رواية تحت الغطاء الأسود الجزء الأول للكاتبة مينار الفصل التاسع والثلاثون

رواية تحت الغطاء الأسود الجزء الأول للكاتبة مينار الفصل التاسع والثلاثون

رواية تحت الغطاء الأسود الجزء الأول للكاتبة مينار الفصل التاسع والثلاثون

ألا ارتدي فساتين بهذا الجمال دوماً؟ انا قلتُ لها انظُر لِنفسي في المِرأة أسَرِح شعري من الأطراف.
لاحَظَتُ أنَ جيانا توقفت عن ترتيب السرير، تَقِف مُمسِكة بِوسادة و تُحَدِق بي بالمرآة. أستدَرتُ إليها انا أضع المِشَط على الطاولة بِجانب المِرآة، أرمِش بِعيوني انتظر منها الى أن تتفوه بِحرف، بعد لحظات طويلة من الصمت، تنهدتُ انا بأستِسلام ثم التفتُ و عدتُ انظر لنفسي في المرأة من جديد.

اعتقد انكِ سبق و سمعتي انني سوف ابدأ بالعمل لدى المَلك من اليوم و صاعِداً. لِهذا يجب أن أكون في أفضل أحوالي لأنني سأقابل الملك.
انا اجبتها أبَرِر لها.
نعم، الخبر أنتَشَر في القصر بأكمله. لكني كنتُ فقط أغيظُكِ من أجل الرفع من معنوياتك. قالت جيانا تُقَهقِه مع نفسها و تعود للعمل.

أدرتُ مُقلتاي غير مُبالية لِسُخريتها ثم تحركتُ و ذهبتُ الى الباب لكي أخرج من الغرفة، قبل ذلك حركتُ رأسي انظر لِجيانا التي تبدو مشغولة بِنتظيف الغرفة الأن ثم فتحتُ فمي و اخبرتها
انا سوف اذهب للسيدة مورغن، لكي أخبرها بِنفسي عن الموضوع.
توقفت جيانا من تنظيف المِنضدة في منتصف الغرفة ثم سألت و الحيرة بِصوتها.

حسناً انا سوف أنَظِف بعدها سَأخرُج بعد قليل، لكن، كيف لكِ أن تَدَعي مَنصِبكِ كَرئيسة خدم للبشر و هُم لم يَجِدوا واحِدة تكون بِمكانك بعد؟
هَمهمتُ انا أفَكِر بِكلامها جيداً، لم يخبرني ريس انه توجد فتاة غيري تأخذ مكاني، لهذا أعتقد انه يجدر بي سؤال السيدة مورغن عن الأمر عِندما أراها.
لا تقلقي، سوف اتأكد من وجود أحداً قبل أن أترُك مكانتي هنا.

أومأت هي لي بالتفهم ثم عادت لِعملها و انا خرجتُ من الغرفة مُتجِهة لِغرفة الأجتِماع لِمُقابلة مورغن بعدها فوراً سأذهب الى ريس.

طرقتُ انا ثلاث مَرات على الباب الموجود في الرُدهة المَليئة بالخادِمات التي تعمل بِكل جُهد و مشغولة بِأعمال لا نِهاية لها. بعضهم رحبوا بي بِهَز رؤوسهم من دون التوقف و بعضهم فقط نظرو لي بِعيون فضولية، أنتبهت أن فيها بعض الغيرة...
تفضل! سمعتُ صوت السيدة مورغن يقول من داخِل الغرفة و انا فتحتُ الباب بِخفة أدخل للغرفة الواسِعة و أغلق الباب ورائي.

أنحنيتُ بِجسدي للسيدة التي تجلس في رأس الطاولة و هي تَضَع ذِراعيها على الطاولة، مُتشابِكة اليَدين تحدق بي بِعيونها البارِدة.
تعالي سيدة هارث و أجلسي هنا. قالت هي لي تُشير الى إحدى الكراسي الموجودة على يمينها.
انا أنصتُ لها ثم تحركتُ و أخذتُ اجلس على الكرسي من دون اصدار اية صوت. أخذتُ نفساً عميقاً و رفعتُ رأسي انظر لها بِثقة و شجاعة لكي أخبرها بِالذي يَجول في بالي و الذي سيحدث بدأ من اليوم.

سيدتي أعتقد انكِ تعلمين عن الخَبَر الذي أنتَشَر هذا الصباح. لِهذا انا هنا أخبركِ شخصياً، انني رسمياً أتنحى عن مَنصبي كَرئيسة خَدم.
أومأت هي بِرأسها ثم قالت لي بِنبرة هادئة
انا أتفهم سيدة هارث، انتِ فتاة قد عملتي بِجهد و بِمسؤولية كبيرة مُنذُ قدومك الى هذا القصر. لم يكن وقتاً طويلاً، لكنكِ أكتسبتي مَحبة الجميع و احِترامَهُم و انا مِنهُم ايضاً.

