رواية غفران العاصي للكاتبة لولا نور الفصل الثالث والعشرون
لايقين على بعض اوووي!
قالتها وهي تتحرك وتوليهم ظهرها وترتسم ابتسامه ساخره على ملامحها الرقيقه بعدما رمقتهم معاً بنظره مستنكره!
اقتربت من جدها الذي لمحها منذ دخولها وظل يتابعها بعينيه، وقد تأكد حدثه ان غفران حفيدته الرقيقه قد تغيرت، فهو شعر في اخر كام محادثه بينهم قبل وصولها انها ليست هي، يوجد بها لمحه من التمرد والجرآه!
وما حدث امامه منذ دقائق خير دليل...
وقفت امامه تتطلع اليه في شوق وثواني وكانت ترتمي داخل احضانه الواسعه التي اغلقها عليها يضمها بحمايه واحتواء...
اغمضت عينيها وهي تضم نفسها بقوه لاحضانه تنعم بدفئها، وحمدت الله ان هذا المكان الدافيء لازال مكانها كما كان من قبل ولم يتم سلبه منها هو الاخر يكفي حضن واحد سُلب منها!
قاومت رغبه ملحه في البكاء وخرجت من حضن جدها تنظر له وهي ترسم ابتسامه امتنان على شفتيها الرقيقه بادلها الجد باخري حانيه وهو يربط يكف يده المجعده على وجنتها الرقيقه هاتفاً بحنان: عرفتي بقي كنت رافض رجوعك ليه اليومين دول بالذات!
ابتسمت بمرح تداري وجع روحها: عادي يا جدو مش فارقه كتير، هتفرق ايه امبارح من انهارده من بكره، كده كده كان هيحصل...
وبعدين ما انا قدامك اهو كويسه وزي الفل ولا انت نظرك ضعف يا رجل يا عجوز؟
قالتها بمرح هي بعيده كل البُعد عنه تخفي به نزيف قلبها ولكن وجعها هذا لا يخفي على جدها الذي يعلم ما تمر به حفيدته من آلم رهيب يدمي قلبها ولكن كل ما يطمئنه انها مسأله وقت وستزول كل جراحها، والاهم من ذلك انها اصبحت هنا معه وتحت حمايته وهذا اهم من اي شيء اخر...
واخد يدعو الله ان يحفظها هي وعاصي وابنهم وييعد عنهم كل من يحاول ان يأذيه فيهم وان تمر الايام القادمه الصعبه على خير...
هتف الجد بحنان: يا رب اشوفك على طول كويسه وزي الفل يا حبيبت جدك انتي...
ثم تابع يسالها مستتفهماً: اومال عمر فين، انتي ما جبتيهوش معاكي ولا ايه؟
اجابته بسعاده وقد تحولت ملامحها إلى ملامح مشرقه عند ذكر صغيرها: فوق في اوضتي مع نعمات.
هتف الجد بعاطفه صادقه: هتجنن واشوفه. بيوحشني اوي!
ابتسمت غفران بحب ووضعت راسها على صدر جدها: اطمن يا جدو مش هيبعد عنك تاني ابداً وهيعيش في حضنك وتغرقه في حنانك زي ما طول عمرك بتعمل معايا...
حبيبت جدك انتي: قالها وهو يضمها طابعاً قبله حانيه على مقدمه رأسها وشعور يالراحه والامان بتسرب إلى قلبيهما...
كل ذلك تحت نظرات عاصي الذي يتمني لو كان هو مكان جده يضمها في عناق قوي يسحق فيه عظامها يروي شوقه اليها وبعدها يعطيها علقه ساخنه تفتت عظامها معاقباً اياها على ما فعلته فيه وفيها...
اما نسرين المتشبسه بذراع عاصي، لو كانت النظرات تقتل لكانت غفران مفترشه الارض غارقه في دماؤها يخرجون الرصاصات من جميع انحاء جسدها!
فنسرين كانت تغلي وتتفتت من الغضب منذ رؤيتها وكذلك دريه التي غالباً ارتفع ضغطها إلى اقصي درجاته من شده كبتها لغيظها وحقدها على غفرانً!
