رواية تحت الغطاء الأسود الجزء الأول للكاتبة مينار الفصل السادس
لم امت بعد! مازلت بمكاني لم اشعر بسيفه القذر الملون بالأحمر القرميزي يغرز في جسدي، عندما رفعتُ رأسي ببطء، رأيته يمسح سيفه بمنديل ازرق سمائي قد اخرجه من جيب بنطاله. بعد ان اصبح السيف شبه نظيف من الدماء، اعاده الى الحمالة التي على خصره. نظر لي بتَمَعُن و كأنه يُفكر بطريقة مميزة على ما اعتقد لقتلي. لكنه لم يتحرك و ظل ينظر لي بغرابة و الاغرب ان عيونه مليئة بالشفقة.
قرفَصَ الجني امامي واضِعاً ذراعيه على ركبيته و قال لي بصوت هادئ
ماذا يجب ان افعل بكِ؟ انتِ لم تعرفي عن اية شيء من قبل، لا ذنب لكِ مثلهم.
وسَعتُ عيناي بدهشة و بعدها تحولت الدهشة لنظرة اشمئزاز.
ماذا يجب ان تفعل بي؟ لا ذنب لي؟ ماذا يعني هذا الكلام السخيف؟ انا سألته بسخرية.
انتي لم تعرفي عن عالمي من قبل، لم تتورطي ولا دخل لكِ بهم. لذلك لا يجب ان ادعكِ هنا بعد ان علمتي.
رمَشَتُ عدة مرات قبل أن أستوعب كلامه في عقلي، ثم ضَحِكتُ بصوت عاليٍ مع انه لا شيء مُسَلي، لكن كلامه الذي لا يوجد فيه اية منطق يضحكني جداً.
لا يجب ان تدعني هنا؟ بعد كل الذي حدث اليوم، بعد كل القتل الذي لا رحمة فيه. الأن انت تأتي لكي تخبرني انه لا يجب ان تدعني هنا بعد ان علمت عن عالمك الذي لا يُهِمُني ولو قليلاً،
تَوَقفتُ للحظة ثم أكملت بصراخ في وجهه الحقير.
كيف تجرئ! كيف لك ان تدعني اعيش بعد قتلك للأشخاص التي احِبها و التي تكون حياتي هي بأكملها؟ كيف لك ان تُقرر عني؟ لماذا يجب ان اعيش بعد ان علمت عن عالمك، ما الفرق بيني و بينهم؟ اريدك ان تقتلني و تدعني ارتاح! فأنا لن اتحرك من هنا ساكِنة هل فهمت؟
وضع اصابِعه على جانب رأسه و كأنني صداع له، ثم انزل رُكَبته اليُسرى على الارض و اتكئ عليها و شعره الذهبي يسقط على عينيه و قال.
هُم اخبرو بعضهم البعض، لقد نشرو السِر بينهم لو لم أكن هنا لِأوقفهم لكانو قد اخبرو المزيد من الناس عنا و كلما عَلِم ناس اكثر كُلما اصبح الوضع اخطر و كان فسادكم انتم البشر سوف ينتشر لعالمنا و قد يدمره بأكمله بسببكم.
كلامُك سخيف و غير صحيح، عائلتي لن تفشي السر لأحد، ربما فعلوها بين بعضهم، لكن مستحيل للناس. انهم ليسو اغبياء لأنهم يعلمو انه خطر. و انت بحقارتك اتيت و اخذتهم مني بكل بساطة حتى من دون ان تعطيهم فرصة ليتكلمو. كان يمكنك ان تحل الأمور بالتفاوض او بِأي شيء ممكن.
هو لم يتكلم لفترة، فقط اكتفى بالتحديق بي يحاول ان يستوعب كلامي.
انا اتفهم شعورك، و معك كامل الحق في ان تغضبي علي، حتى ان تقتليني و تحققي العدالة، لكنه لم يكن خياري ابداً. لم اشاء ان أؤذي عائلتك. لو كان جني غيري، لكان قد فعل المثل تماماً. لا يُمكِنُنا ان نتجاهل القوانين، لأنها صُنِعت لحمايتنا. كما انتم البشر تريدون حماية عالمكم من الغريب، نحن ايضاً نريد الشيء نفسه.
