رواية تحت الغطاء الأسود الجزء الأول للكاتبة مينار الفصل التاسع والخمسون

رواية تحت الغطاء الأسود الجزء الأول للكاتبة مينار الفصل التاسع والخمسون

رواية تحت الغطاء الأسود الجزء الأول للكاتبة مينار الفصل التاسع والخمسون

لم أكن اعلم كم أنَ الحروب متعبة و تأخذ كل الطاقة مع الوقت و تجعلك تغرق بالأعمال. لقد اخذ منا اسبوعاً كاملاً اخراً لِلتحرك بعد أن وصلنا خبر أنَ غادان بدأ بالتحرك مع جيشه شرقاً الى نهر الكريستال. نحنُ اخذنا جيوشنا و توجهنا الى مملكة أريزو (مملكة الغابات) بِما أنَ موقع التخبئة و الأستعداد هناك بالقرب من المملكة على جبل زانو، بعيداً عن النهر لكن موقعه أستتِراتيجي مُناسب لنا و لِلتخيم.

هل تشعرين بالجوع؟ سألني ريس يمسك بِسلة الطعام التي اعدَدتُها بِنفسي مع جيانا قبل مغادرتنا لأراضي أسليراً لنتوجه لوجهتنا.
هززتُ رأسي ثم أجبته ارُسِل له أبتسامة صغيرة
انا بخير، انتَ تناول إن شأت، لا تنتظرني.
حسناً.

فتح ريس السلة و اخرج قطعتين خبز بينهما بعض الجبنة و اللحم اللذيذ و بيده الأخرى اخذ خِيارة صغيرة بعدها اغلق السلة و اعاد وضعها الى مكانها بِجانبه في العربة. علاقتي مع ريس منذُ ذلك اليوم الذي حاول إعادتي الى عالمي و عندما اعترف لي بِكُل شيء امامي محاولاً إخافتي لكنه بالطبع فشل، اصبحت اقوى.

علاقتنا لم يعد بينها عوائق أو اية شيء ليُبعدنا عن بعضنا غير الموت. لم يعد ريس يُبعدني عنه أو يحاول التصرف عني بأمور تتعلق بي. لقد اصبح متفهِماً، يعلم انني مهما كلفني الأمر، سأختار البقاء معه للأبد، و العودة لعالمي اصبح موضوعاً ليسَ لِلنقاش أو التفكير به حتى.

موطني هو أسليرا منذ اليوم الذي اصبح لدي اشخاص من حولي، يحمونني و يحبونني كالعضو المهم في حياتهم و كأنني جزء من عائلتهم. منذ اليوم الذي اصبح قلبي ينبض لريس و لكل ثانية اقضيها بِجانبه.

الموطن، هو المكان الذي يوجد فيه مَن تحبهم و المكان الذي تشعر به بالأمان و الراحة، المكان الذي تشعر فيه بأنكَ مُرحَب بِك ليس ليوم، لأسبوع، شهر أو سنة، بَل لمدة الحياة و هذا العالم، هو موطني. اعلم انني سأكبر و اتقدم بالعمر لأصبح عجوز عاجِزة و ضعيفة بينما الباقي سيبقون شباباً اقوياء، لكني لن اسمح لنفسي بالتفكير بهذا الموضوع لوقتٍ طويل، سأفعل ما يمكنني لحِفظ و الأستمتاع بِكُل لحظة مع مَن أحبهم الى اخر نفس اخذه.

تاليا. اخرجني صوت ريس مِن فقاعة افكاري ليُعيدني للواقع، اليه.
هممم. هَمهَمتُ انا ارفع رأسي لكي انظر له ينظر لي بعيون مُضَيّقة يمضَغ اللُقمة التي بِفمه و يبلعها.
هل انتِ خائفة؟
رفعتُ حواجبي بِحيرة ارمش عليه بِجفوني لم افهم ما يقصده بِخائفة.
من ماذا سأكون خائفة؟
من الحرب. فأنتِ لم تخوضي امراً كهذا من قبل.

لم أرُد عليه أو اتفوه بِكلمة لفترة اعتقد طويلة كِفاية ليأخذ ريس قضمة اخرى مِن سندويشَته و يمضغها ثم يبلعها مازال ينتظر إجابة مني.
لستُ خائفة من شيء و انتَ معي. قد املك بعضاً من هذا الخوف، عليكم انتم أكثر من نفسي أو من فكرة الحرب اساساً، لهذا نعم، خائفة عليكم و لكن ليس عَليّ انا.
وضع يديه التي تحمل الطعام على حضنه و اخذ يحدق بي ينظر بِعيناي الشهل، التي تشبه عيون امي ثم قال.

انا خائف ايضاً عليكِ أكثر من نفسي. انا خائف على جيشي و كل من أحبهم لكونهم معي سَيُشاركوا بالحرب بِجانبي. اخاف عليهم أكثر من نفسي بكثير، وجودكم معي في هذه اللحظات يُرعبني حتى العظم و انتِ،
وضعتُ يدي على ركبته اشعر بِدفء جسده يصل لي ثم أبتسمتُ له بِكُل حنان.

انا اتفهم، لا بأس. كل شيء سيكون على ما يرام، سوف نفوز و نحطم جيوشه. نحنُ اقوى و افضل، قد نخسر الكثير، لكن لِلفوز اهمية لكي نحمي ليسَ أسليرا فَحسب، بَل العالم كله، حتى عالمي كذلك.