تجمدتُ بِمكاني مُندهِشة من الذي تَفَوهَت بِه مورغن بهذه النبرة الحنونة و الهادئة و دخل أذاني...
هل وَقَعَت على رأسِها هذا الصباح؟ أم شَرِبَت شيئاً فاسِداً؟ كالحَليب مَثلاً؟
شُك، شُكراً لكِ سيدتي انا مُمتنة على كلامك. في الحقيقة أحب عملي و أحب العيش هنا مع الجميع. بدأتُ بالشعور بالأنتِماء لكم.
انا أجبتُها بِتوتر أحاول تَجميع شُتاتَ نَفسي، لكنني بِنفس الوقت سَعيدة بِكلامها؟

لا تَشكُريني تاليا، انا من يجب أن أشكُركِ. لا تخبري أحداً بالذي سوف أقوله، لكن الملك مَحظوظ لوجود فتاة مثلكِ تعمل له و تُساعِده. أتمنى رؤيتكِ في الأرجاء، ربما؟ هي قالت تبتسم لي لأول مرة في حياتها.
إبتسامتها جعلتها تبدو أَصغَرَ سِناً و أجمل، حتى وجهها أصبح رقيق يُشِع كالشَمعة. انا متأكِدة انها شَرِبَت حليباً فاسد، لكنني فَرحة لأنها تبتسم لي إبتسامة نادِرة قد لا أراها مرة اخرى.

سيدتي اريد أن اسألك سؤالاً. انا قلتُ انا أعيد وجهي الجاد بِتساؤول.
تفضلي.
عقدتُ حَواجبي و نظرتُ لها في العينين بعدها سألت
هل وجدتم من يأخذ مَكاني؟
أومأت هي لي بِ نعم و انا شعرتُ بالراحة و الطمأنين
نعم لقد وجدنا أحداً بِسرعة، لكنها ليست بِبشرية، إنما جنية.
رفعتُ حواجبي هذه المرة مُتفاجِئة
هل هذا أمر جيد؟ أعني هل سَيُعجِب الخادِمات، الن يكون عائِق؟
هَزت السيدة مورغن بِرأسها ثم أجابتني تُذيب القَلق.

لا لن يكون عائقاً ابداً. و نحن لا نَجلِب أحداً لكي يُعجِب الخدم بالطبع، إنما من يكون مُناسب للعمل في القصر الملكي و ممتاز ايضاً. هذه الجنية التي سوف تكون مكانُكِ هي بالحقيقة قد عاشَت بين البشر لِفترة طويلة، تحترمهم و تعرف كيف تتصرف مَعَهُم.
جيد جداً. انا قلت لها أومئ و انظر الى يداي التي تستريح على حُضني أسفل الطاولة.

مرَ صَمتٌ قَصير بيننا من دون أن يتحدث أحد أو يُصدِر صوتاً غير اصوات العُمال في الخارج و اصوات صهيل الأحصِنة. كُدتُ أن أتَحَرك و أاذَن مِنها، لكنها فتحت فمها و سألتني
هل أقترح عليكِ جلالته بالعيش في الطابق الملكي بِجانبه؟
نعم لقد أقترح عَليّ ذلك، لكنني أخبرته انني اريد البقاء هنا و العيش في غرفتي.
حَدَقَت بي السيدة مورغن بِوجه عليه الصَدمة واضِحة تَرمُش بِسرعة بِعيونها
و ماذا كان جوابُه؟

أبتَسَمتُ انا من دون سَبب ثم أجبتها بِصراحة
لقد وافق بالطبع.
وافق؟
نعم وافق
تنهدت هي بِخفة ثم أومأت بالتفهم و على شفتيها الصغيرتان بسمة غير واضِحة جداً.
حسناً إذاً هذا يعني انني سوف أراكِ كل يوم.
هي قالت.
يا للحظ التَعيس، انا قُلت أحاوِل أن اوقِف ضحكَتي بِوضع يدي على فمي و أحني رأسي للأسفل أخبئ وجهي عنها.
بعد لحظة سمعتُ السيدة مورغن تقول و في صوتها السُرور
نعم، يا للحظ السيء.

أخذتُ امشي في ردهة الطابق الملكي بِخطوة و راء الأخرى أمسِك بِمخالب توتري و أحبِسَهُ في داخلي. الألاف مِن الأفكار تسبح بِعقلي لا تدعني و شأني، لكي أصِل من دون أن أشرُد بِخيالي و فُقاعَتي. في الردهة القليل من الحُراس التي تتمشى بِالأرجاء و على وجوهِها إما بسمة أو لا شيء.

