رواية تحت الغطاء الأسود الجزء الأول للكاتبة مينار الفصل الخامس والستون والأخير
في اللحظة التي هبطنا جميعنا على الأرض، رأيتُ مالم اتخيل رؤيته حتى في القتال الأول. الجيش الذي على الجهة الأخرى من النهر يركض بأسرع ما يمكنهم. احجام الجنود مختلفة بِدروعهم السوداء، منهم يحمل السيوف و الكُرات الحديدة المعلقة بِسلاسل فضية تبرق و منهم يحمل الفؤوس الحادة. لم ينتظرو جيشنا الى أن يقتربوا بَل ركضوا هُم ايضاً لِلنهر يرفعون اسلحتهم حتى تتلامس مع اسلحة اعدائنا بِقوة يصدرو اصوات الحديد على حديد و الصراخ اصبح أعلى كأنه الموسيقى الوحيدة في هذا العالم المظلم.
جيشنا يبدونَ بنفس عدد اعدائنا لكون قوة لايتا تعمل عليهم بشكل رائع و مخيف بنفس الوقت. المعركة بدأت، و عدد ضخم بدأ بالوقوع على الأرض و مقابلة حتفَهُم بِوجود السيوف على رِقابِهم و في اجسادهم إن حاولوا الأقتراب، ولكن جيشنا ايضاً بدأ بِخسارة عدد كبير مثلهم، هكذا الحرب، توجد الخسارة أكثر من الفوز.
ابقي بِجانبي و لا تبتعدي عني مثلما حدث من قبل.
اخبرني ريس ينظر اليّ بعدما رفع درعه لأفعل مثله. انا سحبتُ سيفي و امسكتُ بِدرعي بِشدة اخاف أن يفلت مني.
سوف نبقى معها لهذا لا تقلق. قال فالين مِن جانبي ينظر لي بِطرف عينه و رأيتُ مايكا يومئ بِجانبه هو.
هيا بنا! صاح فالين لنركض للأمام و الى المعركة.
ظهر امامي و امام ريس أثنين مِن الشادونايس بِسيوفهم الطويلة و على وجوههم التي من دون اية خوَذ و أبتسامات قبيحة. تقابلت سيوفنا بِسيوفهم لتخرج شرارت إثر تصادمها. رفع الأول سيفه على ريس لكن ريس صَد الضربة بِأحترافية يدفعه بِقدمه في بطنه ليأخذ الشرير خطوات للخلف ثم و بأخر ثانية غرز ريس سيفه بِبطنه ليذرف الدماء الأسود كالشلال.
امامي الأخر مُمسكاً بِسيفه بيدين يرمقني بِعيون صفراء بِنظرات قاتلة. رفعتُ سيفي ارمي ضربة بِأسرع ما يمكنني، لكنه كان اسرع ليَصُد الضربة و يتقدم بِساقيه العضلية ليُعيدني خطوات لِلوراء، لكنني درتُ كالعجلة لِليمين لأبتعد عن سيفه و اصبح وراء ظهره تماماً. قبل أن يلتفت لكونه متفاجئ من حركتي رميتُ ضربتي على ظهره ليقع على الأرض من دون اصدار صوتاً.
تعالي معي! قال ريس يَجذُب انتباهي بعد أن انتهيت.
ركضتُ اليه بين الجنود لجانبه اشعر بأمان أكبر معه. أثنين اخرين ظهرو امامنا، لكن واحد منهم بِبشرة بيضاء كَلون الثلج ذاته و شعر أبيض طويل بِدرع فضي لا يُمسك سلاحاً بيده و هنا عرفتُ انه لا يحتاج واحداً لأنه يمتلك اسوأ منه.
انا سأخذه، انتِ تولي امر اللعين الثاني.
أومأُت له ثم ركضتُ على الشادونايت الذي يحمل فأساً ضخماً بِضخامة ذراعه. و انا اقاتله، رأيتُ ريس و الجندي الذي يكون من مملكة سنويان يتقاتلون بِالقوات، لكن ريس يستخدم سيفه أكثر من قوته لكونها خطيرة على نفسه ايضاً. انني اتراقص مع الذي اقاتله و بِحذر اخذ خطواتي بعيداً عن ضرباته بذلك الفأس الكبير الذي سَيقطع رأسي إن لامسه فقط.
توقفي عن التحرك ايتها البشرية القذرة! صاح هو يمسك بِسيفي من دون أن يهتم لِلدماء الذي يَسيل مِن يده و على سيفي.
رفعتُ قدمي و ركلته بين الساقين، ليُخرِج صراخاً اخراً هذه المرة من الألم يدع سيفي لأخذ فرصتي و اغرزه بِصدره من دون رمش جفن. انني اشعر بِطاقة لا يمكنني شرحها، تتدفع بِكامل جسدي كَتدفق المياه من الأنهار و حماس لم امتلك من قبل كأنني لستُ اقاتل بَل العب و اتظاهر انني مُحاربة في معركة خيالية كما كنتُ افعل عندما كنتُ طفلة صغيرة لا تعلم أنَ كُل ما اتخيله هو في الحقيقة ليسَ خيالاً و إنما مَخفي لا احد يعلم عنه.
انتبهي خلفكِ! سمعتُ صوت أدلار لألتفت للخلف و أرى جندي اخر مِن مملكة سنويان يركض بأتجاهي و في وجهه لا يوجد إلا الغضب و يديه مَمدودة امامه يُخرج منها ثلج يستعد ليَرميه عَليّ.
قبل أن اتحرك رمى هو قوته لأتفاداها و اقع على الأرض افقد سيفي. لم اتأذى لكنني عثرتُ على حجرة بحجم قبصتي بِجانب يدي. امسكتها و رميتها على وجهه ليقع هو ايضاً على الأرض ينزف مِن انفه لكنه وقف على ساقيه بِسرعة قبل أن افعل ثم رمى قوته الثلجية عَليّ من جديد ظننتُ انها سَتتقابل مع درعي ليقف أدلار امامي و يَصُد الضربة بِسيفه.
صحيح، أنَ قوة أدلار هي إيقاف القوة الأخرى من دون التأثر بها ابداً، لأنه هكذا كان يفعل عندما يتلامس ِمن دون قصد مع ريس أو في وقت فقدانه السيطرة على لعنته.
انهضي بِسرعة تاليا! قال صوت انثوي مألوف، صحابه مُمسكاً بِذراعي العلية ليرفعني على اقدامي مجدداً.
رفعتُ رأسي لأحدق بِعيون خضراء كبيرة، كريسيدا!
انتِ،
نعم، انا معكِ و ساحراتي هُنا للأنضمام لكم.
و كأنها استعدتهم جميعاً، بدأتُ بِرؤية المِئات من الساحرات تطير على مكانِسِها في السماء و تقاتل معنا في ساحة المعركة. سيفي مازال بعيداً عني لكنني أراه، على الأرضية الطينية بِجانب ذلك العدو. ليسَ لدي خيار سوى استخدام قوتي للقتال هذه المرة و الحمدلله أنَ أدلار، كريسيدا معي و ريس، حركتُ رأسي في كُل الأتجاهات ابحث عنه لأراه مع لايتا يُقاتل مجموعة كبيرة من الجنود المتوحشة. يبدو بارعاً مع لايتا في القتال و اعتقد انني لن اقلق عليه بَل ععلى نفسي.
ركض المحارب علينا كِلانا يرمي قوته من يديه الأثنتين و نحنُ نتفاداها بأخر لحظات. واحدة من رمياته لامست درعي لأشعر بِذراعي حتى اسفل الدرع السَميك باردة جداً.
إن كانت قوته فقط تُلامسني تفعل هذا، فَماذا سَيحدث
إن فعلاً صابتني؟
سألتُ نفسي اخذ انفاسي بِصعوبة و رئتاي تحترق.
اصبح أدلار بِجانب سيفي، ليرفعه بِسياقه مُمسكاً به بيده الأخرى و يرميه لي يرمقني بِنظرة تخبرني انه في المرة القادمة التي اخسر فيها سيفي، سألقي حتفي إن لم اعرف كيف استخدم قوتي جيداً. قبل أن اخذ خطوة اليهم دفعني احداً ما لكنني لم اقع إنما التفتُ لأرى مُحارب من الشادونايتس يبتسم و بيده لا يوجد شيئاً غير أنَ ظلاله تطفو من حوله كما تفعل مع ريس احياناً.
تباً! تمتمتُ الكلمة اعصر قبضة السيف بِشدة انحني قليلاً استعداداً لهجومه.
رفع يده في الهواء امامه و اشار بأصبعه الأسود عَليّ لتتحرك ظلاله و تطفو نحوي بِسرعة قسوى. انا اخذتُ ابتعد عنها ثم ركضتُ اليه قبل هجومه الأخر و رفعتُ سيفي اوجهه على وجهه و بالطبع هو اسرع و اقوى، تفادى ضربتي و اخذ يدور ليُصبح بِجانبي و قبل امساكه بي، رفعتُ يدي الفارغة لأنني فقدتُ درعي بمكانٍ ما بعدها استعدتُ قوتي حتى تضربه بِصدر و يَطير بعيداً عني. لا احتاج الأقتراب منه لأرى الحفرة التي سَببتها بِقوتي، مازلتُ لم اغير رأي، عندما اخرج مِن المعركة حية، سأذهب الى الساحرة و اشكرها.
هل انتِ بخير؟ فجأة ظهر ريس من جانبي يمسك بِكتفي و في عينيه قلق لم أراه من قبل.
إنَ البياض حول عينيه اختفى ليُصبح أحمراً، لعنته تؤذيه بِما انه يظهر غضبه و انا بعيدة عنه منذ فترة الأن، لا يمكنني لمسه إلا من وجهه لأن جسده مغطى بالكامل.
رفعتُ يدي و وضعتها على وجهه المتسخ بالطين و الدماء الأسود ثم أبتسمت له أومئ بِرأسي
انا بخير لا تخاف عليّ، أدلار معي.
أومئ هو مثلي يتنهد و يضع جبينه على جبيني.
ريس يجب أن نتحرك! فَغادان و كيجا في ذلك البرج! اخبره فالين يُشير بأصبعه على برج لم أراه في البداية.
انه امام النهر، خشبي طويل جداً متحرك يخرج منه جنوداً كثيرة من الشادونايتس و سنويان، انه يقترب كثيراً لكن بِبطء.
هل انتَ متأكد انه في الداخل؟ سأله ريس يُضَيّق عينيه على البرج المتحرك.
نعم. لقد اخبرونا الجواسيس بذلك انهم هناك بالقرب من البرج يفتحون طريقاً لك.
حسناً، لنذهب.
