رواية تحت الغطاء الأسود الجزء الأول للكاتبة مينار الفصل الثاني والستون
غداً سَيصل غادان و جيوشه مع جيوش مملكة سنويان الى ساحة المعركة. نحنُ، نقضي وقتنا من خيمة لأخرى، نتناقش و نقرر ما سَنفعله غداً لكي نُحطمهم و نفوز و إلا سَنخسر و هذ العالم سَيُعاني للأبد و يبقى تحت قادة غادان و كيجا (ملك مملكة سنويان) معه. لم أكن اعلم كم أنَ الحروب مُعقدة و صعبة و مُرهِقة مع اننا لم نبدأ حتى. عندما عُدنا من خيمة الأجتماع لِخيمتنا انا و ريس لاحظتُ أنَ المياه للأستحمام و التغسيل قد نفذت بالكامل.
اخبرني ريس انه سَيطلب مِن احد الحراس احضار الماء من النهر، لكنني رفضتُ و اخبرته انني انا من سَيفعل ذلك، لكوني اشعر بالملل و احتاج بعضاً من الهواء الطلق و الهدوء. لم يُعارض لكنه، أصَر على ارسال حارسه الشخصي، أدلار معي لكي لا اتعرض لِلخطر، لهذا وافقت و ها انا الأن مع أدلار في الغابة نتوجه لِلنهر لنملئ الماء الكافي بِهذا الدلو الكبير السحري و الأخر مع أدلار. و نحنُ في الطريق، لم أكُف عن الشعور بِعيون أدلار التي تحدق بِيدي اليُسرى الفارغة، خاصةً كَف يدي الذي فيه وشم على شكل عين في المنتصف الذي ظهر عندما اعطتني الساحرة كريسيدا قوة مازلتُ اجهلها.
حركتُ رأسي ليَميني، مكان وجود أدلار و رفعته انظر اليه بِحواجب للأعلى
هل لديكَ سؤالاً؟
حرك هو عينيه بِسرعة من يدي لوجهي يرمش بِحيرة، كأنه لم يفهم سؤالي.
أوه، امممممم، لا، اعني نعم. أجاب هو متوتراً يَفُرك المنطقة خلف رقبته و يُعيد عينيه على يدي.
وقفتُ انا من المَشي و رفعتُ يدي امام وجهه اُريه كَف يدي مباشرة اشرح له ما يَزيد فضوله.
نعم انه وشم. لقد اتفقتُ مع ساحرة لكي تُعطيني قوة حتى اقاتل و ادافع عن نفسي في الحرب غداً.
اتفاق؟، تاليا يا اللهي! لماذا فعلتي ذلك؟
تنهدتُ بِشدة أكمل مشي بِخطوات صغيرة هذه المرة و أدلار خلفي.
لم أكن اريد، لأنني اعلم انه خطير. لكن ما يُثير حيرتي أكثر من خوفي، هو انها اعطتني قوة مازلتُ لا اعلم عنها شيء، مقابل لا شيء.
سمعتُ أدلار يتوقف خلفي، لأستدير انا بِمكاني و احدق به يحدق بي كالذي يراني لأول مرة في حياته.
ماذا؟، لم تطلب منكِ شيئاً؟ سأل هو بوجه خاليٍ من التعابير.
أومأُتُ له و هو اعاد ليسأل
لم تطلب، ظِفراً؟
لا لم تطلب.
اصبع؟
هززتُ رأسي بِ لا.
عيناً؟ قطعة مِن دماغك؟ حزنكِ، سعادتك؟
مرة اخرى هززتُ رأسي بِ لا.
ماذا عن قلبكِ؟
ضحكت بِصوت عاليٍ اهُز رأسي لِلمرة العاشرة.
لا لم تطلب قلبي أدلار و توقف عن التخمين.
اخذ أدلار يتحرك نحوي الى أن اصبح بِجانبي ثم اكملنا طريقنا، نسمع صوت المياه الجميل، الذي يجري بِهدوء لكن قوي كفاية لنسمعه من على بُعد.
غريب، كيف لساحرة، أن لا تطلب شيء مقابل خدماتها الخبيثة. سأل أدلار نفسه مُعقد الحواجب، كأنه يحاول معرفة ذلك لوحده.
لستُ ادري، في الحقيقة لقد فاجئتني عندما امسكت بيدي و اعطتني ما كنتُ اريده مِن دون مقابل، لكنها تَمتَمت كلمات لم افهم سببها.
ماهي؟
لم أجبه بِسرعة، إنما اخذتُ وقتي افكر بِكُل حرف قد اخبرتني إياه قبل خروجي من منزلها الصغير الى احضان ريس.
انني المُستقبل و الماضي أو شيئاً من هذا القبيل.
حرك رأسه للأسفل لكي ينظر اليّ للحظة ثم اعاده لأمامه بعد أن رأى اننا قد وصلنا لِلنهر. اخذنا نملئ الدلو الخاص بي ثم الدلو الذي يحمله هو من دون أن يتفوه اية منا بِكلمة عن الموضوع الذي كنا نتحدث به. انه امر يجعلني حائِرة من امري و فضولية لأعرف ماكانت تقصده تلكَ كريسيدا بِكلامها. انا لا اعرفها و لم اقابلها في حياتي إلا البارحة. انا اعلم أن الساحرات تعرفن المَخفي و الكثير من الأسرار، لكن تلكَ الساحرة بالذات، بدت لي، مختلفة بطريقةٍ ما. انتهينا انا و أدلار من عملنا ثم عدنا ادراجنا لداخل الغابة.
ماذا عن قوتكِ؟، هل اكتشفتي ماهي؟
فجأة سألني أدلار بعد صمت بيننا طويل.
اخرجتُ كمية كبيرة من الهواء من فمي بأحباط ثم أجبته بِصدق.
لا لم اكتشف بعد و لأكون صريحة معك، انا شبه خائفة من المعرفة عنها.
و لما ذلك؟
صمت اخر قصير من دون أن يتحدث احدُنا.
لأنني خائفة من أنَ الساحرة قد اعطتني شيئاً مختلفاً عن الذي كنتُ اريده و خائفة من الشعور بخيبة الأمل، لم تخبرني الساحرة عن القوة أو اية معلومات قد استخدمها.
هل تريدين مني أن اساعد بالأمر، فإن كانت قوة خطيرة، فَهي لن تؤثر عَليّ بِما أن قوتي هي إيقاف قوة غيري.
لستُ ادري أدلار. اعتقد انني لستُ مستعدة الأن.
