رواية تحت الغطاء الأسود الجزء الأول للكاتبة مينار الفصل الثلاثون

رواية تحت الغطاء الأسود الجزء الأول للكاتبة مينار الفصل الثلاثون

رواية تحت الغطاء الأسود الجزء الأول للكاتبة مينار الفصل الثلاثون

بعدما تركت ذلك الرجل غريب الصوت الذي يدعى لوزيان، اتجهت عائِدة الى الطابق الذي يوجد فيه الخادمات و المطبخ ثم بدأتُ بِتوجهيهِهم و مراقبتهم يعملون.
مَرَّ الكثير من الوقت لم أشعر بِه بِسبب إنشِغالي. اخذتُ امشي في الردهة بِخطوات بطيئة ليست لدي وجهة أو عمل مُحدد بِما انني أتقنت كل شيء منذ أن أستيقظت.

سمعتُ صوتان عاليان يتشاجران في الردهة. أسرعت بِخطواتي لأرى ما المشكلة و من مسبب هذا الازعاج، لأتفاجئ بِخادمتين بشريتنين يتشاجران و لِلحظة سوف يُمسِكان شعر بعضهم البعض و يقتلعوه.
هذا ليسَ صحيحاً! هذه افضل. أنها من اختيار السيدة مورغن! كيف تجرُئين على الاعتراض؟ صرخت احداهم بِأعالي صوتها على الاخرى.

اللعنة عليكِ و على غبائك! هي لم تختارها اِنما قالت من الافضل اختيارها، لا اكثر و لا اقل! و انا أرى هذه أفضل من تلك!
أجابتها الاخرى أيضاً بِصراخ ترفع يديها في الهواء بِأحباط.
أمسكتُ فُستاني من الاسفل ارفعه من على الارض و ذهبت اليهم و علامات الغضب على وجهي.
ما الذي يحدث هنا؟ لماذا صوتكما عالي هكذا؟
انا قلت لهم بِصوت أعلى كي يسمعوني جيداً و يعطوني انتباههم.

التفتت الفتيات عندما سمعوا صوتي، و شهقو بِقوة من رؤيتي فجأة امامهم و شكلي لا يوحي انني معجبة بما يفعلونه الأن.
أخفضوا هم رؤوسَهُم للأسفل بِتأسف و قالت إحداهم تملك شعر أحمر مجعد طويل
سيدة هارث، نحنُ، نحن نعتذر على التكلم بِصوت مرتفع،
أكملت عنها الفتاة الثانية بِبشرة بيضاء و شعر كستنائي قصير
نعم سيدة هارث، نحن لم نقصد أزعاجك ابداً، كنا فقط نتحدث،
رفعتُ حواجبي عليهم بِسخرية و قلت لهم أقهقه.

ماذا؟، تتناقشوا؟ تتحدثون؟ صوتكم كان في كل مكان، لقد سمعته من على بعد.
توقفتُ قليلاً أخذ نفساً عميقاً كي اهدئ نفسي، لأنني إن لم أتحكم بالموقف فَسوف تلومني السيدة مورغن على عدم تصرفي معهم و سوف أخسر عملي بِسرعة.
اخبروني، ما الامر الذي كنتم تتشاجرو عليه بهذه الحِدّة؟ انا سألتهم بِنبرة منخفضة و هادئة.
رفعوا الخادمات رؤوسهم و حدقوا بِبعضهم كأنهم يتناقشو في ماذا سوف يجيبون.

فرقعتُ اصابعي امامهم كي اعيدهم اليّ و يجيبوني قبل أن ينفذَ صَبري معهم.
فتحت صاحبة الشعر الاحمر فمها و اجابتني من دون أن تقابل عيناي
أممممم السيدة مورغن طلبت من الجميع اختيار زينة مناسبة ليوم ولادة الملك القادم لِنُزين قاعة الحفل. و انا أخترت هذه الزينة بِما أن الملك يحب الالوان الداكنة.

