رواية تحت الغطاء الأبيض الجزء الثاني للكاتبة مينار الفصل العشرون
عدد الساعات التي قضوا فيها على شكلي بِشكل عام لا تُعد و لا تُحصى لكني علمت انها طويلة لكون النجوم في السماء ظهرت تغمِز على من ينظُر لها و القمر واضح كبير نوره ساطِع.
لم أعد أشعر بِساقاي من كثرة جلوسي على كرسي التسريحة، لقد صففوا شعري، وضعوا بعض المكياج البسيط لأنني لا أحب ما هو ثقيل أو زائد عن اللزوم.
حدقتُ بِنفسي في المرآة أرى أنَ شفتاي حمراء عيوني مسحوبة أكثر من ما هي عليها بِفضل الظل باللون البني و رموشي الطويلة و الكثيفة كما وصفوها هُم.
بشرتي صافية، فيها بعض النمش الطفيف على أنفي لكنه غير واضح إلا إذا تمعن الشخص بوجهي.
هيا أنهضي قليلاً. أخبرتني ذات الشعر الأحمر تُمسك بِيدي لأفعل و أنهض وجهي أنكمش بِلحظة على فرقعة عظام ساقاي، أردتُ لعنهم لكن هنالك فتيات شابات ليسَ من الجيد جعلهم يسمعون كلمات غير لائقة...
التفتُ اليهم جميعاً أواجِهَهُم هُم خمسة في أعمار من السادسة عشر الى العشرون على ما أظن و خلفهم في زاوية الغرفة بالقُرب من باب الحمام، تقف دافني خادمتي و معها إكسانا.
و الأن بما انكِ ترتدين الفستان يجب علينا وضع لمسات صغيرة على جلدك. قالت ذات القبعة الزرقاء على رأسها و في أخرها جرس ذهبي.
رفعتُ انا حواجبي لا أفهم لتتقدم أصغرهم تحمل بيدها طبق مُدَوَر من الخشب فيه سائل ذهبي اللون.
ما الذي تعنينه؟ انا سألتها بِحيرة.
توسعت بسمتها تُظهِر أسنانها لتأخُذ الطبق المُدور من الفتات و تضع أطراف أصابعها السبابة و الأوسط على سطح السائل.
سوف نرسم عليكِ ما نرسمه على أنفسنا في الأيام المميزة.
رمشتُ عليها عدة مرات أنظُر من وجهها و الى أصابعها.
ترسمون عليّ لماذا بالضبط؟
انها من التقاليد لكن بأمكانك الرفض طبعاً. أجابتني اصغرهم لو كان ممكناً لوصلت ابتسامتها لخارج المنزل.
همهمتُ انا ألقي نظرة سريعة على مَن يراقبون بِصمت خلف المجموعة التي تُحيط بي في غرفتي. أجدهم ايضاً يبتسمون يعجبهم الأمر.
اين سوف ترسمون عليّ؟ انا سألتهم مُستعدة لِلموافقة لكن بعد أن أعلم بالضبط اين.
في كل مكان جلدك مكشوف فيه عدا ذلك الوشم الجميل الذي لديكِ، لن نقترب منه. ردت التي تحمل الطبق بالقبعة.
هذا منطقي، لكن أغلبية جسدي مكشوف، أكتافي، صدري بطني ساقي اليُمنى بما أنَ الفستان له فتحة ساق و أذرُعي كلها فَلا أكمام له لكي تغطيهم.
ما الذي ظل غير مكشوف؟، يبقى لِلمُخيلة.
و بالنسبة لِلوشم لقد تفاجئوا لرؤيته عندما خلعتُ ملابسي أنسى انني أمتلكه من الأساس.
شرحتُ لهم على الفور انه مجرد وشم لطالما أردته على كتفي، طبعاً لستُ أدري كيف اخترعتُ هذه الكذبة بسرعة لكنهم صدقوها و لم يسألوا المزيد من الأسئلة و فقط ظلوا يخبرونني انه جميل و يليق بي جداً.
جلستُ انا مُستسلمة على الكرسي ثم أشرتُ لهم لكي يفعلوا ما يحلوا لهم فَلم يعد لدي الطاقة للمُجادلة و هُم يفوزون دوماً في كل نقاش مثلاً كنتُ أوَد أن يُصَففوا شعري على شكل كعكة فوق رأسي لكنهم رفضوا وقالوا أنه أجمل إن ظل على شكله الطبيعي.
مُنسدل على ظهري و ناعم. و عندما أخبرتهم انني أريد شفاهي باللون الوردي لكون الأحمر لوناً لستُ حقاً من محبينه إلا انهم قالوا انه سوف يجعل من شكل وجهي أكثر حِدة و جاذبية.
لهذا لا مزيد من النقاش.
بما انني أعطيتهم الإشارة بدأوا هُم بالرسم على أكتافي أولاً أهَسهِس قليلاً كلما تلامس السائل اللزج بي لكونه بارد على جلدي الدافئ و مع ذلك تحملت، و طلبتُ منهم في أخِر لحظة بأن يرسموا على وشمي و يُخفونه بالسائل الذهبي.
تعجبوا من طلبي الغريب لكنهم أنصتوا و رسموا عليه الى أن انا بِنفسي لم أعد أراه بعد ذلك.
اسوأ جزء كان البطن، انا أتدَغدَغ بِسهولة و الرسم على مكان حساس مثله جعلني أضحك بِقوة الى أن فقدتُ تنفسي ليدعوني و ينتقلوا الى ساقي المكشوفة.
لقد أنتهينا! صفقتُ التي لديها شعر أحمر قصير تُحرك عينيها على الأبداع الذي ملئوني به.
نهضتُ من على الكرسي متجهة نحوى المرآة لأشهق شهقة خفيفة من فمي عندما وضعتُ عيناي على جسدي أولاً.
الفستان الأسود الذي اختاروه هم لي يُعانق جسدي ذو قطعتين، واحدة لِلصدر و الثانية التنورة الطويلة تلامس الأرض. انه فستان رائع جداً و أحببته على الفور حتى الأسود لاق بي مع انني لم أرتدي هذا اللون ابداً.
الرسومات الذهبية غريبة، انها خطوط مختلفة الاتجاهات منها مربوط بِبعضها و منها لوحده أو دوائر و أشكال هندسية.
لم أفهم شيئاً منها أو إن ما تُمَثِل شيء لهذا فتحتُ فمي و تفوهتُ بالسؤال الوحيد
ما هي هذه الرسومات؟
انها من حروف مملكة أريزو القديمة و المرسوم على جسدك يعني، كل ما هو جميل في الدنيا. أجابت ذات الشعر الأحمر تنظُر لي في المرآة و الباقي يقفون خلفي.