همست نسرين في اذن عاصي بحقد وغيره لم تعد تستطع السيطره على نفسها: هي ايه اللي رجعها تاني مش كنا خلصنا منها ومن قرفها، ليها عين ترجع بعد كل اللي عملته فيك. صحيح قادره وفاجره!
التفت لها عاصي يرمقها بنظرات شرسه مشتعله وهسهس بفحيح مرعب جعلها تبتلع في رعب: نسرييين! الموضوع ده انتهينا منه، ومش عاوزه يتفتح تاني حتى لو بينك وبين نفسك...
غفران خط احمر!
اذا كانت الاول بنت عمي ومراتي، هي دلوقتي كمان ام ابني، فاهمه يعني ايه ام ابني...
يعني اللي يفكر مجرد تفكير انه يمس شعره واحده منها انا امحيه من على وش الدنيا وانتي عارفه كده كويس!
صمت لثواني يهديء من روعه ثم تابع يضيف بنبره حانيه خدرتها: انا عارف يا نيسو انك غيرانه عليا، بس انا مش عاوزك تقلقي من حاجه، المهم دلوقتي انا مع مين، انا معاكي انتي، خطيبتي، وكلها كان شهر ونتجوز وتبقي حرم عاصي الجارحي بجلاله قدره، مش كده ولا ايه؟!
اتسعت ابتسامه نسرين حتى كادت ان تتلامس اذنيها وهمست بنبره عاشقه: كده طبعاً يا حبيبي، انا غصب عني يا عاصي. انا بحبك بجنون. ولما شوفتها تاني اتجننت وخايفه انها تشغلك وتاخدك مني بحجه ابنها...
ابتسم عاصي ساخراً وهو يربط على كف يدها المتعلق بذراعه: ماتخافيش من اي حاجه. انا عاوزك تطمني على الاخر!
اقترب منها وجلس بجانبها يرمقها بنظرات معاتبه قائلاً: جيتي ليه يا غافي يا حبيبتي؟
نظرت له وهي ترتشف من كأس العصير امامها، ثم اجابته بنبره جاده: وايه اللي يخاليني ماجيش؟
نظر لها هاتفاً بنبره ذات مغذي: انتي عارفه انا اقصد ايه كويس...
اجابته بنفس الهدوء: اطمن انا كويسه، وكده كده كنت هاجي وهواجه، فمش فارقه كتير دلوقتي او بعدين النتيجه واحده...
ثم تابعت تنهي النقاش: عن اذنك، في ناس اعرفهم هقوم اسلم عليهم...
قالتها وتحركت تنهض من جانيه دون ان تعطي له فرصه للتحدث بأكثر من ذلك!
في نفس الوقت، اقتربت دريه من نسرين وهمست بالقرب من اذنها بغل: شايفه اللي انا شيفاه!
هي ايه اللي رجعها، احنا مش كنا خلصنا منها.
جايه ليه تاني؟
اجابتها نسرين من بين اسنانها: معرفش. معرفش
انا خايفه يا انطي لا تشغل عاصي بحجه ابنها ويسبني تاني وانا ما صدقت اخيراً اننا بقينا لبعض.
ابتسمت دريه بمجامله في اوجه الحضور المسلطه عليهم وهتفت بنيره قويه: متخافيش مش هتقدر تعمل حاجه.
ولو فكرت تعمل شغل المسكنه والسهوكه بتاع امها ده انا بقي اللي هقف لها المره دي بنت جميله ومحدش هيقدر يلومني ساعتها...
كانت غفران تتحرك في الحفل بحريه وانطلاق وهي تخفي وجعها خلف قناع الابتسام والاندماج مع الاخرين وهو الامر الذي تعجب له معظم الحضور، فكانت تتحدث مع هذا وذاك، وتضحك مع هذه وتلك!
والكل متعجب ومصدوم من حضورها حفل خطوبه طليقها!
فغالبيه الحضور قد علم بانفصالهم عن بعض خاصه بعد اعلان عاصي لخطوبته من نسرين الراوي...
ابنه خالته. والبعض فسر حالتها على انها تمثل وتدعي القوه لمحاوله جذب نظرات طليقها لها مره اخري.