رفعت الفتاة الصامتة رأسها بِسرعة قد ظننت انها سوف تكسر رقبتها من فعلتها و حدقت بِصاحبة الشعر الاحمر بِعيون فيها شرارات بعدها قالت لي
هذا ليسَ صحيحاً سيدة هارث، السيدة مورغن حددت الزينة و قالت انه يجب علينا وضع تلك التي باللون الازرق لأنها اجمل من الباقي.
نظرت لها ذات البشرة البيضاء و واجَهَتها بِوجه غير ودود كأنني لم أعد موجودة.

هذا ليسَ صحيحاً! لم تحدد اية زينة سوف نستخدم! لماذا تكذبين ايتها الكاذبة صاحبة الفم الكبير؟
ماذا قلتِ؟ كيف تقولين هذا و انتِ من لا تملكين اذان تسمع جيداً؟
كيف تجرو
قاطعتهم بِتسفيق يداي بِقوة لأن الحديث أصبح حراري بينهم مجدداً.
تأفأفتُ بِشدة أدَلِك رأسي ثم رفعت عيناي عليهم انظر لهم
توقفوا هذا يكفي!
انصتوا لي بعد ان انتبهوا انني مازلت موجودة و التفتوا عائدين الى وضعيتهم المتأسفة.

هذا نقاش سخيف و غير نافع، انا المسؤولة عنكم الان و انا من سوف اقرر اية زينة سوف توضع في القاعة.
أقتربت الى الزينة الموضوعة على الطاولة و نظرت اليهم أتمعن بِأشكالهم و اللوانهم جيداً.
جميعهم جميلة و مناسبة للحفل. امسكتُ بالزينة الداكنة التي تبدو قريبة للأسود و رفعتها امام الخادمات اسأل هل حقاً الملك يحب اللون الداكن كما سمعت؟
نظروا اليّ هم و أومأو بِرؤوسهم بالموافقة.

وضعتُ الزينة مكانها على الطاولة و امسكت الاخرى أعيد و أرفعها امامهم
و هذه الزينة هي من اختيار السيدة مورغن؟
اندفعت صاحبة البشرة البيضاء و قالت بِصوت مرتفع كأنها نسيت انها تتكلم معي
نعم سيدتي! لقد قالت أنها الأنسب و الافضل للحفل.
من جديد قاطعتها الاخرى و قالت بِصوت مرتفع اكثر من الثانية جعلت من غضبي يغلي كالماء الساخن من جديد.

لا هذا غير صحيح! لم تحدد، هي فقط اخبرتنا انها افضل و أنسب، لكن لم تأمرنا بأستخدامها
رفعتُ يدي الفارغة و أوقفتهم للمرة العاشرة. أمسكت الزينة كلها سوياً و وضعتهم في سلة فارغة بِجانب الطاولة.
بعدها وقفت أمامم بأستقامة أعقد حواجبي، أخبرهم بِنبرة ثابتة مثل نبرة السيدة مورغن
انتهبوا الى اخلاقكم و طريقة تحدثكم معي،
احنو رؤوسهم للأرض بأعتذار و انا اكملت كلامي.

كما قلت لكم مؤخراً، انا المسؤولة عنكم و انا من سوف اقرر اية زينة سوف تستخدِمون. سوف نستخدمها جميعها.
حدقوا بي بعدما توقفت عن التكلم و قالت اِحداهم بِنبرة منخفضة كالهمس هذه المرة
لكن سيدتي، السيدة مورغن
لا يهمني ماذا قالت لكم السيدة مورغن، هي لم تحدد ما اللون، لذلك سوف نستخدم ما يعجب الملك بِما أنه يومه هو و ما يناسب القاعة كذلك و النقاش انتهى.

أومأو رؤوسهم الاثنتان و اخذو السلة من على الارض ثم ذهبو خارج الغرفة يتهامَسوا بِشدة من جديد يعتقدون انني لم أسمعهم، لكني تجاهلتهم و خرجت انا ايضاً من الغرفة.
الحمدلله أن السيدة مورغن لم تكن في الارجاء و إلا لكانت سَتجعلني سخرية امام الجميع و تخبر الملك عن اخطائي و عدم تصرفي بِسرعة في مشكلة صغيرة تافهة.