كل ما هو جميل؟
اومأت هي تُبعِد خصلات من شعري عن كتفي الذي عليه الوشم الغير مَرئي بفضل الرسومات لتِقول
كالطبيعة، الروح، الحُب، الصداقة، و المزيد.
أردتُ لمس الرسومات على بطني لكن الفتاة أمسكت بِيدي تُبعِدها و تهُز من رأسها.
لا تلمسيها قبل أن تجُف بالكامل و إلا دمرتِها.
آوه صحيح.
عَم صمت في الغرفة انا أحدق بِنفسي مُنبهرة في المرآة و الأخرين يحدقون بي و على وجوههم الجميلة بسمات عريضة.
َمن كسر الصمت بعدها، هي مُرافقتي الصغيرة ترتدي ملابس مختلفة هي ايضاً و شعرها على شكل ضفيرة كثيفة.
تبدين جميلة سيدتي.
أنحنَت هي لي لأنحني انا ايضاً بالمُقابل و نضحك معاً على ذلك.
هل لنا أن نذهب؟ سألتنا صاحبة الشعر الأحمر لننظُر لها و نومئ موافقون، فقد حان وقت مغادرتنا المنزل و الانضمام لِلقرويين في يومهم المميز.
لقد ظلمتُ القرية بِجمالها و سحرها في الصباح فقط. لأنها تبدو أكثر جمالاً و سحراً في المساء. انها تُضيء بالفوانيس المُذهلة كلها موحدة من نفس اللون و القمر لمسة و لا أروع.
هنالك نسمة باردة بعض الشيء لكنها ليست أمراً لن يحتمل، تحرك من شعري بِخفة كما لو شخص ينفُخ عليه، صرير حشرات الليل يرافقنا يملئ الهدوء الذي حَل على القرية من هذا الارتفاع.
ولكن توجد أصوات قادمة من الأسفل، بعيدة مِن ضمنها ضحكات أطفال و كبار.
أعدتُ نظري من على القرية و لِهِند و أبنها، لقد غادرو الفتيات بعدما خرجنا من المنزل و تركوني مع هِند و لوديان لأنهم أرادو أخذي بأنفسهم الى وسط القرية.
و لأنَ رحلة النزول الى الأسفل قد تكون طويلة بالنسبة لي لأنني لا أمتلك أجنحة أقترح عليّ لوديان حملي الى هناك مع أنَ حارسي راث موجود و انا وافقت فَلا أَوَد أحراجه عندما طلب مني أو التأخُر عنهم أكثر أو أضَيّع من وقت هِند و أبنها المُحترم.
أخذني لوديان بين ذراعيه القوية يداً أسفل ركبتاي و الأخرى أسفل ظهري ثم حلق بي الى فوق القرية و أمامنا تقود والدته، أما إكسانا فضّلت الطيران معي انا و لوديان و خلفنا راث.
نسمة الليل تجعلني أسترخي جداً، تحرك من شعري بِلُطف أسمع صوت القرية من الأسفل كلما اقتربنا من وسطها.
الرسومات تليق بكِ أنسة هاندسين. كَسر لوديان الصمت يُشير بِعينيه على الرسومات على كتفاي.
شكراً لكَ لوديان و أرجوك نادني بِكانيلا يكون أفضل.
أومئ هو بِتفهم يُعيد تركيزه لأمامه.
أمممم لقد سمعتُ انكِ مَخطوبة من لورد.
يبدو أنَ المعلومات تنتشِر بِسرعة هنا. قلتُ أضحك بِخفة صوت.
نعم انها كذلك.
هَمهَم هو يَعض على شفته السُفلية يبدو متوتراً لأميل بِرأسي على جنب مُستغربة.
هل كل شيء على ما يرام؟
رمش ثلاث مرات قبل أن يقول
انا حقاً لستُ أدري كيف أخبرك و لا اريد أحراج نفسي و نحنُ من على بعد كبير.
أخبرني ما الخطب.
رَطَب شفتيه الوردية ثم بلع ريقه.
أممم انا لستُ متأكد بأخبارك لكن بما انكِ مَخطوبة ربما لديكِ نصائح تُعطيني إياها بِشأن أمر مهم بالنسبة لي.
نصائح عن ماذا؟
لم يجبني على الفور لأنه متوتر كما توقعت وجهُه يَحمر خجلاً من الأن حتى قبل أن يُخبرني مِما أصبح شكله لطيفاً حقاً.
ا-انا في الحقيقة أحِب فتاة، و اننا معاً منذُ سنة.
هذا جميل جداً، لكني الى الأن لم أفهم ما الخطب.
أغمض هو عينيه ثم سحب نَفَساً عميقاً من أنفه قبل أن يقول
انا أحبها حباً جماً و تعلقتُ بها كثيراً و لا اريد أن أفقد الفرصة بالعيش معها الى الأبد لهذا، ا-اريد معرفة إن ما كانَ ط-طلب يدها لِلزواج أمراً جيداً الأن أم لا.
حدقتُ بِوجهه مُطولاً مَصعوقة من كلامه، لا تفهموني خطئ لكنه ما يزال شاباً و من الأن يُفكر بالزواج بالفتاة؟
انه رجلاً حقيقياً.
على العكس لوديان، قرارك عاقل و يبدو انكَ جاداً جداً معها لكن الستَ شاباً بعد اعني انتَ في التاسعة عشر من عمرك. أخبرته اتأكد ليومئ هو بِرأسه يرجع لِعض شفته السُفلية متوتراً.
هل العمر يهُم كثيراً؟ أعني والدايّ تزوجا عندما كانَ والدي في سنه المئتين بينما أمي في سِن المئة و خمسون انها أعمار مناسبة لكني لا اريد التأجيل أكثر مثلهم و أحوال معيشتي مُستقرة جداً.
هَمهَمتُ بِتفكير أجد أنَ كلامه صحيح العمر لا يهم حقاً إذا كانَ مستعداً و إذا كانَ الثنائي يحبون بعضهم و يُشاركون السعادة مع بعضهم فأين العيب بالزواج؟
لا يهُم، كلامك صحيح مئة بالمئة ولكن هل لديكَ خطة أم انكَ لم تُخطط بعد لِعرض الزواج منها؟
خطف نظرة سريعة عليّ ثم تنهد من فمه.
لدي الخاتم في جيبي و قررتُ أنَ اليوم أفضل لِعرض الزواج بما انه ايضاً في يوم مميز.
