رواية واهتز عرش الجبل عشقا للكاتبة لولا نور الفصل التاسع عشر
في المساء...
توجه جبل إلى جناح شقيقته، دق الباب وانتظر فلم يسمع صوت بجيبه، ساوره القلق ففتح الباب ودلف إلى الداخل بحذر فوجد جميله تغط في النوم بملامح ذابله
اقترب بخطوات حثيثة نحوها دون ان يرفع عينيه عنها...
انشقت ملامحه الصخريه وارتسم عليها الحنان الذي يخص به شقيقته دون غيرها انحي وطبع قبله حنونه فوق راسها واخد يمسده بحنو وعينيه تعكس عمق المشاعر التي تموج في صدره...
حقك عليا يا بت ابوي، يد الغدر طالتك واني بعيد عنيكي بس اطمني چوزك طلع راچل علايلي صوح وجطع اليد اللي اتمدت عليكي بالسوء وچاب لك حقك، نامي وارتاحي يا خيتي لجل ما تطيبي وتبقي زينه وترچع ضحتك تنور حياتنا من تاني...
واني معاكي وفي ضهرك في اي حاچه تعوزيها واي كان قرارك انا معاكي فيه المهم تطيبي.
ثم نهض من جانبها متوجهاً نحو جناح والدته وقد عادت ملامحه إلى صرامتها من جديد...
خرج فوجد حسن واقفاً امامه وفي عينه رجاء لم ينطقه لسانه.
اومأ له جبل موافقاً وتابع: ادخل خاليك چار مرتك، انت اكتر حد هي محتاچه لوچوده چنبها دلوك...
هز حسن راسه وعلى وجهه ابتسامه امتنان وولج إلى داخل غرفه زوجته...
خلع حزاءه وعمامته واندس بجانبها في الفراش، طبع قبله عميقه، قبله اعتذار فوق راسها وعلى كف يدها: حجك عليا يا روح حسن...
ثم وضع ذراعه اسفل راسها واحاط جسدها بجسده بحمايه، وكانها شعرت به فافتربت بجسدها اكثر منه وشعور بالامان اكتنفها مما جعل حسن يزيد من ضمه لها وما هي الا ثواني وغط هو الاخر في نوم عميق!
دلف جبل إلى جناح والدته بعدما اذنت له بالدخول، اغلقت المصحف ووضعته بجانبها، نظرت إلى ملامح ابنها الصارمه التي تخفي خلفها حزن وقلق...
حدثته بحنان: مالك يا ولدي، ايه اللي مخبيه چوات جلبك ومداريه عن عيون الكل الا عين امك هي اللي واعيه له.
ابتسم جبل بحنان: سلامتك يا امه، اني زين طول ما انتي زينه، انا بس اللي مكدرني اللي حصل مع خيتي وانا واقف متكتف، لاول مره احس اني عاچز، چبل العلايلي عاچز انه يجيب حق اخته، اصل هچيبه من مره!
ومن مين من مرت عمي؟
ربطت الحاجه جليله على يده بحنان: هون على حالك يا ولدي، انت عملت الصوح انت كنت تقدر تاخد بحق خيتك من المحروجه الدايه بيدك، بس كنت هتكسر رچوله واد عمك في عين نفسه جدام مرته انه مجدرش يجيب حقها وهو الشهاده لله عمل الصوح، اما بقي مرت عمك فدي سيبك منيها خالص دي مره ناقصه وعايبه وحسابها هيكون معايا اني...
ثم عملت على تغير دفه الحوار وتابعت: سيبك من الحديت ده وجولي ايه اللي شاغل بالك ومخاليك مهموم اكده؟
مسح جبل على وجهه وتابع بفرحه لمعت داخل مقلتيه وأنارت وجهه: الحمد الله يا امه ربنا تقبل دعاكي ليا، ديالا حبله...
تهلل وجه الحاجة جليله بفرحه حقيقه ونهضت تضمه داخل احضانها الحنونه بقوه: الف بركه يا ولدي، الف بركه ربنا يكمل حبلها على خير يارب ويرزقك بالذريه الصالحه قادر كريم، انا الصبح هدبح عچل وافرجه لله...
هتف جبل معارضاً: لاه يا امه بلاش.
جليله باستغراب لرفضه: لاه ليه يا ولدي مش عاوزني افرح وافرح الدنيا كلها معايا.