رأيتُ بعض الخَدم مِن الرِجال و النِساء ايضاً تَمشي بالردهة. مِنهُم من يَحِمل بعض الأغراض كالسَلات الخَشبية أو مِن القَش و مِنهُم من يَحِمل أغراض مطبخ، أما الباقي يمشون مع بعضهم بِسرعة يُحَيوني بِلطف مع إبتسامات مُشرِقة و مُبهجة.

لِسببٍ ما شعرتُ بِدفئ المكان، كأنها المرة الأولى التي أزور بِها هذا الطابق. أعني لِماذا يبدو هذا اليوم أفضل من باقي الأيام؟ هل من سببٍ يختبئ بِمكان ما؟ أم انا فقط كنتُ عَمياء لفترة طويلة؟
أصمتي تاليا! أنتِ فقط مُتحمسة لِرؤية ريس مُجدداً! و العمل لديه!
صَرخ صوت في رأسي يُخبرني بالذي أتفادى قوله بِصوتٍ عاليٍ.
سيدة هارث! فجأة ناداني صوت ضعيف ينتمي لِرجل أعتقد انني عَرفت من هو مِن دون التفكير كثيراً.

رفعتُ رأسي انظر امامي، الى أن رأيتُ بيتر يمشي بأتجاهي يبدو انه خَرج من غُرفة، ريس؟
و بيده يحمل بعض الاوراق و الكُتُب.
بيتر! ما الذي كنتَ تفعله هنا؟ انا سألته أبتسم، لكن بِحيرة.
أممممم، كنتُ فقط أتناقش مع الملك عن بعض المواضيع المُهِمة لِلمُستقبل. هو أجابني يقف امامي بِوجه مَسرور.
أوه، هكذا إذاً.
أومئ هو بِرأس ثم قال لي يرفع حواجِبَهُ عَليّ
هل انتِ هنا لِبدأ عَملكِ، يا مُساعِدة الملك؟

رمشتُ انا بِدهشة على أخر جُملة ثم قلت له بِتوتر
أمممم، نعم هذا صحيح.
ممتاز، حسناً انا سوف اذهب بِطريقي، فَلدي أعمال مُهِمة لأكمِلها. و حظاً موفقاً.
أومأت له بِشُكر و هو وضع يده على كتفي ينظر لي لِلحظة جعلني اتسائل بالذي يدور في رأسه. بعدها أبتعد عني و أكمل طَريقُه بالأتجاه المُعاكِس.
قبل أن أخذ أول خطوة لأكمل انا ايضاً طَريقي، أوقفني مُناداة أسمي بِنبرة غريبة لم أفهَمها جيداً
و تاليا!

أدرتُ رأسي لِجهته لكي أراه يَقِف و يُحدق بي
نعم بيتر؟
أنتبهي على نفسك. لا تستَعجلي و فكري بِعُمق دائِماً،
رفعتُ حواجبي بِتساؤول أجهل ما يعنيه تماماً
ما الذي تَقصِدُه بيتر؟
تنهد هو بِقوة ثم أجابني مِما جَعلني أغرق بِفضول
سوف تفهمين لاحِقاً. لِهذا أرجوكِ أنتبهي على نفسك و أنتبهي عليه كذلك.

فتحتُ فمي لكي اسئله أكثر لأنني حقاً لم أفهم ما يعنيه، كل كلمة خرجت من فمه كالقِطعة لِأحجية، لكن بيتر أستدار بِسرعة و أكمل طريقه يتجاهلني حتى أختفى وراء حائِط يأخذ رُدهة مُختلِفة.
لقد تَحَول هذا اليوم من الافضل للأغرب في هذه الثانية، و من هذا الشخص الذي يجب أن أنتبه لهُ؟ انه يتكلم عن ذَكَر، هل كان يقصد ريس؟

هززتُ رأسي أبعِد الأفكار للأن ثم أكملتُ خطواتي الى أن وصلت لِوجهتي و هي غرفة ريس التي اقف الأن امام ابوابها و كالعادة الحُراس في أماكِنهم يَقِفوا على اليمين و اليسار. أخذتُ نفساً عميقاً ثم دقَقتُ الباب و فتحتهُ لأدخل. و مثل كل مرة رائحة الليل المَمزوجة بِرائحة زهرة اللافِندار أمتلأت بِها رِئتاي. المكان هادئ و مُرَتَب، انه يشعرني كالمنزل.