اخرج هو ضحكة صغيرة من حلقه لأرفع رأسي عليه و اضَيّق عيناي اسأله بِصمت عن سبب ضحكته. هو رأني افعل ذلك، ليضع يداً على رقبته و يَدَعي انه يَسعُل. شعرتُ فجأة بالحاجة لِلدخول لِلحمام و بسرعة قسوة ندمتُ على شربي للمياه الكثير في هذا الصباح الباكر قبل ذهابي مع أدلار لهذه الغابة.
طيلة الطريق حاولتُ التوقف عن التفكير بالأمر، لكنني فشلتُ لأنني اشعر أنَ مثانتي سَتنفجر بأية لحظة و طريق العودة مازال طويلاً. لهذا اقتربت من أدلار قليلاً امسك بِقميصه من الخلف لكي اجعله يتوقف.
استدار هو بأتجاهي و على وجهه التعجُب على شكلي المتوتر و وجنتاي الورديَتين، انظر للأرض من دون مقابلة عينيه.
ما الخطب تاليا؟
اممممم، هل يمكننا، التوقف قليلاً لأخذ راحة؟
راحة؟ سأل هو و بنبرته التساؤول.
امسك هو ذقني و رفع رأسي لكي انظر له و سأل مجدداً
لم تطلبي الراحة عندما من قبل، هل انتِ على ما يرام؟
اخذتُ خطوة صغيرة بعيداً عنه ثم بدأتُ باللعِب بِأكمامي لا اعرف كيف اخبره من دون الشعور بالأحراج مع انه ليس امراً لأنحرج منه.
اريد، قضاء الحاجة. اخبرته اعض على شفتي السُفلية بِتوتر.
أوه! نعم نعم بِكُل تأكيد، انا سأقف هنا و انتِ، اذهبي لهناك لكن ليسَ بعيداً. أشار بأصبعه لوراء شجرة عملاقة بِأوراق برتقالية جميلة فاقِعة اللون.
حسناً. قلت له أبتسم و هو أومئ لي بالتفهم.
اخذتُ خطواتي بِسرعة الى خلف الشجرة بعيداً عن انظار أدلار ثم بدأتُ افُك أزرار بِنطالي ولكن قبل أن اكمل، سمعتُ صوت تقطيع خشب مِن خلفي، لأتوقف و انظر ورائي الى جهة الصوت انتظر منه أن يعود، و فعلَ ذلك بعد ثانية طويلة. مع صوت الخشب، سمعتُ اصوات عصافير تزقزق لبعضها بِتناغم. رفعتُ رأسي لِلسماء، لأرى دخان أسود يخرج من فوق الأشجار.
من اين يأتي هذا الدُخان؟ سألتُ نفسي بِفضول اعقُد حواجبي.
أدلار! ناديته من مكاني لعلي اجعله يأتي اليّ ليرى ما أراه، لكن لا إجابة و لا أدلار ليُجيبني.
يبدو انه لم يسمعني مع انني لستُ بعيدة جداً عنه. تحركتُ لِلجهة الأخرى التي اتيتُ منها لكني لم اعثر على رجل أخضر طويل و عريض الأكتاف بأية مكان.
اين ذهب؟ تَمتَمتُ السؤال انظر بِكل مكان مازلتُ بِجانب غُصن الشجرة.
سمعتُ صوت الفأس يقطع الخشب مجدداً و انا تنهدت انظر لِلدُخان في الأعلى اقرر إن ما يجب أن اذهب لأرى مُسببها أو اعود أدراجي و اعثر على أدلار. و بالطبع لِلفضول قوة أكبر، اخذتُ اتجه الى مكان خروج الدخان فوق الأشجار و الى صوت تقطيع الخشب.
صوت العصافير ما يثير حيرتي أكثر من صوت تقطيع الخشب و الدُخان نفسه. نحنُ في فصل الشتاء و عادتاً الحيوانات كُلها إما تختبئ الى وقت غروب الشمس أو تكون نائمة و خاصةً العصافير، لا وجود لزقزقتها في الشتاء ابداً، لهذا وجودها الأن، جَرَني اليها لأعرف اين هي. بعد مشي على ما يبدو اخذ من وقتي الدقائق فقط، ظهرت مدخنة حجرية التي يخرج منها الدخان و عندما هَبطَت عيناي للأسفل قليلاً، رأيتُ منزلاً متوسط الحجم على سقفه يوجد نباتات و أزهار ليبدو كأنه جزءاً من الغابة نفسها.
لم أكن اعرف انه يوجد مَن يعيش بالغابة هنا. لم اخذ خطوة اخرى اليه، بَل بقيتُ وافقة بِمكاني خلف شجرة انظر الى قفص جميل مُعلق بِجانب باب المنزل البُني و فيه عصفورين بألوان رائعة، كالأصفر، الأحمر، الأزرق و المنقار باللون الذهبي الامِع. على ما يبدو أنَ المنزل مسكون بِما انه يوجد دخان و عصافير مازالت على قيد الحياة و من حجم المنزل، يُمكنني التخمين انه يوجد على الأقل اثنين يعيشان فيه.
بما انني رأيتُ ما لم اتوقعه، اخذتُ خطوة للوراء لكي اعود ولكن قبل أن اكمل شعرتُ بِشيء ما يَغرزني على ظهري و بسرعة قال صوت أنثوي رقيق لكن قوي
من انتِ و ماذا تفعلين هنا؟
اعتقد انني حظيتُ بالشَرَف لمقابلة صاحبة المنزل، اظن.
لم استدر لأرى الأمرأة التي تحدثت بَل رفعتُ يداي للأعلى اريها انني لستُ هنا لأؤذيها.
انا، انا اعتذر على التطفُل، لكنني كنتُ هنا لوحدي، عند النهر لكي املئ الدلو بالمياه و رأيتُ دُخاناً يخرج فوق الأشجار لهذا اتيتُ لأرى ما مسببها.
كاذبة! النهر بعيد من هنا و انتِ لا تحميل معكِ اية دلو. قالت هي تغرز السيف بِظهري أكثر كِفاية لينزل الدماء منه.
لعنتُ نفسي تحتَ انفاسي، لكنني امسكتُ بِهدوئي حتى لا يسوء الموقف أكثر.
انا اقسم انني لا اكذب، فَلقد كنتُ، أمممم كنتُ اقضي حاجتي قريباً من هنا. اخبرتها بالحقيقة لكني قررت ابقاء أدلار خارج الكلام حتى لا تذهب للبحث عنه.
المزيد من الكذب! قالت هي بِصوت مرتفع قد رنَ بأذاني لِتغرز السيف أكثر و أكثر ظننته سَيدخل بِجلدي ليتصل بِعظمي، لهذا تحركتُ من دون إرادة للوراء اصرخ عليها لكي تبتعد و من دون سابق أنذار، خرج شُعاعاً ابيضاً من يدي ليُصيبها بالصدر و تَطير بعيداً عني و تقع على الأرض تاركة السيف بِجانبها.
