رواية تحت الغطاء الأسود الجزء الأول للكاتبة مينار الفصل الأول
اليوم جميل جداً، ما رأيك ان نتنزه قليلاً قبل ان نعود الى منازلنا؟
سألت صديقتي كانيلا و نحن في طريق عودتنا بعد ان ذهبنا للسوق من اجل شِراء بعض التوابل لِعشاء اليوم.
نظرتُ لها ببتسامة ثم اجبتها
اسفة، لكن لا أعتقد انني استطيع هذه المرة، فأمي تحتاج التوابل من اجل ان لا تتأخر عن تحضير الطعام و يجب عليّ مساعدتها في ذلك
نفخت الهواء كانيلا من فمِها ثم قالت.
نعم معك حق، اتذكر المرة الماضية عندما تأخرنا عن احضار المستلزمات،
ضحِكت بصوت عالي جعلت المارة ينظرو الينا بِنظرات الاشمئزاز، ثم اكملت كلامها
امك جعلتنا ننظف فضلات الدجاج كعِقاب بسبب تأخرنا بالقدوم مما ادى لاحتراق الطعام
انضممتُ انا لها بالضحك ثم اكملت عنها
نعم، لهذا اكلنا خبز محمص مع بذور محمصة على العشاء.
انا و كانيلا دوماً ما نخرج سوياً للسوق، ليس لأنني احب ان اذهب معها فقط، بل لأنني انسى الاشياء اللازمة التي تخبرني عنها امي. كانيلا لديها ذاكرة قوية، لهذا اعتمد عليها بعض الاحيان ان طَلَبت امي مني ان اتسوق من اجل الطعام.
امي طباخة ماهرة، مشهورة بِأطباقها في القرية لدرجة انها طهت للملك عندما سمع عن مهارتها في الطبخ.
لقد ارسل حارساً لقريتنا كي يحضر امي للقصر الملكي و تطبخ له الكثير من اطباقها المشهورة و اللذيذة.
و عندما طلب الملك منها ان تبقى في القصر و تعمل هناك كَرئيسة للطباخين، رفضت ان تبقى في القصر لأن ابي لا يستطيع العيش معها، ان قبِلت العمل هناك لبقية حياتها، هكذا كان شرط بقائها و عملها في القصر، ان تترك كل شخص تعرِفُه خلفها مقابل المال، لكن امي لم تدع الشهرة و المال يبعدها عن احبائها.
بسبب هذه القصة التي حكاها لي والدي عنها، اصبحت اتفاخر بِامي في كل مرة اتكلم عنها مع الجميع. و أيضاً هنالك ابي، صياد قوي ليس مشهوراً لكنه يملك ذكاء بالاصطياد. احياناً اعتقد انه يتكلم لغة الحيوانات عندما اذهب معه للصيد.
يستطيع ان يصطاد بسرعة و بِخفة، لقد تعلمتُ بعض المهارات منه و مع ذلك لم استطيع ان اتعلم كل شيء لانه صياد منذ ان كان شاب صغير. و انا في الحقيقة لا املك حب للصيد، و انما اتعلمه من اجل الحاجة فقط و من اجل ان اقضي وقت اكثر مع ابي.
عندما وصلنا لجانب منزلي، اعطتني كانيلا الاغراض التي تحملها ثم عانقتني و قالت
حسناً، أراكِ لاحقاً و سلِمي على الجميع من اجلي
عانقتُها بالمقابل و ردَدتُ عليها.
بِكل تأكيد، كنتُ اريد منكِ ان تبقي و تتناولي العشاء معنا اليوم
ابتسمت و قالت واضِعة يدها على كَتِفي
في المرة المقبلة، فيجب على ان اعود الان من اجل العفاريت الصغيرة التي لدي
ضحِكت على طريقة تسيمتها لاخواتها الصغار بالعفاريت. كانيلا لديها خمسة اخوة اصغر منها. انها تحبهم و تهتم بهم، لكنهم يصبحو ألم للرأس في بعض الاحيان، لانهم مازالو صغار جداً و مُشاكِسون كثيراً.
عندما اخذت كانيلا طريق عودتها لمنزلها، اكملتُ انا طريقي لِباب الكوخ. رفعتُ يدي و دققته.
لم يجب احد بِسرعة، لكني بدأتُ اسمع اصوات أمي و اختي صوفي العالية من الداخل.
يبدو انهم يتشاجرو مرة اخرى!
قلتُ لنفسي.
فجأة الباب فتح و بِقوى يظهِر لي اخي ليام و علامات الغضب على وجهه.
اوه هذا انتي تاليا؟ لماذا تأخرتي!
قال ليام بِغضب بعد ان دخلتُ الكوخ و اغلقت الباب بهدوء من خلفي.
سألتُ ليام.