تحدث جبل بهم: مش القصد يا امه، انا مش عاوز حد يعرف بحمل ديالا دلوك انا خايف عليها وعلى إلى في بطنها، اول مره اخاف اكده وبعدين مش هخبر حد دلوك، مش قبل ما اتكلم مع ورد واتاكد من حكايه حملها دي، وكماني اما چرح چميله من اللي حصل معاها يهدي شوي...
وفي خارج الجناح، كان هناك من يقف يستمع إلى حديثهم وما ان عرف بحمل ديالا حتى اشتعلت النار داخل صدره وان الارض انسحبت من تحت اقدامه، ولكن صوت خطوات من خلفه جعلته يختفي ويهرب من حيث آتي ولم يتثني له الاستماع إلى بقيه حديثهم، لكنه اسمتع إلى الجزء الاهم على الاطلاق!
وفي الداخل...
صمتت الحاجه جليله بتفكير ثم تابعت: طب وناوي تعمل ايه مع ورد...
هتف جبل بحيره: مش عارف والله يا امه، انا متوكد انها مش حبله ومجدر ايه اللي خلاها تعمل اكده بس وبعدين، لحد ميتي هتفضل مخبيه انها مش حبله ولا هتعمل حاچه وتجول سقطت وتودر فيها ديالا...
انا هتحدت وياها واعرفها اني عارف انها مش حبله وافهم منيها ليه عملت اكده...
الحاجه جليله باستفسار: طب وبعد ما تعرف ناوي معاها على ايه، اوعاك يا ولدي تقسي عليها دي يتيمه وغلبانه...
هتف جبل يطمئنها: اطمني يا امه انا عمري ما افرط في ورد مهما كان، وانا نويت ان شاء الله اراسل اكبر مستشفى في بلاد باره وهبعت لهم ورق ورد كلاته وهشوف يمكن في چديد في علاچ حالتها، ولو مفيش لو ينفع معاها اطفال الانابيب او اي طريجه يخاليها تحمل وتخلف هعملها مهما أتكلفت المهم ورد تخلف، ورد تستاهل انها تكون ام وربنا يقدرني واحقق لها حلمها...
ابتسمت الحاجة جليله بحنان: ربنا يقدرك يا ولدي، ويديك ويعطيك على كد نيتك الزينه ويتم حمل مرتك على خير يارب...
في صباح اليوم التالي...
جلست هند امام ورد التي تمسد بطنها بشرود وهتفت تسالها وهي ترتشف من كوب الشاي بلبن خاصتها: هي عمتي وينها مش باينه لساتها نعسانه لحد دلوك ولا ايه، انا حتى وعيت لچبل خرچ بدري.
اجابتها ورد باقتضاب: مرت عمي خرچت بعد جبل...
هند باستغراب: راحت فين بدري اكده؟
صمتت ورد ولم تعلق، اخذت هند تنظر إلى حركه يدها على بطنها وتسائلت بلؤم: الا جولي لي يا ورد انتي عملتيها كيف وحبلتي؟
تحفزت ورد في جلستها واجابتها بحده طفيفه: وده سؤال يتسال برضك، حبلت كيف ما الحريم بتحبل ولا انا عچبه اياك!
هند بابتسامه لئيمه: لاه مش القصد، كل ما هنالك انك بجالك خمس سنين بحالهم متچوزه وبطنك مشالتش، قوم مره واحده اكده تحبلي وما تاخزنيش يعني چبل بجاله كتير مدخلش چناحك علشان اكده بسال...
ولا كيف ما بيجولوا ان الغيره من الضره تخالي المره تحبل وبطنها تشيل...
ورد بغضب اخفته خلف لامبالاتها: ولا غيره ولا يحزنون، قدر ربنا وحصل واني حبله وهي لاه، وياريت يا هند تخاليكي في حالك ومالكيش صالح بيا وبحبلي...
هند بابتسامه صفرا وهي تطعم ابنها بيدها: بقي اكده يا ورد الحق عليا اني عاوزه اطمن عليكي...
صمتت ورد ولم تعلق وجاء صوت ديالا من خلفهم: صباح الخير، اخبار جميله ايه حد دخل أطمن عليها.
تظرت اليها ورد بحقد لم تستطع اخفاءه ولكن ديالا لم تلحظه لكن نظرات هند الخبيثه التقطته على الفور...