حركتُ عيناي في أرجاء المكان الى أن رأيتُ ريس يجلس على مَكتَبِه يَضَع ساق طويلة فوق الأخرى، يرتدي كَكل مرة ملابس أنيقة سوداء، يَحِمل قَلم ذهبي بيده اليسرى و ورقة صَفراء بيده الاخرى، يَنظُر لها بِتركيز شديد و مُعَقِد الحواجب. جلعني أبتسم على شكله اللطيف و هو يُرَكِز بِالورقة. أظن أنه لم يسمعني أدخل أو لم يشعُر بِوجودي حتى.

أقتربتُ انا أكثر إليه بِهدوء و حذر كي لا أزعجه.
صباح الخير لكِ ايضاً، انتِ مُتأخِرة. قال ريس من دون رفع رأسه مِن على الأوراق.
توقفتُ انا بأستقامة بِسرعة على كلامِه المُفاجئ ذاك. لقد كنتُ أظن خطئ، لقد سَمِع بِدخولي و شَعر بي.
أعتذر، لقد رأيتُ بيتر في الطريق، توقفنا لِنتحدث قليلاً، لن أعيد الكَرّى.
انا قلت له من دون أخذ نفساً.

و أخيراً رفع هو رأسه إليّ يَنظُر بِعيونه الناعِسة و الحادة بِعيوني مُباشرة. انا شعرتُ بأنني اريد الذهاب و الأختِباء خَلف الستائر أو خلف اية شيء أخر من نظراته، لكنه و بِلمح البَصَر أرتفعت زواية مِن شَفَتيه لِترتَسم بسمة خاطِفة لِلأنفاس و دافِئة.
اعلم ذلك، انا فقط كنتُ أمازِحُكِ، لِماذا يبدو وجهك شاحِباً هكذا؟
هو قال مُندهش من شَكلي و بِمُكر وراء تِلك الأبتِسامة المُثيرة.
ماذا قلتِ الأن؟

أجمعي نفسكِ ايتها البلهاء و ماهذه الأفكار السَخيفة؟
صوت في داخلي سألني، يعيدني الى رُشدي مُجدداً قبل إحراج نفسي.
هل كُل شيء على ما يُرام تاليا؟ هو سألني من جديد هذه المرة القَلق على وجهِه.
نعم، كل شيء على ما يُرام. انا فقط، أمممممم مُتحمِسة للعمل.
هَمهَم ريس قليلاً بِعدم تصديق، لكنه تَجاهَل الأمر ثُم أعاد نظراته للأوراق التي امامه على الطاولة و بدأ بِتحريك القلم الذهبي بين أصابعه بِحركات.

إذاً بِما انكِ مُتحمِسة للعَمل ايتها المُساعدة، فأنا لدي طلب أتمنى أن يُعجِبكِ أو أن تكوني جيدة لِتنفذيه.
رفعتُ حاجِب عليه ثم سألته بِفضول
ما هو هذا الطلب؟
رفع رأسه مرة أخرى يحدق بي و يُرسِل قَشعريرة بأرجاء جسدي من دون أن يَلفُظ كلمة حتى ثم قال يبتسم.

ما رأيكِ لو تُغيري من شَكل الغرفة، لأنني مَللتُ مِنها. لم أغير اية شيء فيها مُنذُ قرون و بِما انني لا أملِك طَلب غيره الأن، فهذا هو الأنسَب و قد يَملئ وقتكِ كذلك.
أغَير من غُرفتك؟ انا؟ كيف؟
وضَع ريس الاغراض من يده ثم وقف على ساقيه و أبتعد عن المكتب لكي يأتي و يقف امامي واضِعاً يديه التي تَلبِسهُم القُفازات في جيوبه.
نعم انتِ و من غيرك؟
هو قال يُحَرِك رأسه على جَنبه.

أبعدتُ عَيناي عنه لأنظر في أرجاء الغُرفة و في كل تَفصيل مُمِل بِتَمَعُن. إنَ الغُرفة جَميلة لِكي أكون صَريحة، لا يوجد فيها شيء مُمِل إنما فاخِر، ثَمين و مَلَكي. لو كنتُ انا أعيش في غُرفة كَهذه، لكنتُ أبقيتُها كما هي مِن دون تَغير حَتى وِسادة مِن مَكانِها المُعتاد.
ما رأيكِ؟، موافِقة؟ صوت ريس أعادني إليه و رايته ينتظر مني لكي أجيبَه إلا انني كنتُ شارِدة أتمَعَن بِغرفته مِن دون إنتِباه.

