهم بعلو وغرور!
ابتسامه منتشيه ارتسمت على ملامحها الحاده من مجرد تخيلها لتلك الحياه التي تطوق اليها...
ولكن يجب ان تفكر في طريقه اخري تجذب انظار عاصي اليها...
فهي لازالت على وضع اللامبالي له وتتعامل معه على انه ابن خالتها فقط وانها ما عادت تفكر فيه كما السابق حتى بعد طلاقه من غفران!
ولكن عليها التفكير في خطه جديده تُجذب بها انطاره اليها...
اخرجها من تفكيرها تعالي رنين هاتفها، فاخرجت الهاتف من جيبها الخلفي تنظر للرقم الغير مسجل والذي يبدو انه من خارج البلاد private number !
في نفس الوقت، كان هناك من يجلس نفس جلستها يشرب من زجاجات الخمر المتناثره حوله يتجرع مراره الفقد والفقر والخساره...
لقد خسر كل شيء! وكل ذلك بسبب شخص واحد فقط...
شخص واحد استطاع ان يهدم حياته ويأخذ منه كل شيء...
اخذ الانسانه الوحيده التي استطاعت ان تقف امامه وترفضه وهو الذي لم يجروء مخلوق عن الوقوف امامه وتحداه كما فعلت هي...
ومن يومها وهي اصبحت شغله الشاغل، حاول معها بكل الطرق حتى يوقعها في شباكه ولكنها دائماً ما كانت تصده وتنهره وحينما اعترف لها بعشقه، صدمته بعشقها لذلك العاصي...
عاصي الذي انتقم منه شر انتقام وخسره كل يملك...
فلم يكتفي بخسارته لامواله وممتلكاته فحسب!
عندما استخدمت كل قوته للاطاحه بتجاره والده وخسارته لامواله في البورصه واغراقه في الديون وشراؤه لكل اصول وممتلكات الدالي!
وهو الامر الذي لم يتحمله قلب والده وتوفي في الحال وتبعته والدته بعدها باسبوع واحد من شده حزنها على زوجها وعلى ما آل اليه حالهم...
وبقي هو وحده، وحيداً منبوذاً وقد تخلي الجميع عنه فهو لم يعد يملك المال مثل السابق الذي كان يجعلهم يركدون خلفه ويكون تحت آمرته!
وحيداً مفلساً لم يمتلك حتى ثمن اجره الحجره التي يعيش فيها او حتى ثمن تذكره الطائره التي تعيده إلى بلاده...
توحشت نظراته وهو ينفض عنه شعوره بالضعف والعجز فهو ابداً لم يكون ضعيفاً او مهزوماً وعليه ان يعود كما السابق مازن الدالي ابن الملياردير محمد الدالي...
وحتي يعود إلى سابق عهده لابد ان ينتقم من الشخص الذي سلبه كل شيء.
ولكن هناك شخص واحد فقط هو الذي قادر على مساعدته او بمعني ادق هو الملزم بمساعدته!
تناول هاتفه الموضوع ارضاً بجانبه وبحث في سجل مكالماته ضاغطًا على رقمها منتظراً ردها...
اجابت نسرين على الرقم الغريب الذي هاتفها: الو...
جاءها صوته الخشن من الطرف الاخر: ايوه يا نسرين...
عرفته نسرين على الفور ولكنها تظاهرت بعدم معرفتها به فهي كانت اسقطته من حسابتها بعد رحيله وتناست آمره: مين معايا!
ضحكه متهكمه خشنه صدرت من مازن قبل ان يقول: ايه نسيتي صوتي قوام كده!
تؤ تؤ تؤ، في حد برضك ينسي صوت شريكه!
عرفته على الفور ولكنها تصنعت عدم معرفته، فهي قد تناست آمره منذ رحيله، ولم يحدث اي تواصل بينهم من وقتها...