انها تنتظر مني أن أرتكب خطأ صغير كي ترميني خارج القصر بما انها كما قال بيتر مسؤولة صارمة و متحكمة.
اعني لا اعتقد انها تكرهني أو شيء من هذا القبيل، لكنها لا تحب الكسل و العمل بطريقة عكس المطلوب أو فقدان التحكم في الخدم و بالاخص أن يوم ولادة الملك على الابواب و يجب على كل شيء أن يكون في وضعه الصحيح و من دون أغلاط كما أمرتنا صاحبة السمو أغاثا.

تذكرت أن اليوم تعلمت شيئاً بسيطاً عن الملك و هو انه يحب الأللوان الداكنة.
بدأتُ اتسأل عن ظهوره في الحفل، كيف سوف تكون ردة فعل الشعب؟ اعني بعضهم يعرفوه و يعرفو شكله، بالاخص من يعملونَ هنا في الطبقة العُلية في البلاط الملكي، كذلك الرجل الذي يكتب خِطابات الملك و يرسل خطاباته شخصياً، ما كان اسمه؟، أوه نعم لوزيان.

أذكر أن بيتر و السيدة مورغن يعرفون الملك ايضاً. لقد سمعت أن الخدم من الرجال يعرفوه مع بعض الخادمات التي تخدمه شخصياً في غرَفِه.
هززتُ رأسي أبعد هذه الافكار من عقلي كي أركز و اعود الى عملي لأتفادى نظرات مورغن المخيفة اِن رأتني أقف و أحدق بالخدم من دون أن افتح فمي.
هل سمعتي انتِ؟ فجأة سمعت صوتً يهمس في أحد غرف الخدم يقول.

توقفت بأرضي و أدرتُ رأسي الى اليسار انظر الى الغرفة مفتوحة الباب قليلاً. اخدتُ خطوتان للخلف اقف بجانب الباب، و و ضعتُ يدي على المقبض لأفتحه اكثر، لكن ما سمعته أوقفني بِمكاني ثابتة.
ماذا تقصدين؟ قالت أخرى تهمس.
الملك سوف يحضر الحفلة هذه السنة، اعني إن الامر مريب بعض الشيء لا؟

اقتربت اكثر من الباب بما أن المحادثة تتعلق بالملك. انا اعلم أن التنصُت ليس من الاداب ابداً، لكن فضولي اقوة مني و الموضوع يتعلق بالملك لذا...
اعرف هذا الخبر انه ليس جديداً. قالت الثانية.
نعم لكن، اليس غريباً؟ لماذا قرر فجأة أن يظهر نفسه امام المِئات؟ لم يفعلها منذ قرون، لما الأن؟ سألت الاولى.
سمعت إحداهم تتنهد و تتأفأف، أعتقد انها الثانية.

نعم انتِ محقة، الامر مريب بعض الشيء، لم يظهر الملك نفسه منذ فُقدان عائلته و الان قرر أن يخرج للعالم و يحتفل كأن كل شيء طبيعي.
ضحكت الاولى بِصوت منخفض و قالت لها موافقة
نعم ياله من ملك غامض و مخيف. انا أجِده مُخيفاً في الحقيقة، لقد سمعت انه كبير في العمر و عجوز.
توقفت الثانية عن العمل كأنها سُعِقَت من الخبر و سألت بِحيرة واضحة في صوتها الناعم
حقاً؟، انا سمعت انه كبير ايضاً، لكن ليس عجوزاً.

سمعت انه يملك عيون فيها سواد كالليل و لديه جرح كبير على صدره بسبب الحرب التي دارت بيننا و بين أعدائِنا منذ سنين. أنهم يقولوا أنَ جسده لم يستطيع شِفاء الجرح بسبب لعنة شادونايت. أجابتها الاولى بِصوت فيه رعب.
انا لم اخاف انما نَما الفضول اكثر بداخلي و اصبحت اريد أن أعرف المزيد عن هذا الملك.
و ماذا قالو؟، لعنة شادونايت؟ في الاخر اتضح انه حقاً مجهول حتى هنا في القصر بين الخدم.