لِماذا تسألني؟ أليس هذا أمراً؟ انا سألته و الحيرة في نبرتي.
انه أمر، لكن غير مُهِم. أجابني هو يتحرك من مَكانه و يعود ليقف خلف المكتب يَلمِس الميزان الذهبي على طاوِلته.
هل هو مُتَوتر، هل جعلته مُتَوتر؟ يا اللهي ما الذي فاتَني؟ مع ذلك يبدو لطيف الشَكل عِندما يبدو مُتَوتِراً.
كيفَ لي أن أغَير من غُرفَتك؟ قد يَستَغرقني طيلة اليوم أو أكثر، لأن غُرفتكَ كَبيرة و واسِعة جِداً.

انا سألته أغَير مِن الأجواء التي أحيطَت بِنا.
لستِ انتِ من سوف يَحِمل و يُغَير من الغُرفة، انتِ فقط من سوفَ تأمُر و الخَدَم سوفَ يساعدوكِ بالتنقيل و تَغير الأثاث لا أكثر.
ريس أجابَني يَنظُر لي بِوجه بارِد.
رفتُ حاجِب و شابكتُ أذرُعي امام صَدري ثم سألته
خَدم؟ الأن؟

أومئ هو بِ نعم ثم أخذ يمشي الى سريره لِيقِف امام حَبل ذَهبي مُعَلق على سَقف الغُرفة و يَنزِل للأسفل يَصل الى جانِب السرير. أدار رأسه ريس إليّ و زاوية شَفتيه مَرفوعة للأعلى. أمسَك بالحَبل و سَحَبهُ مَرتين.
ما الذي تفعله؟ انا سالته بِحيرة تسبح على وجهي.

لم يَجبني هو، لكِنه أشار لي بيده الى باب الغرفة و قبل أن أتفوه بأي سؤال أخر، فُتِحَت الأبواب كُلها ليتدخل مَجموعة خَدم من الرِجال النِساء عَدَدهُم عَشرة، يقفوا بِصَف واحِد مُنتَظَم. أنحنوا هُم سوياً ثم عادوا ليقفوا بأستقامة ينظرون إلينا.
اهلاً ايها الخَدَم، اريد مِنكُم اليوم أن تجيبوا على طلبات و أوامِر السيدة هارث. قال لهم ريس بِصوت جاد و قوي و هم أنحنوا مجدداً قائلين
حاضِر جلالة المَلِك!

انا بقيتُ أحدق بِهم بِرهبة و ذهول من هذا المنظر، إذاً ذلك الحَبل يكون كالجَرس لأعلام الخَدم أن الملك يُريدُهم.
الأن هم تحتَ خِدمتكِ لليوم كله و للغد حتى و متى تشائين.
سَمِعتُ ريس يتكلم من خلفي و شعرت بِه قريب جداً كأنه يقف وراء ظهري تماماً. أستدرتُ انا قليلاً للوراء لأرى أن ريس في الحقيقة مازال يقف بِجانب سريره مُتَكتِف الأذرع امام صدره العَريض ينظر لي من دون وجود اية مَلامِح على وَجهِه.

أعدتُ انا تركيزي على الخَدَم الذينَ يقفون امامي الأن و ينتظرون مني الأوامر.
حسناً جميعاً، لِنبدأ بِتَغير أماكن أثاث الغُرفة، لِكي نجعلها تبدو مُختلفة و جديدة على جلالَتِه. انا قلت لَهُم أصَفِق بيداي بِحماس أحاول رفع مِن مَعنويات كُل من في الغُرفة و من نفسي أكثر شيء.
أومئ الجَميع بِرؤوسهم ثُم بدأو بالتَحَرُك كالنَمل في كُل مكان يعملوا على ما اطلبه مِنهُم.

لقد مَرَت ساعات و انا أرمي أوامر للخدم كل ثانية مِن أجل تغير شكل الغُرفة بأكملها، أمرتُهُم بِتغير أماكن الأريكات الحمراء مريحة الشكل التي كانت بِجانب أبواب العرفة الى جانب أبواب الشُرفة الزُجاجية و أمرتُهُم بِتَحريك الخِزانة ليضعوها بِجانب مَدخل الحَمام كما في غرفتي، لا اعلم لماذا فعلتُ ذلك، لكن الغرفة بدت افضل.

غيرتُ مِن بعض أماكن الأثاث و حتى غيرنا السَتائر من البيضاء للذهبية لِتناسب الغُرفة أكثر. ريس في اليد الاخرى قَضى كل وقته يعمل على أزوراق و يَكتُب رسائِل. في حين أخر أنتبهتُ انه في كل مرة أدير رأسي لأنظر له و لو لِلحظة، أراه يُحَدِق بي من دون وجود اية تَعابير على وَجهه، بعدها يُبعد انظارُه عني ثم يعود الى عَمله كأن لا شيء قد حَدَث.

