رواية تحت الغطاء الأسود الجزء الأول للكاتبة مينار الفصل الثامن والأربعون
ما الذي تفعلينه هنا تاليا؟ سألتني جيانا و نحنُ في زاوية المطبخ، هي تجلس على الطاولة تُقشِر الخُضار و انا اقف من الجهة الأخرى أحدق بالأفق البعيد و أعَض على أظافري.
هييي! انتِ بِما تشرُدين؟ سألتني مجدداً هذه المرة تصرخ بِهمس.
حركتُ رأسي بأتجاهها و نظرت إليها قليلاً قبل أن أجيب.
انا فقط، اردتُ أن أطمئِن عنكِ و اقضي بعضاً من الوقت معكِ.
رمشت جيانا متفاجئة من كلامي و تبدو كأنها لم تصدق.
أليسَ لديكِ عملاً لدى الملك؟
هززتُ رأسي بِسرعة فور سماعي به، اتوتر و ابعد عيوني عنها لأنني منذُ البارحة و انا أحاول نسيان ما حدث بيننا و محاولاتي بأت بالفشل.
أممممم لا اعتقد انه يحتاجني في هذه اللحظة.
رأيتها بِطرف عيني، ترفع حواجبها عَليّ مازالت لا تصدق كالتي تشعر بِكذبتي أبسُقها بِوجهها و أرفض التفوه بالحقيقة. لو كان الأمر جدياً بيني و بين ريس، لكنتُ قد اخبرتها بكل سرور، فأنا لم اخذ موضوع العلاقة مع رجل جدية في حياتي لأنني كنتُ اخافهم و اشعر بأن فارس احلامي موجود بينهم لكنه لم يخرج بعد و لا اريد أعطاء فرصة لأية منهم لكي اتركها للفارس الأحلام. يا لي من حالمة...
لماذا كنتُ اخافُهُم؟
بِسبب اختي و صديقتي كانيلا...
كلاهما في كل مرة كانا يدخلان في علاقات مع الرجال، كانوا إما تكون علاقتهم لأيام فقط أو تكسر قلوبهم بِشدة لدرجة الأكتئاب لأِشهر.
انا اعلم انكِ ترفعين من جدار المشاعر لكي لا يصل إليّ منكِ شيئاً، لكنني لسببٍ ما لا اصدق حرفاً يخرج من فمك. هي قالت لي تكمل عملها من دون أن تنظر لي.
تنهدتُ انا بِقوى اخذ كرسياً و اجلس عليه. اننا بعيدون عن أذان الخادمات، في زاوية المطبخ لكننا لو كنا في اخر القصر سيصِل كلامُنا إليهم لِقوة سمعهم الخارق.
لا يمكنني اخبارك أرجوكِ تفهمي جيانا،
انا اخبرتها اضع كوعي على الطاولة و اريح رأسي على يدي.
هل الأمر يزعجكِ جداً، ام انه ليسَ بتلك الأهمية؟
كلاهُما.
رفعت حاجباً من جديد لكنها هزت رأسها و ركزت على تَقشير الخُضار.
. لن اسألكِ ما المشكلة، لكن اخبريني هل يتعلق الأمر بِعملك؟
هززتُ رأسي
لا
إذاً، مع أدلار؟
لا
بيتر؟ تيلار؟
هززتُ رأسي من جديد اخرج الهواء من فمي بِشدة.
لا، لا يتعلق بهم.
هَمهَمت جيانا مِن دون أن تتفوه بالمزيد ثم و بعد وقت قصير، توقفت عن التَقشير و رفعت رأسها تُحدق بي بِعيون واسعة كأنها أدركت ما مشكلتي.
هل، هل يتعلق بالملك؟ سألت هي تهمس جداً لدرجة انني لم اسمعها جيداً لولا تحريك عيناي على شفتيها.
لم أجيبها و إنما أومأتُ رأسي أوافِقُها و فَم جيانا اصبح على الأرض مِنَ الدهشة. أغلقت فمها ثم فتحته مجدداً لكي تتكلم، لكن صوت أحد الخدم يركض في الردهة و يصرخ قد لفت أنتباه الجميع في المطبخ و منهم انا.
الملك فالين و خدمه بِمملكتنا و أمام القصر! استعدوا الملك سوف يخرج!
وقفتُ انا بسرعة على ساقاي و ذهبت خارج المطبخ من دون أن أوَدِع جيانا، الى الطابق الملك أركض بِفستاني الذي ارفعه عن الأرض لكي لا أتعثر.
وصلت الى الطابق مُتجهة لغرف ريس لكن تفاجئت انه خارج غرفة يمشي و بِجانبه الحارسين مع أدلار و بالطبع معهم زوجة عم ريس أغاثا.
أنَ ريس يمشي مع الباقي بِسرعة و هذه المرة يبدو انه متألق جداً بِملابسه الداكِنة.