يا اللهي انه شاب يفكر بِطريقة رومانسية، الفتاة التي سيُعرض عليها الزواج محظوظة لِلغاية.
زواج، كما انها كلمة ثقيلة على اللسان و العقل.
كيف لي مساعدتك إذاً؟ انا سألته لكي أخَفِف عليه التوتر و القلق.
إن لم تمانعي، لقد أعددتُ المكان الذي سوف أخذها اليه و أفاجئها فيه ولكن أحتاج المساعدة بِسحب الحبال التي علقتها على الأشجار في الوقت المناسب فَلا أقدر على فعلها لوحدي و أتوتر أكثر عندما أفكر بأخبار أحداً من أصدقائي أو عائلتي.
حسناً، دع هذه المهمة لي انا و أخبرني عن موقع المكان الذي سوف تعرض الزواج فيه.
أومئ هو تَظهر و أخيراً بسمة على شفتيه توتره يَخِف ليبدأ بِشكري طوال الطريق و يخبرني عن الخطة بالتفاصيل و انا سمعتُ له و حفظت ما يجب عليّ فعله من أجلهما.
شعرتُ بالسعادة الكبيرة لكوني سأشهد على عرضه و من الأن أتمنى انها ستوافق و تتقبل خاتمه لأنها إن لم تفعل، سوف أقتلها.
أصبحنا الأن نطير في القرية أو بِداخلها، أجدها هذه المرة هادئة، لا ضجة فيها عدا الضحكات و الأحاديث التي تنبُع من وسطها.
وقف لوديان على العشب ينزلني على الأرض بِلطف و معي مَن يرافقونني الى أرض القرية أقدامي العارية تلمس العشب البارد و تدَغدِغها.
لماذا أقدامي عارية؟ حسناً هذا لأنه من التقاليد أن نقضي اليوم المميز من دون أحذية لكي نشعر بالطبيعة على حقيقتها لا حواجز بيننا هكذا كما أخبرتني الفتيات التي ساعدتني بالتجهز.
رأيتُ على الفور في وسط القرية بين الأشجار و المنازل فيها، أحجار مُجمعة على شكل دائرة و فيها نيران مشتعلة كبيرة و من حولها أغلبية القرويين من جميع الأعمار الصغيرة و الكبيرة.
يضحكون و يتحدثون مع بعضهم و غيرهم يلعب و يركض خلف الأخر و هنالك أقدار على النار منهم يُحركون على ما أعتقد الحساء و الطعام فيها من أجل تناوله حين تهدئ الأجواء.
هذا حقاً جميل، الأجواء لطيفة. قالت إكسانا تقف على كتفي الأيسر.
انتِ مُحقة، من الأن انا مُعجبة بِكل شيء.
هذا لا شيء بعد. أخبرتني هِند تمشي أمامنا شعرها الرمادي يلمع أسفل نور القمر.
هي الوحيدة التي ظلت معي أما لوديان ذهب لكي يستمتع بيومه مع باقي عائلته و أصدقائه قبل الوقت المنتظَر. دافني ظلت في المنزل تستريح لقد رفضت مشاركتنا لأنها مُتعبة و لا تُحِب التجمعات لهذا لم أرغمها على القدوم فَهي حرة و تستحق الراحة.
أخبرتُ كذلك بأن يذهب و يستمتع هو مع حَرَس فالين الذي أرسلهم معنا في هذه الرحلة. رفض هو في البداية كالعادة لكني أقنعته ليغادر و يتركني يُتَمتِم لي بأنه سوف يكون عندي إن احتجبته.
انا متشوقة لمعرفة ما سيحدث. انا قلت أعني كل كلمة و نحنُ نمشي نحوى النار.
اقتربنا من الجميع أكثر نُحاول إيجاد مكان لكي نجلس فيه قُرب النار الدافئة لِتتقابل عيناي بِعيون بنفسجية تلمع و وجه ذهبي لكون النيران تنعكس عليه.
الأمير فالكين جالس بين القرويين ركبتيه مُرتفعة لِمُستوى جسده و أكواعه متكئة عليها. انه يرتدي الأسود كالعادة و شعره مبعثر على جبينه، حريري أسود دامس.
علي رقبته المكشوفة و جانب وجهه رسومات ذهبية مثل خاصتي تتلألأ كالنجوم.
بقيت عينيه تلحقني طوال أخذي خطواتي حول النار و في أثناء تلكَ اللحظة، أحسستُ بِشعور عجيب في صدري، كأنما نسمة هواء عليلة لمسته و غادرت أو كاللمسة الرقيقة التي لا تدوم طويلاً.
لم أفهم ما يعنيه ما أشعر به لكني ابتسمتُ لِلأمير. لاحظتُ بأنَ طرف واحد من شفتيه أرتفع ولكني لم أكمل النظَر له و إذ بِأطفال ركضت إليّ و ألتفَتَت من حولي يمنعوني من المشي.
مدو أياديهم الصغيرة نحوي لكي أصافحها و انا فعلت، ليضحكوا و يبتسموا لي يجعلونني أشاركهم ذلك، منهم ظل يسألني مَن أكون و ما أسمي و منهم فقط أحبوا لمس يداي، فستاني و حتى شعري بِرقة من دون شده.
هل انتِ بشرية؟ سألتني طفلة تبدو في السابعة من عمرها لديها سِن مفقود من الأمام.
قرفصتُ انا أمامها أمسك بِذراعيها.
نعم انا بشرية.
تحول فمها الصغير على شكل 0 مندهشة بينما الأخرين شهقوا كأني أخبرتهم انني مَخلوقة من عالم أخر...
حسناً، حرفياً انا من عالم أخر.
انتِ جميلة جداً. أضافت أخرى لا تمتلك شعر لكنها لطيفة و جميلة كذلك.
وضعتُ يدي اليُمنى على وجنتها أعطيها أكبر ابتسامة لدي.
و انتِ ايضاً.
هل يمكنني لمس أذُنك؟ سألني طفل ثالث وجنتيه وردية جداً كأنه كانَ يلعب لوقت طويل.
نعم بالطبع. أجبته أبعِد الشعر عن أذُناي لكي يلمسوهُم أقهقه لا إرادياً على فضولهم الطفولي الظريف.
واو انها مُدَورة! صاح طفل رابع يلمس أذُني كلها يتحسس شكلها البيضوي مختلفة عن التي يملكونها هُم.
نعم انها حقاً غريبة و صغيرة. وافقته طفلة أخرى عيونها متوسعة.