ما الذي يدور في رأسه؟ ليسَت لَدي فِكرة ابداً. أتمنى لو امكَنَني قِرأته كالكِتاب المَفتوح، لكنه رَجُل مَليئ بالأسرار و غامِض لِحد بعيد. في لحظات يجعلني أطير مِن السَعادة بِكلماتِه السِحرية و في لحظة أخرى، بِنظرة مِنه يجعلني أسيل كالماء. في لحظة ثانية يجعلني ضائِعة في حيرة كالدَوامة، لا تعرف من أين البداية و أين نِهايَتَها.

في بعض الأحيان، أراه يتفتح لي كالزهرة و يُخبِرني بِما يَشعُر بِه، لو مِن دون كَلِمات و إنما بِتحركات جسده، بِعيونه و حتى بِصمته، لكن أغلب الوقت سُكوته كَهدوء البَحر، لا تَعِرف متى تَهيج أمواجه. سُكوته يجعلني غاضِبة و خائِفة، مَشاعر مُتبَعثِرة لا اعرف كيف أجمَعها سَوياً.

انا لا اعرفه كثيراً، لقد رأيتُه مَرات تُعَد على الأصابِع، تَكلمتُ مَعه قليلاً، لأعرف عن أشياء سَطحية في حياته و ليسَ أكثر. اريد مَعرِفة المَزيد، لكنني أخشى ذلك، أخشى أسرارُه مع انني اريد أكتِشافَها، أخشى حقيقته التي يُخفيها، لَعلَه يُخفي أمر خطير أو أكبر و لكني اريد الحقيقة...
تاليا؟ فجأة سَمِعت أسمي يخرج من فَم الشاب الذي كانَ يَجلِس على مَكتَبِه و الأن هو يَقِف امامي يُحدِق بي بِعيون ضَيّقة.

همم؟ انا هَمهَتُ له أخرُج من عالمي من الأفكار و اعود للواقع.
لقد سألتكِ، هل من أمر أخر تُريدين إضافَتُه في الغرفة أو تَغيرُه؟ قال ريس ينظر في أرجاء الغُرفة و يُعيد نظره لي.
أوه، نعم، أعني لا، لا شيء، أعتقد اننا أنتهينا.
أومئ هو بِرأسه بالتفهم ثُم أخبَر الخَدَم بِالمُغادَرة و هُم بالطبع أومأو بِرؤوسهم ثُمَ خَرَجوا واحِداً تِلوى الأخَر بِهدوء الى أن اغلَقوا الأبواب خلفهم و عَم الصَمت في الأجواء.

هل، هل أعجبتك التغيرات؟ انا سألته بَعدَ صَمت دامَ طويلاً.
أخذ ريس يمشي في غُرَفِه، يَنظُر الى كُل شيء بِتَمعُن كأنه يَرى غرفته لأول مَرة، بعدها توقَف في منتصف الغرفة و على شفتيه إبتِسامة صَغيرة ثم قال مازال يُحَرك عينيه في كل مكان
نعم، لقد أحببتُ كل تَغيير، لقد مَللتُ من نفس أماكِن الأثاث و ها هي الغُرَف تَبدو مُختَلِفة مع انها بِنفس الألوان.

أومأتُ انا بِرضة قد مَلأني و أسرني كثيراً، لدرجة كدتُ أن أقفِز مِن السَعادة، لكن أمسَكتُ نفسي بِسرعة لكي لا أحرِج مِن نفسي كالعادة. أقترب ريس مني بِخطواته تُصِدر صوتاً على الارض فوقَ البِساط ثم توقف امامي تماماً يَدَع بعض المسافة بيننا، لكنه قريب مني لدرجة انه امكَنَني شَم رائحته من الافنِدار جيداً.
شُكراً لكِ هو قال بِصَوت هادِئ كالهَمس مازال يبتسم.

أخذتُ انا نفساً ظنناً انني سوفَ أدخل هواء مُنعش الى صدري، لكن ما دَخَل هي رائحته أكثر تملئ رئِتاي بِها.
لا شُكر على واجِب. انا أخبَرتُه بِنفس النبرة خاصَته.
هل من طلب أخر؟
لدي طلبات، لكن ليسَت لِليوم، إنما لأيام أخرى.
رفعتُ حواجبي بِتساؤول أشابِك أذرُعي امام صدري ثم سألته بِجُرئة
و ما هي تِلكَ الطلبات جلالتُك؟
سرية للأن.
المَزيد مِنَ الأسرار؟

سوف تعرفينها قريباً، انتِ تحتاجين الصبر تاليا، الصبر مفتاح الفَرَج. أليسَ هذا مَثَل مَشهور عِند البَشَر؟ هو قال يرفع حواجِبه ايضاً.
أدرتُ مُقلَتاي أخرِج صوتاً من حَلقي ثُمَ التفتُ بعيداً عنه أتقرب مِن بعض التماثيل على إحدى الطاوِلات أتظاهَر بأنني أرَتِبُهُم، مع انَهُم مُرَتَبين و يبدون رائعين بِأماكِنِهم، لكنني فعلتُ ذلك لأتفادى نظراته التي لم أعد أتحملها.