تحركنا سوياً لِلبرج لكن بالطبع لم يكن بتلكَ السهولة الوصول اليه. فقد حاول الكثير منعنا بِقتلنا و مع ذلك لم يستطيعوا. اخرج ريس ظلاله عليهم ليبعدهم و يقتلهم انا استعملتُ قوتي في اغلبية الوقت لكنها ليس بالقوة التي احتاجها أن تكون. فأنا اشعر بالتعب و الضعف، لا اعرف كيف مازالت ساقاي تحملني و كيف كِلتا ذراعيي تمسك بالسيف و الدرع الذي اعطاني ريس خاصته.
لا تتركيني ابداً. قال ريس بعد أن اقتربنا جداً من البرج العملاق.
انه طويل كثيراً مرعب، من حوله يتحاربوا الجيوش و الدماء كالبِركات مِن اللونين الأسود و الأحمر و يوجد جنود تحرس البرج بِشراسة تبعد من يقترب، لهذا الدخول له لن يكون بسيط.
سوف اتولى امرهم، انتم ادخلوا مع جلالته. قال أدلار لنا ينظر لِمايكا لكي ينضم له.
و انا سأكون معهم جلالتك. قال صوت غريب لم اسمعه من خلفنا.
استدرتُ قليلاً للصوت لأرى مخلوقاً خشبياً عملاقاً يصل طوله لنصف طول البرج امامنا، لدهشتي لم اعد اعلم كيف ارمش بعيناي أو احرك فمي، مع أنَ الأمطار تملئ وجهي و تصل لفمي إلا أن فمي جافاً تماماً.
شكراً لكِ تيلار. قال ريس يومئ لها بأمتنان.
انا اخذتُ خطوة صغيرة اليها مندهشة لا اصدق ما أراه، تلكَ المخلوقة المزعجة القصيرة التي لا يصل طولها إلا لِنصف ساقي، تبدو الأن، مختلفة جداً، ليست مُخيفة لكن رائعة!
على ماذا تحدقين ايتها البشرية؟ سألتني هي تظهر أبتسامة على شفتيها الخشبية.
هل كنتِ تُخبئين هذه القوة عني لكي تفاجئيني بها لاحقاً؟
ضحكت هي بصوتها الذي يبدو أكثر انوثة من قبل أن تتحول.
لقد اخبرتك في ذلك اليوم في القصر، على انني قد ابدو صغير لكنني امتلك قوة لا مَثيل لها، لهذا لا تَستهيني بالظاهر.
حاول محاربين الهجوم علينا لكنها امسكت بهم كأنهم دمى صغيرة لِلعب و اقتلعت رؤوسهم من دون تفكير. لِضخامتها و قوتها هذه، يمكننا أن نفوز بالحرب، و مع ذلك لكي نفوز بالحرب يجب علينا الأمساك و قتل غادان مِن دون تأخير. تحرك مايكا لِجانب أدلار ينظر مرة اخيرة لِلملك فالين و ينحني له مثلما فعل أدلار و بعدها ركض كِلاهُما على الجنود التي تحرس البرج و بدأو بِقتالهم. اخذنا انا، ريس و فالين طريقنا لِلبرج. فتح ريس الباب بِركلة قدم ليكسره لأجزاء و نرى المزيد من الجنود في الداخل متفاجئون من رؤيتهم لنا هكذا.
لن تصلوا لغادان! وجه احد المُحاربين الكلام لريس بالذات يظهر أبتسامة ماكرة تظهر اسنانه الصفراء.
سوف ترى ما سَيحدث. اخبره فالين يرفع سيفه عليه و يعطيه بسمته الخاصة التي تقول انهم سَيلقون حتفهم قريباً.
رمى فالين ضربته على احدهم ليصدها هو ولكن لقوة فالين الجسدية جثَ المحارب على ركبة واحدة مازال يحاول صَد سيف فالين يلعن تحت انفاسه. أثنين هجموا على ريس يرمون بِظلالهم عليه، لكن لكونه جزءاً منها و الفضل لِغادان، لم يتأثر بهم لكن درعه تأثر، فأصبح كالزُجاج المتكسر ليس له داعيٍ بعد الأن و انا اصبحت ارتجف اريد الذهاب اليه للمدافعة عنه لكن يداً ما امسكتني من كتفي و سحبتي ليصبح سيف الشخص على رقبتي.
هل من كلمة اخيرة ايتها البشرية؟ هَمس المحارب في اذني.
شهقتُ بِقوة منصدمة لكني امسكتُ نفسي و فكرتُ بسرعة قبل أن يفوت الأوان و اموت هنا. قدمتُ رأسي للأمام ثم اعدته بِسرعة ليَرتطم رأسي من الخلف بِفم الذي يمسك بي و يعود للوراء بعيداً عني يضع يده على فمه و ينظر لي بنظراته المُميتة. لم اخاف لأنني رأيتُ اسوأ لأتحرك و ارمي عليه قوتي لتقتله بلمح البصر. التفتُ لوجود ريس و فالين أراهما يُقاتلان الجنود التي نزلت من الدرج الذي يقود لأعلى البرج و اظن انه مكان غادان و كيجا. انهم عشرة على الأقل و نحنُ ثلاثة فَحسب، هذا سيء جداً جداً.
هذا اصبح مُملاً. تذمر فالين يقف امام ريس رافعاً يديه الأثنتين مُغمضاً العينين.
عقدتُ حواجبي بِحيرة لا افهم ما يفعله الأن في هذا الوضع الحرج و لكن كالأجابة على سؤالي و حيرتي الكبيرة، بدأ البرج بالأهتزاز اسفلنا و لدهشتي تكسرت الأرضية الخشبية و خرج منها عروق و زهور بأشواك تبدو حادة كالحَد السيوف و التفتَت حول سيقان و اجساد اعدائنا كأنهم افاعي و بدأت تعصرهم حتى نسمع اصواتهم العالية من الألم تَرُن بأذاني. العشرة الذين كنتُ قلقة على انفسنا بِسببهم اصبحوا امواتاً معلقين بِالزهور السامة و الأشواك القاتلة.
هيا بنا نذهب، قبل أن يقفونا المزيد منهم. اخبرنا فالين لنركض معاً الى السلالم و نتسلق للأعلى.
وصلنا لأعلى البرج، لكن ما فاجئنا كُلنا، هو عدم وجود اية جندي ليحرس المكان. لا يوج باب فقد مدخل مفتوح لمكان واسع كبير كأنها قاعة لولا تذكري اننا بِداخل برج عاليٍ جداً. مع أنَ البرج من الخشب، إلا أنَ هذا المكان الذي يبدو كالقاعة الواسعة من البلاط اللامع و في منتصف القاعة مُجَسم غريب.
انه السحر، يُحول داخل البرج لشيء مختلف تماماً عن ما يبدو خارجاً، لهذا خرج منه الكثير من الجنود فور وصول البرج. ياله من تلاعب بالسحر العظيم و مع ذلك المكان يبدو جميلاً و خيالياً.
هل هذه مزحة؟ سأل فالين نفسه ينظر بكل الأتجاهات يبدو مصعوقاً مثلي بينما ريس في الجهة الأخرى، يبدو هادئاً و غير مُبالياً.
انه هنا. هَمس ريس يحرك رأسه لينظر الى المُجَثَم الكبير.
لماذا تتذمر فالين هاه؟ انها هندسة فريدة من نوعها و سحراً خارقاً ليجعلني مرتاحاً في هذا البرج القديم.
فجأة قال صوت ضخم و رجولي من مدخل في الجهة الأخرى من القاعة ليظهرو محاربين من الشادونايتس و سنويان لكنهم لم يهجموا أو يفعلوا شيئاً بَل بقيوا واقفين.
ظهر رَجُلين احدهم طويل بِبشرة فاتحة و شعر طويل أبيض يمتلك عيون زرقاء و يرتدي درعاً أزرق داكن جداً قريب للأسود و على رأسه تاجاً فضي. لديه نظرة باردة كَلون شعره و بشرته. لقد حزرت على انه كيجا، ملك سنويان، اصغر ملك في هذا العالم.
بِجانبه رجل اقصر مِن كيجا لكن بنية جسده مُمتازة، لديه بشرة حنطية، عيون رمادية داكنة و شعر رمادي مع لحية كثيفة يرتدي تاجاً ذهبياً و ملابس ملكية.
يبدو لي بشرياً، طبيعياً لا يختلف عني انا أو عن اية بشري اخر لولا شكل أذنيه المُدببة. انه غادان!
ملك مملكة شادونايت و أكبر خطر لهذا العالم و حتى العالم البشري. لقد ظننته قبيحاً، وحشاً مخيف و مرعب كَتلكَ الوحوش التي تحلم بها الأطفال و اسوأ، لكنه ليس كذلك. يبدو عجوزاً قوياً و صاحب قوة ترعب ريس في كل مرة يتكلم عنها معي. هذا الرجل الذي ينمو الرعب و الكوابيس بِجميع المخلوقات في هذا العالم، انه أكبر عدو لجميع الممالك و الأن ها هو يقف امامنا بِفخر لا يظهر على انه خائف منا أو من اية شيء اخر.
ابن اللعينة! قال فالين يَعض بِشدة على اسنانه.
أوه هيا فالين، لا تكُن هكذا، فَلقد مرت فترة زمنية منذُ اخر لقاء بيننا.
اخرج فالين صوتاً من انفه كالضحكة الساخِرة لكنه لم يَعُد يتفوه بِكلام اخر.
اعاد غادان عينيه الى ريس ثم ارتفعت زاوية مِن فمه على شكل بَسمة لرؤيته لريس.
ريس، لماذا انتَ ساكِن؟ تبدو بحالة جيدة بالنسبة لما حدث معك منذُ اخر لقاء بيننا. أرى أنَ لعنتك لم تؤثر بِك كما ظننت سَتفعل.
حدق ريس به لمدة ظننته لن يرد عليه، لكنه فتح فمه و قال له بِنبرة ضجرة، انتبهتُ انه يوجد فيها السم
و انتَ تبدو بِحالة لم تختلف عن الحالة التي رأيتكَ فيها عندما دمركَ والدي.
اختفت أبتسامة غادان الماكرة، لشيء اخر كالكره أو ابشع كأنه يتذكر المأساة التي كان فيها في اخر حرب لهُما عندما كانَ والد ريس على قيد الحياة.
اين والدك ريس؟ انا لا أراه، و اين و الدتكَ الجميلة، لطالما كنتُ معجباً بها و بعِقلها الذكي، أوه صحيح، لقد سمعتُ بالمشكلة التي سَببتها انت. ياللأمر المحزن و البائس. ضحك غادان بصوت مرتفع يضع يده على بطن، يضحك مع نفسه.