أحسستُ بِعيون تحدق بي من عند النار التي يحيطها القُرَويون لأحرك رأسي على يساري من بين القرويين أجِد فالكين ما يزال ينظُر لي، تلكَ العينين بنفسجية جداً، أكثر من أيّ مرة رأيتها فيها.
تمنيتُ لو أعلم بماذا يفكر عندما ينظُر لي لكنه صعب قرأته فَلا تعابير تُخبرني بِذرة عن ما يجول في خاطره، فقط ينظُر لي لأشيح من نظري عنه و أقف مستقيمة.
حسناً حسناً يا أطفال هذا يكفي استكشاف و عودوا الى أماكنكم من أجل تناول الطعام قبل وقت ظهور مخلوقات النور و كبيرنا. أبعدتهم هِند عني تحرك يديها في الهواء لكي يذهبوا و ينصتوا لها.
ملامحهم اللطيفة تحولت لِلحزينة و خائبة للأمل لكنهم وَدَّعوني يُلَوِحون بأياديهم الصغيرة قبل أن يركضوا و يجلسوا حول النار مع عائلاتهم.
تعالي و أجلسي هنا أنسة هاندسين. أشارت هِند الى منطقة بين ريزار صديق فالكين و قائد القرية لودفيك لأفعل انا و يرحبون هُم بي.
بِجانب لودفيك يجلس رجلين بعدها فالكين الذي يشرب مشروباً ساخناً بِكأس خشبي و يتحدث مع رجل ما.
لاحظتُ أنَ هنالك مكان فارغ لم يجلس فيه أحَد بعد لأخمن انه مكان جلوس كبير القرية الذي لم يظهر بعد.
هذه أول مرة أراكِ ترتدين الأسود. هَمس ريزار من جانبي الأيمن لأنظُر له انتبه انه هو مثلي جلده المكشوف مثل ذراعيه و وجهه و رقبته مليئة بالرسومات الذهبية كما هو حال الجميع هنا.
و هل هذا أمر سيء أم جيد؟ انا سألته مازحة ليُقَهقِه كتفيه تهتز ثم عَدَّل من القماشة التي تُغطي عينه اليُمنى.
و هل سيكون سيء؟، تبدين فاتنة سيدة هاندسين.
لم أقدر على عدم الابتسامة أشعر بالسرور من صراحته. أتَت امرأة ما لكي تُعطيني مشروباً ساخناً لأدفئ فيه جسدي فَهنالك نمسة باردة كما ذكرت سابقاً و انا شبه عارية لهذا شكرتها عليه و شربتُ منه من دون قصد أحرق طرف لساني بِحرارته لكنه لذيذ جداً.
انه حليب، و طعمه مَزيجاً بين الزنجبيل و العسل مع نوع أخر من البهار الحلو له رائحة كَرائحة الفراولة.
بعدها بِقليل تناولنا الطعام اللذيذ من لحم البَط و بعض الخضار المسلوقة بالمياه بِنوع ما مِن التوابل المُطعِمة.
أخذتُ انا أتبادل أطراف الحديث مع ريزار أو لودفيك أنسى الوقت و أستمتع باللحظات الرقيقة على القلب و التي لا تُنسى. انها ليلة رائعة بِحق و لأول مرة منذُ سنين طويلة لم أشعر بالملل أو بأنني مَخنوقة من تجمُع أتضح انني أحببتُ كل شيء.
أحاديث، رفقة و طعام حتى أجواء بِشكل عام و تمنيتُ لو يستمر هذا اليوم الى الأبد مع انه لم ينتهي.
كانت مرات قليلة أحسستُ بها بِعيون أحدهم تُراقبني و عِدة مرات بحثتُ عنها لكني لم أجدها. أوَد قول انها عيون فالكين لكني عندما أنظُر له، أراه إما يتحدث مع مَن يجلس بِجانبه أو يُحدق بالنار شارد الذُهن و مُمسِكاً بِطرف كأسه الخشبي.
هنالك أمر ما به لم يخبرني ما هو و لا أعتقد انه سيفعل إن لم اسأل بِنفسي عنه لهذا قلتُ انني سوف اسأله لاحقاً عندما نكون وحدنا أو في مكان لا يَعُجُه الكثير من الأشخاص و الضجة.
فجأة عَم صمت مُخيف في التجمع، كل مَن يقف قد جلس و كل مَن كان يتحدث و يضحك قد صمت و جميعهم الأن ينظرون في جهة واحدة على يساري.
عقدتُ حواجبي مُتعجبة من أمرهم، لينقُرني ريزار على ركبتي يجعلني أنظُر له لكنه لم يتكلم بل أشار بأصبعه السبابة على شيء ما بِنفس الاتجاه الذي يحدقون به الجميع.
و فعلت لأفهم السبب.
ظهر رجل كبير في السِن بِشعر مَضفور أبيض و لحية طويلة ايضاً مَضفورة فيها خرز مُلوَن، قصير القامة و سمين بعض الشيء، التجاعيد تملئ وجهه البشوش و لديه عين عسلية و أخرى سوداء كَلون السماء.
جلس الرجل العجوز في المكان الفارغ الذي لم يقترب منه كائن لأعرف على الفور انه كبير أو حكيم القرية الذي أخبروني عنه.
صوت الخشب الذي يحترق و تراقُص أوراق الأشجار العملاقة فوقنا بِسبب النسمة كل الذي أسمعه، نراقب أثناء ذلك الحكيم الذي يُعَدِل من جلسته و يُدفئ يديه بِهواء النار.
و ها هو يوم أخَر في سنة أخرى يأتي لكي نجتمع فيه و نكسر غرورنا، أنانيَتنا و كرهنا ضِد شخص. ندع من صدقنا، محبتنا و أحاسيسنا الداخلية تطفوا الى الخارج تندمج مع هواء هذا الليل الجميل. قال الحكيم بِصوت أجَش عميق مُتربِع بِجلسته يديه تستند على ركبتيه يحدق بِكل فرد.
حطت عينيه الملونة عليّ لِلحظة فيها اكتسحني أحساس يجعلني أضع قبضة يدي فوق المكان الذي يتواجد فيه قلبي.
كأنه نظَر لِروحي و رأى كل شيء بِداخلي.
قبل قدوم مخلوقات النور العظيمة، سوف أحكي لكم قصة سوف تترك أثَر كبير في عقولكم و قلوبكم، لهذا استمعوا إليّ جيداً أحبائي و تخيلوا معي كل ما يخرج من فمي. أكمل هو يُشير على شفتيه المُغطاة بِشعر لحيته و شاربه.
لقد أقشعر بِدني من الأن. هَمس ريزار من جانبي.
