رواية تحت الغطاء الأسود الجزء الأول للكاتبة مينار الفصل الخامس والأربعون

رواية تحت الغطاء الأسود الجزء الأول للكاتبة مينار الفصل الخامس والأربعون

رواية تحت الغطاء الأسود الجزء الأول للكاتبة مينار الفصل الخامس والأربعون

الكثير مِنَ المرات رفض بيتر أن يدعني أرى ريس و كثيراً مِنَ المرات صَبَرتُ الى أن يصلني خبر انه يَقِف على ساقيه و أبتسامته الجذابة تُشرِق وجهه. لكن لا، لا خبر و مازلتُ مَمنوعة مِن رؤيته. سموها أغاثا أمَرَت بِرؤيتي في غُرفتها و بالطبع ذهبتُ لأراها تَجلس على طاولتها تَرمُقني بِنظرات مُخيفة.

لقد أعطتني مُحاضرة طويلة جداً عن سبب عدم مُقابلتي لريس و انه لم يكن يجدر بي دخول غُرَفِه مِنَ الأساس مِن دون طَرق الباب و السماح لي بالدخول. طبعاً انا إما أدور عيناي على كلامها في عقلي لأنني لا استطيع فعل ذلك امامها أو أومئ لها بالتفهم مع انني لا أهتم، فأنا لستُ بِطفلة صغيرة لكي تُلقي مُحاضرة كامِلة عن أداب الدخول و كيفية طَرق الأبواب.

و ايضاً بدأت بِسؤالي عن متى، كيف، لماذا و اين رأيت ريس بِحالته. هل ظَنَّت انه سوف يبقي سره الى الأبد مِن دون أن اعلم عنه؟

انا الأن اعيش هنا و لستُ فقط اعمل. إن شائت ام أبَت فَسوف أكتشف ذلك الأن أو لاحِقاً. بعد المُحاضرات المُمِلة التي لم أنتبه لها كامِلاً عدتُ الى غرفتي لأتناول العشاء مع تيلار لأول مرة منذ اسابيع و انا طيلة الوقت كنتُ أتذمر لها و أغضب و أصرخ على ما يحدث معي. مشكلة ريس في كَف و ذلك الرجل الخبيث الذي كادَ أن يقتلني بِكَف أخر، كيف لي أن أسكُت أكثر؟

بيتر لا يُساعدني بَل يضعني بِحيرة أكبر، أدلار يختفي و لا أراه إلا في قاعة القِتال. جيانا في المطبخ تعمل طيلة اليوم و مشغولة حتى أكثر مني، ريس لديه مَشاكله و حياته الغامِضة مع تلكَ اللعنة التي لن تتركه الأبد و انا، مِثل الكُرة مَن يرميني في مكان أعلَق بِه الى أن تُدَحرِجُني الرياح لِمكان أخر.

أذهبي إليه إذاً مِن دون أن يعلم أحد، فَهذه إحدى قُدراتكِ التي تعلمتيها كالجاسوسة، لا شيء يمنعكِ. أقترحت بِسُخرية عَليّ تيلار تضحك.
كالعادة هي ليست نافِعة بِشيء غير جعلي أبدو كالغبية امامها و انا عملي أن أتجاهل كُل ما تقوله لأستفزازي.
هذا لن يحدُث هذه المرة، الحِراسة مُشَددة امام ابوابه و في كُل الطابق، لهذا قدرتي كما تُسمينها، لن تعمل.

وضَعَت لقمة كبيرة مِن حساء الدجاج في فمها ثُمَ نظرت لي و رفعت حاجِب
لا أصدق، فأنتِ تَعثُري على طُرُق دوماً.
منذ متى و انتِ تُصدقي أحداً غير نفسك؟
انا سألتها أعض على جزرة.
عاهِرة. هي قالت تُكمِل تناولها لِحسائها.
انتِ محظوظة لوجود عاهِرة مثلي بِحياتك ايتها القبيحة. انا قلتُ و على شفتاي أبتسامة جانبية.

بِما أنَ رأسي كما أقول دوماً انه سَميك كالصخرة، ها انا هُنا امشي في الردهة أتوجه الى الطابق الملكي. الحُراس ليسوا بِمزحة، كل شخص يتخطاهم أو يَمُر مِن جانبهم، ينظروا إليه كأنه قاتل يَحمل سيفاً في الهواء. وصلتُ الى الردهة التي توجد فيها غُرَف ريس. اخذتُ خطوة واحِدة و إذ بي التقي بالطبيب يَخرج مِن غرفة ريس مع أغاثا و بيتر. رأوني امامهم أقِف كالتِمثال لا أتحرك فقط أحدق بِهم ثم توجهوا نَحوي.

صباح الخير سيدتي. قال الطبيب يومئ لي و انا اعدتُ له نفس الحركة أبتسم أبتسامة زائفة.
ما الذي تفعلينه هنا في هذا الوقت سيدة هارث؟ سألتني أغاثا بدلاً مِن أن تكون سيدة لبقة لأنها مِن العائلة التي تَحكُم هذه المملكة.
انا أردت
لقد اعطيتها السماح بِرؤية و الأهتمام بِريس بما انه الأن أفضل مِن قبل. اليسَ كذلك ايها الطبيب؟ قاطعني بيتر يوجه الكلام لأغاثا و ينظُر لِلطبيب ينتظر مِنهُ إجابة.

حدق الطبيب بِبتر لفترة يَرمِش بِحيرة لكنه فهم موقفه و أجاب يومئ مِن جديد يؤكد كلامه.
نعم نعم هذا صحيح. إن حالته الصحية أفضل، مسموح لخادمته بالأهتمام بِه و مساعدته إن أحتاج شيئاً ما.
انه الأن نائِم، لكنه يَملك بعض الحرارة. أدخلي و أعدي الكمادات الباردة.
قال لي بيتر يُعطيني أبتسامة صغيرة لطيفة وانا ابالطبع وافَقتُ أرسل له أبتسامة خاصة بي أشكُرُه فيها على مُساعدتي.

و بِذلك ودعتهم و تحركتُ الى الغُرَف أعبُر الأبواب بعدما تركوني الحُراس أدخل. إنَ الغرفة مُضيئة بأشعة الشمس، دافئة و نظيفة كَكُل مرة، رائِحة الأفِندار المُنعشة في كل مكان. حركتُ عيوني في الأرجاء الى أن رأيتُ رجل على السرير مُغطى كاملاً بالأغطية الحمراء و الذهبية و يبدو عليه حتى و هو نائِم التعَب و الأرهاق.