بدلاً من التحديق بها هي، رفعتُ يدي التي ليس فيها الوشم و حدقتُ بالكف الفارغ مثل الحمقاء كأنني اتذكر في هذه اللحظة انني امتلك يداً. رفعتُ يدي اليسرى لأرى انه مازال فيها وشم العين و الأن اصبحتُ احدق بِكلتا يداي لا اعلم ماذا حدث امام عيناي. سمعتُ صوت الأمرأة من الألم و رأيتها تتحرك مازالت مغلقة العينين.
انتِ على قيد الحياة! انا قلت اركض اليها، اهبط على ركبتاي من دون لمسها خوفاً من أن اقتلها بالقوة الغريبة التي اكتشفتها، عليها.
يا اللهي، هل انتِ بخير؟ سألت بِرُعب و حماس غريب انتظر منها أن تفتح عينيها لكي اتأكد انني لم اكسر ضلعاً بجسدهاً أو اية شيء اخر.
أااا اللعنة! قالت هي تفتح عينيها بِبطء تنظر للسماء ثم حركتهم ايضاً بِبطء عَليّ ترمش بِغرابة.
هل يمكنكِ التحرك؟ سألتها اقف على ساقاي استعد للهروب إن حاولت التهجم عَليّ بيديها بدلاً من سيفها.
وقفت على ساقيها بِقطعة واحدة على ما يبدو انها حقاً بخير و انني لم اؤذيها ثم توسعت عينيها تنظر الى كل شيء في وجهي بِذهول حتى نظرت الى جسدي ثم عادت تحدق بوجهي.
اخذت خطوة للوراء و رفعت اصبعاً عَليّ مازالت مَذهولة
انتِ، انتِ بشرية.
لم أجيبها لأنني انظر اليها مِثلما فعلت هي. انها جميلة جداً، يافعة تبدو بِعمري أو أكبر بِسَنتين. بَشرة بيضاء، وجه حاد بِعيون خضراء مائلة للعسلي، انف صغير و شفتين مُمتلئة و شعر بني داكن للحظة ظننته أسود طويل يصل لِلخصر و اخيراً جسداً يُحسَد عليه و تلكَ الأذنين، بشرية كَخاصتي. انها ترتدي فُستاناً اخضراً طويل حريري عليه زغرفة ذهبية، يبرز لون عيونها الكبيرة.
تبدو مألوفة بعض الشيء، مع انني لم أراها من قبل إلا انها تبدو حقاً حقاً مألوفة. كَشخصية خيالية لكنها واقعية بنفس الوقت.
انتِ لديكِ قوة لكنكِ بشرية. قالت الفتاة تفقد الذهول بعينيها لتتبدل بالبرودة.
هذه المرة قررت التكلم معها بِما انها لم تحاول قتلي.
نعم هذا صحيح. و انت تبدين بشرية ايضاً.
شابكت ذراعيها امام صدرها تُضَيّق عينيها الفاتنة عَليّ
هذا لأنني بشرية مثلك.
لم اتفوه بِكلمة و بقيتُ صامتة لا اعلم ماذا اقول أو ماذا افعل.
انتِ، تبدين مألوفة. قالت هي تحرك عينيها على وجهي كأنها سَتعرف إن فعلت ذلك.
يُمكنني قول نفس الكلام لكِ. اخبرتها بِصوت واثق ارفع حاجباً.
من تكونين؟ و مالذي تفعلينه هنا في هذه الغابة؟ فلا اعتقد انكِ من هذه المملكة نظراً لِملابسكِ.
حركتُ عيناي انظر لملابسي، فأنا خاصة بِمملكة أسليرا، بنطال بني جلدي، قميص أسود و جزمة تصل للركبة سوادء جلدية. هنا في مملكة أريزو، يرتدون الوان الغابات و الأغلبية باللون الأخضر.
انا لم اكذب عليكِ عندما اخبرتكِ انني كنتُ املئ دلواً بالمياه من النهر القريب من هنا و لم اكذب عندما اخبرتكِ انني كنتُ اقضي حاجتي قبل رؤيتي للدخان و سماعي صوت العصافير و تقطيع الخشب.
انتِ لم تخبريني بأخر جزء.
ادرتُ مُقلتاي عليها مع انها محقة ثم شابكتُ ذراعي مثلها اتكئ على ساق أكثر من الأخرى.
و لقد حاولتِ قتلي بِقواكِ العجيبة تلك. اكملت هي تُشير اليّ.
ماذا؟، انتِ من غَرزَ سيفاً بِظهري. عارضتُ انا مندفعة.
هذا لأنكِ دخلتِ لمنطقة لا تخصكِ.
لقد سبق و اخبرتكِ لم أكن لاؤذي-- توقفتُ انا قبل أن يَشتد النقاش و اقتلها هذه المرة حقاً.
تنهدتُ اضع اصبع السبابة و الأبهام على انفي اضغط عليه ثم رفعتُ رأسي انظر لها.
اسمعي، انا اسفة على كل شيء.
لا يهم، لكنكِ لم تخبريني كيف لكِ أن تمتلكِ قوة و من اي مملكة انتِ؟
وقِحة! و مع ذلك أجبتها اخبرها بالواضح من دون تفاصيل
هذه القوة ليست من شأنكِ، اما بالنسبة لي فأنا من مملكة أسليرا.
في لحظة لفظي لأسم المملكة، شعرتُ بأن العالم من حولنا توقف و هذه الأمرأة اليافعة امامي لم تَعُد تتحرك أو تتنفس حتى. تجمدت بِمكانها تُحدق بي بِعيون متبحلقة كالتي رأت وحشاً. اخذَت خطوة، بُل تَعثرَت بِخطوتها للخلف مازالت متفاجئة.
اخذتُ انا خطوة كَخاصتها اليها لأنني ظننت انها سَتقع لكنها قالت لي بِنبرة متقطعة هامِسة
ابق، ابقي مكانك.
ما المشكلة؟
انا اعرف مَن تكونين، انتِ تاليا هارث، البشرية، محبوبة المل، الملك. أجابت هي.
علي ما يبدو انني اصبحتُ مشهورة ليس فقط في أسليرا، بَل في هذه المملكة كذلك.
نعم هذا صحيح. لكن لماذا تبدين متفاجئة هكذا؟
لم تجبني بِسرعة و انما اخذت وقتها لا تَكُف عن النظر لوجهي، بدت لي هادئة أكثر من قبل.