ما الذي يحدث؟ لماذا يتشاجرو الان؟
نفخ هو الهواء من فمه، اخذ الاغراض من يدي ثم دخل للمطبخ من دون حتى ان يجيب على سؤالي.
ان شِجار امي و اختي ليسَ بالشيء الجديد او غير المُعتاد. انهم دوماً هكذا، اصواتهم لا تتوقف عن الخروج و جعل جميع من يسكُن القرية يسمعهم.
لكن غضب اخي ليام هو الذي يُحَيرُني الان. لماذا هو غاضب؟ مع ان لا دخل له على ما اعتقد.
في هذه الاوقات دوماً ما اتمنى من ابي ان يكون موجوداً لانه يجعل من الامور المعقدة سهلةَ الحلول. لكنه في هذا الوقت غير موجود لانه يصطاد و لا يمكننا ان نستخدم مساعدته و هدوئه عند الصِعاب. عكس امي التي تمتلك مزاج سيء و تغضب بِسرعة.
في ثانية تكون سعيدة و تضحك و قوس قزح يكون حولها، و في الثانية الاخرى تصبح متعصبة و ذات نظرات مخيفة تجعل من الارض التي اسفلك تهتز.
و ايضاً توجد اختي صوفي التي لا تصمُت او تدع الامور تجري كَجري الماء بِسَلاسة. لديها هواية الاستفزاز و بالاخص مع امي. لا تستطيع ان لا تجادلها في كل شيء، لذلك امي تتشاجر معها كل يوم و كأن المشاجرة معها هواية لا يمكن الاستغناء عنها. اخذتُ نفساً عميقاً من اجل ان استعد لمشاهدة الذي يحدث في الداخل، و مَشيت لغرفة الجلوس، المكان الذي يحدث القتال الملحمي بينهما.
دخلتُ الغرفة، و اول شيء يضربني هو الهواء الساخن مع ان المدفَئة لا تحتوي على نار هناك. لذلك قَررت ان اقف امام مدخل الغرفة التي لا يوجد لها ابواب كي لا احترق اكثر من حرارة الغرفة. وقفت على جانب المدخل اتكىء على الحائط مشابكة ذراعيي ببعضها.
هذا لن يحدث صوفي! توقفي عن المناقشة، لن اجعلك تذهبي بعد الان قالت امي.
رفعت صوفي ذِرعيها بِأحباط ثم اجابت بِصراخ.
كيف لكِ ان تأخذي قرار هكذا من دون أية سبب مُقنع؟ و كيف يُسمح له هو ان يذهب و انا لا؟ هذا ليسَ عادلاً
وضعت امي اصابعها على جسر انفها و كأنها تُخفف الم رأس عن طريق ضغط انفها ثم رفعت رأسها و قالت بعد صمت طويل
اسمعي جيداً، انا خائفة على سلامتك، لانك تذهبين لوحدك و لا تعودين بِوقت باكر. ذهابُكِ الى هناك وحدك خطير و انا اقلق عليكِ دوماً.
اخذت نفساً عميقاً، بعدها ضَبَطت طريقة وقوفها خلف أريكة ابي المفضلة ثم اكملت بصوت هادىء
عزيزتي ارجوكِ افهمي انني لا اقول لكِ هذا الكلام لانني اريد ان احرمك من الذي تريدينه، لكنه خَطَر عليكي و على عائِلت--
توقفت فجأة عندما انتبهت انني موجودة، اعيُنها مُتبحلقة و كأنها رأت شبحاً. ادارت صوفي ايضاً رأسها لي و تعابير وجهها مطابقة لِأمي.
ما الذي يحدث لهما؟ لماذا ينظرا إلى بهذه الطريقة؟
انا تسألت.
اوه، تاليا، لقد عدتي بِسرعة!
قالت امي بعد ان اختفت تعابير الدهشة عن و جهها.
ابتعدتُ عن الحائط، بعدها اجبت
نعم لقد عدت منذ قليل، ما الذي يحدث؟
اعادت امي نظرها لِصوفي و كأنها تتكلم معها بِصمت ثم قالت و هي تمشي بِتِجاهي
سوف نكمل حديثنا في المرة المقبلة صوفي، و انتي،
اشارت امي لي بأصبعها ثم اكملت
اتبعيني الى المطبخ، احتاج مساعدتك
بعدها اكملت طريقها للمطبخ بسرعة مُتفادية النظر لصوفي.
فتَحتُ فمي كي اسأل صوفي عن سبب المشاجرة بينهما، لكنها رَمَت لي نظرة ثم غادرت الغرفة من دون اية كلمة. رائع، الوضع اصبح اكثر غرابة و اعتقد ان صوفي تَلومني على قدومي و قطع الشجار بينهما.