لقد نسيتُ أخبارك شيئاً. قال ريس بَعدَ لحظات مِن الصَمت.
هَمهَمتُ انا مِن دون أن التَفِت و أقابل عينيه، مازلت أتظاهر بِتَنظيم التَماثيل الصَغيرة.
تبدين ساحِرة بهذا الفُستان، الأبيض يَليقُ بكِ.
شعرتُ بِقلبي يَتَخطى نَبضة بَعد أن أنتهى مِن جُملته تِلك. حاولتُ التحكم بِخجلي، لكنه سبقني لِيلَطِخ وجنَتاي بالوردي و يُرسل حَرارة لَهُما.

أحنيتُ رأسي قليلاً أدع خُصلات من شَعري الطويل تُغطي وجهي حتى لا يراني أخجل مع انني مُتأكدة انه يعرف انني بِوجه أحمر كالطماطم.
شُك، شُكراً لك انا قلتُ له بِصوت مُتَقَطِع، لكن قوي كِفاية ليَخرُج مِن فَمي.
ما الذي يحدث لي؟
انا سألتُ نفسي.
هل انتِ بخير هناك؟ سألني هو من ورائي.
أومأتُ بِرأسي ثم أجبته أبعِد الخَجل عني
نعم انا بخير. لِما تسأل؟

لأنكِ تَقِفين هُناك مُنذُ فترة الأن و تُحَرِكين التَماثيل ثُم تُعيديهُم الى أماكِنِهم.
أستدرتُ انا بِبطئ أعيد خُصلات شَعري بيد مُتعَرِقة الى مَكانِهِم خَلف ظَهري
لقد كنتُ أرتِبهُم فقط.
حدق بي ريس يَرمِش بِجفونه كثيراً كأنه لا يُصَدق و بعد لحظة سريعة أومئ هو من دون سَبَب ثُم تَحَرك الى مكتبه لِيجلس عليه. رفع رأسه و أشار لي بيده التي يَلبِسها القُفاز الأسود، بالجلوس على إحدى كراسي المَكتب امامه.

تعالي الى هنا. هو قال ينتظر مني الإنصات.
انا من دون أن أسئل اية سؤال، تحركتُ مِن مكاني و ذهبتُ إليه أجلِس على كُرسي امام مَكتبه الخشبي و على وجهي الحيرة. وضع ريس أذرُعه على الطاوِلة و شابك يديه امامه ينظر لي في العينين بِجدية.

بِما انني أنتهيتُ من عَملي و انتِ كذلك، ما رأيكِ لو نبدأ بِتعليمك كيفَ تَبنين حائِطاً خفياً في عَقلك، لكي لا تَدَعي من اية مَشاعر في داخلك تَطفوا في الأرجاء ليِشعُر بِها كُلُ جني قريب منكِ
رمشتُ انا بِتفاجئ مِن كلامه هذا و هو رأى ذلك، لِهذا أبتسم أكثر لِتظهر أسنانه البيضاء ثُم سألني بِنبرته الهادِئة
لِماذا لا تتكلمين اليوم كما فعلتي في الأيام الفائِتة؟، هل هنالكَ أمر يُزعِجُكِ؟

هززتُ رأسي بِسرعة و أجبته أبعِد القلق عنه، لكني كَذبتُ قليلاً، لأنه من المستحيل أن أخبِرُه بِما يجلعني أشعُر لِمجرد تَكلُمُه مَعي
لا، لا يوجد أمر يزعجني. انا فقط لا أملِك ما اقول لك لا أكثر.
حقاً؟
حقاً.
أومئ هو بِتفهم و انا تنهدتُ بِخفة لكي لا يسمعني.
إذاً، لِنعود لِموضوعِنا، التدريب على بِناء حائِط خَفي في عقلك ما رأيك؟
بِناء حائِط خَفي؟ ما الذي تعنيه بِذلك؟ انا سألته بِفضول يسبح على وجهي.