لم أبعِد عيناي عن الحكيم و انتظرتُ بِصبر كالأخرين لِقصته مُتحمسة لها بينما إكسانا التي نسيتُ أمرها جلست على ركبتي تُشاهد الرجل مثلي.
تفاجأت عندما لم أراها مُختفية مع بلايز الذي هو ايضاً يجلس على ركبة سموه يُنصِت لِلرجل بِفضول.
كان يا مكان، في قديم الزمان. قبل ألفي سنة، كانَ هنالك عالماً واحد موَحداً فيه ملكين واحِد ذو أذُنين بيضاوية صغيرة و الأخر أذُنيه طويلة و مُدَببة. ذكيان، شجاعان و محبوبان، كلاهُما حكما العالم معاً، فيه يهتمان بِالكائنات من نفس عرقهم بِتوازن. الحب و السلام كانوا أولوية لهم و لا يوجد تفرِقة بينهم، توقف الحكيم قليلاً يُسَرِح لحيته المَضفورة ثم تابع القصة.
الجنيات و البشر كانوا يُساعدون بعضهم و يندمجون بِروعة، علاقتهم بِبعضهم كانت قوية جداً لا تكسر و تُدمَر بِفضل الملكين اللذان حافظا على السلام و كبرا معاً و أصبحا أقوى الملوك في العالم كله. يوماً من الأيام أختلف ملك على رأي الأخَر و تحول النقاش لِجدال حاد أدى بهما الى تحول حبهما و احترامهما لِبعض الى كره شديد و بُغض،
سمعتُ بعض الجالسين يهمسون بين بعضهم متفاجئين على كلام الحكيم.
بِسبب ذلك، قال الملك البشري أولاً انه سوف يحكم العالم بِنفسه لأنَ الملك الأخَر غير مؤهَل معه بعدما أختلف بِرأيه و ناداه بِالجاهل و بينما ملك الجنيات أعترض و قال انه هو مَن سوف يحكم العالم بِقوته السحرية لأنَ البشر ضُعفاء و غير مُتحضرين و عندما سمع الشعب عن شجار الملكان بدأوا البشر بالتوَحُد ضِد الجنيات و العكس صحيح،
يا اللهي، من الأن أعلم الى اين سوف تقودنا هذه القصة.
جميعهم بدأوا بالدفاع عن رأي ملك جنسهم و دعمه لأنَ خوف كبير قد جعلهم يظنون انهم سوف يَضيعون و حياتهم سوف تنقلب للأسوأ إن لم يتصرفوا بِسرعة مع أنَ كِلا الملكين كانوا مُخطئين بِقراراتهم و أراءهم و لا أحَد منهما على حق لقد استخدموا جشعهم بعدما رأوا كم أنَ عالمهم جميل و مُسالم،
هذا سخيف. تَمتَم ريزار بِنبرة منخفضة قبل أن يُكمل الحكيم وجهه يصبح جاداً عاقِد حواجبه الكثيفة يُخلق خطاً بينهما.
بسبب غبائهم و أنانيهم دمروا ما كانَ جميلاً و مثالياً، لم يكُن العالم المسالم كافياً لهما بل أرادا المزيد و المزيد الى أن اختلفوا و فرقوا بين الجنسين الذي تعايش سوياً لِقرون و لم ينفصلوا يوماً عن بعضهم ولكن بسبب أثنين تحول كل شيء لِكابوس بين الملايين من البشر و الجنيات.
انا أكره الملكان. قالت طفلة صغيرة تجلس في حضن والدتها ليبتسم الحكيم و يومئ مُكملاً.
شعب كِلا الملكين كرهوهم كثيراً لأنهم شنوا حرباً بين البشر و الجنيات، دامَت لِمئة عام فيها مات الملايين و ملوكهم الأنانية. السحر أصبح ضعيفاً عند البشر و الجنيات فَلقد تأذى العالم بِسبب الحرب الكُبرى و تقسم الى عالمين بدلاً من واحد. عالم بشر و عالم جنيات يفصلهما جداراً قد بنوه البشر من أجل حماية أنفسهم من السحر الذي فقدوه و المَخلوقات التي لا تشبههم.
كيف فقدو البشر سحرهم؟ سأل رجلاً بِفضول يجلس بِجانب الأمير فالكين المُركز بِالحكيم و كلامه.
هنالك أسطورة تقول أنَ عائلة كبيرة من السحرة الأوائل قد لعنوا البشر لأنهم كانوا يصطادوهم و يقتلوهم لأنهم كانوا يساعدون الجنيات في الحرب. و أسطورة أخرى تقول انهم فقدوه لأنهم استعملوا السِحر بِطُرق خطيرة قد أدَت الى دمارهم ولكن ليس هنالك أسطورة صحيحة أكثر من غيرها.
هذا رائع! قال طفل يبدو مُنبهراً يجعلني أبتسم مع نفسي على شكله لا يُدرك القصة بالكامل.
في النهاية و بعد الحرب خسروا البشر ضِد الجنيات و لكي يبقوا جنسهم حتى لا ينقرض، عقدوا سلاماً مع الجنيات خلقوا فيه نظام و قوانين من أجل أبقاء كِلا الجنسين بأمان طبعاً هذا لم يدوم طويلاً لأنَ هنالك بشراً لا تزال قريبة من بعض الجنيات و لديهم عائلات من الجنس الأخَر، لدى بعضنا عِرق مُختلط منه البشري و الجني لهذا ترون البشر يأتون الينا و الجنيات تذهب اليهم.
نظروا الجميع إليّ عندما ذَكر أخِر جملة لأبلع ريقي أتمنى لو تنشق الأرض و تبلعني حية لكني لستُ مُحرجة من كوني بشرية و ليسوا جميعهم سافلين لهذا أبقيتُ رأسي مرفوعاً أنظُر على الحكيم الذي ينظُر لي بالمقابل.
توجد بسمة صغير على شفتيه.
انتِ مثالاً كبيراً يا أنسة. مثال على أنَ حُب البشر و الجنيات لِبعضهم و احترامهم لم يموت الى يومنا هذا. قال الحكيم يوَجِّه الكلام لِلجميع يجذُب أنتباههم عني.
عيون بنفسجية حطت عَليّ صاحبها ساكِن، كالكِتاب مَختوم عليه من المستحيل فتحه و قرأته لكني تساءلت مع نفسي:
هل يوافق الحكيم رأيه؟ هل ينظُر لي على انني غريبة عنه و عن جنسه و ماذا يعتقد؟
في الحقيقة البشر و الجنيات لا تختلف عن بعضها، ما يجعلنا نختلف هو السحر الذي نملكه نحنُ بينما هُم لديهم ضعفهم على شكل قوى لهم و عقلهم يقودهم بِعكسنا نحنُ الذين نستخدم قلوبنا أكثر. قال الحكيم يُرجِع تركيزه على مَن ينتظرونه.