انتِ لستِ لوحدكِ صحيح؟ و انتِ هنا في هذه المملكة لسببِ ما. سألت هي بِنبرة مُنخفضة كأنها خائفة من التكلم بِصوت مرتفع الأن.
تجاهلتُ الأمر و أجبتها أومئ رأسي
صحيح، اعتقد انكِ سمعتِ بالحرب بين أسليرا و شادونايت، انا هنا مع الجيوش.
سمعتُ عن الأمر، لكنني لم أكن اعلم انكم في هذه المملكة.
تنهدت هي تضع ذراعيها بِجانبها ثم حركت رأسها تنظر لمنزلها.
ما رأيكِ لو نتكلم في الداخل، التحدث هنا في الغابة علناً، خطير.
رفعتُ حاجباً بِحيرة من امرها و سألتها
تريدين مني الدخول لمنزلك بعدما حاولتِ قتلي؟ هل تحاولين قتلي بِهدوء في الداخل؟
اعادت عينيها الخضراء عَليّ لِتدير مُقلتيها كأنها تَسخر من كلامي ثم أجابت
بالطبع لا ايتها ال، اعني سيدتي، اظن انكِ تعرفي أنَ للغابات أذان و افواه لتنقل الكلام الذي يخرج. بِما انَ زوجي غير موجود فالتكلم في الداخل افضل.
انتِ متزوجة؟ سألتها من دون أن افكر.
لماذا تبدين منصدمة؟ الستُ بِنوع قابل للزواج؟
ضحكتُ انا على كلامها و هززتُ رأسي لا اوافق
اعتذر، لقد فاجئتني لا أكثر.
محبوبة الملك تعتذر؟، هل العالم تغير بعد قرون؟
سألت هي تتحرك لمنزلها و انا بدأتُ باللحاق خلفها.
انا لستُ محبوبته، بَل زوجته. توقفت الأمرأة امام باب منزلها ثم استدارت لي و على وجهها علامات الصدمة.
زوجته؟
أبتسمتُ انا و أجبتها اشعر بالفخر
الا ابدو لكِ كَنوع قابل لِلزواج؟
لا، بَل تبدين لي حمقاء، سيدتي.
قبل أن العنها بِصوت عاليٍ و اخنقها بِيداي العاريتين فتحت هي باب منزلها لتضربني رائحة مخبوزات لتجعل مِن لُعابي يَسيل و معدتي بأخباري انني جائعة.
تفضلي، جلالة الملكة.
اخرجتُ ضحكة صغيرة من حلقي اسخر مِن سُخريتها مني ثم اغلقت الباب خلفنا. إنَ المنزل بأضاءة خافتة على الشموع، كل شيء خشبي تقريباً، انه واسع بِسقف عاليٍ و يبدو مريحاً. غرفة الجلوس هي أول ما أراه، انها بِأريكات مُخملية قُماشية و على الأرض يوجد بِساط رمادي و بين الأريكتين، منضدة خشبية صغيرة. في صدر الغرفة، مدفئة مشتعلة بالنيران تدفئ المنزل جيداً. على جُدران الغرفة، توجد لوحات مختلفة الرسومات و اشياء بسيطة لتنزين المكان و تجعله منزلاً جميلاً حتى لو انه صغير. توجهتُ الى الأريكة على اليمين لأجلس عليها و ادَفئ نفسي بِجانب المدفئة المصنوعة من الحجر الأحمر الباهِت.
هل تريدين تناول بعضاً من المخبوزات التي خبزتها اليوم؟ سألتني هي مازالت وافقة.
هل تحاولين حقاً قتلي عن طريق وضع سُم بالطعام بما أنَ السيف في الغابة؟
ضحكت هي لأول مرة على كلامي مع انه جزء مني جاداً ثم أجابتني
نعم، سأكون واضحة بِتصرفي و اخبركِ قبل أن اقتلكِ، لكنني لا اخطط لفعل هذا الأن.
هذا ما يقوله القاتل قبل قتل ضحيته.
اخبرتها بِمزاح أبتسم لها أبتسامة صغيرة.
و بذلك اختفت خلف الجِدار لتذهب الى المطبخ و تحضر قطعة كبيرة مِن فطيرة الجبن التي تبدو شهية جداً و معها كأساً من النبيذ الأحمر. شكرتها و اخذتُ قَضمة لينفجر المذاق الرائع في فمي كأنها جنة بِحَد ذاتها. هي جلست على الأريكة الأخرى امامي تفصلنا المنضدة.
ماذا تعملين؟ سألتها بِفضول صغير.
بالمخبوزات، انا اخبزها هنا في المنزل و زوجي يأخذها ليبيعها في المدينة. زوجي في الجهة الأخرى، يعمل مع صديقه بِصنع الأثاث من الخشب.
همهمتُ انا اخذ قضمة اخرى من الفطيرة اللذيذة.
لماذا قلتي عني حمقاء عندما اخبرتكِ انني زوجة الملك ريساند؟ سألتها بعد فترة من الصمت و بعد أن انتهيتُ من بلع الطعام.
لستُ أدري، هكذا خرجت الكلمة من فمي.
رفعتُ حاجباً لا اصدقها
هذه المرة انتِ الكاذبة.
ارتفعت زاوية من شفتيها للأعلى بِنصف أبتسامة لكنها ليست مُشرقة أو سعيدة، أبتسامة خلفها قصة.
لا اعلم إن ما يمكنني الوثوق بكِ، لكنني سأخبركِ إن اقسمتي على عدم التحدث عني لأية احد.
توقفتُ عن تناول الفطيرة و اخذتُ اتقدم للأمام قليلاً اضع تركيزي عليها.
انا اقسم انني لن اتكلم عنكِ لأحد و كل ما سَتخبريني به سيبقى سراً و الأن تكلمي.
اخذت هي نفساً عميقاً تعيد ظهرها لتستند على الأريكة ثم حركت عينيها على المدفئة تحدق بالنيران التي تنعكس على عينيها.
انا اعرف الملك ريس، جيداً. لقد قابلته منذ سنين طويلة لا تُعَد.
رمشتُ انا مندهشة من الذي سمعته، سنين طويلة لا تعد. انها بشرية، تبدو يافعة، شابة صغيرة بأول شبابها، كيف لها أن تعيش لأعوام أو اعتقد قرون من دون أن تكب، أوه الأن فهمت، الساحِرات.
كيفَ لكِ أن تعيشي لسنين طويلة؟ سألتها ذلك على اية حال.
اعادت عينيها التي تبدو داكنة لسببٍ ما، خالية من الضوء ثم أجابتني تعقد حاجبيها.