شعرتُ بِقلبي يتقطع على شكله ضعيف و مريض هكذا، لكنني ابعدتُ الشعور و أكملتُ مشي إليه. عَن قُرب يبدو اسوأ حالاً، انه يَغرق بِعرقه و يُتَمتِم كلمات لا أفهمها بِنومِه. لاحظتُ انه عاري الصدر أسفل الأغطية و يُمكنني رؤية نفس السواد يتحرك على جسده لكن بِتحَركات بَطيئة جداً. يبدو انهم أخفضوا مِن ألمه قليلاً لكي ينام مع انني لا أراه مُرتاحاً ابداً.

علي الطاوِلة الموجودة بِجانب سريره يوجد وِعاء فارغ و بَعض الكمادات البيضاء مَصنوعة مِن القُماش. اخذتُ انا الوعاء أتنهد ثم توجهت للحمام بِتوتر لأن أخر ذِكرى أراهُ فيها كانت هنا و هو بِشكل لا يُمكنني وصفه جيداً و لا اريد وصفه لأنه مازال يُلاحقني في كل مرة أستخدم حمامي ايضاً.

فتحتُ باب الحمام و كما لو أنَ لا شيء قد حدث، الحمام مُرَتَب و نظيف و كل الأثاث الذي تَكَسَر ذلك اليوم، يوجد بَديلُه و المِرأة التي تبعثرت في كل الأتجاهات يوجد غيرها في نفس المكان تلمع.

ذهبت الى الحوض لأسكُب المياه الباردة بالوعاء. عدتُ الى السرير ثم جلستُ على كرسي موجود بِجانب ريس. وضعتُ الكمادة في الماء البارد ثم وضعتها على جَبينه و هو تَحرك بِمكانه بِسبب المياه الباردة الفُجائية على رأسه. بأمكاني الشعور بِحرارة جسده عندما أقتربتُ منه لوضعها على جبينه مَرة ثانية، انها قد تكون حرارة قاتِلة عند البشر بما اننا نملك أجساد لا تتحمل فوق الطاقة بِعكس الجنيات لديها قدرة تَحَمُل عالية تَفوق الخيال و مع ذلك تمرض و تشعُر بالضعف الشديد و رُبما قد يُدمِرها جسدياً و حتى نفسياً أكثر.

لقد مرت ساعتين تقريباً و انا اخذ الوعاء أبدل الماء للباردة ثم اضع الكمادات على جبينه و حتى عَثرتُ على كمادة غير مُبللة لأخَفِف مِن عَرقه الذي لا يتوقف مِن رقبته و الجزء العلوي مِن صدره بعدما ابعدتُ الغطاء بعض الشيء عنه.
لأكون صادِقة، صحيح انه يبدو بِحالة سيئة و لا أتمنى رؤية أحد بوضعه إلا انه يبدو لطيف الشكل بِنومه، كيف لأحد أن يكون جميلاً و لطيفاً أثناء النوم؟

فَوجهُه المِثالي مَنظر لا اعتقد انني سأمَل مِن النظر إليه. من أنفِه المستقيم الصغير الى رموش عينيه الداكِنة و الكثيفة، حواجبه المُرتبة الرفيعة و شفتيه المَملوئة تبدو ناعِمة، ظهرت أبتسامة صغيرة على طَرَف شِفاهي على أفكاري كالمُراهقة الخَرقاء.
توقفي الأن و في هذه اللحظة تاليا!

هززتُ رأسي ابعد تِلكَ الأفكار في هذا الوقت ثم أكملت عملي أرَكِز بِه مِن دون الشُرود. حركتُ عيناي على صدره أراقِب ذلك الظلام المُخيف حَي على جسده و في داخلي شيء ما يجعلني فضولياً لِلمسها كأنها تُناديني أن افعل. كلمات بيتر تَدور في رأسي كالعَجلات، عندما اخبرني انني قد امِلك قُدرة مِن القُدرات البشرية التي تمنع اية أمور خارقة غير طبيعية تُستخدم ضدي.

و من دون اية تفكير رفعتُ يدي اليُمنى و قربتها مِن صدره، جزء مني يُحاول إيقافي من الأكمال و الجزء الأخر يدفعني لوضع يدي عليه و أرى ما سيحدث. انها في هذه اللحظة و هذه الثانية، إما الأن أو فَلا. اصبحت يدي فوق صدره تماماً أحِس بِحرارة جسده أكثر مِن سابقاً، و من دون المزيد من الأنتظار و التفكير وضعتها عليه. وضعتها فوق تِلكَ الأشياء المُتحركة أشعر بِنبضات قلبه تحتَ لمستي.
لكن...

ماحدث قد جعلني أصعق كأنني تلقيتُ إحدى تلكَ اللكمات التي تُفقِدُك السيطرة على نفسك و تُخرج ما في رئتيك من هواء خارجاً. الظلال، لقد تحركت بِسرعة كبيرة لم تُلحقها عيناي و أختفت كأنها غير موجودة. لم يَحدُث لي اية مَكروه أو اية ألَم، لكنني أنتَفضتُ بِسرعة أبتعد مِن مكاني و أقف مُتبَحلِقة العينين على ما رأيته و ما حدث معي.

ما شعرتُ بِه كان مُختلفاً تماماً و لم يَحدُث لي مِن قبل في حياتي كلها. لقد أحسَستُ أنَ يدي اصبحت دافئة جداً و دغدغة صغيرة قد ظهرت على كَف يدي بَعد لمسي لجسده المُشتَعِل. تنفُسي اصبح غير مُنتظم و قلبي لم يَعد يَعرِف متى ينبض كأنه ضائع و محتار مثلي.
هل، هل أوقفتُ الظلال و أخفيتُها؟ ما الذي حصل لي؟ هل جُنِنت أو عدتُ أتوَهَم و أتخَيَل؟

تالياً؟ فجأة سمعتُ ريس يُنادي بأسمي و يتحرك بِسريره لكي يُقابِل عيناي.
ماذا، ماذا بكِ؟ سأل مُجدداً يحاول الجلوس لكنني عدتُ إليه أنسى ما حدث معي للحظة الى أن وقفتُ بِجانبه اجلس على الكرسي و أشير له أتفادى مُلامَسته كي يبقى مُستلقياً.
ابقى مُستلقياً ريس، يَجب عليكَ أن تستريح و حرارتك لا تنخفض سوف أذهب لكي أبَدِل المياه بِباردة.
قبل أن أقف امسك هو بِذراعي و اعادني بِهدوء
لا تذهبي، فقط، ابقي هُنا قليلاً.