هنالك مَن توَحد ينشئ حياة حتى لو العالمين يمنعان ذلك و هنالك مَن يتخذ قرارات سيئة يُعيد نمو الكره و الحقد بيننا. نظَر لي الحكيم مجدداً قبل أن يُنهي جملته.
الشيء الذي دمر العالم في البداية هو انه كانَ يحكمه ملكين و ليس واحد لأنَ عندما يحكُم ملكاً مملكة لا يقدر على الاختلاف بِرأي غيره و يعتمد على نفسه لهذا لم تَعُد هنالك حرب بيننا و بين البشر. مثل كالإله، انه يحكُم الكون بِنفسه و لم يُدَمِر يوماً لأنه لا يوجد أله أخر معه.
لكن في النهاية عُدنا نعيش بشراً و جنيات سوياً صحيح ايها الكبير؟ سألته نفس الفتاة ذات الشعر الأحمر التي ساعدتني بِالتجهيز قبل قدومي الى هنا.
نعم، بعضنا عاد يعيش مع الأخَر لأننا لطالما ننتمي لِبضعنا لكن بِفضل الملوك القدماء لم نَعُد نقدر على الذهاب للأخر متى شأنا و أصبحت علاقاتنا مُعقدة لم يَعُد التوازن كما كان من قبل ولكن بعضنا يُفَضّل تأسيس حياة عند الجنس الثاني.
كيف هذا؟ تفاجأت عندما سأله فالكين لأول مرة يُخرج صوته.
حرك الحكيم رأسه الى الأمير عينيه المُلوَنة فاتحة ليس لأنَ النار تنعكس فيها بل هي وحدها تلمع و تبرق.
هل سمعتم بِوجود النِصف الروحي؟ سألهم الحكيم يُعيد نظره على الجميع.
لم يُجبه أحَد لأنَ لا أحَد عنده الجواب لهذا أبتسم الحكيم مع نفسه يحني رأسه لكي ينظُر على يديه التي تمسك بالعشب و تقطفه.
لِلبشر و الجنيات، البعض منهم، علاقة روحية هذا يعني علاقة أقوى من الحب و الصداقة، روح تنتمي لروح ثانية. مثلاً، رجل بشري لديه روح تُكمِل روح جنية أنثى و عندما تتقابل يُصبح توحدهما أقوى من اية شيء في العالمين و لا يمكن كسره.
و كيف لهما أن يتقابلا و توجد الملايين من الأرواح؟ سأله ريزار من جانبي.
ضَيّق عينيه الحكيم على السؤال لكنه طبعاً لديه الإجابة لهذا رد قائلاً.
نادراً ما تتقابل الأرواح، قد يتزوج الرجل الذي تنتمي روحه الى شخص أخر و قد يُحب امرأة روحها تنتمي لروح رجل أخَر و هكذا، لن يتأثر الشخص ابداً لكنه دوماً سيشعُر بِوجود نقص في قلبه، فراغ لن يملئه غير نِصفه الحقيقي.
لاحظتُ الجميع يضعون أياديهم فوق قلوبهم كأنهم سيعرفون إن ما كان هنالك نقص بداخلهم لأفعل انا المثل أحِس بِه ينبض أسفل كفي بِتناغم.
دقدق دقدق دقدق مُستمر لكن لا شيء، لطالما شعرتُ بِه منذُ أن أتيتُ الى هذا العالم حتى من قبل أن يُخبرنا الحكيم بالقصة، توجد حفرة بِداخلي مهما ملأتُها تبلع كل ما أضعه فيها و تعود كما كانت.
كيف تعرف انكَ قابلت نِصفك الأخر؟ وجدتُ نفسي اسأله من دون التحكم بِلساني لينظُر لي الجميع كما فعل الحكيم.
انا لم أقابل نصفي يوماً و لن أقابلها كما ترين لقد فات الأوان ولكن سمعتُ انه عندما تتقابل الأرواح تشعُرين بِجذب لهم، جذب ليس جسدي بل نفسي، كما لو أنَ حَبلاً يربطكما معاً يؤلم عندما تبتعدين عنه و يسعَد عندما تكونين معه.
رفع الحكيم أصبعه السبابة ثم وضعها فوق صدره لينقُر على المنطقة ثلاثة مرات.
هنا، هنا سوف تشعرين بالألم و السعادة، هنا سوف تعلمين أنَ نصفك قريب أو بعيد و لا أحَد غيرك سيعلم، هنا سوف تتعلقين به و لن تقدري على مفارقته.
ارتجفت يداي و أحسستُ بِشيء دافئ ينزل على خدي وضعتُ يدي المُرتجفة على فمي أمنع نفسي من أخراج صوت من فمي. لَف ريزار ذراعه حول كتفاي بيده يَفرُك ظهري من دون أن يسأل ما الخطب.
لم أرفع نظري للأعلى أو لأية مكان بل أبقيته على حضني أرى شعر برتقالي يعود لِإكسانا بِطرف عيني أعلم انها تحدق بي و تبكي معي، انها حساسة لِلغاية تبكي مع مَن يبكي و تضحك مع مَن يضحك.
وانا، أحتاج مايكا، أحتاجه أن يكون معي، لكنه اين؟ غير موجود فَهو بعيد عني ولن أصل إليه بِسهولة.
بعد سماعنا لِلقصة الحقيقية وراء تفرُق العالم قبل ألفي سنة جلستُ مع الجميع نشارك أطراف الحديث و نضحك و الأطفال يجلسون من حولي يسألونني أسئلة كثيرة عني و عن عالم البشر الذي لم يزوروه ابداً.
فجأة أتى لوديان راكِضاً إلينا أصبعه السبابة على شفتيه يُهَشهِش لنا كي نصمت.
حدق به القرويين قبل يُشير بيده الى خلفه لأرى مجموعة أضواء صغيرة جداً تطفوا في الهواء نحونا، تضيء و تنطفئ، تضيء و تنطفئ.
نهضنا من على الأرض نُراقبها قادمة لنا بِبطء. مَدو مَن معي أياديهم لأمامهم لتقترب الحشرات المُضيئة و تَحُط على أياديهم.