على ما يبدو انكِ تجهلي الأمر، أو انه لم يخبركِ عني. لكنني هنا لسبب و انا هنا على قيد الحياة بعدما ظننت انني سأموت و افقد الحياة لِغبائي البشري.
عن ماذا تتحدث هذه؟، انها تخيفني أكثر من أن تجعلني فضولية عنها، لكن ماذا تقصد بأنها تعرف ريس و انها كانت سَتفقد الحيا--تباً!
انا الأن عرفت من هي، لهذا ظننتُ انها مألوف لي مع انني لم اقابلها ابداً. لم أكن اعتقد أنَ القدر سَيضعني امامها هي بالذات. تلكَ الفتاة التي أحبها ريس جداً و ظن انها سَتكون معه للأبد، تلكَ الفتاة التي هربت منه بعدما عرفت عن خطر لعنته. لقد ظننا انها ماتت، لتخرج امامي جميلة على قيد الحياة بعد قرون. انها كارا.
لصدمتي لم اتفوه بِحرف لها، لصدمتي لم اعد اعرف كيف اتحدث حتى، كأنني فقدتُ القدرة على تحريك لساني و شفتاي.
لقد كنتُ بِمكانك في الماضي، قبل أن اتزوج. لقد تعرفتُ على ملك أسليرا و أحببته حُباً جَماً لم أحبه لأحد من قبل، حتى انني اشعر بالذنب لعدم اعطائي الحُب الكافي لزوجي لأن حبي لريس لا يُقارن. لقد ظننتُ انني سأعيش بِجانبه و معه للأبد حتى بعدما عرفت عن لعنته مما اعتقد انكِ انتِ ايضاً تعرفي.
لم أجبها بالكلام لكنني أومأتُ بِرأسي اوافقها و هي اكملت حديثها مع انني امتلك غضباً في داخلي لرؤيتي لها و لمعرفتي انها مازلت لعلى قيد الحياة سعيدة و متزوجة بينما ريس يظن انها ايضاً متوفية.
اكتشفتُ قدرة خاصة بي نادرة بين البشر، قد جعلتني اساعده لتخفيف المه كل يوم.
قبل أن تكمل تَمتَمتُ كلامي لها بِصوت منخفض
القدرة على لمسه من دون الموت.
أومأت هي ثم اكملت
و اعتقد انكِ تمتلكينها بِما انكِ مازلتِ بِخير.
لقد اخبرني عنكِ. اخبرتها انا بِفم مُخدر.
بالطبع سَيفعل، فأنه صادق يكره اخفاء الأسرار، لكن احياناً يَضطَر على فعل ذلك، لكي يحمي من يحبهم حتى لو أكَلَهُ السر حياً.
أكره انها تعرفه كثيراً وانها مازلت هنا امامي مع انها كسرته لقطع لكون حُبها السخيف الضعيف ليس قوياً كما ادَعَت، لكنني رميتُ هذه الأفكار و الغيرة السخيفة لأسمع باقي قصتها و وجهة نظهرها هي بدلاً من ريس.
لا اعلم ماذا اخبركِ تاليا، لكنني سأخبركِ بالحقيقة الكاملة بما انني انا منها.
هل تقولين انه سَيكذب عَليّ لكي يبدو بريئاً لي؟
توسعت عينيها عندما سمعت سؤالي ثم أجابتني تَهُز رأسها.
لا و نعم، لا اعرف ماذا اخبركِ بالضبط، لكن دعيني اشرح لكِ السبب، لعنة ريس ليست كما تبدو لكِ، انها أكثر شراً و اخطر مِما تتصورين. انها تلعب بأفكاره و مشاعره احياناً، تجعله يتصرف بِعكس الذي يريده و يقول ما يظن انه صحيح و حقيقي. في داخله وحشاً، لا يرحم، يتحكم به مع انه نادراً ما يخرج، إلا انه يعرف كيف يدخل لعقل ريس و يتحكم به كأنه لعبة خشبية بِخيوط ممسكاً بها و يحركها كما يريد.
اعادت عينيها على النيران كالتي تتخيل ما حدث معها منذ زمن ثم اكملت تخبرني.
ريس رجل لا يوجد منه أثنان في هذا العالم، نبيل، محترم، يعطي من دون مقابل و قد يُفدي بِروحه من اجل مَن يهتم بهم. لهذا انا احببته، لأنني رأيتُ ذلك الجانب منه. عندما وقعنا بِحُب بعضنا، اقسمنا على البقاء سوياً ظناً أن قدرتي سَتحُل مشكلته و تجعله يعيش كأي جني طبيعي في هذا العالم، و في الواقع قد حدث ذلك، لقد عشنا أكثر من خمس سنوات مع بعضنا بِسعادة، قد حظينا بأيام سوداء بسبب لعنته لكننا تخطيناها بفضل قدرتي و مساعد عائلته كَبيتر، الراحلة المسكينة أغاثا و تيلار مع حارسه أدلار. كل ذلك كان قبل أن تتطور لعنته لتصبح كابوساً حياً لجميعنا.
ما الذي تعنيه بهذا الكلام؟، انا اعيش نفس الوضع، لكنني لم استسلم ابداً و لن افعل.
ضحكت هي كأنني اخبرتها بِنكتة فكاهية ثم اعادت هادئة تنظر لي بِحزن و شفقة.
يالكِ من ساذجة، الحُب يجعلكِ تتكلمين بتلكَ الطريقة من دون النظر للوضع من زاوية مختلفة. اسمعي، انا اخبركِ بالقصة ليس لأنني اهتم لها، أو لأنني اريد أن ابدو الضحية الوحيدة فيها، بَل لأنني اخاف أن يحدث معكِ ما حدث معي، فأنتِ صغيرة و جديدة و لا تعلمين بالذي وضعتِ نفسكِ فيه.
انا لستُ حمقاء كما تظنين و اعلم جيداً عن الذي تتحديث عنه. لقد رأيتُ ذلك الوحش بِداخله و رأيتُ اشياء لا يمكن للعقل تخيله، لكنني لستُ ضعيفة أو جبانة.
اندفعتُ ادافع عن نفسي، لكنها بدت لي غير مُبالية، تشعر بالملل كأنها تتحدث مع طفلاً بدلاً مِن امرأة مثلها قد لا أكون عشتُ السنين التي عاشتها هي هنا، لكنني عشتُ كفاية لأعلم و اتعلم بِكُل الذي اخبرتني عنه.
أرجوكِ اسمعيني للنهاية و لا تقاطعيني و بعد أن انتهي، لكِ كامل الحق بالأعتراض أو الموافقة في الأخر انا انصحكِ فقط.