كيجا بِجانبه هادئ، لا يتحرك أو يُبدي اية ردة فِعل، فقط ينظر الينا أو على الأرض كأنه يشعر بالعار لكونه يقف مع غادان و ليس مع اصدقائه القُدامة.
هل هذا ما اردته كيجا؟ سأل فالين يحدق بِملك الثلج بِعيونه المليئة بِخيبة الظن و الحزن حتى صوته اصبح ضعيفاً عندما سأله.
رفع كيجا رأسه لينظر له لكنه لم يُجيبه أو يُحاول فعل امراً غير أنَ ملامح وجهه الوسيمة تغيرت ليظهر عليها الحزن المشابه لحزن فالين.
لا تحاول فالين. فأنَ بيننا اتفاق سحري إن حاول مساعدتكم أو عَصي اوامري، فقدره سَيكون أسوداً. قال غادان.
أهذا ما تريده كيجا؟، مُحاربة اصدقائك؟ اكمل فالين لا يُبالي بِكلام غادان عن الأتفاق السحري بينهما.
هذا ما يجب فعله فالين. لم يكن احداً لجانبي عندما احتجتكم، اين كنتم اخبرني؟ صاح كيجا ينظر لفالين بِعيون ثلجية تبرق كأن الثلج يَعيش بِداخلها.
ليسَ صحيحاً! لقد حاولنا مساعدتك لكنكَ دوماً ما ترفض، دوماً ما تبعدنا عنك و تبقينا خارج مملكتك.
هل هذا نوع اخر من الأعذار الجديدة يا صديقي القديم؟ لأنني لن اصدقها، لأنها ليس الحقيقة!
هذا يكفي! قال غادان بِصوت عاليٍ تحول لِصدى في الأرجاء.
لقد اخبرتك أن لا تحاول فالين، لماذا تعارضني؟ اكمل غادان يتنهد و يُدلك جسر انفه بأصابعه كأن رأسه يؤلمه.
عندما اقتلك سأعيده الينا، لا تقلق غادان. تحدث ريس يأخذ خطوة صغيرة جداً للأمام بأتجاه ملك الوحوش.
تحركوا الجنود مِن حوله يسحبوا سيوفهم لكي يحموا ملكهم لكن غادان منعهم يضع ذراعاً عليهم حتى لا يأخذُو حركة اخرى.
لقد سمعتُ من عصفورة انكَ تعيش بِسعادة مع بشرية بِسببها انتَ تتحكم بِلعتك و اظن،
توقف غادان قليلاً لينظر لي انا اقف بِجانب ريس لا اظهر اية تعابير على وجهي المتجمد ثم اكمل
انها هي البشرية التي تُحبها لا؟
ما شأنك انتَ؟ الا يوجد ما هو اهم من هذا الكلام غادان؟ اخبره ريس يقترب هذه المرة مني و يقف تقريباً امام يُخفيني عنهم.
ضحك من جديد غادان يرى ما يفعله ريس
بالطبع انه شأني. فأنها مَن دمرت خطتي بِجعلكَ تعيساً مدى الحياة الى أن اقابلك، لكن أرى أَنَ خطتي و مع الأسف فشلت و الفضل لِقدرتها التي وُلِدَت بِها و ياله مِن امر عجيب و مذهل مازال يُذهلني دائماً.
لماذا تفعل كل ما تفعل غادان؟ لماذا؟
تنهد غادان يضع يداً على مقبض سيفه المعلق على خصره يتكئ على ساق يحدق بِريس ثم بي قبل أن يُجيب بِوجه قد اختفت من عليه علامات المُتعة.
لدي اسبابي الكثيرة فأنا لن اعدها لك لكي لا نُضيع وقتنا، لكنكَ تعلم جيداً اننا مملكة منبوذة، ليس لها اهمية كَباقي الممالك. مملكة قد عاشت فقيرة منذُ قرون لا تُعَد و لا تُحصى، لم تكن تعرف ماهي القوة و لا الحياة السعيدة و فور امتلاكنا لكل ما تمناه شعب شادونايت، بدأنا بِطلب المزيد لكي نؤمن على انفسنا منكم انتم. فَهذه هي الحياة ايها الملك، لن يكتفي احداً بِما لديه، و كُلما تمتلك كُلما تطلب و تحتاج أكثر. القوة و السلطة هي التي تفعل بِنا هذا و انتَ ادرى ريس، والدكَ كان لا يختلف عني شيء، صحيح انه لم يكن من الأشرار لكنه احمقاً لم يَقبل مساعدتي يوماً لهذا تلقى ما طلبه هو، منكَ انت.
هذا الكلام لن اصدقه و لو حدث امامي. ابي لا يُشبهك ابداً و سبب عدم مساعدتنا لكَ هو انكَ رجلٌ مجنون تريد تَدمير العالم و اخذ ما ليسَ لك. الم تسأل نفسكَ يوماً لماذا يحدث ما يحدث معك؟ سأجيبك بنفسي حتى ادفن فضولك، لأنك لا تعرف الرحمة، فأنتَ كوالدك و اجدادك جميعها، تعذبون البريئين و تأخذون منهم ما يملكونه حتى يصبح لكم. تقتلون من دون تفكير، تلومون الجميع على اخطائكم و لا تعطون فرص اخرى لغيركم. لقد قتلتَ عائلتك من اجل العرش فَكيف لنا مساعدتك و اعطاء ايدينا لك هاه؟ كيف لهذا أن يكونَ منطِقاً؟
نحنُ كَملوك، يجب حماية ممالكنا من امثالك، لهذا مساعدتك كانت لتتحول لِندم كبير. اكمل فالين عن ريس بِرأس مرفوع ينظر لغادان الذي فجأة أكَل القط لسانه و كيجا الذي لا يُظهر تعابير على وجهه الأبيض.
خطاب جميل ريس، لكنه سخيف ليس له داعيٍ في لحظة كهذه. فأنت و تلكَ الفتاة التي تحبها، لن تعيشو لترو يوماً اخراً. قال غادان يُشير بيده لِلجنود التي معه حتى تتحرك من حولنا و معها السيوف امامها توجهها علينا.
اننا في داخل الدائرة و من حولنا هُم، لن نستطيع الهرب أو الأبتعاد إلا إذا قاتلناهم.
هل سَتدع من حيواناتك الأليفة تُقتال عنك ايها الجبان؟ سأل فالين يَثني ركبتيه قليلاً يَستعد لهجوم الجنود.
أوه لا لا، بالطبع ليس كذلك. انهم هنا معي منذُ ايام و أرى انهم يشعرون بالملل، لهذا ما سَيحدث مجرد تحمية لا أكثر.
اقتربي مني. هَمس لي ريس و انا انصتُ له ظهري على ظهره ارفع سيفي امامي بِدفاع قلبي ينبض بِقوة اشعر به ينبض بكُل مكان.
مهما حدث، فأنا معك دوماً. هَمست له انا انظر بعيون الجنود امامي.
اريد أن اخبركِ امراً مهماً. وجودي هنا بالقرب من غادان خطير جداً على الجميع بِما انه هو مَن القى اللعنة عَليّ، قد يحصل شيء، مختلف لم تريه يوماً، لهذا أرجوك مهما حدث انقذي نفسك انتِ أولاً و لا تنظري ورائكِ. لا تترددي و لا تقفي بَل انقذي نفسك أو اهربي الى أدلار و الباقي في المعركة لا تبقي وحيدة أو تحاولي إيقافي هل فهمتي؟
حركتُ رأسي قليلاً لِلخلف متفاجئة من كلامه الغريب ثم سألته اعقد حواجبي.
ما الذي تتحدث عنه ريس؟ لماذا تقول كلاماً كهذا؟
هزة رأسه يأخذ نفساً عميقاً
فقط عديني.
هل تُحاول القول انكَ، انكَ ستتح--
قبل أن اكمل جملتي صرخ غادان على جنوده قائلاً
اقتلوهم و ابقوا الفتاة البشرية لي!
و بذلك هجموا الجنود علينا بِسيوفهم علينا لا يعرفوا الرحمة و في عيونهم المتوحشة الشراسة تُنقط منها. أول واحد حاول قتلي بِأصابتي على صدري لكنني هربتُ من الضربة اركله على وجهه ليَسقط تاركاً سيفه. قبل وقوفه على ساقيه، ارسل ظلاله عَليّ لتُصيب درعي في البطن لكنها لم تكن ضربة قوية لكونه لا يركز و مع ذلك شعرتُ بألم في معدتي لأتجاهله و اركض عليه بِسيفي لِأغرزه بِبطنه.
الأخر حاول امساكي من خلفي لكنني كنتُ اذكى و اسرع، تفاديتُ قبضته و امسكتُ حافة درعه من خلف رأسه ثم سحبته بقوة حتى اغرز السيف بِظهره. وقف امامي جندي من السنويان ثم اصابني بِقوته لأطير و ارتطم بِجدار، اسمع صراخ ريس بأسمي. نظري اصبح ضبابياً بالكاد أرى شيء و لم اعد اشعر بِجسدي ابداً فقط برودة فظيعة كأنني غارقة بالثلوج.
فوق ذلك، سمعتُ ضحكة غادان الشريرة جيداً، مع انني لا أراه لكنني اخمن على انه يُصفق فوق الضجة التي تحدث هنا.
قفي حالاً! قال ريس يظهر امامي و يُمسكني من ذراعي لكي اقف مرة اخرى.
من دون سابق انذار هَجم محارب على ظهر ريس بسيفه ليصرخ هو من الألم و انا أرى دمائه على الأرض. ريس لم يتحرك أو يقف لِلحظة فقط يُحدق بي. استدار بِبطء شديد على الرجل الذي أذاه ثم رفع يده و رأيتُ ذلك واضحاً، ظلاله خرجت من اسفل ذرعه و على رقبته اصبحت تتحرك بِحركات طائشة لا تعرف الهدوء ثم خرجت ظلال لتُصيب الرجل و يقع على البلاط البارد بعيداً عنا يرتجف و عينيه بيضاء لا يمكن رؤية القزحة، بنفس الوقت يخرج دُخاناً أسوداً من جسده كأنه يحترق بعدها كأنه لم يحدث شيئاً له توقف الرجل عن الأرتجاف، لقد ماتَ يتعذب.
ما الذي فعله ريس له؟
أول مرة أرى لعنته تفعل شيء كهذا.
هذا رائع! صاح غادان يجذب انتباهنا بعيداً عن الرجل الميت.
لقد تطورت اللعنة لتصبح اسوأ مِما ظننت! يالي من رجلٌ عظيم.
اخرس ايها الحقير! قال فالين بعد أن اخرج سيفه من جسد اخِر محارب.
انتَ التالي فأستعد. اكمل فالين يمسح الدماء مِن أعلى سيفه بِلباس الرجل الميت.