هند بمحبه زائفه لديالا قاصده اشعال نار ورد: لاه يا خيتي لساتها نعسانه مرديتش اصحيها قلت اهملها اما تقوم لحالها...
ديالا بحب: احسن برضه هي تعبانه ومحتاجه ترتاح ربنا يعديها على خير يارب.
هتف جابر الصغير الذي قفز من جلسته بجانب امه والتصق في ديالا: ديالا انا رايدك تعملي لي الكاكاو إلى بتعمليهولي...
انحنت ديالا إلى مستواه وتابعت بحنان: بس كده انت تامر يا حبيبي...
هتف حابر بطفوله: بس من اللبن بتاعك اللي في الازازه إلى عليها بقره مش بتاع چدتي وتشربي معايا...
ضحكت ديالا بحلاوه: حاضر يا سيدي هعملك من اللبن بتاعي بس انا مش قادره اشرب بطني وجعاني وماليش نفس اشربه.
هتفت هند بغلاسه: هنتعبك معانا يا خيتي عقبال ما نتعب لك يوم ما تحبلي لن شاء الله...
ديالا برقه: ميرسي يا هند...
هتفت ورد بنبره غاضبه تخاطب بها الصغير: وبعدهالك يا چابر بطل چلع وهمل حاچه مرت عمك واشرب من اللبن التاني بتاعنا ده افيد لك...
جابر برفض: لاه انا عاوز من بتاع ديالا طعمه احلي...
ديالا برقه وهي تخاطب ورد بود: عيب يا ورد ايه حاجه مرات عمك دي، ده كله من خيركم وخير عمه، ثم خاطبت الصغير بحنان: يلا بينا يا حبيبي اعملك إلى انت عاوزه...
في دار ابراهيم العلايلي...
جلست ام حسن في بهو الدار متربعه، عاقده راسها بمنديل وتولول وتنوح كانها في حاله حداد: بوووووه يا مرك يا تفيده، يا جلبي عليك يا ضنايا يا اللي مش عارفه قضيت ليلتك فين يا حبه جلبي.
هتفت خادمتها تواسيها: هوني عليكي يا حاچه ان شاء الله سي حسن بخير وهتلاجيه داخل عليكي دلوك.
ام حسن بنواح: ياريت يا خيتي، ده حتى ابوه الراچل كانه ولا همه ان ولده ماباتش في فرشته وتلافونه مجفول ويجولي احمدي ربك ان ولدك منعني عنك، ليه يعني هو انا كت عملت ايه، انا خايفه على ولدي ومش رايده له يعيش مع مره ارضها بور مبتخالفش...
صدح صوت الحاجه جليله القوي التي دلفت للتو: چميله بت العلايلي مش ارض بور يا تفيده...
نظرت اليها ام حسن بغل وتابعت: بجولك ايه يا چليله همليني في حالي، انا مش عارفه ولدي فين من عشيه...
الحاجه جليله ببرود مستفز: ولدك هيكون فين يعني الا مع مرته، جاعد جارها ياخد باله منيها بعد اللي عملتيه فيها واللي انا لسه محاسبتكيش عليه...
لم تسمع ام حسن باقي حديثها فقط تركزت كل حواسها على ان ابنها قضي ليلته بجوار زوجته في بيت جليله وتركها لحالها، هدرت ام حسن بغل: واااه، ولدي بات ليلته في داركم وهمل داره ودار ابوه!
حتي ولدي يا چليله اخدتيه وطوتيه تحت چناحك، مكفاكيش عمري اللي فات وانا عايشه بناري منك لان چوزي كان بيحبك ورايدك، عاوزه كماني تعيشيني عمري اللي جاي بحسرتي على ولدي، لاه يا چليله ده انا اشرب من دمك لو فكرتي تحرميني من ولدي...
هدرت فيها الحاجه جليله بصوت قوي ارعبها في وقفتها: اخرسي قطع لسانك يا مره يا عايبه، انتي عماله تخربطي في الحديت ومش عارفة انتي بتجولي ايه ولمين.
فوجي واعرفي انتي بتتحدتي ويا مين، انا چليله العلايلي مرت چابر العلايلي كبير البلد وام ولده الكبير من بعده، وحديتك الماسخ ده كان من زمن وراح لحاله، ولدي لو سمعك بتجولي حديتك الشين ده هيفرغ طبچته في جلبك اللي مليان حجد وسواد.
ارتعدت فرائص ام حسن من مجرد تخيل معرفه جبل لحديثها!