أومأتُ له بالموافقة و جلست انظر إليه مِن ثم الى المَنطقة التي لمستُها و التي تكون فارِغة لا يوجد عليها ما يتحرك أو يَخفي لون بَشرته الطبيعية.
لماذا وجهكِ شاحِب؟ هل مِن خطب؟ سأل ريس بِقلق.
لا، انا بخير لا تقلق و اقلق على نفسك أرجوك، فأنتَ كالنيران المُشتعلة.

أخرج هو مِن حلقه صوت كالضحكة ثم أومئ يُغلق عينيه يَدّعي انه نائم. أبتسمت على منظره ثم اعدت انظر و أذكر انني عندما لمسته لم أتأثر بِه، لم يؤذيني أو أؤذي نفسي بأي طريقة، هذا يعني أنَ بيتر كان مُحقاً. لدي قُدرة تَصُد كل قوة شريرة تنتمي للظلام و كل ما يؤذي.

لكي اتأكد انني لستُ مَجنونة رفعتُ يدي مرة أخرى فوق صدره و انزلتها ببطء لكي ألمِس منطقة مختلفة فيها الظلال تتحرك لكن قبل أن أكمل امسكني ريس مِن مِعصَمي بِسرعة قد اخافني بِفعلته ثُم نظرتُ له لأراه يُحدق بي بِعيون مُتبحلقة مُعقد الحواجِب ايضاً.
ما الذي تفعلينه بِحق الجحيم؟ قال هو بِصوت مُرتفع و الغضب واضِح فيه.
دعني أكمل. انا اخبرته بِرقة اجعل مِن هدوئي يتحكم بي.
هل انتِ مجنونة؟ تريدين الموت؟

ليس هذه المرة. سوف أريك لهذا دعني أحاول مِن جديد.
رفع حواجِبه بِصدمة مِن كلامي ثم سأل بِتوتر.
مِن جديد؟ ماذا، هل لمستني أثناء نومي؟
لم أجبه بَل تركتُ سؤاله يتعلق بالهواء لأنني سوف اريه الجواب بدلاً مِن أخباره به. و الحمدلله انه تركني افعل ما يَجب أن افعله منذ زمن. وضعتُ يدي عليه لِتظهر علامات الصَدمة على وجوهنا كلانا. لكن هذه المرة هو مَن تفاجئ بالموقف أكثر مني.

السواد كله قد بدأ بالتَحرك أسرع و بِلمحة بصر أختفى كل شيء، لا يوجد ولا اية نقطة على جسده الذي يبدو فعلاً مذهل مع كل تلكَ العضلات.
انتِ، انتِ يُمكنكِ لمسي. هَمس ريس مندهش لازال لا يُصدق ما يحصل امام عينيه.
أبتسمت انا بِكل سعادة و تحمس أومئ برأسي و في عيناي القليل مَنَ الدموع لم الاحِظ وجودها إلا عندما اصبح نظري ضبابي.
نعم هذا مايبدو.

هذا يَحصُل مُجدداً، تَمتَم ريس بِصوت مُنخفض لم أكن لأسمع لو انني لستُ قريبة منه.
مُجدداً؟، ما الذي يعنيه انه يَحصل مُجدداً؟
جلسَ ريس يُعيد ظهره على تاج السَرير مُمسِكاً بالغطاء كي يُغطي الجزء السفلي مِن جسده و انا ابعدتُ عيناي أحدق بشيء أخر بالغرفة.
أوه يا الهي. قال ريس يغطي وجهه بيديه و يتنهد بقوة كأن عقله لا يَستوعب و لا يُريد الأستوعاب.

ابعد يديه عن وجهه و نظر لي مِن دون وجود اية مَشاعر تُخبرني بِماذا يُفكر و كيفَ يشعُر. لا يبدو سعيداً و لا يبدو متفاجئ، لا يبدو مثلي أطير مِنَ الفرح داخلي لأنني بطريقة ما، اجعل مِن الظلام عليه يختفي حتى أنتبهت أن عضلات جسده أرتَخَت تحت لمستي لأنها كانت مُتشنِجة كثيراً.
هل مِنَ المُمكن انكَ تعرف ما يحدث؟ انا سألته العَق شفتي لا اعلم ماذا اتوَقَع أن تكون أجابته.

لم يتحرك أو يُجبني على الفور بَل اخذ وقته الى أن تذكر انني سألته سؤالاً.
لا لم أكن اعرف أو اتوقع تلكَ القدرة ابداً.
إذاً لماذا تبدو غير سعيد؟
حرك عينيه الفُضية إليّ، يمكنني رؤية بؤبؤ عينيه تَصَغر لقوة ضوء أشِعة الشمس لتجعلها تبدو أكثر حِدة. أخرج ريس الهواء مِن انفه ثُم أرتفعت زاوية مِن شفتيه للأعلى و اعطاتي نظرة دافِئة.
مَن قال انني لستُ سعيداً؟ انا فقط مُتفاجئ، و،
و ماذا؟

انا خائف قليلاً. قد تستطيع قُدرتكِ منع الظلام من الأنتِشار على جسدي لفترة لكن ليس للأبد. سوف تعود من جديد الى جسدي كأن لا شيء قد حدث، لَماستُكِ قد تجعلني أرتاح مِنَ الألم لبعض الوقت، ولكن عندما تبتعدين و تتوقفين عن أستعمال قُدرتكِ عَليّ، ستعود الظلال أقوة و أكثر خطورة تاليا.
بَلعتُ ريقي أدخل كلامه بِعقلي، الذي فهمته منه انني لستُ بِعلاج له، بَل كالمُخَفِف لأوجاعه و ماعاناتِه وليس أكثر؟

هل لكَ أن توضح مِن كلامكَ ريس؟ انا اخبرته و بِصوتي خيبة أمل.
ما اعنيه هو، أنَ قُدرتكِ توقف ألمي لفترة مِن الزمن، لكن الظلام سوف يعود مِن جديد يَشعر بالجوع لِلَمساتك و عندما لا تكونين موجودة، ما بِداخلي سوفَ يغضب و يبدء بِالأنتقام مني انا و قد يؤذيكِ انتِ ايضاً. شرح لي كل شيء بِبطء كأنه يُحاول أن يُمَركِز كل معلومة بِذاكرتي.