مع الأسف لن اكون، كيجا ما رأيك أن تريهم قوتك؟ اشار لِكيجا بيده ولكن كيجا حرك رأسه ليحدق بِغادان متفاجئ مِن طلبه كأنهم لم يخططوا لهذا ابداً.
ما الذي تقوله؟ سأله كيجا مُنصدم ينظر اليه كأنه يراه لأول مرة في حياته.
انا ملكك، يجدر بكَ حمايتي. قال غادان من دون النظر اليه كأنه نكرة.
كيف تجرئ؟ انتَ لستَ ملكاً عليّ، فأنا اعطيتكَ جيشي و دعمتك كما فعلت فقط لا أكثر أو اقل. عارضه كيجا يصرخ بوجهه.
قبل أن نغمض اعيننا و نفتحها وضع غادان يده على صدر كيجا و اصابه بِقوته ليقع كيجا لا يتحرك ساكِناً.
كيجا! نادى فالين بأسمه و في عينيه دموع لكنها لم تَنهمر.
ايها اللعين سوف تموت! قال هو بعد أن تقابلت عينيه بِعيون غادان الذي يبتسم لا يهمه ما فعله لِلشخص الوحيد الذي دعمه.
ما قاله ريس صحيحاً، اعطاء يد العون لكَ كأعطاء أرواحنا لِملك الموت!
يالكَ من جاهل فالين، الم ترى بعد؟، فأنا ملك الموت! رفع غادان يده امامه و كما فعل بِكيجا رمى على فالين ظلاله و لكن لحسن الحظ انه تفادى الضربة بِقفزه بعيداً عنها.
ريس لم ينتظر أكثر، بَل اخذ يركض بسرعة لم تلحقها عيناي على غادان و وجَه سيفه عليه و من حسن الحظ دخل السيف به، لكن لِلمفاجئة اختفى غادان كالدُخان بِكُل سهولة كأنه لم يكن هناك اساساً.
الن تستخدم لعنتك عَليّ ريس؟ ياله من امر محزن، فَلقد ظننتكَ، أوه انتظر، الأن افهم. فأنتَ لن تقدر على قتلي بها لكوني انا من اعطيتكَ إياها. قال غادان بِسخرية يظهر فوق المُجَسم ينظر الينا من الأعلى.
لا تكن واثق من نفسك غادان، فأنا لستُ كما تركتني. اخبره من بين اسنانه يلتفت اليه فور سماعه لصوته.
مُثير للأهتمام و انا متشوق لأعرف ما انت الأن.
إذاً انزل الى الأسفل لتكتشف و لا تكن جباناً!
أبتسم غادان على كلام ريس كأنه سَخيف ثم اختفى ليظهر مرة اخرى امام المُجسم يضع كِلتا ذراعيه خلف ظهره كأنه لا يأبَه بِكون ريس امامه أو انه هنا لقتله.
مُت ايها الخبيث! صرخ فالين بأعلى صوته ثم رفع يده لتَتَشكل حيوانات تبدو متوحشة من الورود، الأعشاب و الشجيرات التي من حولنا و تتهجم على غادان.
تحرك هو مسرعاً يركل الحيوانات بقدمه و يضربهم بِذراعيه كالذي يتشاجر مع العاب ليس إلا و بالطبع قتلهم بِقوته ليختفوا من على الوجود.
يالها من إضاعة لِلنباتات المسكينة، هل هذا كُل ما يمكنكَ فعله فالين؟ فأنتَ ثاني اقوى ملك في هذا العال--.
قبل أن يُكمل تلقى ضربة على صدره من قوة فالين ليقع على الأرض مُنصدم من الذي حدث له. اخذ ريس الفرصة بِخطواته سريعة نحوه يرفع السيف بالهواء و يصوبه على الرجل الملقى على الأرض. امسك غادان السيف قبل أن يصل لرقبته بيديه العارتين يعض على اسنانه و يحدق بِريس الذي فوقه مُحاولاً ادخال السيف بعنقه.
لن اموت بهذه، السرعة! قال غادان يتدحرج من مكانه ليُقابل سيف ريس الحاد، الأرضية المبلطة التي انكسرت إثر ضغط ريس بِسيفه.
وقف غادان على ساقيه ثم توجه الى فالين الذي ركض له يرمي قواه الشُعاعية بيديه سوياً لا يترك ثانية لِلتنفس. بالنسبة لعُمر غادان، فَتَحركاته و سرعته تعطيه عُمراً اصغر من عمره الحقيقي، فَهو يبدو رشيقاً و قوياً يتفادى قوة فالين بِخفة و مرونة كأنه شاباً.
اعيد و اقول مِن جديد، لا تحكموا على الكتاب من غلاقه.
لم الحق بالتفكير أكثر عندما رأيتُ غادان مُمسِكاً بِرقبة فالين يضحك كالمجنون و ينظر اليه بعينيه التي تحولت لِلسوداء بالكامل. لا اعلم إن كنتُ انا مَن صرخت أو ريس لكني اعلم أنَ غادان وضع يده على بطن فالين و اطلق ظلاله لتُرسله مُحلقاً بالهواء، نحوي و يرتطم بي نقع كِلانا، هو فوقي. انني لا اشعر بِشيء إلا ثقل فالين فوقي. فتحتُ عيناي بسرعة لأرى وجه فالين على جانبي. انه مغلق العينين، وجهه أزرق بِشفتين سوداء و حرارة جسده منخفضة جداً قد اتجمد إن لم اتحرك في الحال. ابعدتُ جسد فالين عني بِحذر كي لا أؤذيه أكثر إن كان لديه كسور. القيته على ظهره ثم امسكتُ بوجهه، احرك يداي حتى تصل لرقبته.
أرجوك لا تَمُت، أرجوك كُن على قيد الحياة فالين! تَمتمتُ الكلمات ابكي بِحرقة احاول العثور على نبض من رقبته أو قلبه و انتظر انفاسه من انفه، لكن لا شيء...
لا أرجوك! ريس! ريس قلبه لا ينبض! صرختُ بقدر ما يُمكنني لكن ريس لم يُجبني أو يَهُم بالمساعدة.
استدرتُ قليلاً لكي أرى ريس يحدق بِجسد فالين يبدو شاحِباً أكثر مِن ما هو عليه و غادان ينظر من جسد فالين ليقابل عيناي مع وجود أبتسامة عريضة على وجهه.
هذا ما يتلقاه من يقف بوجهي! قال غادان يضحك كأن ما حدث شيء مضحك، لقد قتل ملكاً! و لقد خرق قوانين عديدة في هذه اللحظة.
لستُ ادري ماذا سَيحدث، لكن يجب علينا فعل شيء قبل فوات الأوان، أو قبل أن نصبح مثل فالين.
انا اسفة. هَمستُ الكلام في اذنيه.
امسكتُ نفسي و نهضت على ساقاي امسح دموعي و انظر اخر مرة على فالين الملقى بِهدوء و يوجد السلام على ملامح وجهه الوسيم. سوف انتقم له، و سوف انتقم لكل شخص ماتَ في سبيل مملكة أسليرا و هذا العالم. التفتُ بِبطء الى أن قابلَت عيناي بِعينين غادان. ارمقه بِنظرات كالشرارة التي تُخرج مِن النيران قبل الهيجان. هذا الوحش سَيموت اليوم قبل الغد، سوف اقتله و لو اضطررتُ لِلموت.
حاولتُ الأستعانة بِقواي، اناديها بكُل ما املك، استدعيها لكي تظهر و تحول هذا الوحش لرماد كما فعلت في ساحة المعركة، لكن كل الذي ظهر هو ضوء أبيض ناصع في يداي، خَفيف، بسيط لا يُضاهي الذي استدعيته عندما كنتُ اقاتل في أول معركة لنا. اعلم انها ليست كافية لكنني رميتها عليه اصرخ لا اكترِث لوجود ريس قريب من قوتي. مع ذلك اختفى غادان كما يفعل كل مرة لتصطدم قوتي بِالمُجَسم و ينكسر ليقع على الأرض مصدراً زِلزالاً صغيراً في البرج.
يالكِ من فريدة ايتها البشرية، ذهبتِ لِلساحرات من اجل ماذا؟، الموت؟ انا مُعجب بِشجاعتكِ لا عجب من امر حُب ريس لِفتاة مثلكِ. ظهر غادان امامي تماماً!
قريب مني كفاية لأشعر بأنفاسه على وجهي و رائحته التي تفوح بالدماء مع انه نظيف ليستَ عليه ذرة دَم.
تاليا هارث، هل هذا اسمكِ؟ فَلقد انشهرتي منذُ اشهُر قليلة. لم أكن مُهتماً عن معرفة اية تفصيل بسيط عنكِ، ولكن الأن، اعرف انه يجب أن اقتلكِ. امسكني غادان من رقبتي يرفعني لكي لا تلامس قدماي بالأرضية.
حاولتُ ركله و التحرك بقدر ما يُمكنني حتى ابعد قبضته المميتة عني، إنَ عينيه تلمع و داكنة كأنها السماء و نجوم الليل. سَيقتلني قبل أن اوفي بِوعدي لفالين و الجميع، سَيقتلني بهذه اللحظة و انا اخذ انفاسي بِصعوبة شديدة. اصبح الدماء كُله في رأسي، كأنني بَطيخة على وشك الأنفجار. لا استطيع ادخال الهواء لصدري، رئتاي تحترق تطلب الهواء و لكن لا يمكنني التنفس. ضربات قلبي اصبحت اقل و اقل كل ثانية و كل ثانية تجري كأنها ساعة. انني اغلق عيناي، بِبطء مع انني احاول ابقائها مفتوحة، انظر الى الرجل المُمسك بي يبتسم.
اتركها ايها اللعين. سمعتُ صوتاً لم اسمعه ابداً. صوتاً ضخم مخيف، ينتمي لمخلوق قديم، صوتاً فيه ظلام، كوابيس.
شعرتُ بالهواء يدخل رئتاي، عاد قلبي يخفق بسرعة من جديد، اخذ انفاسي كالذي لم يتنفس منذُ سنين. فتحتُ عيناي لأرى نفسي على الأرض و اسند نفسي بِيداي امامي و غادان ملقى بعيداً عني لم يعد يمسكني، بَل على الأرض ينظر لشيء ما بعيون متوسعة تكادُ تخرج من مكانها و فمٌ مفتوح على مِصراعيه. رفعتُ رأسي و شعري في وجهي لكن يوجد فراغ كفاية لأرى أكبر كوابيسي يقف امامي.
يوجد رجل أسود البشرة، لا ليست بَشرة بَل رماداً، لستُ ادري، يوجد بِجسده اجزاء صغيرة حمراء كأنه يوجد حُمَم بركانية هناك و من حوله الظلام كالبحر، كل شيء فيه أسود، من الوجه و الشعر و الى الأقدام العارية الأن.