بِكل بساطة، إنَ الحائِط الخَفي هو عِبارة عَن صَد لِمشاعر الإنسان ضِد قُدرة الجنيات على قِرأت المَشاعِر بِكل سهولة أو على الاطلاق.
كيف ذلك؟ انا سألته من جديد.
أمممممم، انه سَهل الشَرح، لكنه صَعب التنفيذ بَعض الشيء و مع ذلك انا مُتأكِد انكِ سوفَ تنجحين بِبنائه بعد مُدة مِن التدريب اليومي.
حسناً، كيف يَحدُث اصلاً؟
هَمهَم ريس يُفكِر بأجابة بعدها أعاد نظره لي ليبَرِر.

الأنسان بِطبيعته سَهل القِراءة إن لَم يتعلم كيف يتحكم بِمشاعره و لغة جسده. لِهذا، توجد طريقة نافِعة و مُمتازة لِمنع القِراءة من الحدوث. الطريقة هي سَد طريق خروج المَشاعر مَنَ الجَسَد و العَقل.
ريس، أريد تفصيل لِكلامك أكثر، لأنني لا أفهمُك.
ضَحك هو ضِحكة خَفيفة بِصوت مُنخفض ثم أومئ و فتح فمه لِيشرح لي.

حسناً، في أوقات ظُهور إنتِفاض كَبير لِمشاعرك، كالحُزن، السَعادة، الخوف و مَشاعِر أخرى حتى الشهوة، يَجِب عليكِ بِنفس الوقت التفكير و تَخَيُل حائِط شفاف امامكِ كأنه حقيقي موجود لِيمنع تلامُس مَشاعركِ بِهالة القدرة التي نَملِكُها.
أتخيل؟
أومئ هو ثم اجاب
نعم تَخَيُل.
عقدتُ حاجِباي عليه ثم سألته بِحيرة.

كيف لي أن أتخيل و أفكر بِذلك الحائط و انا أمُر بِمشاعِر فائِضة بِنفس الوقت؟ ألن تأخُذ تِلك المَشاعِر كُل تَفكيري؟
بلا هذا صحيح، لكن و مع التدريب سوف تَتمَكنين مِن بِناء الحائِط بِكل سُهولة إن أردتي. لهذا توجد طُرق مُختلِفة للتدريب، انا اخترتُ أسرعها و أسهلها لكِ. إلا إذا أردتي الطُرُق الأخرى التي قد تأخُذ وقتاً أطول، لكن أقل تَعقيداً.
هززتُ رأسي أخبره بالذي أظن انه أفضل.

لا، أعتقد أنَ الطَريقة التي أخترتها انت أفضَل.
جيد،
لدي سؤال أخر،
انا قلت له أقتَرِب مِنَ الطاوِلة و أضع أذرُعي عَليها
هل يُمكِنُني التَحَكُم بِذلك الحائِط كما أشاء؟
نعم يمكنكِ ذلك. يمكنكِ بِنائه وقتما تشائين، لكن في حالة واحِدة لا يمكنكِ، و هي إن فاتَ الأوان و لامَسَت مَشاعِرُكِ هالة القُدرة لدى الجنيات، فَهُنالِك لا عودة و لا يُمكن للحائِط التي بَنيته أن يؤثِر على الجنيات.

لأن المِشاعِر قد لامَسَت الهالة قبل أن أبني الحائِط؟
أومئ هو بِ نعم ثم أكمل يَشرَح لي بِعيون جدية حادة
نعم هذا صحيح. انتِ تتعلمين بِسرعة.
أعدتُ نفسي على الكُرسي و أريح ظهري، أتكَتَف أحَدِق بِه بِثقة فُجائية بعدما قال ما قاله.
ماذا يمكنني أن أفعل؟، فَهذه ليست أول مرة أسمع بِها أحداً يُخبِرُني بِذلك.

ضَحِك ريس و هو يَهُز رأسه كأنني أخبرته نكتة فُكاهية و انا ظَهَرَت بسمة صَغيرة على شَفتاي لِرؤيتي له يَضحَك بِهذه الطريقة و بالطبع خَزَنتُ هذا المَنظر الذي امامي كالكَنز الثمين في ذاكرتي.
بعدما أنتهى ريس من الضَحك عَليّ و انا لم أمانع طبعاً، أقترب مِن الطاوِلة يُريح أكواعُه عليها و ينظر لي بِعيونه الفضية الامِعة
ما رأيك لو نبدأ بالتدريب سيدتي؟

تباً! في كل مرة يقول سيدتي، يجعل من تنفسي يتوقف لِثوانيٍ. هل مَسموح لِلملك بٍمناداة أحداً أقل مكانة مِنه بِسيدتي؟
صوت سأل في داخلي.
نعم، لنبدأ بالتدريب. انا أجبته بأبتِسامة تَصِل لِلعَينَين.

الفصل التالي
بعد 22 ساعة و 05 دقائق.
جميع الفصول
روايات الكاتب