أومئ هو بِرأسه يوافقني الكلام و يُعيد الأبتسامة لي لكنها حزينة لا تصل لِلعينين. كم رأيتُ قوته و شجاعته و ثباته بِكُل حركة و كلمة و فِعل، لكن هنا في هذه العربة معه لوحدنا، أراه مختلفاً، أرى حقيقته أسفل ذلكَ الغطاء الأسود. أرى رِقتُه، ضعفه، خوفه و تردُدُه. يجعلني أحبه أكثر و أكثر لِصراحته معي و لِخلع ذلك الغِطاء ليُريني شخصيته الحقيقية معي لا غيري. لا احد مثالي، مع انني رأيته مثالي لا مَثيل له بِنظري، لكني كنتُ مخطِئة، انه مثالي بِنظري لكنه كالجميع، لديه جانبه الضعيف و جانبه القوي الذي يبهرني كل يوم به.

بعدَ ايام من السفر الشاق، وصلنا لأراضي مملكة أريزو، التي كما يسمونها، مملكة الغابات بِحق. انها خضراء، خضراء كأنها لا تعرف إلا هذا اللون. اشجارها الطويلة التي تصل لِلسماء بأوراق مَطَرية طويلة تصل للأرض كأنها سَتائر. الأرض و التربة نظيفة و طينية، لكنها مليئة بالأعشاب الخضراء جداً، لدرجة، ظننت انني سأغرق بها إن وضعتُ قدم فوقها. بِما انه فصل الشتاء، السماء داكِنة تغطيها غيوم سوداء تهطل المطر منها بدلاً من الثلوج، تجعل الغابات من حولنا مائية تلمع كالألماسات في كل مكان.

اخبرني ريس انه هنا في هذه المملكة لا يوجد ثلوج في فصل الشتاء، بَل امطار غزيرة فقط كما يحدث كل فترة في اية فصل، لهذا هذه المملكة خضراء بِكُل فصل، لا يتغير شيء بِها كأنها مصنوعة لتكون قوية شابثة لا تتغير حتى مع تغير الفصول كل سنة. عندما فتحتُ النافذة لكي انظر الى كل شيء بِشكل افضل، ضربتني رائِحة مُنعشة من المطر و التربة و الأعشاب، جعلتني اخذ نفساً عميقاً املئ به صدري بهذه الرائحة الجميلة، اتمنى لو لا ازفرها من فمي لكي ابقيها معي أينما ذهبت.

ياله من خيال و جمال ساحِر. تمتمتُ انا اقترب من النافذة أدع الأمطار تغسل وجهي و اغلقتُ عيناي اسمع لِصوت البرق و المياه التي ترتطم بِأوراق الأشجار.

كل ممكلة تتمتع بِسحرها الخاص. مملكة أريزو بأمطارها و جمال غاباتها، مملكة فالينيا. بِفصلها الذي لا يتغير من الربيع و سحر ازهارها الملونة. مملكة كاداري (مملكة الضوء) تمتاز بِجمال نهارِها، فأنَ الشمس تبدو اقرب لكن ضوئها و حرارتها لا تؤثر بالمملكة ابداً، فقط تُنيرها عن قرب. مملكة البحار تتمَركَز أسفل البحار، مِن اسمها تمتاز بِبحارها، لا يتغير الفصل عندهم لكونهم أسفل المياه.

كيفَ يمكن لمن ليسو مِن مملكة البحار، الذهاب الى المملكة بِما انها أسفل البحار؟ انا سألته بِحيرة كبيرة و فضول مرسوم على وجهي.
نحنُ جنيات تاليا، لدينا سحر لم تَري مثله في حياتك. يمكننا وضع تعويذة خاصة تُغطي رأسنا اجسادنا بِفقاعة كبيرة مليئة بالأوكسجين حتى ننزل لأسفل المياه من دون أن نتأثر أو نغرق. كأننا جزء مِن المملكة.

هَمهَمتُ أومئ رأسي بالتفهم و احاول تخيل المملكة التي لم أراها من قبل في رأسي. بِكُل تأكيد انها مملكة خيالية رائعة كَكُل الممالك التي زُرتها و التي يوماً ما سأزورها، إن عشت لتلكَ الأيام مع ريس.
ماذا عن مملكة سنويان؟ لم تتكلم عنها. تذكرتها لهذا سألت.
تنهد ريس بِشدة ينظر عبر النافذة كأنه يتخيلها ثم أجابني و في نبرة صوته بعضاً من الحزن و الأنكِسار.

انها مملكة جميلة جداً، لكن عيبها الوحيد أنَ فصل الشتاء لا يتغير. مليئة بالثلوج و البرد، بيضاء كأنها لوحة مرسومة بيد فنان لا يوجد منه أثنان. شعبها لطيف جداً و الطف من ما تتصورين، لكن الأحمق كيجا، الغبي كيجا قرر دعم شادونايت لكون غادان الوحيد القريب من مملكته يدعمه بالطعام الذي لا يمكن أحوائه بِسنويان لأن كما تعلمين في فصل الشتاء يمكن لِلكثير من النباتات بالنمو و الطعام ولكن بعضه لا يمكن زِراعت بذوره بِسبب الفصل البارد.

لهذا الملك كيجا يتعاون مع غادان في هذه الحرب؟ من اجل الطعام؟
هزة رأسه لا يوافق ثم أكمل كلامه و في نبرته حزن ظاهر، يمكنني التخمين أنَ الملك كيجا كانَ قريباً من ريس، في الماضي.