تلكَ العيون حمراء بالكامل، لا يوجد فيها شيء اخر غير اللهب. هذا المخلوق، انه ليس احداً غير ريس نفسه.
لاااااااااا صرختُ و صرخت و صرخت لأنني تذكرتُ كلامه عندما قبل قليل، قبل كل شيء، لقد اخبرني أن اهرب إن حدث ما لم أراه يوماً.
لقد كانَ يعلم انه يوماً ما سَيصل لهذا المستوى و سَيتحول لذلك الوحش المتوحش الذي بِداخله، الذي يعذبه منذُ قرون و قرون.
نعم! هذا ما كنتُ انتظره! تعال، تعال اليّ. قال غادان يقف على ساقيه لأنتبه أنَ في كتفه حفرة تنزف على ذراعه كُلها و هنا عرفت أن ريس هو مَن ابعده عني في الثانية الأخيرة عند تحوله.
تقابلت عيون الوحش، لا! بَل عيون ريس بِعيوني و لِلحظة رأيته فيها، رأيتُ عزيزي ريس الذي أحبه و الذي اعشقه، لكن تلكَ النظرة لم تدوم لتتحول الى نظرة الكائن الذي هو عليه. بارد، مخيف، ضجر مفترس لينمو الرعب و لأول بِداخلي منه.
حان وقتُ موتك غادان، ملك مملكة شادونايت. قال الكائن بِصوته القوي و الثخين ينظر الى غادان و يأخذ خطوة وراء الأخرى اليه، رويداً رويداً.
لم يقل غادان كلمة، بَل هَجم عليه بِظلاله و كل ظِل يهجم على ريس، يختفي بين الظلال التي تحيطه لا يتأثر ابداً. رفع ريس يده امامه يرسل ظلالاً خاصة به على الأخر، ليتفاداها و يُكمل غادان هجومه، لدهشتي تتحول يديه من الطبيعية لمِخالب سوداء بنفس لون بشرة ريس الأن.
لستَ الوحيد الذي يُخفي مخلوقاً بداخله ايها الوحش. صاح غادان لا يستسلم و يكمل رمي ظلاله على ريس ظناً انه سَيتأثر.
انتَ من صنعتني و انا من سأدمرك، غادان ملك مملكة شادونايت. تفوه الكائن، بالجُملة يحرك عينيه المليئة باللهب على كل حركة يتخذها غادان.
اختفى غادان ليَظهر وراء ريس يَغرز مخالبه بِظهره ليَصرخ ريس من الألم ينزف دماءاً أسوداً و يجعلني اشهق اضع يداي على فمي. التفتَ ريس له يُظهر اسنانه السوداء بِغضب ليمسك بيد غادان و يكسرها بلمح البصر ثم يرميه بعيداً عنه يجعل من ظلاله تتحرك اسرع من حوله كالغيوم السوداء من حوله. عندما حاولتُ العثور على غادان، لم اجده لكنني و بعد ثانية رأيته يظهر مجدداً وراء ريس يَحمل سيفاً.
انتبه ورائك! صحتُ بأعلى صوتي لأحذر ريس.
استدار هو لِلخلف على صوتي، يُقابل سيف غادان مُمسكاً بِحافة السيف يحدق بِه بوجه يفور غضباً و ذلك اللهب في جسده يصبح لونه افتح كأنه يَغضب مِثل سيده.
لا مجال لكَ للعيش. قال له ريس يأخذ السيف من يده و يرميه ليصبح امام اقدامي، انظر اليه مليئ بِدماء ريس السوداء و بيده الأخرى يمسك بِرقبته.
لا تنسى، انني انا من صنعتك. اخبره غادان يرفع مخلبه و يغرزه بِصدر ريس ليوقعه على اقدامه و يأخذ ريس خطوات كبيرة لِلوراء يضع يده على صدره الذي ينزف كثيراً.
ارسل غادان ظلاله لتحمل ريس و تلقيه على الزجاج، ليَنكسر و يُلقى خارج البرج.
رييييييس! ركضتُ الى حافة البرج انظر اليه ريس بين الجنود التي توقفت فجأة عن المحاربة ليحدقوا بِجسد ريس على الطين، اسفل الأمطار.
لم الحق لأتحرك أو اظهر ردة فعل، لأرى غادان يحلق بالهواء خارج البرج و يهبط امام ريس وسط الدائرة التي كونها الجنود من الشادونيتس، سنويان و جيشنا. لا يمكنني الوقوف بعد الأن!
يجب عَليّ التصرف حالاً. انحنيتُ انا اخذ السيف مُمسكتاً به بِقوة اعصر المقبض بكل ما يمكنني من عزم ثم ركضتُ للسلالم انزل بسرعة لكي اصل للساحة قبل فوات الأوان. وصلتُ لخارج البرج و رأيتُ غادان مازال يقف امام ريس الذي يجثوا على ركبتيه لا يبعد يده عن صدره الذي ينزف كثيراً. اخذتُ خطواتي بِبطء شديد كالقِطة الى غادان الذي يُعطيني ظهره، مُشَتَت الأنتباه.
هل من كلمة اخيرة ريس؟ سأله غادان يتقدم نحو الكائن الذي جثَ على ركبيته مازال يضع يده على صدره.
الكلمة هي، اذهب الى الجحيم! قلت انا من وراء غادان ارفع السيف، التفت هو اليّ متبحلق العينين كأنه يراني للمرة الأولى. فتح فمه ليقول شيئاً، لكن سيفي تقابل مع رقبته و قطع رأسه يفصله عن جسده.
سمعتُ شهقات عالية مُتعددة من حولي لكنني لم اهتم لها و إنما حدقتُ بِرأس غادان الذي يتدحرج على الطين لتمسك به يد تيلار العملاقة. فجأة كما لو أنَ جيش غادان لم يَكُن موجوداً ابداً، اختفى. مَن بقية هُم جيش الملك كيجا من مملكة سنويان. كل شيء من حولي توقف، الجيش، الأمطار و حتى الأصوات كأنني اعيش لوحدي في هذا العالم و لا احد معي.
انتِ. قال ريس يقف على ساقيه و ينظر لي بعيونه اللهبية لا يوجد فيها شيء غير الوحشية.
ري--
لم انتهي من مناداته ليمسك هو بِرقبي و يرميني بقوة على جدار البرج. وقعتُ على الأرض اشعر بِعظامي تتكسر لقوة رميته. عاد كل شيء يتحرك مجدداً لأرى التفاجئ و الرعب على وجوه الجميع لا يصدقوا ما يروه.
تاليا! صاح أدلار يركض نحوي، لكن ريس ارسل ظلاله لتلقي به بعيداً قبل أن يصل لي.
انتِ، عاد ليقول نفس الكلمة يقترب مني أكثر و أكثر ظلاله تغطي كل ما يحيطني.
رفعني من رقبتي كما فعل من قبل، يعصرني لا يهتم لي و لا يتذكرني.
ري، ريس اسمعني! قلت له بِصوت متقطع بالكاد اتنفس.
انتِ خطيرة بالنسبة لي. هَمس هو بوجهي.
امسكتُ يديه التي تمسك بِرقبتي و حاولتُ من جديد ارفض التوقف عن التنفس
أرجو، أرجوك ريس، انا تال، ليا!
ضحك الوحش على كلامي ليقول.
لا وجود لريس بعد الأن. فأنا هو من سيأخذ الجسد و يعيش به بعد ابقائي لقرون عديدة بداخله.
لعنته، انها تزداد كُلما طال بقائه. يجب عَليّ اعادة ريس بسرعة و إلا سأفقده و افقد نفسي ايضاً و يبقى هذا الوحش مكانه ليصبح العالم كما لو أَنَ غادان مازال موجوداً و ربما اسوأ.
أرجوك، عد، لي ريس! انا، تاليا!
اوقعني هو يأخذ خطوة بعيداً كما لو انه انا الوحش و ليس هو. وضعتُ يداي على رقبتي اخذ انفاساً كبيرة بعد فقداني للأوكسجين كما حدث من قبل. انني باردة، لا اشعر بأصابع يداي، متعبة، حزينة ضعيفة غير قادرة على فعل اية شيء لأنقاذ من أحب كما حدث مع عائلتي، وقفتُ ساكنة انظر لهم يموتون امامي، افقدهم واحداً تلوى الأخر و هذا ما سيحدث إن لم اتحرك و اتصرف مع الشخص الذي أحبه.
انتِ الماضي و المستقبل. تردَدَت كلمات الساحرة كريسيدا في رأسي عندما اخبرتني بِذلك في اليوم الذي قابتلها فيه.
انتِ فريدة، عاد من جديد كلماتها تذكرني بكُل حرف غامض اخبرتني إياه.
انا فريدة. تَمتمتُ الكلمة انظر من حولي على الظلال التي تتحرك بِسرعة هائِجة و على وجه الكائن الذي يقف مقابلي يُحدق بي يبدو متفاجئاً.
ما الذي فعلتيه بي؟ سألني هو بِنبرة مختلفة.
عد لي ريس، عد الينا.
لاااا صاح هو يَهجم عَليّ يصدمني بالجدار خلفي لكنه لم يُحاول خنقي أو قتلي، فقط يمسك بِرقبتي كما لو انه متردد.
احتاجك ريس. انا، زوجتك، حبيبتك، التي تحبك و لن تكف عن حبك مهما كانت الصِعاب. انا اريدك أن تعود اليّ و الى عائلتك و مملكتك، عد لي انا ريس. اندفعتُ قائلة.
هزة رأسه بِجنون يظهر انيابه السوداء عَليّ و انفاسه الغير منظمة تضرب وجهي و يشكل يده الفارغة على شكل قبضة.
انتِ تسحبين قوتي!
صحيح! هذا ما كان يجب أن افعله من البداية، مازالت قدرتي تؤثر عليه؟
هل يمكنني حقاً مساعدته؟
انتِ فريدة. ترددت الكلمة ذاتها في رأسي كما اخبرتني بِها كريسيدا.
الأن اعرف ماذا يجدر بي فعله، كان لكلامها الغريب، سر انا وحدي من سَيكشفه، فهي لم تكن الوحيدة التي اخبرتني على انني فريدة، بَل بيتر، أدلار و الكثير من رددو نفس الكلمة و انا كالحمقاء كنتُ جاهلة لا ادري ماذا يعني كلامهم. اخذتُ اقترب من ريس احاول لمسه لعَل ما اظنه صحيحاً.
ماذا تفعلين؟ سألني هو يأخذ خطوة صغيرة للخلف.
ماكان يجب فعله منذُ مدة. أجبته اقترب أكثر منه.