احرص على أستقبالهم جيداً، بعد دخول الملك فالين خُذ حرسه لِتناول الطعام في الأبراج و كونوا حذرين كثيراً، لا اريد اية خطأ واحِد أدلار!
قال ريس بصوت عاليٍ يصبح صدى في الردهة.
جلالتك ما الذي يحدث؟ انا تقدمت نحوهم امشي بِجانب ريس.
هو حدق بي لثوانيٍ متفاجئ لرويتي ثم اعاد نظراته الباردة ليجيب بِصوته الملكي كأن لا القُبلة التي تشاركناها لم تحدث.
ملك مملكة فالينيا (مملكة الربيع) قد قرر زيارتنا فجأة و انه في هذه اللحظة مع حُراسه و خدمه أمام بوابة القصر.
لا اعلم لماذا قرر القدوم هكذا من دون أن يرسل خبر لكننا و مع ذلك يجب أن نُرَحِب به بأفضل ما يمكننا.
قالت سموها أغاثا لخادمة لم أنتبه على وجودها معنا، تمشي بِجانبها.
كما تُريدين سموكِ. قالت لها الخادمة.
و أعِدوا لنا قاعة الأستقبال على الفور.
زاد ريس أمراً للخادمة لتومئ هي له بالتفهم و تختفي في ردهة اخرى.
وصلنا الى أول طابق في القصر ننزل على السلالم الطويلة بِسرعة الى أن اصبحنا أمام أبواب القصر لتنفتح بأمرٍ من ريس و نخرج للساحة الكبرى و نرى بوابات القصر الحديدية تفتح لتُدخِل عربات كثيرة بيضاء اللون مُزغرفة بألوان مختلفة تبدو ربيعية، تقودها أحصِنة بنية اللون بأجنحة جميلة.
أمام و خلف و على جميع جوانب العربات تمشي جنود و حراس عملاقة تحمل رِماح و سيوف حادة على خصرها ترتدي دروع صفراء و على خوذتهم ريش حمراء.
بين تلكَ العربات توجد عربة صفراء اللون مَطلية بالذهب بأكملها و أحصِنتها ذهبية كذلك تملك قرون بيضاء ناصِعة و انا حزرت انها عربة الملك فالين. توقفت العربات بأكملها و استعدوا الحُراس يقفون بأستقامة و طوابير موحدة.
فتح باب العربة الذهبية و خرج رجلٌ طويل بشرته سمراء بِشعر فاتح طويل مظفور على جنب كتفه و اعتقد انه خادم الملك الشخصي ثم خرج وراء الخادم رجلٌ يرتدي تاجه الملكي و ملابس شتوية لكن ملونة ايضاً طويل بطول خادمه. نزلنا جميعنا على السلالم نتوجه للملك فالين الذي يتقدم نحونا ايضاً مع حرسين و خادمه.
ريس! قال فالين يرفع ذراعيه في الهواء و يبتسم.
وقفنا نحنُ وراء ريس و هو ذهب إليه يرفع ذراعيه مثله في الهواء ليعانقه.
فالين! مِنَ الجميل رؤيتك بعد سنوات. ردَ عليه ريس بعد العناق بينهم.
مِنَ الجميل رؤيتك انتَ ايضاً. لم تتغير و لو قليلاً، ماذا تأكل؟ ما سرك؟
ضحك ريس على كلام الملك فالين ثم أجابه يُشير للطريق لكي يُكمِلوا طريقهم الى القصر.
انتَ تقول هذا الكلام كأنكَ تبدو مُختلفاً؟ فأنتَ بنفس عمري لا تنسا.
ضحك فالين بِصوته العذب فيه بعضاً من الضخامة لكن بنفس الوقت فيه بَحة بعض الشيء. إنَ الملك فالين اصبح شكله أكثر وضوحاً بعدما أقترب منا أكثر من قبل. انه طويل لكن ليس اطول من ريس، لديه جسد معتدل البنية، ليس بِعضلات مفتولة أو نحيل. لديه عينين مختلفة الألوان، التي على اليسار عسلية تحت اشعة الشمس تلمع و الأخرى خضراء داكنة لونها غريب و جميل بنفس الوقت.
شعره اشقر قصير و لديه لحية خفيفة جداً. انفه صغير مستقيم و لديه وجه عريض بِفك حاد و شفتاه ممتلئة وردية. انه وسيم و جماله يجذب الأنتباه لأنني لستُ انا الوحيدة من جذب أنتباهي، أنما جميع الخدم و الخادمات من في الخارج معنا يحدقون به كأنه مخلوق سحري، أوه تذكرت، انه مخلوق سحري.