والد كيجا و والد والده، اجدادهم دوماً ما كانوا بائيسين و كئيبين لا يعرفوا ماذا يفعلوا بالبذور التي لا تنبت في مملكتهم. مع انهم يملكون طعاماً جيداً و سحرهم يدفء منازلهم للأبد و مع ذلك الملوك القُدماء قررو المحاولة كثيراً لجعل اراضيهم تنبت الطعام الذي يتمنوه الشعب.

لِكل مملكة ميزة و شيء مختلف، لِماذا التهور و التفكير بالذي لا يكون مشكلة لكي يصبح مشكلة؟ انا سألت نفسي أكثر من ريس انظر الى يداي التي تَستريح على حضني.
الجَشَع! انه الشيء الوحيد الذي يُحَوِل من الجميل لِلبَشِع. الجَشَع الذي يُريكِ انكِ مازلتِ لا تملكين شيئاً مع انكِ تملكين كل ما تتمنيه. جشع تلكَ الملوك جعل من غيرتهم تنمو لتصبح هوساً في قلوبهم.

هل يمكن لِلملك كيجا أن يُغير رأيه إن اتى و اجتمع معنا في ذلك اليوم مع باقي الملوك؟
لهذا رفض الانضمام لنا. لأنه يعلم انه سيغير رأيه إن اتى ذلك اليوم. كيجا عنيد، لا يحب الأستِماع لأحد غير نفسه. لهذا مهما حاولنا إقناعه و مهما حاولنا أن نريه انه مخطئ، سيرفض لأنه يرى ما يفعله صحيحاً. هوس، هوساً لِلسلطة و القوى كما يحدث مع غادان.

ياله من شيء محزن، مُثير لِلشفقة و خائِب لِلظنون. ملك لديه مملكة جميلة و شعب لطيف كما أدعى ريس، يرميها لِحَتفها و سَكب الدماء فقط من اجل القوى. بعض العقول مريضة يجب تدميرها حتى لا تُثمِر لِتَنتشر بينَ الأخرين، إصلاح تلكَ العقول شبه مستحيل، لأنها مَبنية على تلكَ الأعتقادات و كَبُرَت لكي لا تعرف اية شيء غير الذي كُبُرَت عليه. شيء محزن جداً جداً.

اتمنى لو أن الحروب غير موجودة، ما الذي سيحدث و يتغير إن اصبحت القوى الشيء الوحيد المهم في الحياة؟
ما الذي سَيستفاد منه العالم من وراء الحروب إلا الموت و سَفك الدماء؟ الأبرياء و الضعفاء من تموت بينما الأقوياء و الأنانيين من تفوز و تعيش ليُكملوا حياتهم على عروشهم ينظرون للأسفل على العالم. يدفعون مَن يتسلق درجات السلالم لأجل المال و السلطة.

ارتعش بدني بأكمله على فكرة الحرب. انها تجعلك تخسر اعز الأحباب و كل من تبقيهم في حياتك كالكنوز في حياتك.
كيفَ لي أن اساعد ريس؟ كيف لي أن أكون جزءاً من هذه الحرب، لا اريد الجلوس و المشاهد، دعني، دعني أكون عوناً و جزء من الذي سَيحدث. اخبرته انا انظر اليه مُمسكة اللعَب بأظافر يداي.
حدق هو بي لِلحظة كأنه يفكر إن ما يجب عليه الموافقة أو الرفض.
انه خيارك تاليا، انتِ قرري.

تفاجأتُ من كلامه، متوسعة العينين انظر اليه كأنني أراه لِلمرة الأولى. هل هو جاد ام انه يمزح؟
لكنني لم انتظر لِلمعرفة لهذا سألته رافعة الحواجِب لِلأعلى
انتَ تعني انه يمكنني اختيار كيفَ يمكنني المشاركة؟ كما اريد؟
أومئ هو بِخفة يبتسم و يجعل من قلبي يخفق على وسامته و رقته كُلما أبتسم.

بعد الذي خُضناه سوياً، بعدَ كُل المشاكل، قررتُ انه من حقكِ أن تعيشي كيفما تتمنين تاليا. انتِ سيدة نفسك، انتِ من تقرري إن ما كنتِ تريدين البقاء أو الذهاب، الذي فعلته معكِ منذُ ايام لم يكن لأنني اريد التحكم بكِ أو اخذ القارارت عنكِ، بَل لأنني كنتُ خائفاً، خائفاً من فقدانك، من خسارتك. ومع ذلك فكرتُ طويلاً، أنَ الحرب قادمة و على الأبواب، إن ابعدتكِ عني أكون قد خسرتك حقاً، في هذه الحرب، لا احد يعلم إن ما سأعود أو سَنكون سوياً، لهذا اريد قضاء الوقت معكِ كله، سأبقيكِ بجانبي و لن ادعكِ. و إن كنتِ تريدين المشاركة في ساحة الحرب حتى، فأنا لن اوقفك.

وقفتُ من مكاني مُنحنية الرأس لكون سقف العربة ليس بعيداً ثم ابعدتُ السلة من جانبه لكي اجلس مكانها، اشعر بِدفء جسده يصل لي. اسندتُ رأسي على كتفه و امسكتُ بيده الناعِمة اشابك اصابعي بأصابعه، اشتم رائحته الجميلة، أدع من ذراعه العضلية تَلتَف حولي لِتشعرني بأمانِه، هنا، معه.