لا تقتربي، انتِ خطيرة، إن فعلتي سأقتلكِ و لن اندم!
اظهرتُ أبتسامة حزينة قد حاولتُ اظهارها سعيدة لكن فشلت، و دموعي بدأت بالخروج على وجنتاي، لأنني لم اعد اتحمل امساكها.
قلتُ ابتعدي عن--
امسكتُ به وعانقته، الف ذراعيي حول رقبته و اغمر وجهي بِرقبته. هو لم يتحرك أو يبعدني عنه، بَل وقف من دون أن يظهر اية ردة فعل عَكسية غير انه متجمد.
انا أحبك. انتَ الشخص الذي علمني الحُب الحقيقي، الشخص الذي أراني أياماً جميلة مُفرحة لا تُنسا. انا أحبك، لأنكَ أحببتني لنفسي، لأنكَ قبلتني كما انا و لم تَهتم لكوني غبية، مُثيرة للشفقة، بشرية غير نافعة.
ابتعدت عنه قليلاً لكني مازلتُ امسك به، فقط كفاية لأنظر الى وجهه يخلو من التعابير و الى تلكَ العينين التي خَفة بها بريق اللهب.
أحبك انتَ لكونكَ ريس الحقيقي معي. ريس الذي يضحك و يمزح و مليء بالأعيب.
وضعتُ يداي على وجهه اشعر بِحرارة جسده تنخفض في كلُ مرة اسحب لعنته من دون أن يشعر هو بذلك.
سوف تكون بخير، سوف اعيدك لهم و سوف تعيش لتصبح اعظم ملك في العالم، الذي هَزم غادان للأبد و ابقى الممالك الستة امنة. هَمستُ كلامي اضع جبيني على جبينه.
بدأتُ بالشعور بالتعب أكثر، انني اشعر بِعضلات جسدي تصبح ضعيفة جداً، لم اعد استطيع الوقوف لهذا هَبطتُ على ركبتاي ليَهبط معي هو مُمسكاً بِي.
تال، تاليا؟ سمعته، سمعت صوت عزيزي ريس.
اغلقتُ عيناي اذرف الدموع كالأنهار من السعادة. لقد فعلتها، انه يعود.
رفعتُ رأسي افتح عيناي بنفس الوقت، لكي أرى عيونه الفضية هذه المرة، عيونه الرقيقة و اجمل ما رأيته في حياتي. جسده بدأ بالتحول لِلونه الطبيعي، ظلاله بدأت بالأختفاء تذهب بعيداً.
توقفي! تاليا توقفي! هذا يكفي! قال ريس بِصوت عاليٍ يحركني بِقوة.
لكنني لم انتهي بعد، إن توقفت عن سحب كل لعنته فَسوف تعود كما لو انها لم تختفي. تلكَ القوة التي اعطتني إياها كريسيدا ليست بِقوة لكي اقاتل بالحرب، بَل لها اهمية أكبر. قدرتي كانت ضعيفة مع انها كانت تساعد و تخفف من لعنة ريس و بسبب هذه القوة التي اهدتني كريسيدا إياها، تضاعفت قدرتي لتصبح الدواء له. انا كنتُ دواء ريس منذُ اليوم الذي ولدتُ فيه. قدرتي ليست لتخفيف المه و لعنته، إنما لمسحها من على وجه الأرض، للأبد الأبدين. لهذا سوف اكمل! سوف اكمل سحبها حتى تختفي و تتركه لكي يعيش حياته سعيداً و ينام من دون المه.
تاليا لقد قلتُ توقفي حالاً! صرخ هذه المرة بوجهي يهزني لكي يوقفني.
رفعتُ رأسي انظر اليه لأخر مرة ثم امسكتُ بوجهه مرة اخرى اهَمس الكلمات له
انا أحبك.
و بذلك، رميتُ كامل قواي له، اخذ كل ما تبقى من لعنته، امحوها و اصدر ضوءاً ساطعاً من جسدي، كأنني الشمس نفسها.
منظور ريس
Rhys s pov
الشعاع اعماني تماماً، لم اعد أرى اية شيء، لهذا اغلقت عيناي، اضع ذراعي امام وجهي.
أوه يا اللهي! سمعتُ اصوات الجميع إما تشهق أو تصرخ بأسم لم اعد اسمعه لوجود رنين بأذاني.
ابعدتُ ذراعي و فتحتُ عيناي الضبابية احاول اعادتها لتركيزها حتى أرى ما يجري. عندما فتحتُها عاد التركيز لها، حركتُ عيناي للأسفل لأرى جسدها، جسدها بين ذراعيي، لا تتحرك، مُغمضة العينين التي لطالما عشقتُ جمالها. وجهها الطفولي الفاتن باتَ أبيضاً كبِياض الثلج و شعرها الناعم الطويل، فاقِداً لِلونه الفاتح. لم اعد اتنفس، لم اعد اعرف كيف افعل ذلك، انني ارتجف عندما اخذتها جيداً بأحضاني. دمائي تجمدت بِعروقي و لم اعد اشعر بِنبضات قلبي في داخلي.
عزيزتي تاليا، لقد، ماتت.
لا، لا لا هذا لم يحصل. هَمستُ الجملة بِفم مُخدر.
امسكتُ وجهها البارد الذي لا يفوق برودة الهواء من حولي ثم قربت وجهي له اضع جبيني على جبينها و ابكي، اصرخ، اصرخ و اصرخ لدرجة انني احسستُ بِطعم الدماء في حلقي.
تاليااااااااا، لااااا! أرجوكِ عودي اليّ!
لقد انقذتني، لقد انقذتني و ذهبت لأيادي الموت من اجلي. يالها من حمقاء! لماذا لم تأخذني معها؟
تاليا، حبيبتي هيا استيقظي. هيا من اجلي، أرجوكِ افتحي عينيكِ. لقد اشتقتُ لكِ لهذا لا تدعيني وحدي.
لم تتحرك. هذه الفتاة الوحيدة التي أحبتني و اعطتني كل ما تملتكه من دون مقابل، فقدت حياتها من اجل انقاذي من لعنتي الحقيرة الذي القاها ذلكَ الحقير!
ريس. قال صوتٌ قادم من داخل البرج، يلحقه اصوات اقدام كثيرة.
لم ارد أو التفت لكن يداً قوية لمست كتفي، لأرفع رأسي و احدق بوجه صديقي العزيز، فالين و بِجانبه كيجا.
انت، انتَ على قيد الحياة. قلتُ له بِصوت متقطع لا اصدق وجوده هنا.
أومئ بِرأسه يبتسم أبتسامة لا تخبرني إلا الحزن ينظر الى الفتاة التي في حضني و في عينيه تجمعت الدموع.
لقد ظن غادان انه قتلني، لكنه لم يعلم انني القيتُ بِقوتي الثالثة و هي الموت لفترة قصيرة كما تموت الأزهار لتعود مجدداً.
من الجيد، أنَ صديقي بخير، لكن، لكن عزيزتي تاليا، ليست، لم استطع اكمال كلامي لأنني لم اعد لِأمكاني فعل ذلك.
أرجوكم! أرجوكم انقذوها! ليفعل احدكم شيئاً! احضرو الطبيب، احضرو الساحرات انا لا يهمني!
لقد فات الأوان ايها الملك. قالت كريسيدا تبعد كُل من يقف في وجهها الى أن وصلت الينا تقف بعيدة تنظر لتاليا.
هززتُ رأسي ارفض تصديقها
هذا لن يحدث، ساعدوها! اعيدوها لِلحياة و انا سأعطيكم ما تشائون، كنزاً، شهرة، مكانة عالية، أسليرا! سأعطيكم ما تتمنوه فقط اعيدوها للحياة انا، انا أرجوكم.
تاليا! ظهر بيتر من بين الجميع يتنفس بِصعوبة ينظر من وجهي و الى جسد تاليا فمه مفتوح مصعوق و لونه اختفى يمشي بِخطوات ثقيلة ليجثوا امامي على الطين يضع يداً مرتجفة على كتف تاليا.
لا. كان كل الذي قاله قبل أن يبكي يُمرر يداً على وجهها المتسخ و الدمائي.
بيتر، افعل شيئاً أرجوك. ترجيته اجذب انتباهه عنها حتى ينظر لي لكنه لم يفعل بَل ابقى عينيه الزرقاء عليها يُمَرر يده على شعرها المُبلل.
أوه طفلتي الصغيرة انظري ماذا حدث لكِ. هَمس بيتر يضع قبلة على جبينها و يُطيل بها يذرف دموعه عليها.
انا فقدتُ نفسي، اهتز بِمكاني لا اتركها و لن اجرئ على تركها، ليس بعد، لن ادعها لأنني مازلتُ مُتمسكاً بالأمل. إما نموت سوياً أو نعيش سوياً.
بيتر، ناديتُ بأسمه و بأخر طاقة لدي.
أومئ بيتر مرة، أثنتين و ثلاث ينظر لتاليا ثم رفع عينيه عَليّ معقد الحواجب.
هذه الفتاة خاطرت بكل شيء من اجلنا، و نحن، انا سأفعل ما يجب فعله من اجلها.
توقفتُ للحظة لا استوعب ما يقوله ثم وضع يديه حولها ليأخذها لكنني منعته من اخذها مني ارمقه بِنظرات حادة.
لن اؤذيها ريس، بَل سَأنقذها كما انقذتنا. بَرر لي هو بِنبرة هادئة و رقيقة كأنه يتكلم مع طفل صغير.
ماذا ستفعل؟ سأله فالين يضع يداً على ساق تاليا كأنه مُستعد لِلدفاع عنها.
سوف ترون جميعاً، فقط ثقوا بي.
ريس، دعها. اخبرني فالين يجذب انتباهي.
لا استطيع.
بَلى تستطيع ريس.
لكن--
لن يحدث لها شيئاً و انا هنا لحمايتها.
و هكذا وثقتُ بِهم كِلاهما و تركتها من قبضتي و حضني ليأخذها فالين و يضعها كاملاً على الطين المُبلل و البارد امام كل شخص موجود معنا اسفل الأمطار التي لم تتوقف لكنها بدت لي كأنها اقل هطولاً على وجه تاليا، كالندى على اوراق الشجر.
ابتعدو جميعكم. قال بيتر يُشير لمن قريب بالأبتعاد ليبقى هو وحده بِجانبها على ركبتيه.
امسك بيتر بوجهها الشاحِب و قرب رأسه من اذنها و تَمتَم كلمات لم اسمعها حتى لو يوجد هدوء لم استطع سماعه.
ماذا يفعل؟ سأل كيجا فالين، يقف بجانبه ينظر لما يجري.
لستُ ادري، لستُ ادري.