هتفت تجيب وهي تدعي عدم معرفتها به: لو ما قلتش انت مين انا هضظر اقفل الخط في وشك،
هتف بنبره خشنه اجفلتها: تففلي الخط في وش مين يا روح امك...
بت انتي اقفي عوج واتكلمي عدل وبلاش استهبال، انا عارف كويس اوي انك عرفاني، فبلاش امورالاستهبال دي اللي ما تدخلش على عيل صغير علشان ما ازعلكيش. وانا بصراحه زعلي وحش اوي...
هتفت نسرين بنبره ساخره: وهي مستمره في نظاهرها بعدم معرفته: والمفروض بقي اني اخاف منك ولا ايه...
اسمع يا بني ادم انت لو ما قلتش انت مين انا هقفل الخط واعمل لك بلوك، ولو حاولت تتصل بيا من نمره تانيه ساعتها انا هيلغ عنك...
ضحك مازن بخشونه معقباً بنبره خطره: حلو الكلام...
بلغي عني زي ما انتي عاوزه، وانا كمان هبلغ عنك اللي يفعصك تحت جزمته زي الحشره...
وساعتها بقي وريني هتعملي ايه لما حبيب القلب يسمع بودانه صوتك الجميل وانتي بتتفقي معايا علشان نخلص من غفران وتزحيها من طريقك علشان يخلي لك الجو...
شحب وجه نسرين وارتعدت اوصالها وادركت انها امام خصم لا يستهان به ولكنها تظاهرت بالقوه امامه حتى لا يشعر انها ضعيفه وانه استطاع اخافتها.
فهتفت تدعي الثبات والقوه: تقصد ايه؟
هدر مازن بشر: اقصد اني مسجل كل المكالمات التي كانت ما بينا، ورساله صغيره من رقم مجهول لحبيب القلب فيها كل المكالمات وصوتك فيها بيجلجل وانتي بتبدعي في رسم خطتك علشان تنتقمي من مراته الغلبانه وتشهري بيها وبسمعتها وتخاليه يطلقها...
شوفي بقي هيعمل ايه ساعتها لما يكشفك على حقيقتك ويعرف انه مخالي حيه عايشه معاه في بيته وهي السبب في كل اللي حصل...
هتفت بتهديد مبطن: ومش خايف اني اقول لعاصي على مكانك؟
ضحك مازن بسخريه ثم تابع يضيف بالامبالاه: انا كده كده مش فارق معايا ولا عندي حاجه اخسرها، انا خسرت كل حاجه والبركه في ابن الجارحي. الدور والباقي عليكي انتي هتقوليله انتي عرفتي مكاني ازاي وايه علاقتك بيا...
اعتقد انك اذكي من كده يا نسرين...
صمتت تفكر في كلامه، لا تنكر انه محق، هي لاتقدر ان تشي به عند عاصي...
من جهه عاصي لن يتركها قبل ان يعرف كيف وصلت اليه وربما افتضح امرها...
ومن جهه اخري، مازن وتهديده لها فهو ممكن في لحظه تهور ان ينهيها!
لذلك عليها مجاراته فيما يريد حتى تستطيع بحنكتها ان تحصل على التسجيلات منه وساعتها ستتخلص منه للابد...
تحدثت بنبره ثابته: والمطلوب يا مازن؟
اجابها مازن دون تردد: عاوزك تساعدني، انا عرفت مكان غفران وعاوز اوصل لها قبل ما بسلامته يعرف مكانها...
عاوزك تحوليلي 500 الف على رقم الحساب اللي هبعتهولك...
اجابته هادره باستنكار: نععممممً، 500الف ايه...
انت مجنون وانا هجيب لك الفلوس دي منين ان شاء الله!
اجابها هادراً بعنف: ماليش فيه، تتشقلبي وتتعدلي وتحوليلي الفلوس، قدامك اسبوع بالكتير والمبلغ يكون في حسابي.