والبعض الاخر فسر ذلك على انها فعلاً قد تخطته وما عاد يمثل لها اي شيء، ...
اندمجت وسط الحضور بشكل كبير دون ان تلتفت اليه مره اخري وكانه غير موجود بالمكان...
علي عكسه فهو كان يتابع كل حركه تصدر عنها والنيران تشتعل بداخله، نيران اشتياقه اليها الذي تعدي كل الحدود خاصه وهو يراها امامه كالفاكهة المحرمه التي يعجز عن الاقتراب منها!
ونيران غيرته عليها التي تحرق قلبه وتغلي كالحمم في شراينه خاصه وهو يري نظرات الرجال لها وهي ترتدي ذلك الثوب الفاضح الذي يكشف عن ذراعيها ونحرها، وساقيها الجميله الممشوقه ويلف جسدها الرشيق والذي ازداد وزنه بشكل مغري مما جعلها اكثر انوثه واغراء!
شتم في سره فهو يقف عاجزاً مقيداً، يريد ان يذهب اليها يسحبها من شعرها الغجري الطليق الذي كلما حركته بيدها تبعده عن عينيها تتحرك معه دقات قلبه، ثم يخفيها داخل ضلوعه يحجبها عن عيون الناس!
لا لن يتحمل سيصاب بنوبه قلبيه بسببها، لذلك استغل انشغال نسرين بالرقص مع صديقاتها وذهب خلفها عندما وجدها تقف في ركن بعيد نسبياً عن صخب الحفل...
كانت تقف تعطيه ظهرها تنظر إلى البحر حالك السواد امامها وقد اشتاقت لمنظره ورائحته الجميله التي تنعش روحها...
اخدت نفس عميق تمليء رئتيها بيود البحر ولكنه اختلط برائحه عطره التي تحفظها عن ظهر قلب...
خفق قلبها بقوه وقد استشعرت وجوده حولها من رائحته التي تسبقه ومن صوت حفيف خطواته فوق الحشيش الاخضر، ولكنها كانت اجبن من ان تلتفت له...
خافت ان يفضحها الشوق وتغلبها نظرات عينيها المشتاقه اليه، فظلت كما هي تعطيه ظهرها وتحضن نفسها بذراعيها تداري بهم ارتجاف جسدها...
اقترب منها حتى اصبح خلفها ودقات قلبه الهادره تقرع داخل صدره كطبول الحرب، جسده ينتفض رهبه وشوقاً اليها...
داعبت انفه رائحه عطرها الجديد ذات المذاق الحار القوي عكس رائحه عطرها الهاديء القديم...
ولكنه اعجبه بشده واثاره خاصه وهو مختلط برائحه جسدها التي اشتاق لها حد الجنون،
منع نفسه بقوه يحسد عليها من ان يضمها داخل احضانه في عناق قوي مشتاق متطلب يسحق عظامها!
حمم يجلي صوته المتحشرج من زخم المشاعر المختلطه داخله وهمس يناديها بصوته الاجش ذو البحه الرجوليه الجذابه: غفران!
صعقه كهربائيه اصابت قلبها وانتقلت شحناتها إلى جسدها جعلته يرتجف بقوه فور سماعها لاسمها منطوق بهذه الطريقه من بين شفتيه...
تلك الطريقه التي طالما نداها بها، نفس الدفء، نفس النطق وكانهم لم يفترقوا منذ عام واكثر...
صمتت، صمتت ولم تستطع الرد، صوتها هرب منها واحبالها الصوتيه تعاندها...
نداها مره اخري بنفس الطريقه ولكنها اشد حراره واقوي، مما جعل جسدها يرضخ لاراده قلبها واستدارت ببطء تنظر له...
واخيراً استدارت!
ُحبست الانفاس، وارتجفت الاجساد، ودقات القلوب تهدر بعنفوان، والعيون بينهما حوار غير منطوق. اشتياق، لوم، عتاب، اشتياق، اسف، ندم، اشتياق، اشتياق، اشتياق!
قطعت هي حوار النظرات بينهم عندما هتفت تحدثه بسخريه وهي ترتدي قناع الجمود مره اخري: ايه يا عريس، في حد يسيب عروسته برضك في وسط الحفله كده، مش معقول تكون زهقت بالسرعه دي.