أوماُت انا اشعر بِالقليل من الغليان في داخلي لكنني تجاهلت نفسي و تركتها تكمل.
ريس لم يُحاول قتلي ابداً، بَل احبني و اعطاني كل ما يملكه و أكثر، لكن الذي في داخله جعل من حياتي جحيماً في كل لحظة معه. اصبحنا كل يوم نتشاجر، كل يوم ينكسر شيئاً في الغرفة، كل يوم ننام بِجانب بعضنا إما انا ابكي أو هو غاضب و فائِر كالبُركان. مشاكل و مشاكل كل لحظة لتصبح جزء رئيسي في حياتنا كِلينا. عِدَت مرات حاولت لعنته امتصاص روحي من جسدي عندما كنتُ المسه لأخفف عنه لعنته. عدت مرات فقدتُ وعي لأستيقظ و اجد نفسي في غرفة الطبيب بِحَلق جاف و جسد ضعيف نَحيل. ريس لم يحاول ابداً قتلي، لكن لعنته فعلت. لقد كنت دوماً ما اخبر نفسي انه سَيكون كل شيء على ما يرام بعد فترة و انني سأكون بخير معه، لكنني لم اعد اتحمل، لم اعد اتحمله هو بالذات، لهذا هربت و تركته في ذلك اليوم.
توقفت هي قليلاً لتضع يديها على وجهها و تنشق. جزء مني يشعر بها و بِكلامها كله، لقد مررتُ بِتلكَ المواقف مرات عديدة، لكن هذا لا يُبرر هروبها و لا يكون كافيٍ كَعُذر. لقد قالت انه تحول لكابوس بعد فترة، لكنها لا تعلم انه مازال الى الأن كابوساً و انني لم احظى بِلحظات جميلة و سعيدة معه طويلاً مِن دون سماعه يصرخ من الألم أو من دون محاولة لعنته قتلي بِنومي و مع ذلك لم اتركه لوحده و اهرب كما فعلت.
لقد تركتيه تعيساً لقرون اخرى. لقد كسرتيه و جعلتيه كالمجنون يبحث عنكِ لسنين ظنناً انه تم اختطافك أو أذيتك. صحيح انه خطير ولكن توجد امور مختلفة يمكنكِ الأستعانة بها لِلبقاء بخير معه، لكن اعتقد انتِ هي الساذجة و الحمقاء.
لستُ كذلك! قاطعتني تصرخ و في عيونه دموع تنهمر على وجنتيها.
انا لستُ كذلك، لقد احببته لكنني كنتُ بنفس الوقت اريد العيش، كنتُ صغيرة مثلكِ قد رَمَت بي الحياة في هذا العالم بعد أن فقدتُ مَن احبهم. لا تلوميني إن اردتُ العيش، فأنا تركته لأنني احبه و مازالَ جزءاً مني يفعل الى الأن. انه خطير تاليا، خطير جداً و قد يؤذيكِ يوماً ما. الذي تمرين به الأن، ليسَ بشيء مقارنتاً بالذي سَيحدث في المستقبل. و زواجكِ منه سَيجعلكِ كالسجينة، إن حاولتِ تركه سَتقابلين الموت لأنه لا يوجد ملكة تترك ملكها من دون أن يقتلوها إن حاولت الهرب.
مَن اخبركِ انني سافعل اصلاً؟ و لماذا تهتمين لي اساساً؟ سألتها اشابك ذراعيي امام صدري بِثقة، لكن بسببٍ ما كلامها حقاً يُرعبني و يجعل مِن شَعر جسدي يقف.
لأنني أرى نفسي بكِ. اهتم لأنني اخاف أن يحدث معكِ ما حدث معي. لقد تحطمتُ انا مثله و أكثر عندما تركته، لكن انظري الأن، انا بخير اعيش بِسلام مع رجل لا يفكر بِقتلي اثناء نومي.
انتِ مع رجل تقارني حبكِ له برِجل اخر، تَعيشين سعيدة بينما ريس يعيش تعيساً، تنامين كل يوم بِهدوء و سكينة، بينما هو لا ينام ابداً، كيف يمكنني الأنصات لكِ هاه؟ اخبريني كيف لكِ أن تنامي حتى؟ كيف لكِ أن تعيشي هنا لقرون من دون الشعور بالندم كل ثانية؟
لم تجبني، بل حدقت بي بِوجه بِلا مَلامح. كأنها تِمثالاً يجلس امامي. انها تبدو كالجثة الحية شاحبة البشرة، فاقِدة للضوء في بشرتها الخالية من الشوائب.
لسعادتي ثمن ايتها الملكة. صحيح انني هربت منه و صحيح انني استعنتُ بالساحرات لأعيش طويلاً مع زوجي لأنه من الجنيات لكنني فقدتُ شيئاً ثميناً بالمقابل.
عقدتُ حواجبي بِتسائل و حيرة كبيرة انتظر منها أن تُكمل، لكن الأن دموعها اصبحت أكثر و انفها أحَمرَ لونه كالطماطم و عينيها انتفخت من كُثر البكاء.
عندما هربت من ريس، لم استطع البقاء في أسليرا لأنه سَيعثر عَليّ بِسهولة، لهذا ذهبت الى هذه المملكة بعدما فتحت ذراعيها لي. كانت النقود قد نفذت مني و لم امتلك المال، لهذا عثر عَليّ زوجي و ساعدني. لم افكر يوماً بالوقوع بالحُب مجدداً من بعد ريس. لكنه كانَ رجلاً بِمعنى الكلمة و فجأة عثرتُ على نفسي احبه كثيراً لأعيش معه في المملكة بِما انه يمتلك منزلاً هناك، لكنني ادركتُ يوماً انني بشرية سَتموت و هو سَيبقى وحيداً من دوني. لهذا ذهبت لِلساحرات و طلبتُ منهم أن يجعلوني خالدة حتى اعيش للأبد.
ماذا طلبو منكِ بالمقابل؟ سألتها انا بِنفاذ صبر.
أبتسمت هي بِحزن كبير، ثم أجابتني تنظر الى يديها التي تستريح على حضنها
اخبروني انني سأتحول لجنية، لكني سأبقى بشكلي البشري و انني سأفقد شيئاً قد ابكي عليه كل يوم.
ماهو؟
رفعت رأسها لتنظر لي بِتلكَ العيون التي اختفة منها الحزن ليتبدل و تصبح صَلبة خالية مِن الرقة بدت أكبر من عمرها.
قدرة انجاب الأطفال، لقد اخذو مني ذلك للأبد. لن استطيع و لو حاولت كثيراً مِن انجاب الأطفال مع زوجي، فأنا منذُ ذلك الوقت عَقيم، لا انجب و لن انجب بِما انهم اخذو مني تلكَ القدرة التي خُلقتُ بها لأفقدها.