تابعت الحاجه جليله بتوبيخ: انتي اللي طول عمرك حاسه بالنقص والغيره مني علشان انا بنت العلايليه اباً عن چد وانتي بت ناس على كد حالهم وده ما يعيبهمش بالعكس كانوا ناس محترمين ونفسهم عزيزه وطيبه مش خبيثه زيك.
وكنتي بتغاري من معامله عمي ومرت عمي الله يرحمهم ليا، بس عمرك ما فكرتي انك السبب وطريجتك معاهم ومع ولدهم هي السبب وهما لو وحشين كانوا طلجوكي منه من زمن بس يوم ما ابراهيم فكر يطلقك بعد موت عمي ومرت عمي انا اللي وجفت له وجلت له لجل خاطر ولدك وهي بكره تكبر وتعقل...
لكن اظاهر انك متغيرتيش وهتفضلي طول عمرك غلاويه وناكره للچميل وعجلك صور لك انك ممكن تحققي انتقامك مني في بتي، تبقي غلطانه ده انا ادفنك مطرحك وارمي چتتك لديابه الجبل تنهش فيها ولا يرف لي چفن...
تحدثت ام حسن بكره وهي تبثق داخل صدرها باستهزاء: خوفت انا اياك، انا اصلاً مش رايده بتك لولدي، يطلجها ونفوضها سيره، انا رايده لولدي واحده ولاده تخلف له عيال كتير...
اني هشرط على ابني يطلقها ونرتاح منيه النسب ده
الحاجه جليله باستهزاء: وما خلفتيش انتي ليه العيال الكتير دول، يا مره اتقي الله في ولدك، انتي مش مخلفه راچل ولا ايه؟
لا راچل يا مرت عمي، هتف بها حسن للتو الذي جاء واستمع لما حدث.
افتربت منه والدته تضمه بحنان: حمد الله على سلامتك يا ولدي كده تخلع جلبي عليك من عشيه.
حدثها حسن بجمود: انا زين يا امه.
ثم نظر إلى زوجه عمه التي تناظره بقوه: انا راچل يا مرت عمي، ابوي وعمي الله يرحمه ربوني كيف اكون راچل يصون مرته ويحمي عرضه...
ثم نظر إلى والدته وتابع: وعلشان اكده انا چاي الم خلجاتي انا ومرتي وهنيچوا نعيشوا في سرايا العلايلي، وده وضع مؤقت لحد ما چميله تشد حيلها وهشوف دار لحالنا بعيد عن الكل، لان المكان اللي يستباح فيه شرف وعرض مرتي يحرم عليا اني اعيش فيه او ادخله حتى برچلي...
ابتسمت الحاجة جليله بفخر: تسلم وتعيش يا ولدي علايلي بصحيح.
بينما ام حسن صكت على صدرها وهدرت بجنون وهي تجذبه من تلابيب جلبابه: انت انخوت يا حسن، بت جليله مشت حديتها عليك وخاليتك تهمل امك وتهمل دارك...
اخفض حسن يدها من على جلبابه بهدوء: مرتي ملهاش صالح ومتعرفش اني قررت اننا نعيش هناك، ومش هي اللي خالتني اهمل داري يا امه، انتي السيب انتي اللب مصونتيش عرضي وشرفي بدل ما تدافعي عنه، فضحتيه جدام الخلج.
ثم تابع بنبره متحشرجه والدموع الخزلان تلمع داخل مقلتيه وتابي رجولته ان تذرفها: الله يسامحك يا ام حسن الله يسامحك.
ثم مرق من امامها صاعداً إلى شقته يجمع اغراضه وهي تبكي وتنوح والان فقط ادركت ان ما فعلته جعلها تخسر ابنها بالفعل...
في القاهره...
خرج رامز من المطار يضع نظارته الشمسية فوق عينه وهو يسير بغرور نحو السياره التي تنتظره...
فتح الباب الخلفي وجلس آمراً السائق باقتضاب: المعادي...
اخرج هاتفه من جيب سترته بعدما صدح رنينه: باشا. على طول كده الاخبار بتوصلك في ساعتها، ده انا لسه خارج من المطار حالاً...
تحدث الرجل على الطرف الاخر: انت عارف احنا عنينا عليك على طول، الرجل الكبير بيقولك قدامك اسبوعين من دلوقتي تكون خلصت فيه موضوع عزيز الجبالي وبنته، تمام...