اجابها وهو يقف واضعاً يديه في جيب بنطاله مائلاً بجزعه إلى الخلف دون ان يحيد بنظراته عن وجهها الجميل: صدعت من الدوشه قلت اشم هوا شويه ويعدين شوفتك فقلت اتكلم معاكي شويه.
مطت شفتيها الصغيره بامتعاض مما جعل نظراته تنحدر طلقائياً نحو شفتيها يطالعها بجوع وهو يحارب وحوشه بقوه حتى لا ينقض عليها يشبعها تقببلاً حتى يزهق روحها...
هتفت تتحدث بزقن مرفوع: وعاوز تتكلم معايا في ايه؟ اظن ان احنا خلاص مفيش بينا اي حاجه ممكن تتقال، خلاص، بح!
اجابه بنبره قاطعه وهو لايزال على نفس وضعه: احنا اللي ببنا عمره ما انتهي ولا هينتهي يا غفران...
رفعت حاجب جميل وتحدثت بكبرياء: يمكن بالنسبه لك انت، لكن بالنسبه لي انا مفيش!
ضحك ضحكه صغيره وهو يمسد على طرف لحيته المشذبه الانيقه: اتغيرتي!
ابتسمت بحلاوه قائله بنبره ذات مغذي: البركه فيك!
نظر لها مطولاً يشبع عينه من حسنها البهي، ثم هتف مغيراً الحديث: عمر فين؟
اجابته بمراوغه: بتسال ليه؟
اجابها بنبره مستنكره: على حد علمي اني ابوه!
هتفت تجيبه بنبره ساخره: امممم عندك حق، فاتتني دي، عموماً اطمن عمر نايم فوق في اوضتي القديمه...
تحدث مسرعاً بلهفه مشتاقاً لقطعه منه: عاوز اشوفه.
نظرت في ساعه يدها ثم تحدثت بصدق: الوقت متاخر زمانه نايم، الصبح ان شاء الله تقدر تشوفه...
ثم تابعت بسخريه: ومش معقول هتسيب عروستك وحفله خطوبتك علشان عاوز تشوف ابنك!
نظر لها بصمت ولم يرد، غيرتها عليه التي تحاول ان تداريها خلف قناع الجمود والسخريه، تنعش قلبه وتناغش رجولته...
شعرت بلسعه برد من هواء البحر، فمسدت على زراعيها بحركه سريعه لتدفئتهمً...
خلع ستره بدلته بدون تردد وفي لحظه باغتها ولفها حول كتفيها وظلت يديه معلقه على طرفي الستره، واصبحت اسيره احضانه دون ان يلمسها، يحاصرها بانفاسه الساخنه ونظراته الملتهبه داخل عرينه!
تلاقت عيناهم من جديد وسكنت كل الاصوات حًولهم فقط اصوات انفاسهم الهادره هي المسموعه ونسمات هواء الصيف العليل ورائحه البحر وهدير امواجه تحت ضوء القمر تحيط بهم وكانهم انعزلوا عن العالم حولهم في كبسوله سحريه!
انفاسه الساخنه تلفح بشرتها تحرقها، ورائحه عطره الاخاذ تطيح بثباتها، وقوه جسده المحيطه بها تفقدها توازنها...
هدرت فيه بعصبيه تخرج نفسها من هاله سيطرته وهيمنته عليها: اوعي ايدك، انت بتعمل ايه؟
هتف بحشرجه وهو يلتهمها بنظراته: بدفيكي!
تلوت بين ذراعيه تحاول ابعادهم وازاحه الستره من فوق كتفيها هاتفه بغضب: شكراً مش عاوزه، انا مش بردانه...
هدر فيها بنبره قويه اجفلتها: بطلي عند، الدنيا ساقعه وانتي مش بتستحملي البرد...
ثم تابع يضيف بغيره ونظرات الرجال لجسدها تتراقص داخل عيناه: وبعدين كل ده بسبب الزفت اللي لبساه، من امتي وانتي بتلبسي عريان كده يا هانم...