وقفتُ انا ايضاً على ساقاي اتوجه لهما، بالكاد امشي و احمل جسدي اراقب بيتر الذي مازال يَهمس كلمات في اذنيها.
انا ادري. قال كيجا من جانبي.
حركتُ رأسي بأتجاهه مصعوق من وجوده معنا مع انه خاننا جميعاً و اريد قتله بيداي، لكنه لم يبقى بَل اخذ يمشي نحو بيتر و تاليا يضع يده البيضاء في الهواء امامه و فوق صدر تاليا.
ما الذي--- قال فالين ليُقطاعه ظهور لايتا من الحشد متجهاً اليهم يقف بِجانب بيتر الذي مازال مُقرفصاً يهمس كلاماً بأذنها.
وضع لايتا يده كما فعل كيجا، امامه و فوق صدر تاليا.
تاليا! خرجت كانيلا و معها مايكا، يُمسك بيدها لا يدعها تركض الى تاليا.
وقعت هي على الأرض تنظر و تبكي على صديقتها التي فقدت حياتها من اجل حمايتنا جميعاً، مني. مايكا حاول تهدئتها لكن لن تهدئ صديقة عزيزة قد فقدت نصفها الأخر ابداً.
تيريان؟ رفعتُ عيناي على سؤال لايتا لأرى تيريان يخرج كذلك من بين الحشد متجهاً الى باقي الملوك يضع يداً فوق صدر تاليا في الهواء. حرك تيريان عينيه عليّ معقد الحواجب كأنه يطلب مني بِصمت الأنضمام لهم...
الأن عرفت ماذا يفعلون، و انا كَزوج و اقوى ملك في العالم، يجب عليّ الأنضمام لهم و فعل ما يجب فعله من اجل حبيبتي. امرتُ جسدي بالتحرك اليهم، اخذ خطواتي الثقيلة فوق الطين اعدُها الى أن اصل اليهم، وقفتُ فوق رأسها انحني قليلاً لأمنع الأمطار من الوصول لوجهها الجميل ثم وضعتُ يدي كما فعل الجميع، فوق صدرها.
أرجوكم، انقذوها. قلتُ لهم اغمض عيناي ادع من دموعي تنزل من على وجنتاي اتخيل قوتي الحقيقة الخالية من الظلام و الألم و الغضب تَنصَب و تخرج من يدي.
من اجل تاليا الكساندر هارث، ملكة أسليرا و حامية عالم الجنيات و البشر. قال تيريان يستدعي ضوءاً من كف يده ليُرَدِد باقي الملوك نفس الجملة و يستدعوا قواهم من يديهم.
انا اخر واحد، احدق بِتاليا و ادعوا الله أن يُحقق ما احتاجه.
من اجل تاليا الكساندر هارث، ملكة أسليرا و حامية عالم الجنيات و البشر، و حامية ريساند لوماريل، ملك أسليرا.
اندمجَت قِوانا جميعنا، قوة الملوك الستة على تاليا، نُعطيها بِقدر ما نَملك.
منظور تاليا
Talia s pov
كان الظلام الذي كنتُ فيه هادئاً، مُسالِماً، لا اسمع اي شيء و لا وجود لأية احد. لكنني دوماً ما كنتُ أرى ضوءاً أبيضاً بعيداً جداً جداً عني و مهما حاولتُ الركض لِلوصول اليه، يبتعد أكثر عني كأنه من المُستحيل الوصول له حتى لو بقيتُ اركض اليه لمدة طويلة. لكن الأن، أراه يتحرك بِبطء اليّ انا. وقفتُ بِمكاني انظر اليه يقترب أكثر و أكثر الى أن اصبح قريباً كِفاية لِلمسه.
ماذا تكون؟ سألته انا امُد يداً لكي المسه.
ماذا تريد؟ أهذا ما يحدث للأموات؟ سألته اخذ خطوة صغيرة اليه.
انه يصدر صوتاً كالذَبذَبات أو كالمِضخة. مَددتُ يدي مجدداً له و من دون سابق انذار، ابتلعني الضوء.
اصواتاً من حولي مألوفة بدأتُ بِسماعها ليس بِوضوح، لكن جيداً لأعرف أنَ ما اسمعه هي اصوات امطار و البرق، بدأتُ اشعر بِيدين قوية تمسك بي و تُمررها على شعري و وجهي. فتحتُ عيناي لأرى اخر وجه رأيته قبل ذهابي، لأرى وجهه الوسيم و تلكَ العيون الفضية المُضيئة التي تذرِف الدموع مُبتسماً.
أهلاً بِعودتكِ. قال هو يَنشِق و لتَكُبر أبتسامته تظهر اسنانه.
و انتَ، بخير. قلت انا اعيد أبتسامته ليَضُمني هو يبكي أكثر.
انا على قيد الحياة؟، كيف، كيف ذلك؟
مرحباً بِعودتكِ ايتها الجميلة. سمعتُ صوتاً لطالما كانَ يستفزني و يُغيظني لكني كنتُ أحبه كثيراً و احترمه.
ابعدتُ نفسي من العناق لأرى رجلاً طويلاً بِشعر أشقر قصير و عين عسلية و الأخرى خضراء فاتحة اللون.
فالين؟ سألت انا متوسعة العينين اريد أن اقرص نفسي لأتأكد انني لا احلم.
أبتسم هو يومئ بِرأسه و يضع يديه الأثنتين على خصره يرفع حواجبه
اعلم انني فائق الجمال و خيالي الشكل، لكنني فالين بِشحمه و لحمه.
ابتعدتُ عن ريس و حاولتُ الوقوف لكن كدت أن اقع لولا امساك ريس بي من ذراعي و خصري ليَسنُدَني عليه. هذا مستحيل، لقد رأيتهُ يموت. كان لا يتحرك و قلبه لا ينبض، كيف ذلك؟
مَدَ هو كِلتا ذراعيه يطلب مني عناقاً، لأركض اليه و اعانقه اتحقق من انه حقيقي و انني حقيقية ايضاً لا احلم أو أرى اوهام لكوني ميتة.
أهلاً بعودتكِ ايتها الملكة. قال صوتاً اخراً اعرف جيداً.
حركتُ رأسي انظر الى أدلار و تيلار التي تبدو بِشكلها الطبيعي، جيانا خادمتي الرائعة و صديقتي. الملوك جميعها مع كيجا. و أخيراً صديقتي كانيلا بِجانب خطيبها مايكا، تبكي لكنها دموع فرح كَخاصتي. التفتُ الى ريس الذي يبدو حقيقي أكثر من اية شيء اخر هنا، بخير، انه بخير و لعنته اختفت للأبد. تحركتُ له، اشعر بِثقل كبير بِجسدي لكنني تجاهلته، مازلتُ لا ادري كيف عدتُ لِلحياة و سوف اكتشف في هذه اللحظة. امسك بي ريس يمسح على شعري و وجهي، ثم اقترب مني ليُمَشط شفتيه الدافئة على خاصتي، يأخذ إذناً للأكمال. امسكتُ بوجهه و اغلقتُ المسافة بيننا.
اعَمِق القبلة أكثر و هو لَف يديه من حولي يقربني منه الى أن اصبحت اجسادنا واحِدة. لقد عدتُ من اجلهم هُم، من اجله هو.
كيف عدتُ لِلحياة؟ سألته فوق شفتيه ثم عدتُ اقَبِلَه مرة اخرى.
تاليا، تنفس ريس يوقف القُبلة يجعلني متعجبة من فعلته.
احنى رأسه يخفي عينيه عني لأمسك بِذقنه و ارفعه لي اعقد حواجبي
ما الخطب؟
اغمض عينيه و تنهد يَعض على شفتيه مازال يرفض مقابلة عيوني.
يجب أن تعرفي، انه فعل ما يمكنه لأنقاذك. انه فعل ذلك لأنه يحبكِ و اعتبركِ مثل ابنته.
بلعتُ ريقي لا افهم كلمة من ما يقوله.
عن من تتحدث ريس؟
هذه المرة رفع رأسه و رأيتُ شيئاً ما اقوى من الندم في عينيه.
انا اسف. هَمس ريس يحرك رأسه و ينظر الى شيء ما من جانبنا.
حركتُ رأسي كما فعل و رأيتُ مالم أكن و لو ليوم أن ترى عيناي هذا و يستوعبه عقلي، وجوده ملقى على الأرض، مغلقاً عينيه، ساكناً كما لو انه تمثال. ابتعدتُ عن ريس، لا اهتم له عندما نادى بأسمي أو عندما حاول إيقافي من الذهاب لِلرجل، بِشعره الأبيض و لحيتهُ الكثيفة.
بي، بيتر؟ وقعتُ على ركبتاي انظر له كالنائِم.
لم المسه أو اعرف ماذا يجب فعله لكنني حائرة من امري، لا استوعب ماذا جرى بينما كنتُ ميتة.
لقد، فعل ما ظنه الأمر الصحيح تاليا. لقد اعطاكِ روحه لكي تعودي. و قبل ذهابه اخبرنا انه فخور بكِ جداً و انه يجب عليكِ العيش طويلاً و تنجبي الأطفال حتى تُبنو مستقبلاً باهِراً في أسليرا. قال فالين مِن جانبي يضع يده على كتفي بِلطف.
لم اذرف الدموع و لم ابكي، فقط احدق به امامي. في داخلي قلبي متقطع لأجزاء، ارتجف ليس من البرد بَل من الخوف. كيف لي أن اكمل من دونه؟
كيف لي أن اخسر والداً اخراً بِسببي؟
لماذا الحياة ليست عادلة؟، تعطي شيئاً لتأخذ شيئاً بالمقابل.
بيتر. تَمتمتُ اسمه انحني لأضع رأسي على قلبه، امسك به بِشدة كأنني سأخسره من جديد إن تركته.
كيف؟ لم اسأل احداً مُحدداً لكن الذي أجابني هو ريس بِصوت ضعيف.
لقد، استخدم الطريقة النادرة كما فعلت زوجته في الماضي. لقد حولكِ، لِواحدة مثلنا.
رفعتُ رأسي امسح دموعي المختلطة بالمطر، التي لم اذكر انني ذرفتُها ثم استدرتُ قليلاً لأنظر الى ريس. حركتُ يدي ثم وضعتها على وجهي، اشعر بِدفئ بِشرتي الغير مُعتاد، بشرتي بِظروف كهذه أو برد قارس كَهذا، يجعل مني مُتجمدة. حدقتُ بِيداي الأثنتين، أرى اصابع نحيلة أكثر مِما كانت عليها و بشرة فاتحة يافعة مشدودة. رفعتها مرة اخرى هذه المرة لألمس أذناي. انهما ليستا دائرية، بَل في اخرها، مُدببة، طويلة، تشبه أذان الجنيات.