توقف كُلاً من ريس و فالين أمامنا حتى تُرَحِب بِهم أغاثا بكل سرور و دفئ تعطي الملك فالين أكبر أبتِسامة و افضل ترحيب. بعدها تحركنا جميعنا نبتعد عن برودة الأجواء في الخارج و ندخل الى دفئ القصر المُريح. توجهنا جميعنا الى قاعة جديدة لم ادخلها ابداً و هي قاعة الأستقبال في الطابق الأول في مدخل مختلف عن قاعة العرش.
انها كبيرة و واسِعة جداً، مُضيئة بأشعة الشمس، ثريات عملاقة تزين سقف القاعة بِجمالها تلمع كالألماسات. نوافذ كبيرة تأخذ كل مساحة الجدران، خلف النوافذ توجد شرفة كبيرة ايضاً.
في منتصف القاعة بِساط أحمر و ذهبي وفوقه كراسي ذهبية عليها القماش القرمزي، تصطف على شكل دائري و بجانب كل كرسي طاولة صغيرة زجاجية. جلس كُلاً من ريس و على يساره بعيداً الملك فالين و يمينه أغاثا يتحدثون فيهما بينهم.
اخبرني أدلار انه سوف يقف بِجانب الباب مع باقي الحرس و انا كخادمة ريس الشخصية وقفتُ بجانب و خلف كرسيه قليلاً امسك بيداي أمامي و انظر الى النوافذ.
انا اعلم انكَ يا ريس، متفاجئ من قدومي لمملكتك من دون اخبارك حتى لكن، من دون الأطالة بالكلام سوف ادخل بالموضوع.
قال الملك فالين يُعيد ظهره على الكرسي و يضع كلتا ذراعيه على مساند الكرسي.
صحيح انا متفاجئ، لكنني سعيد بوجودك و تفضل اخبرني ما تريد.
تنهد فالين بِرقة ينظر تماماً على ريس بِعيون خلت منها الأبتِسامة و أستُبِدلَت بِجدية و تركيز.
اعتقد انكَ تعرف أنَ جميع الملوك الخمسة قد وافقوا على القدوم للأجتماع في مملكتي.
أومئ له ريس بِ نعم ثم أكمل فالين كلامُه.
لكن قررت المجيء من دون علم أحد، من اجل تحذيرك من شيء مهم.
يبدو انه مهم جداً بِما انكَ اتيتَ شخصياً للتكلم عن الأمر.
أومئ فالين رأسه بالموافقة و أجابه.
انتَ تعرف أنَ عائلتي تُدين لعائلتك بالكثير مِما يثبت من الأن ولائي لك ريس و ليس لغيرك. و مع ذلك يجب أن تعلم أنَ ليسَ باقي الملوك تُفكر مثلي حتى لو ليس لديها اية شيء ضدك، شخصي اعني.
الى اين تذهب بِكلامك فالين؟
الذي اريد توصيله هو، أن تتوقع رفض الكثير و قبول القليل. فجميعهم يخافون شادونايت الأن و خاصةً انها تتضامن مع سنويان اللعينة.
أومأت سموها أغاثا بالموافقة على كلام الملك ثم فتحت فمها لتُشارك الحديث بين الرجلين.
نعم انتَ محق جلالتك. سنويان تلعب دوراً كبيراً في هذه الحرب و بما انها مملكة قوية جداً اعتقد أنَ باقي الممالك تخاف دخول الحرب خوفاً من الخسارة و حتى الفوز بذاته.
الفوز، الفوز له عواقب أكثر من الخسارة سموكِ و انتم ادرى بذلك.
قال الملك فالين ينظر الى ريس بِطريقة غريبة.
هل هو يعلم؟، لكن.
كيف؟، هل يمكن لريس أن يضع ثقته بِهذا الملك بِتلكَ السهولة و يخبره عن سره؟
أسئلة في رأسي تتشاجر مع بعضها لا تعرف ما الحقيقة و ما الذي حصل بينهما في القرون الماضية. كلاهما بنفس العمر و على ما يبدو من طريقة تكلمهم مع بعضهم البعض، انهما صديقان أكثر من مجرد مَلِكيَّن يتحدثوا عن الحرب و ممالكهم.
جزء مني شعر بالأطمئنان انه يوجد ملك في هذا العالم مُمسكاً بيد ريس و لديه من يقف معه في الحرب، لكني اتسائَل، هل باقي الملوك تعرف به ايضاً؟
لكن هذا مستحيل لأنهم قد يستخدموا سره هذا ضده بكثير من الأشياء. لهذا لا اظن أنَ أحداً يعرف بِسره إلا الملك فالين لقرابت عائلته بعائلة ريس الراحلة.