سمعت انه لا يملك قوة كَباقي الجنيات في العالم.
قَهقَهَت الثانية و قالت لها تمازحها
يا لكِ من عفريتة، كيف أحضرتي هذه الاخبار؟
الجميع هنا يتكلم عنه بهذه الطريقة و ما اخبرتك عنه الان لا يقارن بِباقي الكلام الذي يدور بين الخدم و العُمال. قد تندَهِشي أكثر بِكثير إن سمعتي ما سمعته،
قبل ان تفتح فمها الثانية و تسأل المزيد فتحتُ الباب على مصراعيه و دخلتُ مشابكة أذرُعي أمامَ صدري.

هل انتهيتم من الحديث المهم؟ انا سالتهم بِغضب.
التفتوا اليّ و الرعب على وجوهِهِم تطفوا. وقفوا بأستقامة و انحنوا.
سيدة هارث لم نكن نعلم بِوجودك. قالو سوياً.
أوه حقاً؟، هذا يكفي كلام بلا معنى و انا لا أريد سَماع احداً منكم يفتح هذا الموضوع هل فهِمتم؟
أومأو رؤوسهم بِشدة واجابوني
حاضر سيدة هارث.
تنهدت هذا اليوم كثيراً لدرجة انني لم اعد أملك هواء لِيخرج من صدري بِسبب نفاذ صبري، ما خطب الجميع اليوم؟

لماذا تَشتَد الاجواء بينهم بعد أن عَلِموا بِقدوم يوم ولادة الملك؟ بدأتُ أكر هذا اليوم و لا اريد قدومه.
ابتعدت عنهم و وقفت خارج الباب أشير لهم بالخروج و اِكمال أعمالهم ثم قلت لهم
أذهبوا أكملوا عملكم من دون فتح أفواهكم تلك، و لا أريد سَماع هذا النقاش مجدداً لا بينكم و لا بين أحد أخر غيركم. إن سمعت اية شيء يخص هذا للموضوع، سوف تقابِلوا عِقابكم و انا متأكدة انكم لن تحبوه.

حدقوا ببعضهم بِدهشة و اعادو نظهرهم للأرض يخرجون بِسرعة قسوة. اغلقت باب الغرفة خلفي و راقبتهم يركضوا بعيداً عني و الى عملهم.
هل يمكن لهذا اليوم ان يكون اسوأ؟ لأنني اتمنى انا لا يفور غضبي من جديد بعد ان حدث ذلك مرتين.

أاااااااااا سمعتُ صراخ كالهمس في اذاني، كأنه قريب جداً مني.
انا مُدرِكة أنني في سريري في منتصف الليل نائمة مغلقة العينين.
أأاااااااا الصوت صرخَ مرة اخرى، وحشي اكثر من قبل.
الصوت قوي و همجي بنفس الوقت. مع اني نائمة الا انني واعية تماماً، أسمع صوت الرياح التي تدخل غرفتي من الشرفة مفتوحة الابواب.
أسمع أصوات الليل و بعضاً من همسات الحُراس.
لكن، ذلك الصراخ، من يخرجه يبدو انه في، معاناة.

في ألم و يتوسل للرحمة. شعرتُ بِنغزة في قلبي من سماع الصوت وحده في عذاب لا أعلم ماهو...
لسببِ ما، لم أقدر أن أفتح عيوني كأنه يوجد ما يغلقهم كالغِراء، الصوت يرسل قشعريرة لِجسدي بِأكمله، جعلني ضعيفة الحركة.
اخذتُ نفساً عميقاً أملئ فيه صدري بالهواء و عددتُ لِثلاث: واحد...
اثنان...
ثلاثة...