اريد المقاتلة معك، لأجلك و لأجل أسليرا، المملكة التي فتحت لي اذرعها لتعطيني بيتاً اماناً اعيش فيه مع الجميع و معكَ انت. اريد الأمساك بيدك حتى في الحرب، اريد الوقوف بِجانبك و القتال معك لأخر نفسك، من اجل أسليرا. لن تموت لوحدك، لن ادعك تذهب و تتركني ورائك.
هَمستُ انا اخر جملة و ضغط هو على يدي بِلطف يخبرني انه يتفهمني و انه يفكر مثلي.

قَبلني هو على جَبيني ليَعُم الصمت المتفهم من حولنا، نسمع اصوات تساقط المطر على أوراق الأشجار العملاقة، نسمع هَمساتها المليئة بالوعود و نبضات قلوبنا المتناغمة، انفاسنا الهادئة المنتظم. حتى لو لأخر يوم، سأبقى مُتمسك به كما تمسك بي.

رحب بِنا الملك تيريان بِمملكته مع خدمه في قصره. ارتحنا ليومٍ كامل، نستعد جيداً قبل العودة لِلطريق لنكمل طريقنا الى الجبل، موقعنا الخاص لِلتخييم هناك. مازالت الأمطار غزيرة حتى عندما وصلنا لِلجبل و الى المخيم المقيم هناك. في الحقيقة، اخبرنا تيريان، أنَ الأمطار في فصل الشتاء تتوقف بالشهر اربع مرات فقط و ليومٍ واحِد. لهذا حَظَنا أنَ الحرب في فصل الشتاء و على ما يبدو من الغيوم السوداء فوقنا، أنَ الأمطار لن تتوقف ابداً.

خرجتُ انا و ريس من العربة عندما توقفتُ، لأرى امامي خيمات بيضاء و بُنية في كل مكان، كل واحدة كبيرة كفاية لتسع عشرة اشخاص تقريباً. جنود مُدرعة و منها الذي يرتدي ملابس عادية لكن على خصرهم اسلحة، في كل مكان. بعضهم مَن يجلس على أخصان شجر يأكلون، يشربون أو يتحدثون بين بعضهم. الأخرين يتقاتلون لِلتحمية، يرون إن مازال الجميع مستعدين لِلقاتل في الساحة. و الأخرين فقط في خيماتهم بين الدفء و الأمان من هذه الأمطار القوية التي قد تُغرِق مَنزلاً في ثوانيٍ.

اهلاً بكم في المخيم! فجأة خرج الملك فالين امامنا و بِجانبه كالعادة، خادمه مايكا.
لقد وصلت قبلنا. قال ريس كَترحيب.
أحِب أن أكون الأول بِكُل شيء. ضحك فالين و هو يرد على ريس ثم اعطاني غمزة جعلني اُدير مقلتاي عليه.
ما رأيكم لو نذهب، الى الخيمة لكي نتحدث بشكل افضل. اقترح عليهم تيريان يُشير لأكبر خيمة، بيضاء اللون موجودة في المخيم.

أومئ الجميع بِرؤسهم بالموافقة و بدأو بالتحرك. وضع ريس يداً في جيبه و الأخرى امسك يدي بها، ينظر لي من خلال كتفه مِن دون وجود مشاعر على وجهه الوسيم. اعلم انه قد وضع القِناع المَلَكي الخاص به، و مع ذلك، أرى ما أسفله حتى لو وضع الفَ قِناع ليُخفي شخيصته الحقيقية امام العالم، يمكنني مِن على بُعد أن أرى من هو.

رفعتُ زاوية شفتاي للأعلى اعطيه أبتسامة صغيرة ثم اخذنا خطواتنا وراء المَلِكين نَلحقهم الى الخيمة و ندع الحراس يُغادرون العربات ليُنَظِموا الأغراض و اسلحتهم حتى يستعدو. بيتر، تيلار و أدلار و بالطبع بعضاً من اعضاء المجلس، هُم من أتوا معنا لِلمخيمات، الباقي اخبرهم ريس أن يعودو لأسليرا لكي يهتموا بالمملكة لكون ملكهم غير موجود. الأعضاء الذين أتوا معنا هُم روين كلاوديو الرجل صاحب الشعر الأشقر و بالطبع ويليو امادين الرجل النبيل داكِن البشرة بِرقعة العين التي مازلتُ لا اعلم ما قِصتها و ارفض السؤال عنها.

دخلنا الخيمة التي يحرسها اربعة حراس لا يتحركوا كأنَ عليهم تعويذة تمنعهم من التنفس أو تحريك جُفن. في الخيمة الكبيرة سَرير صغير في الزاوية اليُسرى و ثُريا صغيرة مليئة بالشموع للأنارة و أسفل الثُريا، طاولة كبيرة و طويلة عليها أوراق مُكدَسة قوف بعضها و اقلام مختلفة مع الحبر و الريش. على اليمين توجد كراسي و مِنضدة صغيرة فوقها كؤوس زجاجية و ابريق ماء شفاف. المكان رائحته تُراب و خَشب، لا يوجد اية شيء مُميز بها، إلا انها تُسمى خيمة الأجتماع.

هُنا يا سادة مكان التخطيط و خيمتنا الرئيسية. قال تيريان يرفع يديه مِن كِلا الجهتين.
أكمل فالين خطواته الى الطاولة ينظر على شيء مَمدود بالمنتصف، اعتقد انها الخريطة. انا و ريس ذهبنا لجانبه ننظر لِلخريطة كذلك.
هل جميع الجنود هنا؟ هل مازال علينا انتظار المزيد؟ سألهم ريس ينظر من فالين الى تيريان يترك يدي ليضعها بِجيب بنطاله الأسود.