لقد حولني، بيتر حولني لجنية لكي يعيدني للحياة لأنها كانت الطريقة الوحيدة و الخيار الوحيد. لقد اعطاني روحه كما فعلت زوجته لأنقاذه من الموت. لا اعلم إن ما يجب أن أكون شاكرة أو نادمة، لقد سلبته الحياة التي اعطته زوجته إياها لكي يعيش حياة اطول و ها انا هنا، بِجانبه، اتنفس، حية و هو لا يتنفس و ميت.
انا اسفة، و شكراً لك. كان كل الذي قلته قبل أن انفجر تنحيباً و حزناً. من اجله سوف اعيش كما ارادني، من اجله سوف أكون قوية.
سوف اقاتل الموت كل يوم، لكي احقق مطالبه، هذا الرجل الذي بالكاد عرفته اعطاني شيئاً لا يمكنني التخلي عنه من الأن و صاعداً، الحياة مع من أحب.
مَرَ شهرين، بعد أن عدنا من الحرب و معنا رأس غادان و جسد بيتر المسكين. احتفل شعب أسليرا بِفوزنا العظيم و بقاء المملكة و الممالك الأخرى بِسلام حتى ظهور خطر جديد، لن يظهر قريباً أو رُبما ابداً. دفنا بيتر مع باقي الجنود التي ماتت من اجل المملكة و العالم و دام الحِداد لأكثر مِن اسبوع عليهم، لأن جروح عائلات الجنود أكبر من اية جروح اخرى و اعمقها لن تُشفى ابداً، كَجُرحي لِفقداني كل الذي أحبهم و بيتر منهم الأن.
كانَ صعباً عليّ فعل اية شيء لكوني في جسد جديد غير معتادة عليه بعد. كانَ صعب عَليّ التحرك لأنني اصبحتُ اسرع و اقوة من اية مرة في حياتي البشرية. دربني كُلاً مِن أدلار و ريس على التحكم بِقواي الجسدية حتى لا اؤذي نفسي أو اؤذي غيري و انا، تدربتُ بِجهد و طاقة كبيرة لا استسلم أو اهرب من مَهامي كَملكة و كَتاليا. لكن، لم استطع النوم لأيام، و في كل مرة احاول فيها، استيقظ اصرخ و ابكي بِحرقة لأجد ريس بجانبي ليُهدئني و يُعيدني لِلنوم بِأحضانه كما كنتُ افعل قبل اختفاء لعنته عنه.
كانَ قتل غادان، امراً لم نعلم انه سَيُساعدنا ليس فقط بأبقاء العالم سالم، بَل بأبقاء الملعونين تحت رحمته بِخير من جديد. فَموته، اعاد كيجا لِتحكمه بِنفسه بعد أن اخبرنا أنَ الأتفاق الذي بينه و بين غادان كان خدعة سحرية عليه لكي يتحكم به غادان. مملكة شادونايت بقيت بِلا ملك، لكنهم لم يجرؤ على فعل اية شيء ضدنا و إنما لم نَعُد نسمع عنهم خبراً.
مِما فهمنا انهم لم يعودو يريدون الحروب كما لا نريد نحنُ ايضاً، لهذا تركناهم كما يحلوا لهم، يعيشون كما يرودون لربما يوماً ما سَيعثرون على الملك المناسب بِعكس غادان ليحكمهم بِعدل بِما انهم هُم مَن سَيختاروه. مملكة أسليرا بالطبع عرفت انني متزوجة من ريس و انني اصبحتُ ملكتهم، كانوا متفاجئين من الخبر عندما خرج ريس مُمسكاً بيدي ليخبرهم بالأمر من دون خوف مع انني كنتُ اموتُ قلقاً و خوفاً. و مع ذلك تقبلوني بِأبتسامات عريضة على وجوههم و رحبوا بي كَملكة لهم. انا اعلم جيداً انهم تقبلوني افضل لأنني اصبحتُ منهم و لأنني انقذتهم. لستُ اتذمر، لكن هذا الواقع، مازالت البشر مخلوقات غير مقبول لها الجلوس على عرش ممالكهم و انا اتفهمهم جيداً.
صديقتي كانيلا بقيت معي في أسليرا لكي تبقى بِجانبي في اواقاتي الصعبة و انا مُمتنة لها كثيراً لكونها معي أينما كنت، حتى لو لوجود ريس جزءاً كبيراً مهماً في لحظات كَتلك، لكن وجود الصديقة التي تعرفكِ منذ أن كنتِ طفلة، امراً مختلفاً له سحره الخاص و مع هذا، سوف تعيش مع خطبيها الذي سَيصبح زوجها قريباً بِمملكة الربيع لأن مايكا يعيش هناك كَخادم لملكه فالين.
تيلار ذهبت مع قبيلتها كَإجازة طويلة خارج أسليرا و لِلغابات، لكنها سَتعود قريباً للقصر من اجل عملها. أدلار اشترى منزلاً خاصاً به من اجله و اجل حبيبته جيانا لكي يعيشوا بعد أن اخبرهم ريس أن يذهبوا و يعيشوا حياتهم لكون العالم اصبح امِناً، لكن كِلاهُما رفضا ذلك و اخبرانا انهم سَيحتفِظون بالمنزل، لكنهم سَيعيشون هُنا معنا في القصر.
و انا، هنا، اقف اسفل السماء الليل السوداء المُزينة بالنجوم المضيئة الملون التي تَغمِز لي بين حين و اخر على شُرفة غرفة ريس التي اصبحت غرفتي في القصر. اتمتع بِنسمة هواء الربيع المنعش و التي تجعل من شعري المنسدل يتراقص مع فستاني الأزرق الفاتح مائل للأبيض، فيه نجوم مُتلئلئة من صنع نالين التي لطالما احببتُ عملها لكونها تعمل لدى عائلة لوثر في الأزياء. لقد قابلتُ لوثر منذُ اسبوعين تقريباً، اتى لكي يراني و يرسل تعازيه على موت بيتر.
لقد اتى ليعتذر مني و يخبرني انه هنا من اجلي إن احتجت له و انه سوف يُحبُني مهما كان الذي بيننا حتى لو لم اعد امتلك نفس المشاعر له. عانقته انا اخبره انني اسامحه على كل ما حدث بيننا و انني اسامحه لقتل عائلتي. مازال جُرحي عميق و لن يُشفى بعد و مع ذلك قررت مُسامحته و معانقته لأول مرة منذ سنة أو أكثر. الماضي سَيبقى ماضي، غضبي و كرهي له لن يُعيدهم للحياة و من الجهة الأخرى لوثر اهتم بي و لم يتركني في اصعب اوقاتي، لهذا سامحته و فتحتُ صفحة بيضاء جديدة معه كَصديق لي و هو تَقبل كلامي بِسعادة كبيرة.
لقد اخبرني فالكين انكِ لم تأكُلي العشاء معه هذا اليوم. هل انتِ بخير؟ فجأة قال ريس يخرج لِلشرفة من خلفي و يقف بِجانبي، بعيد قليلاً عني، يتكئ مثلي على حافة الشرفة ينظر لِلسماء و القمر العملاق الذي ينعكس ضوئه على بشرته البيضاء التي مازالت ساحرة لِناظري.
انا بخير، ضائعة بالأفكار و الى الأن لم اتعود على شكلي و جسدي هذا. لكنني سأتخطى هذه المشاكل. اخبرته احدق بِجانب وجهه اتمعن بِجمال بشرته و رموشه الداكنة الكثيفة.
و انا سأكون معكِ بكل لحظة و ثانية لأدعمكِ. أبتسم هو مُمسكاً بيدي لا يبعد عينيه عن القمر.
لم اتناول الطعام، لأنني لستُ جائعة، احتجتُ بعضاً من الهدوء و السكينة لتفريغ رأسي من الأفكار السلبية و المزعجة. بررتُ له سبب وجودي هنا لوحدي.
مجدداً؟
أومأتُ مرة واحدة
نعم، يبدو انني سأعاني من هذه المشكلة لفترة.
اخرج ضحكة خفيفة من حلقه ثم بقية صامتاً يُراقب الغيوم الصغيرة تَسبح في السماء بين النجوم و بِجانب القمر الأبيض الذي يكون رمزاً لعائلة ريس و انا جزء منها.
الن تتوقفي عن التحديق بِوجهي؟ سألني ريس يرفع حاجباً.
أبتسمتُ له بِرقة احني رأسي ثم اعيده لأنظر الى يده التي فوق يدي على حافة الشرفة لأجبته.
صعب جداً، لأنني أحب لونها الناصع عن الذي كانت عليه سابقاً.
هذا لأن اللعنة كانت كالمرض لي، هي من غيرت من لوني كأنني جثة حية تمشي على الأرض. لون بشرتي الحقيقة كانت دوماً ناصعة و بِفضلكِ انتِ عادت لِسابقها.
انا أحبها أكثر مِن الشاحبة عليك.
ضغط يدي بِلطف و خفة يبتسم نصف أبتسامة ساحرة تجعل من قلبي يخفق كأنني اقع بِحبه من جديد و ينظر بعيناي التي تلمعان من اجله. اقتربتُ منه اضع يداي على صدره و هو يلف ذراعيه حول خصري. نظرتُ الى رقبته ثم على الوشم الذي يخرج من اسفل قميصه.
لقد اصبح ريس يرتدي ملابس مختلفة الألوان و مع ذلك مازال يُفَضل الأسود. و تلكَ الوشوم مُسببها قوته التي ارسلها لي عندما كنتُ مُمسكة بالحياة بأخر لحظة لتتحول لِعلامة على رقبته و صدره.
ما فعله الملوك لي لكي اعود للحياة مع بيتر، هو انهم اعطوني جزء صغير من قوتهم، كُل ملك و معهم ريس.
كما يعتقد ريس، انني املتكها الأن و انا مازلتُ لا اعرف ماهي لأنني لم احاول استكشافها بعد، جزء مني خائف من معرفة ماهي و جزء اخر متشوق لذلك لكون البشر التي تتحول للجنيات تكتسب قوة واحدة بسيطة جداً و انا استثناء، فَلدي ليس قوة واحدة أو ثلاث كما لدى الجميع، بَل ستة قوات.
سوف ادرسها و اعرف عنها و استخدمها يوماً ما، لكن الأن في هذه اللحظة و الأيام القادمة، سأعيش بِسعادة مع ريس لأخر نفس.
قرب ريس وجهه من وجهي و قبلني بِكل حُب و حنان يهمس بِأسمي على شفتاي.
انا أحبكِ. قال هو يقبلني على جبيني.
و انا أحبك ايضاً.
و بِذلك وعدته بِحبي و السعادة، اسفل النجوم و السماء التي تنير مملكة أسليرا، مملكتي و انا كملكتها.