رامز بغطرسه: اطمن يا باشا قبل الاسبوعين ما يخلصوا هكون وصلت لهم و...
انتفض رامز بزعر عندما اضطربت عجله القياده في يد السائق وهدر فيه: مش تحاسب يا حيوان انت...
وفي ثواني وجد اربع عربيات دفع رباعي سوداء اللون تحيط بالسياره من الاربع جهات تعوق سيرها واحدي السيارات اطلقت النار على عجله سيارته فتوقفت على الفور بعدما سيطر السائق عليها من الانقلاب...
ترجل من احدي السيارات رجل بجلباب صعيدي ضخم الجثه ملامحه صارمه، فتح الباب بجانب رامز الذي رجع إلى الخلف بهلع من منظر الرجل امامه متحدثاً بخوف: انتوا مين وعاوزين مني ايه.
تحدث الرجل بغلظه وهو يجذب رامز من ذراعه: الكبير رايدك.
كذب رامز حقيقه هؤلاء الرجال ببقايا غرور لازم داخله وتابع: كبير مين وبتاع مين ابعد ايدك عني انت وهو انتوا متعرفوش انا مين انا هبلغ عنكم البوليس انتوا والكبير بتاعكم ده...
اشتدت ملامح الرجل صرامه وفح من بين اسنانه بغضب وهو يلكز رامز في كتفه بقوه: احترم حالك وانت بتحددت عن الكبير.
رامز برعونه: مين الكبير ده بقي ان شاء الله.
نطق الرجل بما جمد الدم في عروق رامز وشحب لونه حتى ابيض وجهه: چبل بيه العلايلي...
ثم جره الرجل ودفعه داخل احدي السيارات بقوه ثم تحركت جميع السيارات خلف بعضهم بقوه وسرعه وكانها تاكل الاسفلت تحت عجلاتها ومن ثم اختفت فجاه كما ظهرت فجاه...
ومن بعيد كان هناك سياره تسير خلف رامز تراقبه، شاهدت كل ما حدث، فقام باجراء مكالمه هاتفيه وما ان اجابه الطرف الاخر: الحق يا باشا رامز اتخطف وقص له ما حدث...
استمع اليه الرجل باهتمام واجابه ما لن انتهي: اقفل انت دلوقتي، انا لازم ابلغ الرجل الكبير...
رن هاتف جبل برقم وهيب رجله المخلص، فتح جبل الخط ولم ينطق منتظر سماع ما في جعبه وهيب: تمام يا كبير، الفار وجع في المصيده واحنا في طريقنا للبلد قبل ما الليل يليل هنكون في النچع.
جبل بهدوء خطر: اعمل اللي قلت لك عليه، حطه في المخزن اللي في البر الغربي ومحدش يدخل ولا يخرج عليه وزود الغفر جدام المخزن ومحدش منهم عينه تغفل عنيه.
ثم اغلق الخط وهو ينظر امامه بغضب يشعل صدره واستحالت ملامحه إلى ملامح سوداء متفحمه من شده الغضب: وجعت في يدي في الاخر يا واد المحروج...
صوت صراخ قوي قادم من داخل السرايا جعله ينهض من جلسته في المندره مهرولاً نحو الداخل...
تسمر مكانه وتخشب جسده بصدمه عندما وجد ابن شقيقه الصغير مرمي ارضاً بوجه ازرق ورغاوي بيضاء اللون تخرج من فمه وبجانبه كوب اللبن الخاص به سائحاً على الارض بجانبه...
هدر بصوت مفزوع: ايه اللي حوصل وماله الواد...
ثم جثي ارضاً بجانبه ووضع يده على موضع النبض في رقبته فوجد نبضه ضعيف...
هتفت هند بصراخ وهي تضرب على وجه الصغير بكف يدها: معرفاش ماله كان زين وجع مره واحده...
هتفت ورد بدموع وهي تشير إلى ديالا المتخشبة مكانها بهلع: مرتك جتلته، حطت له السم في اللبن، هي اللي عملتهوله من اللبن بتاعها...
رفع جبل راساً مصدوما مما سمع ونقل نظراته إلى ديالا التي شحب وجهها تنفي براسها اتهامها بهذا الفعل الشنيع...
والله ما عملت حاجه اقسم بالله.
هدر جبل فيهم بغضب: ولا كلمه...