الأن فهمت جيداً و انا اعلم تماماً انني لستُ إلا وسيلة لأرضاء ما بِداخله لكن، سوف اساعده و لن أدعه يُعاني كل يوم بِتلكَ الطريقة. فَشكله لا يعجبني هكذا ضعيف و مَريض بِسريره لا يستطيع حتى حَمل نفسه.
سوفَ أكون حَذِرة. انا قلتُ له أعطيه أبتسامة سرور.

امسكتُ بالكمادات و غمستها بالمياه ثم أقتربت و وضعتها على جبينه. ريس يُراقب كل تحركاتي و يدعني افعل ما يجب أن افعله. يُمكنني رؤية بَعضاً مِنَ الندم على ملامحه و انا تجاهلته أردِد كل ما اعرفه من معلومات قد قرأتها عن الظلام في ذهني. مَرات كبيرة تلامست يداي بِذراعه أو وجهه و هو في كل مرة يَنتَفِض كأنه لم يلمسه أحداً لسنين و أظن أنَ هذا صحيح، فَهو لم يَسمح لأحد بالأقتراب منه لدرجة اللمس و انا هنا لأكسر ذلك القانون.

مع ذلك لدي ايضاً بَعضاً مِنَ القلق على نفسي. إن لم أكن حذرة و أستخدم عقلي في موضوع كهذا، فسوف القي بِنفسي الى أيادي الموت، فَمنذُ قدومي الى هذا العالم و الموت يقف بِكل صبر ينتظر مني أن اقع ليُمسِك بي.

إذاً لقد كنتُ محقاً. قال بيتر بِثقة نفس و هو يُربِت على رقبة حصان عسلي اللون بِقرون ذَهبية جميلة و عيون كبيرة بيضاء في الأستطبل في الساحة الرئيسية لِلقصر.

لقد اخبرتُ بيتر بِكل ما حصل لي البارحة. و هو لم يبدو عليه التفاجئ و عندما سألته لماذا لم يُبدي اية ردة فعل غير توسيع عينيه بِدهشة ليجيبني انه كما اخبرني مِن قبل، انه توجد بَشر بِقدرات قد خُلقَت بِها لكي تحمي نفسها من كل خارق للطبيعة و انا لِحظي الجيد، خُلِقتُ بأحاداها.
هل لكَ أن تشرح لي أكثر عن ما اخبرني بِه ريس؟، لقد فَهمتُ كل ما قاله، لكنني لا اعلم لماذا لا اصدق.

سألته انا امشي ورائه مُمسِكة بِبعض الخُضار أطعم كل حِصان أراه.
حِصاني الجميل و المُخلِص هوليغان يَقف بأخر الأسطبل مُخرجاً رأسه ينتظرني كي اصل إليه.
لا اعتقد انني سوف أكون أحداً يُعطيكِ كل ما تحتاجين معرفته. يوجد كتاب يَملك كل الأجوبة لأسئلتك موجود عندي في مكتبي و سوف اعطيكِ إياه بعد أن ننتهي من أطعام الأحصنة و بالأخص ذاك الذي ينتظركِ بِفارغ الصبر.

حركتُ رأسي انظر الى هولينغان يُصدر صَهيله و يُحرك رأسه من الأعلى للأسفل كأنه يُناديني. قَهقَهتُ على تصرفاته الطفولية و خاصتاً انهُ يُحِب الأهتمام و اناني بحق، لكنه لطيف و وَفي جداً وهذا ما يجعله مميزاً عن الباقي. اخذتُ خطواتي إليه مازلتُ أقَهقِه عليه و هو اصبح يَدور و يتحرك بِمكانه بِسعادة لرؤيتي؟ أو للطعام الذي بيدي؟
تعال الى هنا، ألا تريد بعضاً مِن هذا الخيار اللذيذ؟

سألته انا أشير له يدي لكي يتقدم نَحوي مجدداً و أرفع يدي التي تَحمِل الخيارة لكي يُقضمها و يبدأ بالأكل.
و انا اطعِم هولينغان و أرَبِت على رقبته الطويلة، لاحظتُ حصاناً أسود بِقَرن واحِد فضي اللون و عيون سوداء فيها القليل مِنَ الرمادي يُزينها. انه كبير و جميل جداً بِشعر أسود كسماء الليل مع نجومِها المُضيئة. رأيتَ انه لا يتحرك و هادئ جداً كل حين و أخر يُخرج هوائاً مِن انفه.

انه حصان ريس الخاص. لقد أهدَتهُ والدته دايانا إياه عندما اخبرها انه يريد تعلم ركوب الخيل في سن صغير.
اخبرني بيتر يتقدم نَحوي و ينظُر لِلحصان كذلك. إذاً انه خاص بِريس، لهذا يبدو مثله تماماً.
هادئ جذاب و حاد الشكل.
هل يَملك أسماً؟ سألتُ بيتر أدَع هوليغان يتناول طعامه و أتجِه لِلحصان الأسود.
نعم، أنَ الحصان في الحقيقة أنثى و تُدعى نوبتي.

أستدرتُ بِكاني لأحدق بِبيتر كالتي رأت شبحاً. اللغة الرومانية لغة البشر. هل ريس يعرفها؟
نوبتي يعني الليل باللغة الرومانية. انا اخبرته مازلتُ أحدق بِه مُتفاجئة.
أومئ بيتر بِرأسه يَبتسم ثم قال
نعم هذا صحيح.
هل يتكلم ريس اللغة؟ اعني انها ليست لغة تعرفها الجنيات.
أومئ بيتر مرة أخرى ثم بَرر لي.

ريس كانَ لا يعلم اية شيء عن اللغة، بل والدته دايانا تعرف. ريس يعلم أنَ والدته تُحِب الليل كثيراً و كل شيء يتعلق بالليل. و عندما تلقى هذا الحِصان كهدية مِن امه، ذهب إليّ لكي يسألني عَن كيفية لفظ كلمة ليل في الرومانية حتى يُسَمي الفرس بِما تُحبه امه و عندما كبر أكثر تعلم اللغة بِسرعة مع لغات أخرى.
يبدو أنَ ريس مُتعلقاً بوالدته جداً. انا قلت أرسم أبتسامة تُظهر اسناني.

جداً جداً، مع أنَ ريس قَضى مُعظم أوقاته مع والده، إلا انه كَبُر بين بنات مثل اخواته الثلاثة. والدته كانت تُخَصِص وقتاً لهم سوياً لتقضيه معهم لكن ريس كانت تُحِب أبقائِه معها في غرفة الموسيقى كل ليلة، تخبره قِصص و تُغَني له الألحان. تَعلق بِها كثيراً لدرجة انه كان قد يعرف بِماذا تفكر و ماذا تريد قبل أن تتفوه بِشيء.