لان اسبوع وساعه زياده هيكون صوتك الجميل ببرن في رساله على نليفون عاصي، سلام...
قالها واغلق الخط معها وسط زهولها ورعبها منه ومن جديه تهديده...
صوت وصول رساله على احد التطبيقات نبهها، فتحت الرساله فوجدت انه بالفعل اًرسل لها رقم حساب خاص به...
ضغطت على الهاتف تعتصره بين قبضتها بغل وهي تتوعد مازن ولكن عليها اولاً ان تجاريه وتنفذ له طلبه وبعدها يكون لكل حادثٍ حديث!
بخطوات سريعه متوتره كانت نسرين تقتحم غرفه نوم خالتها والتي كانت تتوسط فراشها استعداداً للنوم...
اعتدلت دريه على الفراش تناظرها بغضب: يا بنتي حرام عليكي قلبي هيقف مره من كتر ما بتخضيني...
تحدثت نسرين مسرعه: مش وقت خوفك ده يا انطي، اسمعيني كويس انا واقعه في مصيبه...
استرعت انتباه خالتها وهتفت تسالها بتوجس: مصيبه ايه تاني. هببتي ايه المره دي...
اعتدلت نسرين في جلستها على الفراش امام خالتها: هحكي لك كل حاجه بس لازم تساعديني
والا هنضيع كلنا...
ثم اخذت تقص عليها مكالمتها مع مازن والمبلغ الكبير الذي طلبه منها...
في نفس الوقت، دلف عاصي إلى داخل القصر بجسد منهك، فهو اصبح يمضي اليوم كله في المجموعه يعمل بكل طاقته ويعود اخر الليل منهكاً متعباً ويغرق في النوم فور ان يصعد إلى غرفته...
فهو يشغل وقته كله بالعمل حتى لا يتثني له التفكير في غفرانه، حتى انه ترك جناحهم منذ رحيلها ولم يدخله وعاد إلى جناحه السابق قبل زواجه منها. ، ومع ذلك لايستطيع منع عقله من التفكير فيها وان حدث وفعلها نهاراً، تزوره في احلامه ليلاً!
استقبلته نعمات هاتفه باحترام: حمد الله على سلامتك يا باشا، تحب حضرتك احضر لك العشاء...
اجابها بارهاق وهو يتوجه نحو الدرج صاعداً لاعلي: لا متشكر يا نعمات انا هنام على طول...
ثم سالها وهو يطلع اولي الدرجات: الحج اتعشي واخذ ادويته قبل ما ينام ولا لاء...
اجابته نعمات بتقرير: طبعاً يا باشا وانا بنفسي اللي عطيته الدواء...
تمام روحي انتي يا نعمات، تصبحي على خير.
ثم صعد درجات وهو يعلق جاكيت بدلته على كتفه وصل إلى الدور الاور وكاد ان يكمل طريقه إلى اعلي ولكنه غير رايه وقرر ان يذهب إلى غرفه والدته حتى يطمئن عليها فهو لم يراها منذ ثلاثه ايام!
يخرج مبكراً ويعود متاخراً...
في الداخل، شخب وجه دريه بشده وهتف تتحدث وقلبها يكاد ينخلع من موضعه: يا نهارك اسود ومنيل، انتي عارفه ده معناه ايه، معناه انك ضيعتي، عاصي لو عرف مش هيرحمك!
هتفت نسرين تحدثها بنبره خطره رافعه احدي حاجبيها بشر: قصدك ضيعنا يا انطي، انا لو حصل وعاصي كشفنا، انا مش هضيع لوحدي وهقوله على كل حاجه اعرفها، القديم والجديد...
وهقوله انك شريكتي في كل حاجه، وكل خطوه كنت بخطيها كانت بعلمك وموافقتك!
ناظرتها دريه بغل فهي تعرف ابنه شفيقتها مجنونه ومتهوره ولا تتورع عن تنهيها معها اذا اكتشف عاصي حقيقه الامر...