ثم نهض وهو يحمل الطفل على زراعيه متجهاً نحو الخارج: بلاها رط فاضي نشوفوا الواد الاول...
ثم زعق على الخادمه: هات لي جزازه البن اللي شرب منيها الواد اوام.
تحرك ومن خلفه هند التي تبكي وتنوح: إنّا چايه معاك...
جبل وهو معطيها ظهره: مفيش حرمه هتخرج بارات الدار لحد ما اعاود انا وچابر.
اسرعت الخادمه تلبي طلبه على الفور ولحقت به إلى الخارج...
قابل والدته وحسن اللذين عادوا للتو...
هتفت الحاجه جليله بفزع: ماله چابر.
حسن من خلفها: ماله چابر يا خوي حوصل له ايه. جبل وهو يصعد إلى سيارته: شكله شرب لبن فاسد، اطلع يا مطاوع على المستشفى بسرعه...
تحرك حسن مسرعاً: انا چاي معاك.
وجلس خلف عجله القياده وتحرك مسرعاً نحو المشفي لانقاذ الطفل...
بعد بضعه ساعات في المشفي...
اخيراً خرج الطبيب من غرفه العمليات، فاسرع جيل اليه يساله بقلق يخفيه خلف جمود ملامحه: خير يا دكتور، طمني بالله عليك...
الطبيب بعمليه: الحمد الله الطفل كويس، نشكر ربنا انه مشربش كتير من اللبن وانتوا لحقتوه على طول، عملنا له غسيل معده وهو كويس دلوقتي ويقدر يروح بعد ما يفوق من البنج، بس هو محتاج لغذا كويس الفتره اللي جايه وانا هكتب له على شويه ادويه وفيتامينات تساعده، حمد الله على سلامته...
اخيراً تنفس جبل الصعداء بعدما كان يحبس النفس داخل صدره من شده القلق على ابن روحه: الله يسلمك يا ضكتور.
بس هو يعني ده من ايه اللبن كان فاسد ولا في حاچه تانيه...
عدل الطبيب من وضع نظارته فوق انفه وتابع: انا بعت ازازه اللبن اللي كانت معاكم للمعمل تتحلل، بس من حاله الولد وبحكم خبرتي اقدر اقولك ان اللبن مش بايظ، اللبن كان مسموم.
طحن جبل دروسه بقوه: شكراً يا ضكتور تعبتك معاي...
الطبيب بمهنيه: على ايه ده واجبي، بس احب ابلغ حضرتك ان اول ما تقرير التحليل يطلع وياكد ان اللبن مسمم انا مضطر ابلغ الحكومه دب مسؤليه جنائيه...
استشرست ملامح جبل حتى اصبح وجهه مخيف واقترب من الطبيب الذي عاد خطوتين إلى الخلف برعب حقيقي: حكومه ايه عاد يا دكتور، احنا مفيش حكومه بتحل لنا مشاكلنا...
ثم وجه حديثه إلى حسن الواقف جانبه: هو احنا كان عندينا حد تعبان لا سمح الله يا واد عمي؟
نفي حسن براسه وهو يزجر الطبيب بعينيه: لاه يا واد عمي، احنا كنا چايبين چابر الزغير ياخذ تطعيم الخمس سنين...
جبل بملامح وجه مرعبه وهو يخاطب الطبيب الذي يتصبب عرقاً من شده الخوف من الوحش الماثل امامه: مش برضك في تطعيم خمس سنين يا ضكتور...
اومأ الطبيب براسه اكثر من مره موافقاً: طبعاً، طبعاً في تطعيم خمس سنين وعشر سنين كمان. اللي تشوفه حضرتك هو الصح عن اذنكم، جبل بنفس الصرامه: اذنك امعاك يا ضكتور...
فاطلق الطبيب العنان لقدميه واختفي من امامه في لمح البصر...
نظر جبل إلى حسن وتابع: روح شوف عملوا ايه في موضوع التحليل ده وخلصه من غير شوشره وانا هعاود الدار مع چابر وانت خلص وحصلني على السرايا...
تمام يا خوي، وانصرف كلاً منهم إلى وجهته، .
عاد جبل إلى السرايا حاملاً جابر الصغير النائم على ذراعه.
تهللت وجوه من في السرايا فور رؤيته على ذراع عمه واول من اقتربت كانت هند التي لم تكف عن البكاء واختطفته من حضن جبل تضمه إلى صدرها بقوه وهي تقبله في كل انش في وجهه: طمني يا واد عمتي، چابر زين.