فتحتُ عيوني بسرعة و حدقت بِسقف السرير أرمش كي أصفي بصري و أركز جيداً. بعد لحظات دامت لفترة قصيرة في التحديق بِسقف سريري، رفعتُ جسدي اجلس.
حركت عيناي لِلستائر التي تتراقص مع الهواء النقي بعدها نظرت الى باب غرفتي المغلق.
لم اتحرك و لم أقُم بِفعل اية شيء، فقط بقيتُ جالِسة في مكاني احدق بالباب و انتظر سماع مالا اتمنى سماعه من جديد، لأنني خائفة و مرعوبة و أتعرق كأنني انا من أتعذب.

أااااااا للمرة الثالثة الأن يخرج الصراخ الذي يعذبني معه.
هذه المرة لم يكن قوي كما سمعته في المرتان الاخيرة، بل ضعيف، صغير و فارغ...
شيء ما بداخلي انكسر بعد اخر صرخة خرجت من هذا الشخص المسكين في الليل و لا احد يسمعه أو يساعده...
انتظرت...
و انتظرت...
و انتظرت لِأسمع المزيد، لكن لا صوت، لا صراخ ولا مزيد من هذا الكابوس الحي.
تنهدت بِشدة و اعدتُ استلقي على السرير مرة اخرى احدق بالسقف ضائعة بِلا شيء.

بعد فترة استسلمت عيناي و خَلَدَت الى النوم معها تجذب ذلك الصراخ الى رأسي و حتى الصباح التالي.

استيقظت في الصباح التالي رأسي يدور و ثقيل كاليقطينة.
لستُ متأكدة لماذا، لكن اعتقد بسبب الكوابيس التي رافقتني طيلة فترة نومي البارحة.
تلك الكوابيس كانت مختلفة في كل مرة اكون في منطقة داكنة ظلمة و هادئة لوحدي من دون اية احد معي و في لحظة اقف فوق القصر على حافة الحائط الابيض انظر للمدينة امامي في المساء و لا يوجد قمر ينير المدينة أو اية نجوم تُضيء لِتزين سمائها.

مع ذلك في كل حلم كان ذلك الصراخ في كل مكان من بعيد يخرج و من قريب يهمس لي.
استيقظت غارقة بِعرقي و أرجف من البرد كالتي كانت تقف في كومة ثلج في يوم شتائي عاصف.
اخذتُ حماماً و ارتديت فستان بسيط ابيض باكمام طويلة و مكشوف من الرقبة و ما فوق الصدر.

اخذتُ طوق مصنوع من الزهور المزيفة و الاغصان ايضاً كي يمسك فيه شعر رأسي من الامام و لا يسقط على وجهي.

تناولت الفطور مع جيانا بِهدوء من دون أن يتفوه احداً بأي كلمة و خرجنا من غرفتي نمشي ببطئ الى أن نصل للمطبخ للبدء بالعمل الروتيني.
ما خطبُكِ سيدتي؟ تبدين شاحبة منذ أن رأيتك. فجأة سألتني جيانا و نحن مازلنا نمشي في الارجاء.
لم التفت اليها أو أجيبها بِسرعة، اِنما أخذتُ وقتي في التفكير أجمع ما برأسي من ذكرايات تطاردني منذ البارحة.
لا اعرف، انا فقط، مشوشة و متعبة.
انا اجبتها أكذب نصف كذبة.

لم انظر لها، لكني أحسست أنها رفعتُ حواجبها عليّ بِعدم تصديقي.
هل هذا كل ما يحدث؟ سألتني مجدداً.
تنهدتُ بِصوت منخفض و اجبتها هذه المرة بِصدق
لا، في الحقيقة انا سوف أموت و لا اريد من الليل أن يَحِل علينا اليوم في اية وقتٍ كان.
أوقفتني جيانا تمسك بِأكتافي و تجرني الى مكان فالردهة فارغ لا يوجد فيه أحد ثم حدقت بي بالعينين مباشرةً و قالت بِصوت قلق.