تجمد الدماء بِعروقي. لم اعد اتنفس، انني مُحرجة لكنني اعلم انها تستحق و لا تستحق الذي حدث معها، بالأخر هي قد كانَ لديها خياراً، إما أن توافق و إما أن ترفض، هذا يعني انه خيارها هي أن تفقد القدرة على الأنجاب. اريد أن اشعر بالحزن لها، لكنني لا استطيع، لقد تركت من تحبه لتذهب الى شخص اخر و تعيش معه بشرط خسارة شيئاً عزيزاً عليها كل امرأة تريده و بعضهم يتمناه.
انا، اسفة لذلك، لكنكِ انتِ من وضعتِ نفسكِ بهذا الموقف، انتِ من أتخذَ القرار.
أومأُت هي توافقني رأي، لتكمل.
انا لا الوم إلا نفسي، لكنني لا افكر بالأمر كثيراً لأنني في الأخر فعلتُ ذلك لأعيش مع الرجل الذي احبه. هذا امر لا اندم عليه. لكني لو تركتُ نفسي مع ريس و لو انني لم اهرب منه لكنتُ فقدتُ نفسي بدلاً من، هذا. لكان قد قتلني و عاش بِحزن اعظم. لكان قد تحول لوحش لحزنه. الى الأن انا مازلتُ مُقتنِعة على انني فعلتُ الصحيح و هذا ما يجب أن تفعليه قبل فوات الأوان.
اخرجتُ صوتً من حلقي بِسخرية انظر لها كأنها بلهاء لا تعرف عن ماذا تتحدث عنه.
قبل فوات الأوان؟
نعم، صحيح، انكِ زوجته، لكن لا احد من أسليرا يعلم بعد، على انكِ ملكتهم. لديكِ خياراً و فرصة واحدة اخيرة.
مَن اخبركِ انني سأهرب كما فعلتِ؟ انا لا استسلم بِسهولة و اهرب كالجبانة منه. انا احبه و سافعل المستحيل من اجله.
هذا ما قلته عندما كنتُ معه. قالت هي تتقدم بِجسدها للأمام مثلي.
وانظري اين انتِ الأن. اخبرتها أشير للمنزل من حولنا.
أبتسمت هي قليلاً بِرقة قد كَرهتها عليها ثم قالت لي
الا يبدو لكِ مكاناً جميلاً سعيداً؟ انني سأعيش للأبد مع الرجل الذي احبه و يحبني. في مكان لا يعرف عنه احداً غير الملك نفسه. هذا المنزل قد بَناهُ زوجي بنفسه لنا بعيداً عن العالم، مكاناً خاصاً بِنا فقط. الا يبدو سعيداً لكِ؟
للحظة كنتُ سأندفع بِكلامي و اصرخ بوجهها انها مخطئة، لكن بعد التفكير بِكلامها رأيتُ انها، محقة. انه جميل، هادئة، لطيف و مريح جداً. لا اعلم اين زوجها و ماذا يفعل، لكنني من طريقة تكلمها عنه عرفتُ انه يُحبها ايضاً كما تفعل هي أو أكثر. نهضتُ على ساقاي بِسرعة اريد الخروج مِن هنا لأنني لم اعد اتحمل البقاء أكثر ثم توجهتُ للباب لا اخبرها بِشيء. سمعتُ اسمي يخرج منها لكنني لم التفت أو اتوقف و فتحتُ الباب اخرج لغابة.
تاليا اسمعيني! نادت هي من ورائي تركض نحوي قبل أن ابتعد أكثر عن المنزل.
الى اين انتِ ذاهبة؟ سألتني كارا مُمسكاً بِذراعي العلية لتوقفني و تجعلني استدير لها.
انها بِطولي تقريباً، لكنني اطول بِشِبر أو أثنين و مع ذلك بدت لي قصيرة جداً لأحني رأسي و احدق بها بِغضب واضح في عيناي.
الى اين تظنين نفسكِ ذاهبة هكذا لوحدك؟ سألتني مجدداً هذه المرة بِنبرة هامِسة.
الى المُخيم، الى زوجي الذي لن اتركه طالما انا حية و انا لستُ وحدي، أدلار موجود معي في الغابة.
بدت منصدمة لِسماع اسم أدلار مني ثم تركت كارا ذراعي و أبتسمت أبتسامة لا تصل للعينين.
خمنتُ ذلك، عندما عرفتُ انكِ تاليا. انصتي لي أرجوكِ، انني احاول مساعدتكِ و ليسَ اغضابك. ربماً ليس الأن أو السنة القادمة أو التي بعدها سَيحدث لكِ ما حدث لي إن بقيتِ مع ريس، لكن رُبما سَيحدث بالمستقبل إن لم تُنصتي لي. تركك له، سيؤلمه كثيراً لكنه سيتعافى و يعود لنفسه من جديد، قبل أن يؤذيكِ و يعيش نادماً طيلة حياته.
قاطعتها انا بيد امام وجهها لكي تكف عن التكلم ثم اخبرتها ببِرودة في صوتي.
نحنُ بشر، يمكنني رؤية انكِ مازلتِ تُحبيه و لو قليلاً، و انكِ تشعرين بالغيرة، امر طبيعي لا نِقاش. لكن يجب أن تعرفي انه توجد حرب على الأبواب و غداً قدرنا بالمواجهة. قد نخرج على قيد الحياة منها أو قد لا نخرج ابداً، تركي لريس في هذه اللحظة مُستحيل و حتى بعد سنين اخرى لن يحدث. ليس الجميع مثلكِ كارا، قد ظننتِ انه الأفضل لكِلاكُما عندما تركتيه لكنني لا اعتقد ذلك معي. في الحقيقة انا اشكركِ لتركه، لو لم تفعلي، لما كنتُ سأتعرف عليه و احبه و اصبح أول ملكة بشرية في هذا العالم. انا لن اتركه لأنني لا استطيع تحمل ذلك. انه هناك في المُخيم يستعد لِلموت من اجل شعبه و انتِ لم تتحملي لعنة سخيفة. لهذا مَن المُثير لِلشفقة بيننا؟
تاليا انا--.