اوماً لها جبل: اطمني، زين الحمد الله، طلعيه فوق لجل ما يرتاح...
امتثلت لامره وصعدت إلى جناحها...
سالته الحاجه جليله باهتمام: طمني يا ولدي الضكتور قالك ايه وايه حكايه السم ده؟
اطمني يا امه، هو بقي زين الحمد الله عمل له غسيل معده وبقي زين...
ثم رفع انظاره يرمقهم جميعاً بغضب: امه، ورد، ديالا، جميله الصامته، وهند التي عادت تنضم اليهم.
انا رايد اعرف كيف وصل السم چوات داري ومين اللي قدر يتچرأ ويعمل اكده وهو عارف اني هعرف اوصله وساعتها مش هرحمه.
تحدثت ورد بحقد: شوف مين الغريب اللي في وسطينا وهو اللي اتچرأ وعمل اكده وغرضه ايه من اللي عمله...
جبل بهدوء ما قبل العاصفة: اتحدتي زين يا ورد من غير الغاز...
تدخلت هند تسكب مزيد من البنزين فوق النار: من غير الغاز يا واد عمتي، اهي باينه زي عين الشمش مرتك رايده تقتل ولدي...
صرخت فيهم الحاجه جليله بغضب: بزيداكي منك ليها، انتوا اتچنيتوا اياك، كيف تجولوا اكده على مرت الكبير.
ورد بنفس الغضب والحقد: لا يا مرت عمي مش چنان، هي دي الحقيقة...
هتفت ديالا بدموع: كدب والله ما حصل، انا معملتش حاجه. بعدين هعمل كده ليه مع طفل صغير...
ورد بغضب اعمي: معذوره الغيره تعمل اكتر من اكده، لسه بطنك مشالتش وجلتي تخلصي من الواد الزغير وبعدها تنداري عليا وتسجطيني وبكده يخلي لك الچو وتكوشي على الچمل بما حمل...
هتفت ديالا بنشيج حاد ودموعها الغزيره تهبط كالسيول على وجنتيها التي التهبت من كثره دموعها وهي تتطلع اليهم من حولها: مش انا. والله العظيم مش انا، انا لا يمكن اعمل كده.
ثم انتقلت بنظراتها اليه، والتحمت عينها بعينه في نظره استجداء تطلب منه تصديقها، قابلتها نظراته الصارمه المظلمه والتي اصبحت اشبه بغابه خضراء مخيفه تحيطها الظلمه الموحشه فتغرقها فيها أكثر واكثر...
نظرت اليه بدموع وهي تتفي براسها ظلمهم عنها تطلب منه حمايتها ونطقت اسمه بوهن: جب. ولكن انقطع نطقها لاسمه عندما رفع يده في وجهها كي تصمت وهدر صوته الغاضب كوتر مشدود رغم صراعه الداخلي وميله إلى تصديقها الا انه الكبير والكبير يجي ان يكون حاسم وحازم قي قراراته: ولا كلمه. مش عاوز اسمع حسك، اطلعي على چناحك وما تطلعيش منه الا بأمري...
ثم نظر إلى الباقين وهدر فيهم: وانتوا مش عاوز اسمع رط مالوش عازه واني هعرف اللي حوصل ده حوصل كيف والفاعل مهما كان مين اللي عملها الله في سماه لاكون طاخه بيدي ومش هيهمني حد واصل...
انصرفوا جمعياً وبقيت ديالا وحدها معه نظرت اليه ورماديتها تحولت إلى سحابه رماديه ممطره، ديالا، بصوت يرتجف: جبل، إنت مصدّق؟!
اقترب من ديالا، عيناه تضطربان...
مزيج من الغضب، والخوف، والشكّ الذي لم يطلبه...
لم يستطع الرد، وهذه وحدها كانت طعنة.
ابتلع جبل رمقه وتابع: في خطر في السرايا واني لازمن اعرفه...
ثم أكمل بصوتٍ مبحوح: اطلعي على چناحك اني هبات الليلة عند ورد، عندي كلام كتير معاها...
لم تنطق ديالا.
فقط شعرت بأن الأرض تسحب قدميها واختنق الهواء داخل رئتيها وهي تتابع ظله الذي اختفي داخل عتمه السرايا وكأن الليل ابتلعه...