ماهذا الكلام؟ ارجوكِ اخبريني ما الخطب حالاً و لا تتخطي تفاصيل حتى لو كانت غير مهمة.
أخذتُ نفساً عميقاً أصفي فيه ذهني و قررت أن أجيبها و أخبرها بما حدث معي و ما سمعته البارحة بالتفصيل المُمِل.
لم اخبرها عن شعوري في ذلك الوقت عند سماعي للصراخ المجهول، لأنه شعور أعتقد أنه خاص بي فقط و لا أريد مشاركته.

بعد أن أنتهيت من شرح كل شيء لها، أخذت خطوة جيانا صغيرة للوراء و أعادت يديها الى جانبها مازالت تحدق بي و ترمش كأنني قد اخبرتها قصة رعب.
صراخ مجهول؟ كان كل الذي سألتني بعدما انتهيت من شرحي.
أومأت لها بِ صحيح و اكملت لها انظر للارض و أشابك أذرُعي امام صدري.
نعم، لا أعرف ما سببه و من الشخص خلف الصراخ الرهيب. هذه أول مرة في إقامتي و عملي هنا في القصر، أشهد على أمر كهذا.

لماذا لم اسمعه انا إذاً، إن كان بِتلك القوة؟
تَمتَمَت هي لِنفسها بِنبرة مرتفعة لم أكن لأسمعها لو لا مسافتي القريبة منها.
انها محقة، لماذ لم تسمعه هي ايضاً؟
رفعت رأسها بِأدراك اليّ كأنها لاحظت نفس الشيء و قالت مُعَقدة الحواجب
انا لم اسمعه ابداً، هل من الممكن أن نومي ثقيل لتلك الدرجة؟ أم انه يوجد من سمع الصراخ مثلك؟

قَهقَهتُ قليلاً على كلامها مع انه لا يوجد ما يضحك في هذه اللحظة الجادة، لكني لم استطع امساك نفسي.
ابتسمت جيانا لِرؤيتي اضحك عليها و قالت بِسخرية من نفسها
نعم نعم، إن نومي ثقيل منذ أن كنتُ طفلة. كانت الطريقة الوحيدة لِأيقاظي هي سكب كوب ماء على وجهي أو الهمس في أذني و في المناسبة، لا أنصح اية أحد الهمس بأذاني، لأنني قد استخدم يداي و اقدامي في اللكم و الركل بِكل ما يوجد من قوة في داخلي.

ضحكتُ مرة ثانية و أوماتُ بِرأسي
اتفقنا، شكراً على النصيحة المهمة. لا اريد الوان الطيف على وجهي الجميل بِسبب لكماتك، بالاخص انكِ لا تتحكمي بِمشاعِرك و الشُكر لِقوتكِ الغريبة تلك.
اومأت لي هي تضحك و فجأة تغييرت ملامحها الضاحكة الى الجادة من دون سابق انذار
سوف أسأل من حولي عن ذلك الصراخ الذي سمعتيه البارحة و انتي افعلي المثل، لكن، لا تقولي انكِ انتِ من سمعتيه هل فهمتي؟

رفعتُ حواجبي بِحيرة من كلامها و قلت
لماذا لا تريدين مني أن اذكر انني انا من سمعت الصوت؟
لان الامر قد يثير الجدل و يزيد من الاسئلة الفضولية و بما انكِ بشرية بين جنيات و بالاخص خدم ذات أفواه لا تُغلَق، سوف تصل الاخبار للرؤوس الكبيرة و أولهم السيدة مورغن.
صحيح! لا اريد المزيد من المشاكل و لا اريد أعيُن مورغن عَليّ اكثر من ما هي الأن. الوضع حقاً غريب و انا بِنفسي اتسأل من دون توقف.

سوف نتأكد انني لستُ انا الوحيدة التي سمعته، بعدها سوف نركز على مصدر الصوت و من هو صاحبه.
فهمت، لن اذكر نفسي. انا قلت لها.
تنهدت هي بِصوت عالي كأنها أطمئنت، بعدها اشارت لي لِأمشي امامها اقود الطريق للمطبخ.
انصت لها و مشيت اقود الطريق و ابتسم للخادمات التي بدأن العمل منذ الصباح الباكر يعدون الطعام من الان للغداء الملكي و يعملون على تنظيف و تزين قاعة الحفل من اجل حفل الملك بعد يومان.