فكرت بخبث انها يجب عليها ان تجاريها فيما تريد وبعدها ستتخلص منها ومن مازن في ضربه واحده
وتبلغ عاصي عنهم في الوقت المناسب!
هتفت تجيبها بغضب حاولت مداراته خلف قتاع من الجمود: ماشي يا نسرين هساعدك، بس احنا لازم نتصرف وبسرعه علشان الواد ده لو نفذ تهديده يبقي روحنا في خبر كان وساعتها عاصي مش هيهمه احنا بالنسبه له ايه ولا هتفرق معاه اني امه وانتي بنت خالته...
اجابتها نسرين مفكره: ما هو علشان كده بقولك لازم نلاقي حل، خصوصاً انه مديني مهله اسبوع واحد علشان احول له المبلغ ولا كل حاجه هتضيع...
هتفت دريه بحيره: بس المبلغ كبير اوي هنحوله ازاي، وانا لوسحبت المبلغ ده مره واحده عاصي ممكن يشك فينا...
هتفت نسرين باعصاب مشدوده: مش عارفه بقي يا انطي اتصرفي، لازم نتحرك وبسرعه خصوصاً انه عرف مكان الزفته غفران وهيخلصنا منها اخيراً...
تحدثت دريه تسألها: طب وابن عاصي، انتي ناسيه ان منصور قالنا انها ولدت من حوالي شهرين، هيعمل ايه في الواد...
اجابتها نسرين بقرف وهي تشيح بيدها في وجهها: يعمل اللي يعمله بقي انشالله يموته حتي، مش لازم يبقي في رابط بين غفران وعاصي ابداً...
هتفت دريه وقد وخزها ما تبقي لها من ضمير: بس ده طفل صغير وابن عاصي مهما كان...
احنا نتفق معاه انه يبعت لنا الولد مع حد، ...
ثم تابعت تضيف بشيطنه: وبكده نبقي ضربنا عصفورين بحجر واحد، بعدنا غفران عن عاصي وكسرنا قلبها ببعد ابنها عنها، وفي نفس الوقت الولد يتربي مع ابوه ومعانا...
انتفضت نسرين واقفه وهتفت بنبره تحذيريه خطره وهي تقرب وجهها من دريه وملامح وجهها تربد بغل اسود: لا، قلت لك مش هسمح يكون في رابط بين عاصي وغفران، مش هسمح لابنها يعيش معاه علشان يفكره بيها ليل نهار كل ما يبص له.
عاصي لو هيخلف فهيخلف مني انا وبس!
انفتح باب الغرفه فجأه بقوه وعاصي يطل عليهم بجسده القوي ممكساً بمقبض الباب بيده بقوه تكاد تعتصره ويناظرهم بملامح وجه غير مقروءه!
شحب وجه دريه ونسرين وانتفضوا مفزوعين مع صوت فتح الباب وظهور عاصي من خلفه!
ارتعدت اوصالهم من مظهره وخشوا ان يكون قد استمع اليهم فهي فيها نهايتهم...
ابتلعت دريه حلقها الذي جف منها فجأه وهتفت تساله
بتلعثم: ع عااصي. و واقف عع عندك كده ليه؟
صمت عاصي يتفرس في ملامحهم الشاحبه طويلاً مما جعلهم يموتون رعباً من رد فعله وقد ايقنوا انه استمع إلى حوارهم مما جعلهم ينفضون هلعاً مترفين انفجاره الذي سيطيح بهم لامحاله!
اتسعت ابتسامه عاصي وهو يدلف إلى الداخل مقترباً من والدته ثم انحني بجسده عليها مما جعلها ترجع بجزعها إلى الخلف في حركه دفاعيه خوفاً منه...
الا انه طبع قبله على راسها: انا قلت اجي اطمن عليكي يا دريه هانم علشان بقالي يومين ما شوفتكيش...