اقترب تيريان من الطاولة يقف مواجِهاً لنا من الجهة الأخرى يحدق بالخريطة كأنه يرى الممالك امامه تطفوا.
نعم. كل شيء جاهز، اننا فقط ننتظر الوقت المناسب.
رفع تيريان رأسه، يحرك عينيه على ريس ليُكمل
لايتا سَيصل اليوم قبلَ غروب الشمس. سيون جاهز في ممكلته، و لقد امر جنوده بالحذر من اية سُفُن غريبة في البحار قادِمة. جنود لايتا هنا بالفعل بالمناسبة.
اينَ هو إذاً؟ سأل ريس يرفع حاجباً حاداً عليه.

لديه بعض الأعمال المهمة لكي يعطيها لأخته قبل قدومه، فأنتَ تعرف، انه سَيترك عاتق و مسؤولية ممكلة خلفه من اجل المشاركة بالحرب بِجانبك.
لم يفعل أو يقول ريس المزيد، انزل عينيه لينظر لِلخريطة مجدداً ضائِع بها.
لقد ظننتُ انني انا من يتأخر. قال فالين من مكانه يضحك.
وقفَ تيريان مُستقيماً يتنهد بِخفة ثم قال يُريح يده على سيفه المعلق بِخصره الأيسر ثم اخبرنا بِثبات بنبرته الرجولية.

سوف اعود لمملكتي فور وصول لايتا لِلمخيم.
أرجو أن تهتم جيداً بالغابات و أن تخبر مخلوقاتك فتح اعينهم جيداً في الغابات لكي تُحذرنا إن ما وصلوا جنود غادان و كيجا الينا. ذكره ريس بِصوت صارم ملكي.
أومئ تيريان رأسه ثم التفتَ يعطينا ظهره ليتوجه خارج الخيمة، يتركنا لوحدنا مع فالين الذي ينظر الى مكتبة صغيرة في جانِب الخيمة. فيها كتب و أوراق كثيرة.
لقد مرت فترة منذُ أن رأيتُ كُتب عن الحرب.

قال فالين مِن دون النظر الينا يُمَرِر اصابع يديه على كُل كتاب كأنه يشعر بالكلمات المكتوبة على اصابعه و يعرف كل شيء في داخلهم كأنهم مُنفتحين امامه.
اتمنى أن لا تراها مجدداً. ردَ عليه ريس يتحرك من مكانه ليذهب الى الجهة الأخرى من الطاولة الى نفس المكان الذي كانَ تيريان يقف فيه ثم وضع يداً فوق الخريطة، المليئة بالعلامات و الأسماء لكل مملكة و موقع.

الحرب جزءاً من العوالم كُلها يا صديقي. إن شأنا ام أبينا، سنخوضها لأخر نفس.
و يا له مِن امر مُحزن.
هَمهَم فالين قليلاً و انا تحركتُ الى المِنضدة اسكب لنفسي بعضاً من المياه في كأس ثم اخذتُ رشفة كبيرة أروي فيها عطشي المُفاجئ. رؤية الأسلحة و الجيوش في الخارج حتى فكرة الحرب و اننا و صلنا لهذا المكان جعلني اصبح جافة الحلق كأنني انا رِمال الصحراء نفسها.

لقد تذكرتُ أن اخبرك. أنَ قائد قبيلة بيلافي و جيشه ايضاً موجودين، لكن كما تعرف انهم ليسو مِن مُحبي الأمطار، ينتظرون في خيمَتهم. و ذلكَ البشري صاحِب البَنك الكبير في أسليرا ماذا كانَ اسمه؟،
أيزاك ميلار. انا ذكرته لينظر لي فالين رافع الحواحب مندهش.
انتِ تعرفيه؟
و الأن اصبح اهتِمام ريس انا و ليس الخريطة عندما ذكرتُ اسمه.

نعم. لقد قابلته أول مرة في حفلة من حفلات، لوثر، منذُ سَنتين تَقريباً و منذُ ذلكَ الحين و انا أراه من فترة لفترة.
نعم بالطبع. انه بشري يعمل بِقصر ملكك لهذا سَتتعرفي عليه. أومئ هو بالتفهم يُعيد انتباهه لِلكتب من جديد و ريس أحنى رأسه ينظر لِلخريطة كما كانَ يفعل.

انه رجلٌ ذكي، قد يبدو مُجرد رجل بشري يمتلك بنوك مصرفية في الكثير من الممالك إلا انه بِعقلك ذهبي. كلما جلستُ معه و تناقشنا حول امور مختلفة، دوماً ما يبهرني بِتفكريه الغريب.
أكمل فالين بعد صمت قصير يلتَفِت اليّ يضع يديه في جيوبه و يستند على المكتبة التي لم تعد تَهمه الأن.
لم اجلس معه كفاية لمعرفة طريقة تفكريه لكن بطريقةٍ ما اوافقكَ الرأي. انا اخبرته اجلس على كرسي مازلتُ ممسكة بالكأس الفارغ.