صوته العالي ونبره التحكم فيه اغضبتها، فهدرت فيه بتحدي: وانت مالك انا حره اعمل اللي انا عاوزاه محدش له حاجه عندي...
تراقص الجنون داخل عينيه وهتف بنبره شرسه: لا انتي مش حره، اولاً انت ام ابني وتخصيني، ثانياً انتي بنت الجارحي يعني لازم تخالي بالك من تصرفاتك كويس اوي وتحترمي نفسك قبل ما تحترمي اسم عيلتك.
هدرت بغضب وقد انفك عقال جمودها ومحاصرته لها بجسده ورغبته في التحكم فيها كما كان يفعل من قبل جننتها: انا محترمه غصب عنك وانا ما اخصكش في حاجه وابعد عني والزم حدودك وانت بتتعامل معايا.
هتف من بين اسنانه وقد نجحت في اثاره جنونه: الزم حدودي!
طب امشي انجري قدامي على اوضتك وقسماً بالله العظيم يا غفران لو ما سمعتي الكلام واتعدلتي لاكون مطلع جناني عليكي وشايلك على كتفي زي الشوال قدام الكل وانتي عارفه انا مجنون واعملها...
وقفت تتفتت من الغضب امامه وهي تعلم انه قادر على تنفيذ تهديده لها، فقررت رغماً عنها تنفيذ اوامره...
نفضت ذراعيه واسقطت سترته ارضاً وتحركت تغادر تدب الارض بقدميها الصغيره بغيظ، وبعد ان خطت خطوين بعيده عنه، جاءها صوته الهادر من خلفها يآمرها بغضب: استني!
وقفت متكتفه تهز ساقها اليسري بغيظ دون ان ترد عليه...
اقترب منها وهو يحبس ابتسامه متسليه تريد الظهور على وجهه مستمتعاً باستفزازها فهي تبدو شهيه وهي غاضبه.
مد يديه يحيط كتفيها بسترته وهو يرسل لها نظره محذره من ان تخلعها...
نظرت له بامتعاض دون رد، فتابع يضيف بعناد وغرور: اتفضلي معايا على فوق علشان هشوف عمر دلوقتي مش هستني للصبح!
قالها وهو يسبقها بخطواته يدلف إلى داخل القصر من احد الابواب الجانيه البعيده عن الحفل الصاخب، وسط ذهولها وغيظها منه ومن نفسها!
بعد دقائق كانت غفران تفف تستند بظهرها على باب غرفتها تتطلع في ملامح عاصيها الذي يحمل طفلهم بين ذراعيه يهدهده ويمطره بوابل من القبل المشتاقه...
صغيرها الذي استيقظ فور ان حمله والده وكأنه كان في انتظاره ويشتاق اليه هو ايضاً،.
انفجرت دقات قلبها تهدر داخل صدرها وهي تري حنانه على صغيرها، اغمضت عينيها تحبس صورته داخل مقلتيها وهي تتمني لو يتوقف بهم الزمان عند هذه اللحظه، وهما ثلاثتهم معاً، اسرتها الصغيره التي طالما حلمت بها!
نظر اليها عاصي بمقلتين تلتمع فيهم الدموع وهمس بنيره متحشرجه من فرط تأثره: عمر ابني. ابننا!
اومأت له غفران بصمت وهي تمنع دموعها من الانهمار بقوه...
تحدثت بنبره حانيه تحوي كل مشاعر عشقها له: شبهك. نسخه منك!
ضم الصغير إلى احضانه مخرجاً تأوهاً ملتاعاً حزيناً، نادماً على تهوره وعصيبته والتي تسببت في بعده عنهم وحرمانه من الشعور به وتواجده معهم في فتره حملها وحتى بعد ولادتها...
كان يتمني ان يسجل كل لحظه وكل حركه وكل صوت يصدر عنه، ولكن الله كان رحيماً به عندما حمله بين ذراعيه لحظه ولادته وكان معها حتى ولو لم تكن تعلم...
ولكنه اقسم ان يعوضهم عن كل آلم شعروا به وكل لحظه كانوا فيها بعيداً عنه...
توحشت نظراته بشراسه وهو يتوعد بالحجيم لمن تسبب في كل ما عاشوه وعانوه بسببهمً...