تَقلَبَت مَلامح بيتر مِن السعيدة و المسرور للحزينة و المَكسورة بعد أن توقف عن التكلم، حرك رأسه ينظُر الى نوبتي و هي أحنَت رأسها له تتركه يَضع يده على رأسها و يَحُكه بِخفة كأنها تَفهم حزنه و تشعر بِما يشعر به.

عندما خَسر ريس عائلته، تغير كثيراً و خاصتاً فقدانه لوالدته جعله شخصاً أخر، لقد اصبح كئيباً و بارد الشخصية، كان يَغضب على كل شيء و أتفه شيء. ريس فقد قلبه و نفسه عندما فقدها هي. كلمة مَكسور و حزين لا يوصِفوا ما حدث معه و كيف اصبحت حياته. دوماً ما كان يلوم نفسه و الى الأن مازال يفعل ذلك.

لم أكن اعرف انني أبكي، الى أحسَستُ بِشيء ما ينزلق على وجنتاي ليصل الى شِفاهي و أتذوق ملوحتها. لم أكن اعلم كم هو مَكسور و متألم. كلماته و تصرفاته تُخبرني العكس، انه رجل سعيد و لديه كل ما يريد بِما انه ملك. لكني كنتُ أجهل انه غارق بِماضيه و مازال لم ينجوا، انه قوي من الخارج لكنه صغير، حَساس و ضعيف.

لأنه من الأشخاص الكتومة و الغامِضة، فَمِنَ المُستحيل أن يعرف أحد عنهم و عن شخصيتهم الحقيقية. لهذا ريس لطالما كان كائِن يَصعُب على اية أحد مَعرفة ما يَشعُر به و كيف يُفكِر و ما حدث له مِن ألام تؤثر عليه جداً و تضعفه. أقتربت مِن نوبتي و وقفت امامها مُباشرة و هي أقترب ايضاً مني تنظر لي بعيونها البراقة. وضعتُ جبيني على جبينها أرَبِت على وجهها و أدع مِن دموعي تَنهمر كالشلالات أترك نفسي تخرج ما كنتُ امسكه منذ سنتين الأن.

انا ايضاً ألوم نفسي على موت عائلتي، مازلت اقول في نفسي انني لو عرفت عن هذا العالم بوقت أفضل، لكنتُ حذرتهم و اخذتهم بَعيداً مِن قريتنا و الى مكان أخر لنعيش بأمان و سعادة ككل يوم كنا نفعل.
لكن ها انا هنا، لوحدي مَع ذكرياتهم فقط تبقيني مُتمَسِكة بالحياة. لأجلهم سوف اعيش و لأجلهم سوف ابقى قوية و شجاعة و لأجلهم سوف ابقى مع الرجل الذي يتمسك ايضاً بالحياة مثلي لكي يَحمي مملكته و شعبه.

مِن بعد أن علمت عن قدرتي العجيبة تلك ساعدتني تيلار بِمعرفة أكثر عَن القدرة كيف تأتي أساساً. كل الذي اخبرتني عنه تيلار عندما كنا انا و هي نتناول العشاء في غرفتي، هو أنَ البشر عندما يقضون وقتاً طويلاً بالسَفر بين عالم الجنيات و عالم البشر، يَجتمع سِحر هذا العالم بِهالة البشر و جسدهم و تعيش معهم الى أن يُنجِبوا اطفالاً في المستقبل. للتوضيح أكثر، أنَ مَن يُسافر و يقضي ايامه في هذا العالم و للعالم الأخر، يَجذُب السِحر له و يبقى معه كأنه منه و مِن دون أن يعرف عندما يُنجِب طفل، يكون الطفل مَن ينتقل إليه السحر و يبقى معه لكي ينتقل مِن جديد لطفل أخر.

البشر لا تَشعر بأي شيء طبعاً، لأنهم لا يَملِكون حِس السِحر الذي يملكونه الجنيات. الجنيات بِطبيعتها مَخلوقة مِنَ السِحر، و لأنهم منه، يَشعرون به حتى مِن على بُعد بِعكس البشر التي لا تعلم ما الذي يحدث لها إلا إذا أستعانوا بِساحِرة أو عندما يكتشفوا ذلك بِنفسهم، مثلي.

تنقل عائلتي و بالأخص أبي مِن هذا العالم لعالم البشر بأستمرار، جعله يحمل بِدمائه و بِجسده بعضاً مِن ذلك السِحر الذي املكه الأن. بالأحرى نحنُ لا نُسَمي ما املكه بالسِحر، بَل بالقُدرة لأن امي أنجَبَتني بِها و لم توضَع عَليّ أو قررتُ أمتِلاكها بِنفسي.

في الأخر هذه القُدرة سوفَ تَحميني مِن قوة سِحرية قادمة مِن قلوب سوداء و بِنيات سَيئة، لكن ما يُزعجني بالأمر أنَ ريس ليس بِشحص سيء ابداً و أنما يَمتلِك شيء بِداخله يجعله يبدو سيئاً و وحشاً غيري قد يركض خائفاً منه أو يحاول قتله لو كان شُجاعاً و انا لن اسمح بأي منهم أن يحدث له.

دققتُ على باب غُرَف ريس ثلاث مرات اخذ نفساً أهدئ مِن قلبي الذي سوف يَكسر قَفصي صدري و يخرج من مكانه. لم يُجبني ريس لكنني اعلم انه ينتظرني في الداخل لهذا فتحتُ الباب و دخلت. لقد مَرت ايام أخرى و هو تَحسن أكثر و بِسرعة، أسرع من اية مرات قد مَرِض فيها بِسبب لعنته و اعتقد انني اعرف السبب...
انا في الحَمام! انتظري لحظة!
سمِعتُ ريس يقول من الداخل و انا أبتسمت اخذ خطواتي لِجانب سريره أرى انه غير مُرتَب.

حتى لا ابقى واقِفة كالبلهاء انتظره لكي يخرج، تحركت و بدأتُ بِترتيب اغطية السرير و وضعت وساداته المُبعثرة في مكانها بِشكل جيد و مُناسب.