وَجَه فالين كلامه الأن لريس قائِلاً
سوف يَحضر مع لايتا.
أكتفى ريس بتحريك رأسه لا يتحدث.
هل اخبركِ سره؟ وَجَه لي فالين السؤال.
حركتُ رأسي بِسرعة لِلحظة ظننتُ انني سأقتلِعَه من مكانه ثم حدقتُ بِفالين لفترة ارمش. ريس في الجهة الأخرى اعاد انتباهه لفالين لكنني لم أرى ردة فعله لأنني أرى الواجِهة الخلفية من رأسه.
لقد طالَ شعر ريس، يبدو حريرياً أكثر و هو طويل.

انا قلتُ لِنفسي احدق برأسه من الخلف لأعيد انتباهي مرة اخرى لفالين.
ما هو هذا السر؟
الم تسأليه و لو لمرة كم عمره؟
هززتُ رأسي بِ لا ثم أكمل هو يبتعد عن المكتبة و يتوجه لجانب ريس يضع ذِراعاً حول كتفيه.
يبدو انَ ريس لم يخبركِ بأمر الساحِرات ايضاً.
وضعتُ الكأس من يدي على المنضدة ثم اعطيتُ كامل تركيزي لهم اعيد ظهري على الكرسي اتكَتَف و اضع ساقاً فوق الأخرى انتظر الإجابة بِصبر.

يبدو أنَ الملكة ليسَت معجبة بأسرارك ريس. اينَ الثقة و الصراحة بين الزَوجين؟ هذه أول زوجة لك و انتَ تُعامِلها كأنها كَذلك الكُرسي الذي تجلس عليه؟
قال فالين بِمزاح يَقلِب شفتيه و هو يُمسك بيد ريس التي في اصبعه خاتِماً ذهبياً مُشابِهاً لخاصتي، لكن خاصتي عليه الماسة كبيرة تلمع تحتَ ضوء الثُريا.
نعم، لقد تزوجنا.
متى؟

قبل مُغادرتنا أسليرا. لقد قررنا كِلانا الزواج في المَعبد امام الله فقط. لم نُقِم اية حفلة أو اية شيء اخر رسمي لأخبار العالم عن زواجنا.

كُل الذين نعرفهم غَضبوا و فرحوا بنفس الوقت، لأننا لم نخبر احداً عن زواجنا بالسر، لأنه سري. لكنهم فرحوا أكثر لكوننا اصبحنا سوياً مُتصلين للأبد. العالم سَيعرف قريباً عن أنَ ملكهم تزوج مِن بشرية إن عشنا لنخبرهم. انه صعب التصديق على اننا تزوجنا، مازال شعوراً في بطني يدغدغني كلما فكرتُ انني زوجته، زوجة ريس.

ما هذا السر؟ هل لكَ أن تتوقف فالين عن التكلم بالألغاز و السخرية. انا قلتُ له اعقد حواجبي انظر لريس و له.
سأخبركِ بشيء واحد و بعدها اسألي أيزاك ليخبركِ بقصته هو و بالنسبة لِلساحرات، ريس هذا الحِمل عليكَ انت.
ابتعد عنه فالين يتركه امامي ليواجهني ثم غادر الخيمة يضحك كالأحمق يعلم انه ترك ريس في وضعٍ حرج و في مشكلة لم يكن يتوقع نفسه ليواجِهها الأن، معي.

إذاً؟ انا قلتُ لريس أخَفِف مِن تَعقيدَتَ حواجبي و انظر اليه بِهدوء و بِذلك الصبر الذي مازال متمسكاً بي.
اخذ ريس خطواته الى الكرسي المواجه لخاصتي ثم جلس عليه بِكل خفة لا يخرج صوتً كأنه مَصنوع مِن الرياح.
تنهد هو بِشدة يَسند ظهره لِلوراء و ينظر لي مُضَيّق العينين على الكأس الفارغ الذي وضعته على المنضدة.
أيزاك، عُمره يتجاوز السَبعون سنة.
توقفتُ عن التنفس.
ماذا؟ كيف؟

قد يبدو في أول الثلاثينيات لكنه أكبر بِكثير. لقد أستعان بِسحر الساحِرات و تعاويذها الغريبة لأبقائه بنفس الشكل كأنه مِن الجنيات، لا يتقدم بالسن.
لم اعد اشعر بِقلبي ينبض.
يُمكن لِلبشر فعل ذلك؟ اعني يمكنهم الأستعانة بِالساحرات لجعلهم كالجنيات؟
أومئ ريس بِ نعم ثم أكمل يشرح لي ما لا اعرف عنه.

الساحِرات يمكنها فعل ما لا يمكن لِلعقل استوعابُه ابداً. انهم يملكون قوتهم الخاصة التي لا تشبه اية شيء يخص الجنيات أو البشر نفسهم. لكن يمكن للجميع الأستعانة بهم إن كانَ لديهم ما يعطوه بالمقابل و يخسروه ايضاً.
و ما هو الذي يجب أن يعطوه لكي يعطوهم الساحرات تلكَ التعويذات لتبقيهم كالجنيات؟

يعتمد الأمر على كُل ساحِرة، فَجميهم يريدون شيئاً مختلفاً عن الأخريات. يمكنكِ اغرائهم ببعض المجوهرات الثمينة و الذهب. و يمكنكِ ايضاً اعطائهم شَعرة منكِ فقط إن أرادو و يكون ذلك كافيٍ لهم. و بعضهم يطلبونَ اشياء اخرى قد لا تَخطُر على البال.
هل تلكَ الساحرات، الجيدة منهم؟
هزة هو رأسه ثم أجابني يتحرك بِمكانه ليُمسك بِأبريق الماء و كأساً لكي يسكُب لنفسه القليل بعدها عادَ يستند على الكرسي لا يشرب من الكأس.