قربوا هُم أياديهم بعد ذلك على أفواههم ثم همسوا لِلمخلوقات بأشياء لم أسمعها و فقط تلك الحشرات الصغيرة تفعل، عينيها السوداء الكبيرة دائرية الشكل مُغمضة و رأسها مُنحني قليلاً.
جربيها انتِ. أخبرتني سالاندي تقف بِجانبي تظهر فجأة بالقرب مني.
مَدَدتُ يدي أنصِت اليها و بالفعل، حَطت فوق أصابعي واحدة منهم تُضيء باللون الأصفر من مؤخرتها.
قرّبيها على فمك و أهمسي لها ما تتمنينه، أمنية واحد فقط و لا تخافي. قالت سالاندي تومئ لي.
وضعتُ يدي عند فمي تقريباً لكن تركتُ فراغاً بينهما لتقترب الحشرة تنتظِر.
أغمضي عيناك و تمني بِصدق. تَمتَمت سالاندي لأومئ أغمض عيناي.
أعلم ماذا اريد تمنيه، لقد فكرتُ بالأمر طوال الليل و شيء واحد ظل عالق في عقلي لا يُغادر، شيء دوماً أتمناه.
أتمنى السعادة و الصحة. همستُ لِلحشرة لِتفتح بعد ذلك عينيها تنظُر لي لحظة قصيرة قبل أن تضيء بِقوة كأنها تحفظ أمنيتي.
ابتعدت بعدها عني ترفرف بِجناحيها. مَددتُ يدي حتى أدعها تحلق مع أصدقائها يُكملوا طريقهم في أرجاء القرية قبل رحيلهم عنها.
السعادة و الصحة، أمنية مملة صحيح؟
لكني أحتاجها و لطالما بحثتُ عنهما معاً لكن إما يأتيني واحد منهم مَفقود الثاني أو العكس.
رأيتُ بِطرف عيني لوديان و معه فتاة ما مَتجهون الى خلف الأشجار، تقابلت عيناي بِعيونه لِثانية بطيئة، أذُكر أنَ الأن مهمتي تبدأ كما خططنا. كدتُ أنَ أنساه تماماً لو لم أراه.
أخذتُ خطواتي متجهة بِنفس الاتجاه لِتمسك بِي سالاندي رافعة حواجبها
الى اين؟
أمممم الى، لِقضاء الحاجة.
أردت صفع نفسي على هذا العذر لكنها تركت ذراعي و ابتسمت بِأحراج.
أعتذر ما كان يجب عليّ سؤالك، لكن أرجوكِ لا تبتعدي عن القرية.
نعم أكيد.
و بذلك ألتفتُ بِمطرحي و ذهبتُ الى خلف الأشجار مع إكسانا. مشينا لمُدة بين الأشجار نبتعد أكثر عن القرية لنعثر أمامنا تماماً على ساحة كبيرة، بين الزهور و النباتات وقف لوديان و حبيبته.
لها شعر من نفس لون شعره، طويل و جميلة و لديها بشرة سمراء خالية من الشوائب تلمع و بِعيون ذهبية.
ما العمل؟ سألتني إكسانا عندما اختبأنا خلف شُجيرات نراقبهم من بعيد.
حركتُ رأسي على جهتي اليُسرى مكان تواجُد شجرة كبيرة عليها حبل مربوط مُتصل بِحبل أخَر على شجرة وراء حبيبة لوديان.
علي يميني توجد شجرة أخرى بعيدة عني عليها حبل ايضاً متصل بِحبل أخَر على شجرة يقف أمامها لوديان. تتساءلون ما الذي سيحدث لو سحبتُ الحبلين معاً؟
حسناً انها مفاجأة خطط لها لوديان بِشكل جيد و رومانسي لِلغاية.
سوف ننتظِر الإشارة منه. أجبتها مقرفصة خلف الشُجيرات و على شفتاي بسمة عريضة.
لا أسمع ما يتكلمه لوديان لِحبيبته لأنهم بعيدون مَسافة عنا لكن شفتيه ترتجِف و يبدو متوتر كثيراً قد يقع على الأرض و يفقد وعيه إن أستمر توتره ذاك.
عضتُ على شفتاي كي لا أضحك فَهو يبدو حقاً على وَشك الموت قبل أن يعرض عليها الزواج.
ما الذي تفعلينه؟ انتفضتُ انا أخرج صرخة ضئيلة من حلقي أضع يدي على الفور فوق فمي و ألتَفِت الى الخلف أقابل فالكين مُضَيّق العينين.
اللعنة! ما الذي يفعله هذا هنا؟
سمو الأمير! يا اللهي لقد أوقعتَ قلبي في مَعدتي. تنفستُ قائلة بِنبرة هامسة، يدي فوق صدري، قلبي ينبض بسرعة.
أسف لم أقصد إخا-- لم يُكمل جملته لأني سحبته على الأرض لكي يُقرفص بِجانبي أضع أصبعاً على شفتاي له كي لا يُصدر صوتً.
انا أشاهدهم هناك. أشرتُ على الثنائي الفتاة تستمع لِلوديان بِوجه مُتعجب يبدو انها لم تفهم الى اين سيقود لوديان الحديث.
اليسَت تلكَ غويا حبيبة لوديان؟ سأل الأمير ينظُر من فوق الشُجيرة.
هل تُدعى غويا؟ كيف عرفت؟ انا سألته.
هَزة هو كتفيه مجيباً
نعم، ولقد قابلتها بالصدفة في أول يوم لنا هنا، كنتُ أبحث عن منزل لودفيك و هي من ساعدني بِإيجاده.
هي من أخبرتك بِكونها و لوديان معاً؟
أومئ هو بِنعم لأغير انا الموضوع و أشرح عن الموقف الذي نحنُ فيه
انا هنا لمُساعدته عندما يطلب منها الزواج اليوم.
سيطلب منها الزواج؟ حدق بي الأمير مندهش.
نعم، اليس هذا جميلاً؟
لكنه شاب صغير بعد، سمعتُ بلايز يقول من جانبي هو و إكسانا معاً لأنَ الأمير كتفه قريب من كتفي.
و اين المشكلة في ذلك إن كانَ جاداً و لا يلعب؟ سألته إكسانا أتخيلها تشقلب مُقلتيها.
اصمتوا قد يسمعونا. أخبرتهم قبل أن يجثوا لوديان على رُكبة واحد يُخرج من جيبه خاتماً يلمع تحت نور القمر لانعكاسه به.
آوه لا! انها إشارتي.
سمو الأمير، ناديته أجذب انتباهه عن الثنائي لأشير على الشجرة التي لا أصَل لها على يمينه و أكمل
انتَ أذهب الى تلكَ الشجرة و أمسك بالحبل و عندما أخبرك، أسحبه بِقوى.