في كل مرة أرفع الأغطية لأنفِضها و اعيد وضعها في مكانها المُعتاد، تنبعِث لي رائحته هو قادِمة مِنها تَملئ مجرى تنفسي. رأيتُ بعضاً مِن الأوراق مَرمية على الطاولة الصغيرة بِجانب سريره، لهذا اخذتها و اعدتُ ترتيبها ايضاً مَع باقي الأوراق على طاولة مكتبه. يبدو انه لم يَكُن يرتاح في المساء عندما كنتُ أترُكَهُ و اعود الى غرفتي، بَل كان يعمل مِن دون توقف أو اخذ اية استِراحة، مازال يُتعِب نفسه حتى و هو مريض بِشدة.

هل يمكنكِ مُساعدتي تاليا؟ أنتفضتُ مِن مكاني أرتَعب من صوته القادم من ورائي. فأنا لم اسمعه يَخرج من الحمام.
التفتُ إليه لأراه يرتدي قَميص أسود كالذي يَرتديه كُل يوم لكن بِشكل مُختلف قليلاً، لكنه مَفتوح بأكمله يُعطيني كامِل المنظر لجلده الأبيض و عضلات معدته مَع عروقه البارزة عند عظام الورك. شعرتُ بِحلقي يَجف و أحمرار وجنتاي، لكنني تجاهلتُ الأمر و رفعتُ عيوني الى وجهه.

لا استطيع الأنحِناء أو تَحريك أذرعي جيداً. اعتقد أنَ الظِلال مازالت على أذرعي و غاضِبة.
بَرَر لي هو موقفه مُبتسِماً و انا اعلم أنَ خَلف تلكَ الأبتسامة ألم و إحراج.
اعدتُ له البسمة و حركتُ أكتافي اريه انه لا بأس ثم أومأت بِرأسي و تقدمتُ نحوه كي اقف امامه بالضبط. بَلعتُ ريقي عندما بدأتُ بالشعور بِحرارة جسده أرى بعض الظلال تتحرك لكنها قليلة جداً و بالكاد يُمكِن رؤيتها بِما أنَ لمستي اوقفتها لوقت قصير.

عَضضتُ على شفتي السفلية و رفعتُ يداي الأِثنتين امسك بِكلا الطرفين مِن قَميصه لكي ابدأ بأغلاقه مِن الأسفل للأعلى. انني أحاول امساك نفسي مِن الرَجف بِسبب توتري مع انها ليست أول مرة أكون بَتلكَ القرابة مِنه لكني لم أكن قريبة منه بِهذه الطريقة.

اغلقتُ أول زر بالبداية ثم الثاني و بعده الثالث بِتركيز مُحوالتاً أن لا المِس جلده في كل مرة. قد تُلامس اصابعي جلده بِرقة و بتلكَ المُصادفات يَقشَعِر بدني. انني اشعر أنَ عينيه لا تتركني و تُراقبني مَع انني مُنحنية الرأس انظر فقط لأصابعي تُغلق أزرار قَميصه، اخاف أن ارفع رأسي و اقابل عيون فُضية.

لم أكن اعلم انكِ تملكين نَمَش على انفك. قال هو بِصوت مُنخفض و انفاسه بِرائحة النعناع تَضرِب جَبيني.
لم ارفع رأسي مازلت متوترة و اشعر بأنني اغلِق أزرار قميصه منذ ساعات.
هل تُحدق بِتفاصيل وجهي؟ انا سألته بأغاظة اغلق الزِر الثامِن.
قَهقَه هو على كلامي ثم قال بِطريقة جعلني اتوقف لثانية من أكمال عملي.
مَن الذي لن يفعل ذلك و هو قريب منكِ بِهذه الطريقة؟

رفعتُ رأسي انظر إليه مندهشة و اعرف أنَ وجنتاي تحترِقان مِنَ الخَجل و هو أبتسامته كَبُرَت أكثر تُظهر اسنانه كأنه يعرف انه بِكل كلمة ينفوه بِها، يجعلني متوترة أكثر و أكثر.
يا له من لعين يُحِب أستفزازي.
انا أحِب النَمَش، فأمي كانت تملكهم على انفها و وجنتيها ايضاً. قال هو لا يدع عيوني كأنه ينظر لِروحي.

أحنيتُ رأسي بِسرعة أكمِل عملي و لا أتفوه بِكلمة لأن لِساني كالعُقدة بِفمي لا اظن انني استطيع فَكَها في هذه اللحظة. انتهيتُ و بعد عناء مِن اغلاق قَميصه لكن أدَع أول الأزرار غير مُغلقة لأنه لا يُحِبها كذلك. نظرتُ الى مُنحينات جَسده مع أكتافه العريضة و صدره تَحتَ القميص الضَيّق أتمنى لو يُمكنني وضع يدي عليه و الشعور بِنبضات قلبه اسفل كَف يدي لكنني هززتُ رأسي ابتعد خطوة عنه و انظر للأعلى إليه مُبتسمة...

تبدو أنيقاً كَكُل مرة. انا قلتُ له عندما رأيته لا يتحرك من مكانه.
أومئ هو يُعطيني أبتسامة جانبية ثم قال
شكراً لكِ و انتِ تبدين جميلة ككل يوم. اعتقد أنَ الأبيض أجمل لون عليكِ.

أحسَستُ بِقلبي يتخطى نَبضة على كلِماته التي تجعلني أشعُر بأشياء غريبة في داخلي، حركتُ عيناي انظر الى اية شيء في الغُرفة أتفادى نظراته. هو شَعر بِتوتري على ما اعتقد ثم تحرك يتجه نحوى المِرأة ينظر الى نفسه مَِن الجانب و الوراء يتأكد انه لا توجد اية تَجاعيد على ملابسه.
لقد قررتُ ارتداء الأبيض اليوم لأنني ايضاً أحِبه على نفسي أكثر مِن اية لون أخر.

و لكن بِما انه اخبرني مِن قبل و اليوم مُجدداً أنَ اللون الأبيض الأفضل عَليّ قررتُ أن لا اعيد و ارتديه مُجدداً، لأنني لا اريد مِن كلاماته أن تلعَب بِعقلي و قلبي بِكُل سهولة لأنني لستُ هنا لجعله يُعجَب بي و يُجاملني كل مرة سَنَحَت لهُ الفرصة، انا هنا لخدمته و مساعدته و ليس أكثر...
هذا ما تعتقدين ايتها الكاذبة!