رأيتُ خادمة كبيرة في العمر تدخل القاعة تحمل صينية من الفضة و عليها فناجين شاي. توجهتُ بِسرعة نحوها اخذ منها الصينية لكي أقَدِم لهم الشاي بنفسي فهذا واجِب الخادمة الشخصية. ذهبتُ بالصينية و بكل هدوء و حذر الى الملك فالين بما انه هو الضيف هنا و يجب أن نخدمه أولاً و أنحنيت أختلس نظرة خاطفة عليه لأراه يُحدق بي و على شفتيه أبتِسامة جانبية ثم قربتُ الصينية منه لكي يأخذ الفنجان و قبل ذلك اوقفني بسرعة خادم الملك فالين يمسك بِفنجان ملكه و يأخذ رشفة صغيرة منه و انا صُعِقت بتصرفه ذاك.
انه يتأكد أنَ الشاي غير مسموم، للأحتياط فقط. اخبرني الملك فالين يعيد أنتباهي إليه و هو مازال مُبتسماً بعيونه البراقة الجميلة.
أعادَ خادمه الفنجان على الصينية ليقترب الملك و يأخذه من جديد.
انتَ لعين بحق، لا تثق بي؟ سأله ريس يضحك مازِحاً على ما حدث قبل لحظة.
ليس خطأي، إنَ خادمي يعترض على تصرفاتي كثيراً لدرجة انني احياناً اعتقد انه هو الملك و ليسَ انا. أجابه الملك يحرك عينيه الى خادمه الذي يقف بِجانب كرسيه ثم يعيدها إليّ.
أحنيتُ رأسي للأسفل أتفادى مُقابلة عينيه و لِتورد وجنتاي من نظراته تلك. اخذتُ اعيد اعطاء الخادمة الصينية لأعود الى مكاني المُعتاد بجانب ريس.
لديكَ خادمة بشرية مُجدداً؟ و انتَ لا تختار إلا الفاتِنات منهم. يالكَ من ملك مليء بالألاعيب.
قال فالين بعد رشفة اخرى من شايه.
قد فاجئني بِكلامه الجريئ هكذا مع انني اقف هنا معهم في نفس الغرفة، لكنني تجاهلت كلامه افكر بِشيء اخر قد قاله.
خادمة بشرية مجدداً؟، هممممم
لستُ انا من يأتي بهم، هُم من يأتوا إليّ.
قال ريس بنبرة ماكرة.
حركتُ رأسي نحو ريس لا إرادياً من طريقة أجابته.
هل هو يمزح ام انه جاد؟
و مع ذلك انها جميلة جداً، اما انا فلا يأتيني غير الرِجال، مُمل جداً. قال فالين يبتسم و رأيت خادمه يختلس النظر على ملكه لكنه لا يبدي اية ردة فعل كأنه لا يُمانع كلامه.
نعم هي جميلة، لهذا ابعد انظارك عنها و افكارك القذِرة من رأسك قبل أن اطردك من القصر و اعيدك الى خدمَك المُملين.
هَمهَم فالين يومئ رأسه بِحركة بطيئة.
انا رجل لا يمكنكَ أن تبعد افكار كَتِلك من رأسي، انا أراهِن انكَ تملك نفس الأفكار في هذه اللحظة.
ليس لدي وقتاً لأشياء كَتِلك في حياتي فالين فأنا قد حاولت و لا اعتقد أنَ الحَظ لِصالحكي كما تعلم.
هزة رأسه فالين يُمسك بِفنجانه مرة اخرى و يقربه من فمه ينظر إليّ ثم الى ريس.
جزء مني و خاصتةً في قلبي شعرت به ينكسر على جملة ريس، لا يعتقد أنَ الحظ لصالحه، يالها من جملة.
لا تقُل هذا، فَلديك المظاهر و اللأخلاق و الشهامة، فتاة واحِدة من الممكن أن لا تكون من نصيبك لكن غيرها موجود.
حرك ريس رأسه لجهتي قليلاً كأنه يريد أن يُخبرني بِشيء ما لكنه أنتبه أنَ أغاثا موجودة تحدق به بعيون مُضَيّقة ليعيد تركيزه الى الملك الأخر. أولاً لم اكن اعلم أن لأغاثا نظرات قد تخيف ريس بِتلك الطريقة.
ثانياً لم اكن اعلم أن ريس يتحدث عن خادِماته كأنهم ليسوا للخدمة بل لأرضاء رغباتهم. و أخيراً اريد صفع فالين بِكامل قوتي على وجهه.
بعد قضاء وقتاً طويلاً في القاعة و البقاء صامِتة اسمع أحاديث مُثيرة للأهتمام تجري بينَ المَلكين و زوجة عم ريس. حلَ المساء و قررو جميعاً أن يعودو مِن اجل تناول بعض العشاء قبل الخلود للنوم لأن الغد يوم طويل اخر مَليئ بالعمل.
ذهبت أغاثا في طريقها بعدَ أن ودعت الملك فالين، حتى تعود لغرفتها و الملك فالين أقترح على ريس الذهاب معه لغرفته من اجل التكلم أكثر عن العمل و ريس بالطبع وافق.