عليهم ان يتحملوا ثلاثتهم قليلاً، فهو قد قارب من الوصول إلى هدفه وبعدها يكون لكل حادث حديث...
نظر إلى صغيره الذي غفي بين ذراعيه، فوضعه برفق في فراشه طابعاً قبله حانيه فوق جبينه بعد ان دثره جيداً بالغطاء...
اعتدل في وقفته واستدار ببطء يتطلع فيها بنظراته التي تكاد تلتهمها...
تكتفت غفران وشمخت بذقنها تتحداه بنظراتها...
تحرك بخطوات كسوله حتى وقف امامها دون ان يحيد بنظراته عنها...
هتفت غفران بنبره قويه متحديه حتى تخرج من مجال سيطرته عليها: ياريت تتفضل من غير مطرود، واللي حصل ده ما يتكررش تاني...
مالكش دعوه بيا اوبأي حاجه تخصني، والاوضه دي ممنوع تدخلها مره تانيه ولا حتى علشان ابنك. مفهموم!
اقترب بوجه منها حتى لفحت انفاسه الساخنه وجهها وشعرت انه على وشك تقببلها بسبب نظراته الملتهبه المسلطه على شفتيها وهتف بنبره هامسه بجانب اذنها: انا اعمل اللي انا عاوزه في الوقت اللي انا عاوزه ومفبش قوه في الكون هتمنعني عن ابني...
وعنك همس بها في داخله وتمني ان ينطق بها ولكنه اجلها حتى لا تفسد مخطاطاه.
فالعبه القط والفاأر بينهم تعجبه وتساعده على تنفيذ خطته بشكل صحيح!
تصبحي على خير يا، يا بنت عمي!
قالها وخرج من غرفتها مسرعاً قبل ان بضعف امامها اكثر من ذلك وهو يحارب وحوشه التي تنهش داخله من التهامها كلها خاصه وهي امامه بتلك الهيئه المهلكه لاعصابه ورجولته...
تنفست غفران اخيراً وقد اكتشفت انها كانت تحبس انفاسها داخل صدره طوال وجوده معها هنا...
سارت بخطوات مرتعشه حتى رقدت بجوار رضيعها تاخده في احضانها تتلمس دفيء لمساته فوق جسد صغيرها...
الا هنا ولم تستطع الصمود اكثر من ذلك، فقدت قدرتها على المقاومه وتمثيل دور اللامباليه وانهارت تبكي كما لم تبكي من قبل، فهي لم تتوقع ان يكون الامر صعباً وشاقاً عليها إلى هذه الدرجه...
بكت حتى انهكها البكاء وغفت في احضان صغيرها والدموع تغرق وجهها الجميل،.
دلفت نسرين إلى داخل القصر بملامح متجهمه تبحث عن عاصي الذي إختفي فجأة من الحفل، وجدته ينزل الدرج بذهن شارد فاقتربت منه مسرعه وهي تتطلع حولها تبحث عن غفران والتي اختفت هي الاخري.
سالته بنبره مغلوله: كنت فين؟
نظر لها عاصي وبوادر الغضب يلمع داخل مقلتيه من طريقه حديثها التي لم تعجبه، هاتفاً بنبره غاضبه: وطي صوتك!
رمشت نسرين بعينها بارتباك وحجمت انفعالاتها وهمست برقه مصطنعه: مش قصدي يا بيبي، اصل انت اختفيت فجأة من غير ما تقولي والناس اخدت بالها!
تحدث بعضب وهو يطحن دروسه: ما تولع الناس، وبعدين هو انا هستأذن منك قبل ما اتحرك ولا ايه؟
تابعت برقه وهي تمسد على دزاعه بطريقه حسيه: اسفه يا حبيبي مقصدش انا بس قلقت عليك...
اجابها بسخط: متقلاقيش، انا كويس...
انا بس صدعت من الدوشه ودخلت علشان اخد مسكن...
هتفت بلهفه: الف سلامه عليك يا حبيبي، خلاص لو كده انا هقول لانطي تقفل الحفله وتعتذرللناس، اصلاً في ناس كتير مشيت...