ثم نظر إلى نظر هاتفاً بنفس الابتسامه: عامله ايه يا نيسو وحشتيني انتي كمان!
ارتفع حاجبي نسرين إلى اعلي حتى كادوا ان يصلوا إلى منابت شعرها هاتفاً بعدم تصديق: وحشتك!
اجابها عاصي وهو يجلس بجانب والدته واضعاً ذراعه على كتفها يضمها إلى صدره: طبعاً وحشتيني ايه الغريب في كده...
هتفت دريه بابتسامه واسعه بعدما تنهدت بارتياح وقد تاكدت من ملامحه انه لم يستمع إلى حديثهم: مالك يا نيسو مستغربه كده ليه هو عاصي عنده اغلي منك، مش كده ولا ايه يا عاصي...
هتف عاصي ضاحكاً: طبعاً يا ست الكل انا ماليش غيركم في الدنيا، محدش بيحبني ولا بيخاف عليا غيركم، ربنا يخاليكم ليا...
اتسعت ابتسامه نسرين هاتفا بسعاده وهي تكاد تطير من الفرحه: انت عارف يا عاصي انت غالي عندنا قد ايه وبنحبك ازاي...
نظر لها عاصي داخل عينيها بقوه هاتفاً بغموض: عارف يا نسرين...
ثم حول نظراته إلى والدته يسالها مستفسراً: فلوس ايه اللي كنتوا بتتكلموا عنها دي قبل ما ادخل،؟
تعالت ضربات قلب نسرين ودريه هلعاً حتى ظنوا انها وصلت إلى عاصي الذي ينظر اليهم بترقب...
هتفت دريه تجيبه بخبث وهي تنتفض من شده الخوف: دي، ده مبلغ كده نسرين كانت عاوزاه علشان تتبرع بيه لجمعيه خيريه بتراعي الايتام.
اومأ عاصي براسه وهو يحول نظراته الجامده إلى نسرين والتي تقسم انها تبولت في سروالها من شده الخوف: اممممممم، والمبلغ ده قد ايه يا نسرين.
هتفت نسرين تجيبه بتلعثم: هاااا. يعني مش مهم يا عاصي ما تشغلش دماغك انا هتصرف...
هتف عاصي بلوم وهو يضع يده على يدها المستريحه بجوارها على الفراش: معقوله يا نيسو تقولي كده، اومال لو مش هشغل دماغي بيكي وبطلباتك هشغلها بايه...
نظرت نسرين إلى يده الموضعه على يدها بعدم تصديق ثم عادت تنظر اليه وهي تكاد تخرج قلوب من عينيها: بجد يا عاصي. انا بشغل تفكيرك...
اجابها بتاكيد: طبعاً يا نيسو ودي عاوزه كلام...
ثم تابع وهو يخرج دفتر الشيكات من جيب سترته ثم حرر الشيك على بياض واعطاه لها: خدي يا ستي ده شيك على بياض حطي فيه الرقم اللي انتي عاوزاه سواء مصري ولا بالدولار واتبرعي بيهم للجمعيات اللي انتي عاوزاها.
ما هو الواحد ما يقدرش يقول لا لعمل الخير!
قالها وهو يمد يده لها بالشيك وسط زهول كلاً منهما...
ثم استقام واقفاً هاتفاً بنبره ناعسه: اسيبكم بقي علشان انا تعبان وهموت وانام. تصبحوا على خير.
قالها واولاهم ظهره خارجاً من الغرفه تاركهم يحلقون في ظهره بذهول وافواههم تكاد تلامس الارض من شده زهولهم...
في صباح اليوم التالي، دلف عاصي بخطوات جامده إلى مكتب جده في مجموعه الجارحي متحدثاً بجديه: عاوزه اتكلم معاك...