لا، يمكنكِ الذهاب لأية ساحرة، الشريرة أو الجيدة منهم. لكننا نُفَضِل العمل مع الجيدات، لكي نَحذَر على رِقابِنا و ظهورنا مِن الغَدر و الخِداع، فالشريرات تُحبنَ فعل تلكَ الأمور.
اعني معه حق، لهذا يسمونهم بالشريرات اليسَ ذلكَ كافياً لشرح ماهُم و كيفَ يفكرون و ما يعجبهم؟
هنا اخذ ريس رشفة كفُرصة مفتوحة له لأنني توقفتُ عن سؤاله المزيد، اُدير كلامه و كل حرف في رأسي كَعجلات العربات على الطريق.

انتَ الأن تعني أنَ أيزاك ذهب الى ساحرة و جعلها تضع سِحراً عليه حتى يَعيش للأبد؟
نعم هذا صحيح.
و ماذا اعطاها بالمُقابل؟
هذه قصة يَجب على أيزاك اخباركِ بها لأنني لا اعلم.
صمت بيننا يدع ريس يأخذ رشفة اخرى مِن كأسه و جعلني اخرج سؤالاً اخراً لا يتعلق بِأيزاك و إنما الساحرات نفسهم.
اين يمكن إجادهم؟
وضع يده التي تمسك بالكأس على فخده ثم أجابني ينظر لي بالعينين.

يمكنكِ إجادهم في كل مكان و في كل مملكة. انهم يحبون العيش في قَلب الغابات و الجِبال. مَخفيين لِلعيون التي لا تبحث عنهم و موجودين لِمن يريدهم.
كيف يمكنكَ معرفة الخير من الشر منهم؟
اخذ ريس يفكر قليلاً ينظر الى كأس الأن كأنه يتخيل الإجابة فيه.
من طريقة تكلمِهِم و منازلهم و سحرهم ايضاً.
رفعتُ حاجباً بِدهشة و هو أكمل كلامه يُبَرِر.

الأمر يعتمد على الحِس أكثر من اي شيء و يعتمد على كل التفاصيل المُمِلَ و اسماء قبيلاتهم. الساحرات الجيدة مشهورين أكثر مِن السيئة، لهذا نحنُ نحفظ اسمائهم و اشكالهم لكي لا نخلطهم بينَ الأخريات. اخيراً، رائحتهم، فنحنُ الجنيات لدينا حاسة الشم ليست لِلشم فَحسب، بَل لألتقاط رائحة الشر و الخير. لهذا من السهل علينا معرفة ايهم السيء و الجيد.

توقف من جديد يأخذ اخر رشفة من كأسه لكنه ابقاه معه و ابقى عينيه عَليّ، ينتظر مني أن اسأله كُل الذي في عقلي من فضول كبير كأعصار لا نهاية له.
هل، هل سَنستَعين بِهم بالحرب؟
أومئ بِبطء ثم أجابني بِصوت منخفض كأن ذِكر الساحرات يُخيفُه.
سوف نذهب غداً صباحاً لِلعثور عليهم.
هل يمكنني الذهاب معك؟
بالتأكيد.
و هل يمكنني الأستعانة بهم.

صمت اخر بيننا يتحول لِعبئ بالهواء كأن احد تلكَ الغيوم في الخارج فوقنا الأن في داخل الخيمة.
لماذا؟ سألني ريس مُتوسع العينين.
اريد، اريد القوة ريس. لكي اشارك بالحرب بِجانبكم. اريد القتال معكم و لا اريد البقاء هنا انتظر على أحَر من الجَمر لعودتكم سالمين. لقد تدربتُ على القتال طيلة الأشهر مع أدلار و معكَ انتَ ايضاً، لهذا أرجوك دعني اشارك دعني أستعين بِسحرهم لكي اصبح قوية مثلكم.
تاليا، انا لا اعلم. انا--.

أرجوك. لا تدعني هنا وحدي. لا يمكنني الأنتظار مع القوة يمكنني القتال كما علمني أدلار و علمتني انت،
صمتٌ اخر، فيه تحديق بيننا نتحدث بالعينين بدلاً من الأفواه. لقد اخبرني انه سَيكون دائماً خياري. خياري بأخذ القرارات لأنني سيدة نفسي.
انتِ ملكة الأن تاليا، اريدكِ أن تأخذي أسليرا من بعدي إن، إن لم اعود.

لا! إننا سَنحكم أسليراً معاً. اندفعتُ انا غاضبة اجعله يصمت لوقتٍ طويل يتنفس هو ايضاً بِغضب يجعل من صدره يتحرك بِسرعة لكنه لم يفتح فمه.
لقد اخبرتني في ذلكَ اليوم، بيوم زواجنا في المعبد. اننا سوياً، سَنعيش و سوياً، سَنموت. ماذا حدث لذلك الوعد ريس؟ هل كانَ كذباً؟
لا لم يكن! انا فقط،
توقف هو عن التحدث يَغمض عينيه و يفتحهم يخرج الهواء مِن فمه كأنه يخرج غضبه بأنفاسه.