اومأ لها براسه براحه: يا ريت لاني تعبان وعاوز اطلع نام.
هتفت بنبره مستنكره: تنام!
اجابها ببرود: وايه الغريبه في كده، هو المفروض منامش ولا ايه!
هتفت بدلع واغراءوهي تتحسس صدره الظاهر من فتحه قميصه بعد ان تحرر من رابطه عنقه: لا مش القصد، انا اصلي كنت محضره لنا العشا فوق في اوضتي علشان نسهر لوحدنا شويه انا وانت نحتفل بخطوبتنا سوا!
نظر إلى يدها القابعه على صدره وتشنجت عضلاته بنفور من لمساتها وقد فهم ما ترمي اليه، فانتابته موجه من القرف والنفور منها ولكنه اخفي مشاعره خلف وجه جامد بلاستيكي: مره تانيه يا نيسو، الايام جايه كتير، بس انا تعبان وعاوز انام، تصبحي على خير
قالها وهو ينزع يدها من على صدره ببعض الخشونه...
ثم استدار يعطيها ظهره يصعد الدرج تشيعه نظراتها المحبطه...
ولكنه توقف في منتصف الدرج واستدار لها يناظرها من علو وسألها وهو ينظر له بنظره غامضه: نسرين!
تهللت اساريها وظنت انه غير رايه وقرر تمضيه الليله معها ويبدو انه لم يقاوم تأثير لمساتها الجريئه له. : نعم يا حبيبي!
سالها عاصي بجمود: فين الايصال استلام التبرع اللي دفعتيه لدار الايتام اللي قلتي لي عليه؟
سالته نسرين بغباء: ايصال ايه ودار ايتام ايه؟
ابتسم ساخراً وهتف يسالها بنبره ذات مغذي: دار الايتام اللي قلتي لي عاوزه تتبرعي له وانت اديت لك شيك علشانه!
شحب وجه نسرين وقد تذكرت امر المبلغ الذي سحبته من رصيده وحولته إلى حساب مازن خارج البلاد...
هتفت بلجلجه: ااااه افتكرت...
هو. هو انا لازم اخد منهم ايصال.
اجابها بنبره مؤكده: طبعاً...
هتفت كاذبه: اصل انا وزعت الفلوس على اكتر من مكان ومركزتش اني لازم اخد منهم ايصال!
هو انت بتسأل ليه؟
اجابها متسائلاً: هو مش من حقي اسال ولا ايه؟
هتفت تنفي مسرعه: لا لا طبعاً مقصدش، انا بس عاوزه افهم...
جاوبها بثبات يحسد عليه: بسأل علشان اشوف اضحك عليكي ولا لاء، وبعدين علشان عاوز الايصال علشان كل جنيه بيطلع من حسباتي لازم يدخل في حسابات الضرائب، شكليات كده يعني ما تشغليش بالك بيها...
ثم اضاف بنبره قاطعه: الايصالات تكون عندي في خلال يومين...
ولو محرجه تروحي تجبيهم، قوليلي اسماءهم وعناوينهم وانا هخالي جسار يتصرف معاهم...
هتغت مسرعه تنفي برعب: لا لا جسار لا، انا يومين كده وهروح اجيب لك الايصالات اللي انت عاوزهم بنفسي...
نظر لها نظره اربكتها وزعزعت ثباتها هاتفاً بجمود: وانا مستني...
تصبحي على خير يا، يا نيسو!
قالها واستدار صاعداً لغرفته وقد ارتسم تعبير شرس على وجهه وهو يتوعد لها بالجحيم...
اما نسرين فرفعت اناملها المرتعشه ككل جسدها تمسد بها جبهتها المتعرقه من شده الخوف والرعب وعقلها يعمل كالمكوك لايجاد حل سريع للورطه التي اوقعها فيها عاصي، وهي لا تعرف من اين تأتي اليه بهذه الوصولات التي يريدها...
اخذت تلعن مازن وغباؤها والذي جعلها تتورط معه وتصبح في مواجهه عاصي!
عاصي الذي لو علم انها لها يد فيما حصل لغفران سيمحوها من على وجه الدنيا دون ان يرف له جفن!