رفع الحج منصور انظاره من على الاوراق امامه واستغرب حاله حفيده وملامح وجهه الغير مقروءه واجابه: خير يا عاصي. اتكلم انا سامعك...
سحب عاصي نفس قوي يمليء به رئتيه قبل ان يهتف بنبره جاده محاولاً السيطره على اعصابه: انا عارف انك انت اللي ساعدت غفران انها تمشي وعارف كمان انك انتي اللي خاليت آدم يكلمني ويبلغني بمعاد ولادتها...
وعارف كمان هي قاعده فين وعند مين...
قال جملته الاخيره بغل وهو يضم قبضته بقوه محاولاً التحكم في غضبه...
نظر له الجد طويلاً دون رد وهو كان يعلم ان حفيده لن يهنأ له بال الا اذا عرف مكان زوجته...
تحدث الجد بهدوء: وانت ايه اللي مخاليك متاكد من ان انا عارف مكانها...
هتف عاصي بنفاذ صبر: جدي. من فضلك من غير لف ودوران...
ماهو مش معقول يعني انا هيدخل عليا انك متعرفش مكانها وقاعد متماسك كده قدامنا، انت فعلاً لو مش عارف مكانها كان زمانك راقد في المستشفي لا قدر الله...
وبعدين انا مش اهبل ولا برياله علشان اصدق ان آدم يعرف مكانها وما يقولكش، وانه علشان ولادتها كانت صعبه كلمني علشان اكون جنبها وجنب ابني ده غير حكايه صاحبتها اللي قاعده عندها في سويسرا...
حاجه كده ما تدخلش على عقل عيل صغير خصوصاً ان غفران شخصيه مش اجتماعيه للدرجه...
ولا اني هصدق انها كلمتك بس لما ولدت تطمنك عليها...
انا عارف انك خططت لكل ده علشان تحميها مني ومن غضبي قبل ما اعرف الحقيقه...
وكمان تحميها من اللي عمل كده فينا،
وبعد كده علشان تعاقبنا احنا الاتنين علشان غلطنا في حق بعض...
كل ده انا مسامح فيه، بس الحاجه الوحيده اللي مش مسامح فيها انك تقعدها في بيت آسر الراوي حتى لو كان مش بيهوب ناحيتها وان في خدم وحراسه في البيت...
ده اللي مش هسامحك عليه ابداً يا جدي...
هتف الجد بحنو: يا ابني انا كنت خايف عليها اسييها في بلد غريبه لوحدها وانت عارف غفران طيبه وساذجه وممكن اي حد يضحك عليها...
علشان كده فكرت في آسر الراوي لانه هيخاف عليها ويحميها زي اخته بالظبط...
وهو شخص انا بثق فيه وعارف ان هيكون قد المسؤليه...
والصراحه الرجل مش مقصر وما شوفتش منه اي حاجه وحشه ولا غفران اشتكت منه او انه اتجاوز حدوده معاها...
صاح عاصي هادراً بانفعال ونيران الغيره تنهشه: مهما كان ده بيت رجل غريب وانا مقبلش ان مراتي وام ابني تقعد في بيت رجل غريب...
هتف الجد بمكر: طليقتك مش مراتك!
نظر له عاصي بشراسه واطلق سبه نابيه بخفوت ثم تابع مضيفاً بجنون: ايا كان دي ام ابني وبنت عمي...
ابتسم الجد وهو يقرأ ما بداخل حفيده بوضوح: والمطلوب...
مسح عاصي على وجهه اكثر من مره حتى يهديء من غضبه: المطلوب ان غفران لازم ترجع مصر وفي اول طياره...
رفع الجد حاجبه وناظره بشك: كل ده علشان هي في بيت الرواي...
اجابه عاصي وعينه تومض بمويض شرس: ده اولاً، لكن ده اللي عاوز اتكلم معاك فيه وتساعدني على تنفيذه...
نظر له الجد مدققاً: وانا كلي آذان صاغيه...