صوت بداخلي ضَحِك عَليّ و انا تجاهلته فوراً أفكِر بشيء أخر مثل كم أنَ اجواء اليوم باردة جداً و اعتقد أنَ الثلج سوف يتساقط مجدداً في اية وقت من اليوم.
اخرجتُ الهواء مِن فمي أهدئ نفسي بِما انه بعيداً عني الأن و شكرتُ ربي انه لم يسألني أنَ أسَرِح شعره أو افعل شيء أخر لأنني لا اعتقد انني سأتحمل.
هل تشعر بأنك افضل مِن قبل ام تُريد مني ان سألته انا لكنه قاطعني بِسرعة قبل أكمالي لِجملتي، و هو يلتفت إليّ.

انا بخير لا تقلقي. لا اريد أن اتعِبكِ معي تاليا، صحيح أنَ قدرتكِ تجعلني ارتاح و تُقَلِل مِن الظلال على جسدي و أوجاعي لكني لا اريد منكِ أن تعتادي على فعل ذلك فقد تؤذي نفسك.
حدقتُ بِه أرمِش بِجفوني لا اعلم بِماذا أرُد عليه، كيف لي ان أؤذي نفسي؟
قد اؤذي نفسي إن لمستُك؟ اليسَ قدرتي تَحميني من ذلك من الأساس؟ انا سألته ارفع حاجِباً بِحيرة.
هزة هو رأسه بِخفة ثم اعاد نفسه للمرأة و يُجيب.

قدرتكِ تحميكِ هذا صحيح، لكن الأكثار مِن استخدامها قد يُضعِفُها لهذا حذاري أرجوكِ.
انا لم استخدمها إلا معك و لا اعتقد انني سأستخدمها لأحد أخر.
أستَدار مِن جديد إليّ ثُم تنهد بِقوة يغلق عينيه ثم يفتحها.
تاليا، انا لا اريد أن أكون اناني. لا اريد أن ابقيكِ معي فقط مِن اجل أن تكوني أداة لِتَخفيف الألام.

كيفَ لكَ أن تقول هذا؟ انا افعل ذلك مِن اجلي ايضاً. بعد أن اكتشفنا انني استطيع ايقاف تلكَ اللعنة و لو قليلاً، تريد ابعادي عنك مِنَ الأن؟ انا أندفعتُ ارفع صوتي عليه بِغضب لسبب ما مع انه محق و يَجب أن احمي نفسي و أكون حَذرة.

تنهد ريس مُجدداً هذه المرة يَقترب مني أكثر و يضع يديه على أذرعي يُحاول أن لا يَلمِس جلدي. مازل لا يُصدق ما يحدث لأنه عَثر على أحد مِثلي يُغير مِن حياته و لو بِبساطة و مازال يَرفُض اخذ الفُرصة حتى يمكنه العيش مِن دون ذلك الألم الذي لا يتركه في كل حركة و كل ثانية، اعني اللعنة على كلامه فَهو لا يستطيع حتى تَحريك جسده جيداً لكي يُغلق أزرار قميصه.

انا أسف تاليا، انا، لم اقصد أن اغضبكِ أو اجعل مِن ما يحدُث سيء. انا شاكِر جداً على قدرتكِ و وجودك لكني أحاول حمايتكِ و أحاول تحذيرك فَحسب. هو قال بِصوت هادئ و رقيق ينظر لي مُباشرة بالعينين.
تنهدتُ انا ايضاً أومئ له بالتفهم لأنني قد زِدتُ مِن ردة فعلي و احرجتُ نفسي مِن لا شيء. اريد مساعدته، لا يمكنني رؤيته يُعاني هكذا و انا املِك قُدرة توقف كُل شيء و تعطيني الفُرصة للبقاء بِجانبه و معه دوماً.

انتِ تبدين كالفتاة المُراهقة التي لم ترى شاباً في حياتها بِهذه الأفكار...
قال صوت بِداخلي يسخر مني و انا اعلم انه محق.

ابتعدت انا عنه لأبعد يديه مِن على ذراعيي ثم اخذتُ امشي الى مِنضدة الشاي اضع بعض الأعشاب بِداخل الأبريق و الماء الساخن فيه امزجهما سوياً حتى أسكُب له القليل في فِنجانه و اعطيه إياه. إنَ هذه الأعشاب لتهدئ مِن اعصابه و لكي تَرتَخي عضلاته مع أنَ لمساتي تفعل هذا السِحر إلا انني لستُ بالمزاج لفعل ذلك و هو قد اخبرني قبل قليل انه لا يريد مني استعمال قدرتي عليه دوماً.

اخذ ريس الفنجان مني بِكُل سُرور ثم وضع انفه فوق الفنجان يَشُم الرائحة المُنعشة بعدها اخذ رشفة صغيرة يُهَمهِم على الطعم الذي يبدو انه مَرير و ليس لذيذاً.
هل لديكَ عمل اليوم؟ انا سألته أكسِر الصمت المُحرج بيننا.
أومئ رأسه بِ نعم ثم قال يُبعد الفنجان عن وجهه.

المَلك لا تنتهي اعماله ابداً. بعد قليل سوف يأتي أدلار لكي يأخذنا الى قاعة العَرش، لدينا اليوم بَعضاً مِن عُمال المدينة و الزوار الذينَ لديهم مَطالب خاصة يَجب أن اسمعها.
رفعتُ حواجبي بِتفاجئ لأنني لم أراهُ يوماً يفعل ذلك أو يجلس على عرشه بالقاعة. لقد رايتُ القاعة مِن قبل، لكن فقط ابوابها العملاقة كانَ كل ما رأيت و ليس ما بالداخل لهذا زادني فُضولاً و حماساً.

يبدو مِن ردة فعلك انكِ لم تَزوري قاعة العرش مِن قبل؟ سألني ريس بعد أن اخذ رشفة أخرى مِن شايه.
لا لم أدخل ابداً، لم يكن مَسموحاً لي. انا أجبته بِبساطة.
إذاً هذا اليو يوم حَظِك، سوفَ ترينها بأكملها و ليس فقط الأبواب مِنَ الخارج.
سوفَ اذهب معك؟ انا سألته مَصدومة.
أومئ هو بِرأسه بالموافقة ثم اخبرني يَضع كوبه على الطاولة بِجانب سريره.
نعم، فأنتِ مُساعدتي و يجب أن تكوني بِمرافقتي أينما اذهب سيدة هارث.