غادرو القاعة و بقيتُ انا امشي خلف ريس الى أن أقتربنا من غرفة الملك فالين في الطابق ما قبل الملكي الذي يكون طابق الضيافة. امسكني ريس من ذراعي و سحبني الى زاوية في الردهة من اجل أن لا يرونا أو يسمعنا أحد و انا على وجهي علامات الدهشة لتصرفه.
تاليا اسمعيني، انا اعلم أنَ لدينا الكثير لنتحدث عنه لكن يجب أن نؤجل الأمر للغد ربما.
اخبرني ريس يهمس قريباً من وجهي.
ربما، أجبته بِبساطة انظر الى يده الممسكة بِذراعي و لا اقابل عينيه.
تاليا انظري إليّ أرجوكِ.
رفعتُ رأسي أنصِت له و حدقتُ بِعينيه انتظر منه أن يتكلم لأنني لا اعرف ماذا يجب أن اخبره مازالتُ أشعر بتلكَ القبلة على شفاهي.
انا اعتذر على كلامي السابق في قاعة الأستقبال مع فالين، يجب مُسايرة ما يقوله من اجل البقاء حذراً حتى لو كنتُ قريباً منه، فقط كوني في غُرَفي غداً صباحاً قبل استيقاظ الجميع.
وبذلك قبل أن افتح فمي و أجيبه أو اعارض تحرك مبتعداً عني الى أن وصل لباب غرفة الملك فالين و اغلقه خلفه بعد خَطف نظرة صغيرة بأتجاهي. انا تنهدتُ اخرج كل الهواء من صدري و أتكئ على الحائِط افكر بالكثير كأعصار يَدور قوي في دماغي لا يتوقف.
انا متأكدة انَ بدأ مِنَ اليوم، لن يعود اية شيء على حاله لسببٍ ما تذكرت كلمات لوثر عندما اخبرني أن في اللحظة التي اضع قدمي في داخل هذا القصر، سوف أندم و تتغير حياتي. تذكرت انه حاولة مِراراً و تِكراراً أبعادي عن القصر و خاصةً ملك هذه المملكة، في البداية لم اكن اعرف السبب لأنه بَقية يَرفض اخباري.
اما الأن فهمت و اعرف تماماً ما كان يقصده. يبدو أنَ لوثر كان يعلم بِلعنة ريس؟
أو ربما يقصد شيئاً اخراً؟
علاقة عائلة لوثر بِعائلة ريس قوية، لهذا اظن أن لوثر يعرف بلعنة ريس لكنه كان ممنوعاً كأي أحد يعرف، بالتكلم عن لعنة ريس أمام من لا يعرف. انها كالتعويذة تمنع من يعرف بالتكلم أو حتى أعطاء أشارات أو تخمينات. في الحقيقة انا لا أندم على قدومي للقصر و لا أندم على اية شيء إلا شيء واحِد، و هو ترك قلبي يتحكم بي بدلاً من عقلي.
انا فتاة تعلمت استخدام عقلها و ليس قلبها الضعيف. كيف لهذا أن يحدث معي؟ كيف لي أن أدَع من نفسي تأخذ القيادة و تقرر ما يجب أن يحدث و ما يجب أن لا يحدث؟
منذ متى اكون حمقاء بِتلك الدرجة؟
اعني انا حمقاء جداً و اعترف من دون مُنازع، لكن، ليس بأمور تتعلق بالعلاقات و بنائها لتصبح منزلاً خاصاً لذلك الشخص في قلبي.
فقلبي لن يتسع للمزيد لأنني لا اريده أن يتسع. بيتر، أدلار، جيانا و تيلار هم اشخاص لم يعطوني إلا الحب، الأحترام و هُم من دافعوا و حموني من كل شيء خطير في هذا العالم.
اما ما شأن ريس؟ ما شأن لوثر؟ ما الذي فعلوا من اجلي لكي افكر بِهم بطريقة مختلفة عن الباقي؟
كِلاهُما لم يفعلوا اية شيء غير أذيَتي، كلاهما لم يفعلا شيء غير إيقاظ قلبي المُحطم و جعله ينبض من جديد كأن لا شيء قد حدث معي من حزن في حياتي. ريس لم يؤذيني بشيء بعد لكنني متأكدو و اعلم أكثر واحِدة انه سوف يفعل مستقبلاً، إن تطورت علاقتي معه فلن أكسب شيئاً فيها غير مُغادرتي له في الأخر.
لماذا؟
لأنه ملك
و
انا خادمته.