انا لا اصدق انه قد مَرَّ اكثر من شهرين لي في القصر، اعمل و اعيش كأي احد هنا في البلاط.
قد أبدو أقل شأنَناً و في مَكانة مُنخفِضة بالنسبة للباقي الذينَ أعمل معهم كالسيدة مورغن و بيتر و حتى ذلك الرسول الخاص بالملك، لكنني راضية و مُقتنِعة بِكل شيء و أهم من كل الذي سبق، شاكِرة و ممتنة جداً جداً.

نصف يومي قد قضيته في الانتقال من خادمة لِأخرى اسألهم جيمعهم إن ما سَمِعوا أصوات في الليل غريبة و مثيرة للريبة.
و انا تلقيت منهم ردات فعل مختلفة. منهم من هزة بِرأسه بالنفي لا يعرفوا عن ماذا أتكلم و منهم من حدق بي كالمجنونة امامهم و منهم من ضحك كأنني أخبرتهم نُكتة طريفة.

الاغلبية ظهرت على وجوههم تعابير الحيرة و التساؤول بالطبع، حتى انهم كانت لديهم الجرأة لِيسألوني عن تفاصيل اكثر و إن ما سمعت انا شيء ما غريب في منتصف الليل.
بالطبع لم اجبهم، انما اكتفيت بِشكرهم لأخباري بالحقيقة (او هذا ما اعتقدته، انهم اخبروني الحقيقة) و اخذتُ طريقي ابتعد عنهم لِأعثر على غيرهم، لِيجيبوا سؤالي الذي قد لا اجد له اجابة اصلاً.

بعد ساعات الله وحده يعلم كم قد مَرَّت، استسلمت و قررت التركيز على عملي و التنظيم للحفل.
حاولت العثور على جيانا لِأسئلها ما إن وجدت احداً قد سمع الصراخ غيري، لكني لم أراها طيلة اليوم.
اظنها قد غرقت بالعمل، لا بأس سوف اسالها فور رؤيتي لها بعد الانتهاء من مَهامِها.
انا اخبرت نفسي.

اكملت طريقي في القصر، اتمشى و استكشف أماكن أكثر فيه. ذهبت الى القاعة الكبرى اتجه الى أبواب القصر لأخرج الى الساحة الكُيرى، لأتفاجئ بِخادِمات يقفن في دائرة و يضحكن و يتكلمن بين بعضهم بأصوات لطيفة.
ما لفتَ انتباهي أكثر أنهم يشيرون و ينظرون على شيء ما في داخل الدائرة التي يُشَكِلونها.

مشيت اليهم بِخطوات سريعة عاقدة الحواجب و العن تحت انفاسي، لأنهم لا يعملوا. عندما وصلت اليهم نَقَرت أحدى الخادمات على الكتف لِتُعيرُني إنتباهها.
الفتت اليّ هي بِوجه يبتسم و وجنتين حمراء، لِتتحول الى مندهِشة و مُرتَبِكة لِرؤيتي.
أوه سيدة هارث! قالت هي بِنبرة مرتفعة كفاية لِيسمعها الباقي.
أستدارَ الجميع اليّ و انحنوا بِأحترام.
حدقت بِكل واحدة في الوجه و أخيراً بعد صمت طويل فتحتُ فمي و سألتهم.

ما الذي يجري هنا؟ لِما التجمع؟
رفعت اِحداهُنَ رأسها، لكن ابقت عينيها على الارض و اجابتني
أمممم نحن كنا نعمل كَكُل يوم سيدتي، و لقد رأينا أحد مخلوقات الودوانز تدخل القصر تبحث عن
عنكِ ايتها البشرية.
قاطعَ صوت صغير طفولي مألوف الخادمة من أكمال جملتها.
ضيّقتُ عيناي على الصوت الذي اتى من داخل الدائرة و تقدمت أبعد الخادمات من طريقي الى أن وصلت الى...