ماذا سوفَ افعل هناك معك؟
هَمهَم هو كأنه يُفكر و يضع اصابعه على ذقنه
الذي سيحدث هو كالتالي: انا سوف اجلس مع بعض الوزراء على الكرسي المَلكي و انتِ سوف تقفين خلفي مع أدلار و بعض الحَراس و عندما اطلب منكِ شيء سوف تساعديني فيه.
بأحضار مياه أو شيء لتأكله مثلاً؟
سألته انا اضحك مع انني اعلم انه هذا ما تفعله الخادمة و يجب أن لا اضحك على الأمر.

رُبما، و ربما فقط تبقيني كالرفيقة حتى لا اخرج عن وعي و أتحول لذلك الوَحش امام الشَعب.
أجابني هو يُشاركني المُزاح لكن جزء مني يعرف انه جاد بِكل كلمة خرجت مِن فمه.
ابقيه كالرفيقة حتى لا يُخرج الوحش الذي بِداخله، يا لها مِن جُملة مُخيفة تُرسل القشعريرة بأرجاء جسدي و تجعلني اقلق أكثر مِن ما انا عليه. انا اخذ وضعه و مشكلته بِكل جدية و هو يأخذ الوضع بِلا مُبالاة.
ما الذي تقصده بذلك؟

انا سألته بِفضول اريده أن يلفظ الكلمات لكي يفهم أنَ قُدرتي ليست فقط لتَخفيف ألمه بَل لِحمايته.
قد ابدو المُتباهية بكِلامي لكني أهتم له و اريده أن لا يقلق عَليّ ابداً لأنني اعلم ما افعله و كيف افعله و متى افعله.
رأيتُ حلقه يتحرك لأنه بَلع ريقه و ضَيّقتُ عيناي عليه انتظر مِنه الأجابة على سؤالي لأنه اصبح صامتاً لا يتحرك حتى.
انتِ تعلمين جيداً بالذي اقصده. هو قال يبتسم.

رفعتُ حاجِباً واحِداً و شابكتُ ذارعي امام صدري اتكئ على قدم.
لا انا لا اعرف، أرجوك اخبرني بالذي تعنيه ايها الملك. قلت له اتظاهر بالغباء.
تنهد هو ينظر لشيء ما بيديه غير موجود. اعتقد انني جعلته متوتراً لأول مرة. و فجأة ظهرت أبتسامة مِن دون سبب على شفتاي لا اتوق لِسماع الكلمات تَخرُج مِن فمه ذاك.
هل تُعاقبيني مِن جديد؟ لماذا تفعلين بي هذا؟
هو سألني مازال يَتفادى الأجابة.

لا انا اعاقِبَك بَل اريدك أن تعترف أنَ لقدرتي أهمية و لا اريدك ايضاً أن تَخاف أو تقلق عَليّ لأنني لستُ أجهَل ما قد يحدث لي إن لم أكن حَذرة.

ضَحك هو فجأة يَضع يده على بطنه و يعيد رأسه للخلف كأنني اخبرته بِفكاهة مُضحِة كثيراً. قد يكون مزعجاً بتصرفاته معي لكني أراه لطيف الشكل و هو يضحك من قلبه مِما جعلني أتمنى لو امكنني رؤيته يضحك أكثر كل يوم، فكأبَتُه و ألَمُه يجعله يبدو مُختلفاً و بارداً جداً مع الجميع.

أحِب ثقتكِ بنفسك و شَجاعتك، ابقي دائِماً هكذا. هو قال يتوقف عن الضحك و يقترب خطوتين مني يقف امامي و يحدق بي بعيونه المَشدودة و الثلجية.
أعتَرِف، أعترف أنَ لقدرتك أهمية كبيرة في حياتي من الأن و صاعِداً و سوف اطلبها إن أحتجتُها فقط لا أكثر أو أقَل ما رأيُكِ؟
فكرتُ بِكلامه جيداً مع انني اعرف الأجابة مُسبقاً و منذ اللحظة التي أكتشفتُ فيها قُدرتي على لَمسه و إيقاف اللعنة مِن ايذائه.
حسناً، موافقة.

أومئ هو برأسه سَعيد مِن كلامي و للحظة رأيته يرفع يده لكنه اعادها بِسرعة لجانبه كأنه كادَ أن يفعل شيئاً ما. طرق الباب اخرج كلانا مِن التحديق ببعضنا بأحراج ثُم سمح ريس للطارق بالدخول. فُتِحة الباب ثم دخل أدلار يرتدي درعه كالعادة و على خَصره سيفه و وجهه جاد خاليٍ مِنَ التعابير لكنه عندما رأني مُسِحَت تلكَ التعابير لتتبدل بأبتسامة صَغيرة جداً.
لم تَكُن لتبتَسِم لولا وجودها هنا هاه أدلار؟

قال ريس بِستهزاء عندما رأى ما حدث لأدلار.
ضحك أدلار بِصوت مُنخفض يُمسك نفسه ثم أنحنى قليلاً لريس.
انا أراكَ كل يوم تقريباً و انتَ مُمِل اصلاً. هي في الجهة الأخرى مُشرقة كَالكُرة مِنَ ضوء الشمس لهذا لم استطع امساك نفسي مِن الابتسام لها.
أجابه أدلار يُحرك حواجِبه بِأغاظة و ريس ضحك معه يومئ بِرأسه يوافقه و يرفع يديه في الهواء بأستسلام.
لم أكن لأوافق لولا كونك مُحِقاً. قال ريس يتقدم إليه.

أنتبهت انه لا يرتدي مِعطفه الذي يكون خاص بِقميصه لأذهب الى سريره الذي يكون مُمَدداً عليه المِعطف، اخذته و أتجهت الى ريس مسرعة.
ضع هذا فوق قَميصك.
انا قلت له مِن دون أن انتظره الى أن ياخذه. رفعته له في الهواء حتى يدخل ذراعيه فيهما.
حدق بي قليلاً لكنه أومئ و تحرك يُدخِل ذِراعيه بأكمام المِعطف و لاحظت أنَ تحركاته بَطيئة و ضعيفة مِما جعلني أعض على شفتاي و أشعر بالحزن بعض الشيء على شكله.

شكراً لكِ. هو قال يستَدير لي و يُرسل أبتسامة لطيفة بأبِمتنان.
هل لنا أن نذهب الأن؟ سأل أدلار يُشير للباب.
أومأنا انا وريس له بالموافقة ثم اخذنا خطواتنا نحو الباب لكي نغادر. أدلار امام ريس و انا خلفه انظر الى ظهره و افكر بِه طيلة طريقنا للقاعة.

الفصل التالي
بعد 21 ساعة و 45 دقيقة.
جميع الفصول
روايات الكاتب