ماذا لو طلبت منكِ الساحرة شيئاً، ثميناً لا يمكنكِ اعطائه لها؟ ماذا سَتفعلين؟ سألني هو بِنبرة هادئة لكني رأيته يضغط على الكأس الذي بيده بِشدة جعله يَنشَعِر كأنها خيوط عَنكبوت عليه.
لا اعلم، دعنا نذهب الى ساحرة جيدة لنرى ما سيحدث.
أومئ ريس بِخفة ثم نَهض على ساقيه ينظر لِلكأس بيده مُتفاجئ لكنه اعاد وضعه على المنضدة امامي ليتحرك الى الخارج و قبل أن يفتح الخيمة استدار قليلاً ينظر لي من فوق كتفه.

الن تأتي معي لخيمتنا؟
نهضتُ انا ايضاً اتوجه اليه ثم امسكتُ بِطرف اكمامه مُنخفضة الرأس انظر الى حذائي المُتسخ الأن بِسبب الطين على الأرض مُسببته الأمطار و فستاني.
انا أسفة لأغضابك، لكنني، لكنني--
اوقفني هو مُمسكاً بِذقني يرفع رأسي لكي انظر اليه. أن عينيه الفضية تلمع جعلتني اختنق بأنفاسي، كم انها جميلة كالبحر بيوم ربيع دافء.

لا تتأسفي. انا المُخطئ. لقد اقسمنا امام الله بالبقاء سوياً للأبد، حتى لِلموت سَنكون معاً، لهذا انتِ محقة، و سوف اخذكِ لِساحرة جيدة من اجل أن تعرضي عليها طلبك و إن رفضت أو طلبت هي شيئاً مُستحيلاً بالمُقابل، فَسوف نجد حلاً اخراً.
أومأتُ له بالموافقة و هو قَبلني على جَبيني بِكُل حُب و لُطف بتلكَ الشفتين الناعِمة و المُمتلئة التي لن أكُف عن الرغبة بِها عَليّ.

افكارك تسبح لي تاليا، ارفعي الجدار في عقلك قبل أن انصت لأفكارك و اُحَقِقها. قال ريس بِإغاطة يبتعد قليلاً عني لكي ينظر لي و علامات المُكر على ملامحه يجعلني احترق خجلاً.
صفعته على ذراعه العلية ارمي كَلمة بوجهه ثم غادرتُ الخيمة بِسرعة أدع مِن المطر تبرد وجهي الأحمر كأنه مُشتعل بالنيران. شعرتُ بيدين كبيرة و قاسية لكنها لطيفة جداً و رقيقة كأنها ريش على خصري و ورائي جَسَد عضلي كالسند لِجسدي.

سوف احميكِ و احمي أسليرا، سوف اعيش و تعيشين لكي نَبني عالماً افضل مليئ بالحُب و الفرح. سوف نُربي اطفالنا ليكبرو و يحكموا أسليرا كما سَنحكمها نحنُ لِمئات و مئات السنين.
اغلقتُ عيناي اسمع صوته، احفظه نبرته جيداً في قلبي، في عقلي لكي انام و انا احلم بِصوته و به كل يوم و كل مساء. حركتُ رأسي للأعلى انظر اليه يقف ورائي و ينظر للأفُق على الجيوش.
كيفَ لي أن اعيش لِمئات السنين معك؟

لقد كنتُ امزح معه احاول أن الطِف الأجواء لكن سؤالي غير مِن ملامح وجهه الماكِرة لِشيء ما قد كَسر مني في داخلي، حطمني و تركني اندم لِلفظي بِكُل حرف.
سَتعيشين، انا أحاول إجاد طريقة ما لكي تعيشين بِها معي، إن لم اجد، سأبقى معكِ حتى اخر نفس لا يهمني إن كبرتي، طالما انتِ معي فَهذا كُل ما احتاجه.

لم اعد الفظ بأي شيء، خوفاً مِن أن اجعل الوضع بيننا أكثر حُزناً و واقعياً. انا لن اصبح معه للأبد، لأنني بشرية، ضعيفة و تتقدم بالعمر كل سنة لأصبح أكبر و أكبر الى أن اتغير، و اصبح عجوزاً لا يمكنها التحرك مِن دون مساعدة أو تذكر اسمها حتى و هو سَيبقى شاباً قوياً يعيش ليراني اموت بِبطء الى أن افقد حياتي امامه اتركه وحده. أكره هذه الأفكار، أكرهها، أكرهها، أكرهها.

لكنها الحقيقة و الواقع المؤلم، انا مَن وضعتُ نفسي في كل ما يحدث لي. انا السبب لكوني معه، لكوني في هذه اللحظة و اللحظات التي قبلها و التي ستأتي. لكنني لا اندم و لو قليلاً على كل ثانية قضيتها معه، على كل نفس شاركته معه على كل نبضة بِقلبي له هو فقط. انه صديقي، رجلي، حبيبي، ملكي و زوجي. اخذتُ انظر مثله للأفُق البَعيد، للأشجار من حولنا تغطينا من العالم القاسي و القذر و الى الغيوم في السماء، مع انها سوداء إلا انها بِطريقةٍ ما جميلة تبدو كالحلوى.

هيا لنذهب الى خيمتنا. هَمَس ريس بأذني يمسك بيدي و يسحبني معه الى الخيمة الدافِئة و الجافة.
حدقتُ بيده المُمسكة بي ثم الى ظهره امامي.
و دعوتُ الى الله، أن يحمي هذا الرجل الذي أحِبُه و إن كانَ سَيأخذ إحدانا في هذه الحرب، فَليأخذني انا بدلاً عنه.

الفصل التالي
جميع الفصول
روايات الكاتب