تيلار! صرختُ بأعالي صوتي بأسمها بعد أن رأيتُها مشابكة الاذرع تنظر للأعلى لي بِشفتين خشبية مبتسمة.
مرحباً تاليا. هي قالت لي.
قبل أن أركض لها أحمل جسدها الصغير و أعانقها بِشدة.
أااااا توقفي انا، لا، يمكنني، التنفس! قالت هي لي بِصوت متقطع تحاول أخذ نفساً.
أنصتُ اليها لأنني شعرت بالاسف، انها تملك جسد صغير كالدُمة، و عناقي كان بعض الشيء، مُحكَم كأنني سوف أخسرها إن تركتُها.

وضعتُها على الارض بعد أن انتهيت من عِناقها الكبير و حدقتُ بها بِعيون تَملئُها الدموع.
يا اللهي، تيلار، كيف؟ لم استطيع أن أسالها جيداً بما أن دموعي الأن كالشلالات على وجنتاي.
حدقت تيلار بالخادمات من حولنا تخبرني بِعيونها انه غير ممكن التكلم عن الامر بينهم ثم أعادت نظراتها اليّ
انها قصة طويلة سوف أشرح لكِ كل شيء بعد أن تُرافقيني الى مكان ما.

توقفتُ عن البُكاء فجاة و رمشت اكثر من مرة. رأت الحيرة تسبح على ملامح وجهي، لذلك أومأت بِرأسها بِبطء ترسل لي رسالة خفية تخبرني بها انني يجب أن اثق بها و لا اسأل المزيد إلا أن نبتعد عن من يُحيطون بِنا.
أومأت لها انا بالمقابل و ابتسمت ابتسامة كبيرة تصل للعيون.
اقتربت منها مجدداً لأعانقها، لكنها رفعتُ يدها الصغيرة امامها و قالت لي بِأشمئزاز.

إن أقتربتي مني مرة اخرى، فأعلمي انها سوف تكون الاخيرة لكِ على وجه هذا العالم و العوالم كله.
سمعت ضحكات الخادمات على تهديدها المضحك و انا شاركتهم أمسك فمي.
هي لم تتغير ابداً، لقد مَرَّ شهران و مع ذلك مازالت تملك نفس الشخصية و نفس السلوك المزعج. تيلار كانت اول من اقابل بعد قدومي الى هذا العالم، لهذا هي تملك مكانة خاصة بها في قلبي، حتى لو كانت صاحبة مزاج متقلب و عصبية.

لقد اشتقتُ لكِ كثيراً أيتها الخشبية.
انا تَمتَمت بِصوت منخفض هي وحدها من سمعتني و رأيت زاوية من شفتيها ترتفع للأعلى تُشَكِل نصف ابتسامة.
التفتُ للخادمات من خلفي و قلت لهم بِوجه جامد و صوت ثابت
حسناً يكفي ضحك و مزاح، اذهبوا و اكملوا عملكم من دون اِصدار أصوات.
أومأو لي بِرؤوسهم و ذهبوا في طريقهم بعيداً عنا مازالوا يضحكوا. عدتُ أستدير لِتيلار كي أرها تحدق بي.

الى اين يجب أن ارافقكِ؟ انا سالتها أكسر الصمت الذي حل بيننا.
لم تجبني بِسرعة، انما اخذت تفكر كانها تحاول أن تجد طريقة مناسبة لِتضع الكلمات مع بعضها. بعد فترة من الزمن فتحت فمها الخشبي و قالت لي بِأرتباك لم اسمعه في صوتها في حياتي الى هذا اليوم
لِتقابلي أحداً ما ينتظرُك في الخارج.
رفعتُ حاجباي بِتساؤول و سألت
من؟
مرة اخرى لم تجبني على الفور، بل حدقت بي بِتلك العيون السوداء ثم أجابتني
لوثر.

الفصل التالي
بعد 21 ساعة و 56 دقيقة.
جميع الفصول
روايات الكاتب