في اليوم التالي، استيقظتُ متأخرة لأن تيلار هي من دخلت على غرفتي تَرمي وِسادات فوق وجهي حتى افتح عيناي و اخبرها انني مستيقظة بنفسي. تناولتُ الفطور معها و لبستُ فستاناً بسيطاً للغاية، فُستُقي اللون مع مِشَد أسود فوقه ثم رفعتُ شعري على شكل كعكة.
و تيلار أقترحت أن اضع دبوساً طويل ذهبي حول شعري فوافقت مِن دون المجادلة مع انني لا امتلك نفساً لفعل اية شيء.
غادرنا غرفتي لأتجه انا بطريقي و تيلار معي مِما جعلتني أشعر بأطمئنان أكثر قبل رؤيتي لريس بعد أن عَصيتُ أمره بالقدوم باكِراً لغرفته للتكلم عن الذي حدث معنا. اعلم انهُ سوف يكون غاضِباً جداً لِعصياني و انني في مشكلة، لكنني لم أهتَم لأنني إن فعلت فسوف أتأثر بِكلماته أكثر.
وصلنا للغرف و طرقنا الباب لكن سمعنا اصوات عالية قادِمة من الداخل لهذا دخلنا من دون أن ننتظر السماح. اغلقنا الأبواب خلفنا لنرى أغاثا تقف أمام مكتب ريس و ريس يجلس على كرسي المكتب يحدق بها و على ما يبدو انه غاضب لأن ملامح وجهه لا تبدو مُسالمة ابداً.
انا اعلم انكِ تحاولي حمايتي أغاثا، لكن هذا ليس بِحلاً لي. كيفَ لي أن أواجِهَهُم وانا بِهذه اللعنة اللعينة؟ هل يعجبك تحولي أمامهم لشخص مجنون لا يرى إلا سواداً من حوله؟
سألها ريس بِنبرة مرتفعة لا يحرك عينيه عنها.
لا اعلم كيف هي ردة فعل أغاثا على كلامه بِما انها تُعطينا ظهرها و نحنُ نقف أمام الباب من دون اخذ حركة.
هل تظن انها الحَل؟ يمكنكَ التحمل. انا و أدلار حتى بيتر موجودين معك لهذا لا تخاف، فلن يحدث لكَ اية مشكلة. هي أجابته مُماثلة لنبرته.
انتِ لن تفه لم يكمل كلامه لأنه لاحظ وجودنا معهم.
لم ارى انه متفاجئ أو مندهش، إنما غير مُباليٍ. اعاد انظراه الى أغاثا ليقول لها بِصوت اهدئ.
سوف نكمل كلامنا لاحقاً، انتِ اذهبي و كوني متاكدة أنَ فالين لا يحتاج شيئاً و انه مرتاح. فأنا لدي اعمال تصل للرأس قبل مقابلته من جديد اليوم.
عَم الصمت بينهما قليلاً لتستَدير أغاثا بِمكانها و تتخطانا خارج الغرفة من دون حتى النظر بأتجاهنا، أو اتجاهي.
نعم، بِكُل تأكيد انها تكرهني مع انها كانت لطيفة معي، بعض الشيء إلا انني الأن متأكدة من كرهها لي.
ما الذي أحضركم الى هنا؟ ريس سألنا يقف على ساقيه و يتحرك لخزانته ينظر للملابس.
انا هنا من اجل اخبارك أنَ الودوانز اخبروني بِشيء سوف يعجبك ريس. أجابته تيلار تتقدم إليه.
ابعد تمعنه بِملابسه و نظر الى الأسفل، إليها رافع حواجبه بِفضول.
ما هو هذا الخبر؟
الودوانز يريدون الأنضمام للحرب من اجل المقاتلة معك ضد شادولعينين و سنوحمقا.
أبتسم ريس على طريقة تَسميتها لِلمملكتين ثم أنحنى لها بأمتنان كبير.
لقد توقعتُ كلامك، فأنهم مَخلوقات تَمُد يدها للجميع و تساعد حتى لو لم يكونوا يُدينون لأحد بِشيء. لهذا أرجوكِ تيلار، أوصلي كلامي بالحرف الواحِد، انني ريساند أيكسا لوماريل أشكُر قبيلة الودوانز على البقاء بجانبي و بجانب هذه المملكة لقرون لا تُعد و لا تُحصى. و انني سوف افعل ما استطيع لحمايتهم و خدمتهم لبقية حياتي.
أومأت له تيلار و أنحت بنفس الطريقة تَشكُره ايضاً بعدها تحركت من مكانها ترمقني بِنظرة مُخيفة ثم غادرت الغرفة تتركني وحدي معه. تقابلت عينيه بعيوني لثانية و على ملامح وجهه البرودة ثم اعاد تمعنه بِملابسه في الخزانة.
ماذا يجب أن ارتدي سيدة هارث؟ سألني هو بنبرة كالثلج جعلني اقشعر بدناً.
هذا ام هذا؟ سألني مرة اخرى يحمل طقمين باللون الأسود لكن مختلفين عن بعضهما جداً.