لا! توقفي أرجوكِ. لا مزيد من محاولة اقناعي. لقد فات الأوان منذُ اللحظة التي تعرفتُ عليها بِه و بِعائلته التي اصبحت عائلتي. لقد كنتُ ضعيفة عندما تركتُ احد الجنيات تقتل عائلتي، لقد وقفتُ احدق به يفعل كل شيء لهم، عاجزة غير قادرة على فعل شيء لخوفي، لكن الأن، لن اُعيد الكرى، لن اقف مُتكتفة الأيدي أو ضعيفة، سَأقاتل مِن اجلهم و لن اهرب، سأقاتل لأنني الأن، امتلك ما اخسره. لهذا اذهبي و انسي امره و امري، عيشي مع زوجكِ بِكُل لحظة لأنه قد لا تعيشي بتلكَ السعادة إن خسرنا الحرب. فالحياة غير عادلة حتى لو هربتي منها.
قبل أن تعود للتحدث و الأعتراض، التفَتُ و ركضتُ بعيداً عنها لا انصت أو اتوقف عندما نادتني مُجدداً. قد تكون محقة، قد تكون بريئة بِحُب ضعيفة مثل شخصيتها، لكنني لستُ كارا كما اخبرت ريس في تلكَ الليلة عندما اخبرني هو عَن قصة كارا معه. لم يَعُد لدي اعذار للوقوف من دون فعل شيء للذين احبهم. قد أكون بشرية، لا تملك السنين الطويلة للعيش معهم، لكنني سأحفظ و احتفظ بكل ثانية، دقيقة و يوم مهم حتى لو كان غداً اخر يوم سوياً. عبرتُ من جانب الشجرة الضخمة صاحبت الأوراق البرتقالية التي كنتُ سأقضي حاجتي بِجانبها و فجأة لم اعد اريد ثم اكملتُ طريقي الى نفس المكان الذي تركتُ أدلار فيه.
أدلار! ناديتُ بأسمه لكن لا إجابة. رأيتُ الدلو الخاص بي الذي كنتُ احمله مازالَ مَملوئاً و يوجد الخاص بِأدلار بِجانبه.
رفعتُ رأسي انظر بِكُل الأتجاهات بدأتُ اشعر بالقلق و الخوف لكن فجأة شعرتُ بيداً تلمس كتفي، لأخرج صرخة صغيرة من حلقي و استدير لأجد أدلار يقف هناك يضع كِلتا يديه على أذنيه.
يا للهول تاليا، يجب أن تتذكري اننا جنيات نمتلك حاسة سمع قوية جداً. قال هو يَعبِس لكن يوجد المُزاح بِصوته.
اقتربتُ انا منه و رميتُ ذراعيي حول رقبته اعانقه بِشدة. هو تفاجئ من فعلتي لكنه عانقني بالمقابل يضحك بِخفة لِيسألني
ما الخطب؟ لماذا المُعانقة؟
الا يمكنني معانقة اخي العجوز؟
ضحك هو أكثر يَفرُك ظهري بِلطف.
بالطبع يمكنكِ، لكن اين كُنتِ طيلة الوقت؟ ذهبتُ لأبحث عنكِ لكنني لم اعثر عليكِ و جعلتني قلقاً جداً لدرجة انني كدت أن اعود لِلمُخيم و اخبر الجميع.
ابتعدتُ عن العناق ثم التفتُ الى الدلو لأحمله و اُخَبِئ دموعي التي تتشكل في عيناي.
ظننتُ انني سأكون سريعة بِقضاء حاجتي، لكنني كنتُ مخطئة. قلتُ له اضحك ضحكة لا تخرج من القلب.
هَمهَم هو يمسك بالدلو الذي حملته و باليد الثانية يحمل الأخر عني ثم حدق بِعيناي لفترة قبل أن يبتسم اعلم انه لاحظ الدموع، لكنه لم يتفوه بكلمة عن الأمر أو يسألني.
يبدو انكِ لم تقضي حاجتكِ بِسبب المياه التي شربتيها، بل بسبب الدجاج التي تناولتيه على الفطور.
صفعتُه على صدره و اخذتُ امشي امامه أبتسم مِن الأحراج.
منذُ متى و صفعتكِ بتلكَ القوة سيدتي؟
منذُ أن علمتُ أنَ قوتي قد تجعلكَ تطير في الهواء إن ازعجتني مرة اخرى.
توقف هو مندهش بِمكانه ليجعلني اتوقف معه.
لقد اكتشفتي قوتكِ؟
أومأتُ له ثم أجبته اكمل مَشي لكن هذه المرة بِجانبه.
بالصدفة عندما، حاول حيواناً مفترساً الهجوم عَليّ.
ماذا؟ متى، و اين؟
شابكتُ ذراعي بِذراعه العَضلية ثم أجبته شبه اكذب. لكوني اقسمت لِكارا على انني لن اتحدث عنها و عن مكانها لأحد.
عندما انتهيتُ من عملي امام الشجرة، رأيتُ، ثعلباً بين الشجيرات لقد ركض نحوي، لكن بسبب تفاجئي و خوفي، رميتُ يداي بالهواء امامي ليخرج ضوئاً ابيضاً من يدي ليوفقده وعيه كفاية لأهرب منه.
تباً تاليا، كان سَيؤذيكِ لماذا لم تناديني؟ سألني هو معقد الحواجب يبدو انه سَيُخبر ريس قريباً عن القصة.
انا بخير، لم أكن احتاج المساعدة أدلار. و انظر بِسبب ذلكَ الثعلب، استطعت اكتشاف قوتي الجديدة. هل تعلم ما تكون بالضبط؟
هَمهَم مرة اخرى يفكر و يدير كلامي بِرأسه ثم فتح فمه يظهر اسنانه الكبيرة و يُجيب.
اعتقد انها شيء مختلف لن اعرفه إلا إذا رأيته، ضوء أبيض يخرج من يدكِ، لا يشرح كفاية ما تكون، ربما تكون قوة الضوء، لكن لا يوجد سبب لأعطاء الساحرة قوة كهذه أو ربما تكون قوة الهواء، بعض الأحيان لهذه القوة لوناً، أو قوة عشوائية مزيجاً بين الضوء و التحكم.
يوجد قوة مزيجاً بين قوتين؟ سألته بِتعجب انظر الى جانب وجهه الوسيم و هو يحدق بالأفق البعيد.
لا ليس تماماً، لكن الساحرات هُم الوحيدات التي تستطعن فعل ذلك، اعني وضع قوتين بواحدة.
أومأت انا اتفهم لكنني ضائعة بنفس الوقت، لا اعلم ما الذي يوجد بداخلي و بِماذا اتحكم. كريسيدا اعطتني القوة من دون اخباري عنها و ماهي.
إذاً هل سوف تساعدني بأكتشافها أكثر ايها المقاتل؟
أبتسم أبتسامة عريضة ثم أومئ يَحني رأسه لكي ينظر لي
بالطبع ملكتي. هذا لَشرفٌ لي.