بعد مرور اسبوع...
تجلس امام المدفئه تحضن صغيرها الغافي داخل احضانها تتأرجح على الكرسي الهزاز بحركات رتيبه هادئه والافكار تعصف داخل رأسها...
تسترجع كل ما حدث معها، كيف كانت فتاه بريئه رقيقه خجوله منغلقه على نفسها، تهيم عشقاً في الشخص الوحيد الذي اقتحم عذريه قلبها ومشاعرها دون استئذان وتربع على عرش قلبها...
وكيف اصبحت بين ليله وضحاها زوجته، وشعرت وقتها بانها امتلكت الكون كله رغم جموده معها وعدم تقبله لزواجهم ثم ضحكت لها الدنيا وشعر بها وعشقها او هكذا ظنت...
وكيف انقلبت حياتها رأساً على عقب وانفصلت عنه واصبحت في لحظه مطلقته!
هل حقاً اخطأت عندما اخفت عنه ذهابها للطبيبه؟
يعلم الله ان نيتها لم تكن سيئه ولا تريد ان تخفي عنه شيئاً وفعلت ما فعلت بدافع عشقها له...
تنهدت بثقل وهي تقرر انها يجب عليها ان تعود، يجب ان تواجه، يكفي هروب وبُعد...
يجب ان تعود حتى ولو انتهت قصتها مع عاصيها، يجب ان تعود إلى وطنها واهلها...
يجب ان تعود حتى يعيش ابنها في كنف والده، فهي قد وعدت جدتها ان لا تحرمه من ابنه...
يكفي انها لا تريد لابنها ان يشعر مثلها بشعوراليتم، والذي بالرغم من حنان جدها عليها الا انها تفتقد لحنان والديها...
نهضت وهي تحمل ابنها على ذراعيها تضمه بحمايه وقد عزمت على ان تهاتف جدها وتخبره برغبتها في العوده...
قطع آسر عليها طريقها عندما دلف إلى حجره المعيشه فجأه بعدما كان يقف يتابعها بنظراته العاشقه من على باب الحجره ولم يرغب في قطع خلوتها مع نفسها...
وقف يتأملها وقلبه ينبض بعنف داخل صدره شوقاً وحباً لها، وقد قرر بعد فتره طويله من التفكير ان يصارحها بحقيقه مشاعره ورغبته الحقيقه في الارتباط بها...
هتف غفران مجفله عندما وجدته يقف امامها يطالعها بنظرات تعرفها جيداً وحدث الانثي بداخلها يخبرها انه يكن مشاعر لها وهو الامر التي ترفضه وتحاول التهرب منه باي شكل...
آسر حمد الله على السلامه وصلت امتي...
حمحم يجلي حنجرته واجابها: لسه واصل من شويه. اخبارك ايه طمنيني عليكي وعلى عمر...
اجابته برقه: احنا الحمد الله كويسين...
ثم تابعت تقول متعمده حتى تقطع عليه اي أمل: كويس انك جيت، انا قررت اني ارجع مصر. كفايه كده عمر لازم يعيش مع باباه...
هوي قلب آسر بين قدميه وشعر بان قلبه يكاد يتوقف بسبب رحيلها وعودتها إلى عاصي ومعناها بعدها عنه للابد، فتحدث بدون تفكير هاتفاً: غفران...
نظرت له بتدقيق، فاكمل يتابع وعينيه تلمع بتصميم رغم توتره: انا بحبك وعاوز اتجوزك!
شهقت غفران بقوه تضع يدها على فمها وقد تاكدت من ظنونها نحو آسر!
في نفس الوقت، في قصر الجارحي...
كان نفس المشهد يعاد مع اختلاف الاشخاص وبنفس رده الفعل ولكن بسعاده اكثر من جانب دريه ونسرين عندما صدح صوت عاصي موجهاً حديثه اليهم: نسرين، تقبلي تتجوزيني!