يا له من يوم عجيب، هل له ان يكون اسوء؟
اخرجت الهواء من فمي ثم استَدَرت و قررت الذهاب للمطبخ من اجل ان اساعد امي و احاول ان اخرج بعض الاجوبة للاسئلة التي تُحيرُني الان.
عندما دخلت المطبخ، شممت رائحة خشب يحترق و الدخان الذي يخرج منه بدأ بحرق عيناي.
مطبخنا ليس كبير الحجم، لكنه واسع بعض الشيء. فيه طاولة و من حولها اربعة كراسي خشبية قديمة جداً، احد الكراسي يملك بعض المشاكل، لانه يخرج اصوات كل مرة يجلس عليه احد. و حتى اقدامه تتحرك. الشخص الذي يجلس عليه هو انا لانني الاخف بين عائلتي. لذلك ما زلت لم اقع او اكسِره بالكامل في كل مرة اجلس عليه.
و في المنتصف طاولة اكبر، لتقطيع الطعام عليها. و يوجد بعض اللأغراض لا مكان لها. على اليمين يوجد نافذة مربعة الشكل، هي التي تدع ضوء الشمس يدخل للمطبخ و يُضيء المكان بِأكمله. على اليسار خزائن كثيرة، صغيرة و كبيرة مليئة بالتوابل و اغراض المطبخ الازِمة.
اكملتُ طريقي الى امي التي تقف امام المَغسلة، و وقفت بجانبها الايسر. قبل ان افتح فمي، اشارت لي بيدها لِخزنة التوابل و قالت و هي تُنَظف السمكة.
هل لكِ ان تجلبي لي بعض الملح و الفلفل من هناك!
هززتُ برأسي ثم ذهبت لخزنة التوابل المختلفة ثم عدت لها بالملح و الفلفل.
أخذت امي التوابل من يدي وبدأت بِوضعهم على السمكة التي امامها. رفعتُ جسَدي بِذراعي و جلست على الطاولة بِجانبها و انا أُفَكر كيف لي ان اسألها، بِطريقة اجعلها تجيب من دون لَفٌ و دوران. أخذتُ قطعة من الخس الموجود في طبق دائري مليئ بالخضار المغسولة و الماء يسقط من الخس لِيدي و ينزلق مُكمِلاً طريقه الى كوعي.
قبل ان اسأل اخذت قضمة بعدها قلت لها
لماذا ليام غاضب؟ هل تشاجر هو ايضاً معكم؟
لم تجبني امي بسرعة، انما اخذت وقتها بالعمل على السمكة من دون ان تنطق بكلمة، و كأنني غير موجودة معها.
لا، لم يتشاجر مع احد
قالت امي مُختصِرة الاجابة.
ازحتُ نظري لمدخل المطبخ ثم سألت مرة اخرى
و ماذا عن صوفي؟
ماذا عنها؟
سألتني هي.
اعني، لماذا كنتم تتشاجرو؟ و لماذا قررتي ان لا تدعيها تخرج مجدداً؟
مرة اخرى لم تجبني بسرعة و انما اكتفت بالصمت الطويل، جاعلة من صبري ينفذ.
امي! لماذا لا تجيبي؟ هل سألت عن شيء لا يعنيني؟
انا قلت بتذمُر.
توقفت هي على تتبيل السمكة، و نظرت لي بِعيون ناعسة، و قالت
لا ان الامر ليس هكذا، لكنه غير مهم، شجار صغير يحدث كل مرة مع ام و ابنتها.
اشارت لي بيدها لِدُرج عند اقدامي
احضري لي صحن من هناك، كي اضع السمكة عليه.
نفختُ الهواء من فمي بِأحباط ثم نزلت من على الطاولة واحضرت الصحن لها. هي لن تجيبني بهذه الحالة، كل مرة تتفادى الاجابة بالكامل. و انا صبري قد نفذ ان لم اتوقف عن السؤال، لن احصل على الشيء منها بِشكل عام. لذلك قررت ان اتكلم مع ابي عندما يعود ربما يعرف عن سبب عدم سماح امي لصوفي بالخروج مرة اخرى، و عن الخطر الذي تكلمت عنه امي.
نعم صحيح!
انا تذكرت.
لماذا قالت امي ان خروج صوفي مرة اخرى خطر عليها و على العائلة؟ ما الذي تفعله صوفي عندما تخرج كل مرة لوحدها؟ انا لم افكر بهذا الامر او لم اسأل صوفي الى اين تذهب في كل مرة تخرج لوحدها من دون مرافقة.
يبدو ان الامر جِدي و ليس مجرد شجار صغير يحدث كل مرة مع ام و ابنتها. فأنا لم أرى شَرارت تخرج من كلامهم عند الشجار هكذا كل مرة. ما الذي يخفيه الجميع عني؟