بلعتُ ريقي بصعوبة و اخذتُ نفساً صغيراً حتى أجيبه
الأول الذي مع القميص الأبيض السُفلي.
هل انتِ متأكدة؟
رمشتُ عليه كأنني لم استوعب كلامه ثم أومأت له ب نعم و هو وضع الطقم الذي اخبرته عنه على السرير و الأخر يعيده للخزانة.
لماذا تبدين مُتوترة؟ سأل ريس يفتح أزرار قَميصه الأبيض من دون النظر لي.
حركتُ عيناي بَعيداً عنه أحدق بِلوحة عائلته المُعلقة فوق نوافذ شرفته ثم أجبته ببطئ.
لستُ متوتر، لماذا تعتقد هذا؟
توقف عن فَك أزراره و أدار رأسه لي
مُجرد حدس بَل تبدين متوترة.
انا لستُ متوترة و توقف عن النظر لي بِتلك الطريقة ريس.
هل أزعجكِ سيدة هارث؟
تباً له! نعم انه يزعجني بِتلك الطريقة التي يُناديني بها و نظراته الباردة.
نعم، تزعجني و بشدة. أجبته انا اشابك ذراعي أمام صدري و أحرك رأسي بأتجاه اخر.
سمعته يأخذا نفساً عميقاً و خطواته على البساط تقترب الى أن شعرت به أمامي تماماً. يُمكنني الشعور بِحرارة جسده و رائحة عِطره تملئ مَجرى تَنفُسي.
انا من يجب أن يكون غاضِباً عليكِ و ليس العكس. اخبرني هو لا يتحرك من مكانه.
هل لأنني عصيتُ امرك حضرة جلالة الملك؟
لا، بَل لأنكِ تبدين غير طبيعية اليوم.
حركتُ رأسي بسرعة منصدمة من أجابته و قابلت نظراته تلك لكن هذه المرة فيها حزن غريب قد جعل من قلبي يتخطى نبضة.
انا امرأة و الأمرأة لديها اسبابها بِكونها غير طبيعية لفترة.
توسعت عينيه بعد أن انتهيت من كلامي كأنه فهم شيء اخر و رأيتُ وجنتيه تَحمَر خجلاً. اخذ خطوة كبيرة للخلف بعيداً عني كأنني مَريضة املك مرضاً مُعدي.
انا، انا لم اكن اعلم. قال هو يَتلعثم بِكلماته مِما جعلني أكبِت نفسي من الأنفجار ضحكاً على خجله.
لقد فهمتني غلط ريس، لم اكن اعني ما تفكره به. بل فقط، ماحدث بيننا، انا،
بَررت له قبل أن يصبح وجهه أحمر كالدِماء.
أوه. كان كل الذي قاله قبل أن يتحرك من جديد و يكمل فك أزرار قميصه و يخلعه أمامي.
ظِلاله عادت لِمكانها على جسده العَضلي، تزحف كالثعابين ببطء شديد في كل مكان، من أسفل ظهره، لظهره كله تَصل للأعلى و الى القليل من رقبته. في كل مرة أراها فيها و مَهما رأيُتها بِمختلف الأماكن فَدائماً ما تُدهشني و ترسل الرعب إليّ لشكلها المُخيف مع انها تبدو كالوشوم على الجسد لولا كونها حية تتحرك كالمياه السائلة عليه.
هل تَندمين؟ رفع رأسه بعد أن وضع قميصه الذي خلعه على السرير و حدق بي بِصبر.
لا، لا أندم. أجبته بِسرعة قبل أن افكر حتى.
أنتبهت أنَ عينيه رَقَت و عاد إليها الضوء و اللمَعان كأنني كنتُ انا التي امنعها مِن التوهج.
إذن اين المشكلة تاليا؟ لماذا لا تدعيني--
ألا ترى ما الواضِح ريس؟ ألا ترى انني مُختلفة عنك؟ لماذا يجدر بي اللفظ بالكلمات بِصوت عاليٍ لكي تفهم؟
مُختلفة عني؟ هل تقولين هذا لأنكِ بشرية و انا جني؟
هززتُ رأسي بالنفي ثم فتحتُ فمي لكي اشرح له ما اعنيه
هذا سَبب من أحد الأسباب التي سوف تنمعنا من
لم اعد استطيع التكلم، غَصة كبيرة قد عَلِقَت بِحلقي و صدري و منعتني من أكمال جُملتي. اريد البُكاء و الغرق بدموعي لأنني اعترف انه قد وضع تأثيراً عَليّ منذُ اليوم الأول الذي رأيته فيه. انه رجل قد غَزة من عقلي ليلاً و نهاراً من دون أن يأخذ أذنً.