شعرتُ فجأة بشيء دافئ ينزلق على خداي، عندما رفعتُ يدي و مسحت خدي، رأيت دموع لم انتبه انني ابكي. قلبي يؤلمني بشدة في هذه اللحظة، اشعر انني ممزقة لِأشلاء. الملايين من الاحاسيس تَتَدفق كالحيرة، الدهشة، الضعف، الذنب، الكره، الاشمئزاز، الندم و كل شعور سيء في هذا العالم السيء يوجد بي.
لماذا و كيف اكتشفت صوفي عالمهم؟ لماذا ابي سرق؟ انه لم يسرق في حياتها كلها من احد! بالعكس كان يعطي من دون مقابل، كان يعطي حتى لو لم يملك الكافي. كان انسان افتخر بنفسي كأبنته، لم اكن ابداً اتوقع ان يُقبِل على عمل كهذا في حياتي.
و اخي ليام، لم اعرف عنه شيء لانه بعيد عني و لسنا قريبين من بعضنا، لكنه دائماً ما يحميني و يدافع عني و عن الجميع. يكفي انه اخي الأكبر، كان غير اجتماعي و يبقى في غرفته عند وقت فراغه، كتوم و غامض.
صوفي ذات الشخصية القوية و صاحبة البسمة المشرقة، لم اكن ايضاً قريبة منها جداً، لكنها كانت تساعدني في كل شيء احتاج المساعدة به، في كل مرة كانو اطفال القرية يؤذوني، كانت تقف في وجههم و تُبِرحَهُم ضرباً.
تعلمت منها القوة و الشجاعة. و الان هي ايضاً ذهبت و تركتني.
و ماذا يجب ان اقول عن امي، التي علمتني ان اكبر في تفكيري و افعالي في سن صغير، علمتني ان الحياة ليست دوماً لصالحنا و دائماً سوف توقفنا عرقلات تجعلنا نستسلم ان كنا ضعفاء. امي الحنونة التي حضنها يكفيني كي انسى كل ما حولي من قسوة و ألام. همسها لي بصوتها الناعم كان يكفي ان ينسيني الدنيا و يجعلني انام من دون احلام.
و انا هنا اجلس في بِركة دمائهم و رائحة اجسامهم التي لا تتحرك و تملئ انفي. الشخص المسؤول موجود امامي يخبرني انه لا ذنب لي ان اموت بعد خسارتي لكل شيء.
لا! لن ادعه يؤذيني، سوف ابقى هنا معهم الى اخر انفاسي.
رفعتُ نظري له ببرودة ثم ضربت يدي على الارض بقوة و قلت له
انا لن اتحرك من هنا و لن اذهب معك لأية مكان هل فهمت؟ يمكنك ان تذهب و تدعني و شأني او يمكنك ان تقتلني مع سرك السخيف بهذه اللحظة.
ابتسم ابتسامة عريضة أظهرت اسنانه البيضاء المصفوفة بشكل جميل و جعلت تجاعيد صغيرة تظهر بنهاية عينيه البنية المائلة للأصفر.
يبدو انكِ عنيدة جداً، و لن تُنصتي لي، حسناً كما تشائين. سوف احقق لك ما تريدينه وانهي الأمر للأبد.
شعور الراحة بدأ بِغزو قلبي و عقلي، و ارتخت اكتافي ومع ظهري بعض الشيء، و من دون سبب حَنيتُ رأسي للأسف انظر ليداي التي تستريح على افخادي، لا اريد ان اراه و سيفه المقزز، لا اريد ان ارى شيء بعد عائلتي الممدة امامي و روحهم تارِكَ اجسادهم الضعيفة. قبل ان يحدث الأتي سمعت الجني يقول
يبدو انه لا خيار اخر لي، لن تكوني سعيدة بالذي سوف أفعَلُه، انا اسف.
ثم شعرت بيده الدافئة تلمس رأسي و فجأة لم اعد اشعر بجسدي، و كل شيء تحول لِظلام...