اريد عناقه و تقبيله و البقاء معه كل يوم و كل لحظة لكني لا استطيع، فِكرة انه أولاً مَلعون و لعنته تَمنعه من الأقتراب لفترة طويلة مني و ثانياً، انه ملك يوماً ما سوف يتزوج بِملكة تجلعني ابتعد عنه للأبد.
ماهذه الأفكار التي أوقفتكِ عن الأكمال تاليا؟ دعيني امسحها من رأسك أرجوكِ. انتِ تخيفينني كثيراً.
اعادني صوت ريس للواقع قبل أن أضيع بِعالمي.
لا يوجد سبب ليمنعنا ابداً مَهما كان مستحيلاً. أكمل هو لأنني لم أجيب على سؤاله.
أقترب مني بِحذر يضع ساق أمام الأخرى الى أن وصل إليّ يقف طويلاً و ينظر لي مُنحَني الرأس. شعره على جبينه يُغطي حواجِبه و رموشه الطويلة. الظلام الذي على جسده العاري يتحرك بِشكل أسرع من قبل و يُغطيه باللون الأسود كالحِبر.
لكون الأمر اصبح روتيني رفعتُ يدي لا إرادياً و لمستُ بَطنه حتى أشعر بِدغدغة في كف يدي و برودة بالمنطقة الى أن تحركت الظلال من جديد و أختفت أسفل يَدي. حركتُ يدي مجدداً أرفعها من دون ابعادها عن جلده الى الأعلى أشعر بِجلده ناعِم يلمع بِسبب ضوء الشمس و ثبتُها على صدره أدَع من ضربات قلبه تَصلي لي.
لمسي له يَسحب طاقتي و انا على عِلم بذلك لكنني تجاهلت الأمر و أكملت التحديق بيدي عليه. انه جميل و عملاق و دافئ و يبعث بالطمأنين و كل شيء قد أتمناه. في هذه اللحظة تمنيتُ لو أنَ عائلتي معي بجانبي، لتخبرني ماذا يجب أن افعل. على الأقل كانوا ليدعَموني في قراراتي و يُساعدوني حتى لا أعلق هنا مُحتارة لا اعرف كيف أكمِل الطريق.
في بعض الأحيان، على المرء اخذ المُجازفات لكي إما أن يتعلم منها أو يوصلها لطريق لطالما ما. و انا هنا معه اقف أمامه صغيرة الحجم مقارنتاً به، اتمنى لو كل مايحدث في الحياة سَهل و هَيين. لماذا على كل شيء جميل في الحياة أن يكون إما صعب المَنال أو لا يدوم طويلاً؟
انا الأن اعيش لنفسي و ليس لغيري. اعيش لأرضاء نفسي فقط و لا أحد اخر لهذا رميتُ ما يقلقني و يحزنني، ما يزعجني و يبعدني عن سعداتي ثم اخذتُ خطوتي الأبدية التي من غير المُمكن إعادتُها و مسحها من هذا التاريخ.
أقتربتُ منه أكثر لأضع جَبيني على صدره اسمع نبضات قلبه بِشكل افضل كأنها لحن رقيق أحفظه و دفئه يصل إليّ. شعرتُ بِريس يُحرك ذراعيه و يضعها حولها يَضغطني له أكثر. وضع فمه على رأسي مِن دون أن يفعل شيء اخر لفترة من الصَمت الجميل بيننا.
انا اعدكِ، اعدكِ انني سوف احميكِ و ابقيكِ بأمان الى اخر انفاسي. لن اجعلكِ تتألمين و تتأذين. كل ما تطلبينه سوف ينفذ و قلبي لكِ مفتوح، سوف اجعلكِ بِسعادة كما تفعلين معي الأن.
هو هَمس على شعري بِرقة يجعل من قلبي يخفق بِتهور و يرسم بَسمة صغيرة على شفتاي.
حركتُ رأسي لأقبل جلد صدره بِحنان و أوصل إليه جوابي بدلاً من الكلمات. يبدو انني سيئة جداً بالحديث عندما اكون في وضعيات كهذه. رَجفي من الفرح لا يوصف و قلبي الذي سوف يخرج من صدري لا يتوقف حتى فراشات بطني تُحلق و تدغدغني. انه شعور الكلمات تعجز عن اعطائه العدالة و قليلة بِحقها فهذا الرجل إما سيكون بِدايتي أو نِهايتي.
و بعد تفكير ملياً بالأمر فلم اعد ابالي ابداً بالذي سوف يجري مستقبلاً و خاصتةً انني بينَ ذراعيه و بعد سماع كل حرف منه يصل لي كَنسمة الهواء المُنعشة الرقيقة. في الأخر إن قررت الحياة اغلاق ابوابها عَليّ كالعادة فأنني سوف اكون مُستعدة للقبول و الوقوف أمام ابواب اخرى غيرها وَحيدة أو غير موجودة.