أومئ هو من دون تساؤل ليذهب كِلانا في جهة مختلفة. أمسكتُ الحبل كما فعل هو مثلي و انتظرنا سوياً ننظُر لِلثنائي.
غويا الأن تبكي و لوديان وقف على ساقيه على ما يبدو انه ينتظِر إجابتها لِتَقفز هي عليه تصرُخ بِكلمة
نعم نعم نعم!
لأعلم انها إشارتي، صِحتُ لِفالكين بِنبرة مُنخفضة لكي نسحب كلانا الحبال و بِنفس اللحظة أوراق الشجرتين الخضراء بِجميع درجاتها طارت مِن على أغصانها تُشَكِل حَماماً من البَتلات الجميلة في السماء فوقهما، لِينظرا كلاهُما للأعلى بِدهشة.
يدعا الأوراق تسقُط على وجوههم يضحكون بأعالي أصواتهم معاً هو يحملها يُحدق بها و هي تُشاهد الأوراق و تمسك بعضها بيديها.
أنزلها لوديان على قدميها بِحذر لتَمُد هي يدها كي يضع الخاتم في أصبعها، أشعر بِسعادة كبيرة لهما كأنني انا التي عُرِضَ عليها الزواج.
أذكر لحظة مُماثلة، عندما عرض مايكا عَليّ الزواج و كم بقيتُ أبكي كالحمقاء لا أصدق انه أراد الزواج مني.
ارتدَت غويا الخاتم تُحدق به على أصبعها بِفرحة لا توصَف لتقترب منه و تُقَبّله على شفتيه بِشَغف تُمسك بِوجهه و لا تزال بسمتها الجميلة ظاهِرة من بين قُبُلات خاطبها و زوجها المستقبلي. أبعدتُ عيناي عنهما أدعهما لِخصوصيتها لأمشي انا عائِدة الى القرية.
لحق بي الأمير و مُرافقه يمشي بِجانبي، أصوات أقدامنا العارية فوق العشب تملئ السكينة بيننا.
أحسنتِ العمل. قال فالكين يكسر السكينة لأبتسم مع نفسي، أرفع رأسي لكي أنظُر له.
و انتَ ايضاً، لقد أتيتَ في الوقت المُناسب.
خمنتُ انكِ تحتاجينني معكِ. قال هو بِغيظ يجعلني أخرِج ضحكة خفيفة ليضع يديه في جيوب بنطاله.
بالمناسبة، تبدين رائعة. اللون يليق بكِ جداً. يجب عليكِ تغير لون الفساتين من البيضاء لِلملونة بعض الأحيان.
هَمهَمتُ بعيون مُضَيّقة لأتساءل مازحة
تعني أنَ الأبيض أصبح مُمِل عليّ؟
نظر لي بِعيون متوسعة لأضحك مجدداً على تعابيره المَصعوقة كأنَه تلقى صفعه على وجهه.
لا لا، أعني كل شيء جميل عليكِ لكن التغير لن يُضِر.
انا أمزح سموك، انتَ محق. خزانتي كلها فساتين بيضاء و نادراً ملونة و الأسود لا وجود له عدا الفستان الذي اشتريته مرةً من متجر كاغوا و لم أرتديه يوماً، مُعلق في زاوية خزانتي منذُ حين.
بعد انتهائي من الجملة الاخيرة، تذكرتُ اليوم الذي اشتريتُ فيه الفستان الأسود. اليوم الذي أحرجتُ نفسي و كدتُ أفضَحها أمامه...
عندما كان سيقع الفستان من على جسدي و جزء من صدري من الأعلى كُشِف...
آوه يا للهول ليتني تمنيتُ نسيان تلكَ الذِكرة عندما سنحت لي الفرصة مع مخلوقات النور قبل لحظات.
خطفتُ نظرة على وجه الأمير لأجده ثابت لا وجود علامات على انه يُفكر بما أفكر به و دعوت الله انه يُفكر بأية شيء عدا الذي أتمنى مسحه من حياتي.
أعتذر على اللحاق بكِ سابقاً لكني قلقت و خِفت أن تتعرضي لِلخطر و انتِ لوحدك. الحمدلله غيّر هو الموضوع.
أحم أحم. سمعنا إكسانا تُخرج الصوت من حلقها ليضحك فالكين يرفع رأسه لِلسماء.
آوه صحيح، أعني لوحدكما من دون شخص ثالث، فَلا أريد أن تواجِها حيوان مفترس مجدداً.
تجمد ساقاي في مكاني أرمش عليه بِصدمة على ما قاله أحدق بِظهره و هو يمشي.
هل عرفتَ بأمر الوحوش؟
توقف هو ايضاً بما انه لاحظ عدم وجودي معه ثم أستدار إليّ يَحُك رأسه من الخلف.
لقد سمعتُ هِند تخبر لودفيك زوجها لهذا سألتها و أخبرتني كل شيء.
أخذ خطواته نحوي ثم وقف مواجِهاً لي تماماً، قريب كِفاية لِلشعور بِحرارة جسده على جلدي المُعَرَّض لِلنسمة الباردة.
لماذا لم تخبرنني كانيلا عن ما جرى؟
لم، لم أكُن أوَد جعلك قلقاً فَنحنُ بخير و لم نتأذى.
أمسك هو بِكتفاي يجعلني أرفع نظري على وجهه على جانبه ظلام، يَحجُب ايضاً ضوء القمر عني أصبحت المسافة بين وجهينا صغيرة أنفاسه تضرب شفاي عينيه البنفسجية داكِنة جداً بدت سوداء.
لا أعرف كيف و لِما لكني أشعر بِنبضات قلبي في جسدي كله و حلقي جاف كما لو انني لم أشرب المياه منذُ أشهر.
و مع ذلك أخبريني كي نكون حذرين معاً فَلو تأذيتِ أو حدث لكِ مكروه انا لن، قال لا يُكمل جملته، يقطعها بِقطع لمسته على كتفاي يترك أثر دفئه عليهم، يأخُذ خطوتين لِلوراء.
لا يهم، دعينا نعود. ألتَفتَ و تابع سيره لوحده مع بلايز الذي نظر لي يهُز رأسه على كِلتا الجهتين كأنه يُخبرني أن لا اسأل أو أضغط عليه.
كنتُ أَوَد أخباره بأن يُكمل جملته و يُخبرني ما كان سيقوله لكني ختمتُ على فَمي بالصمت و فَضّلتُ المشي ورائه أحدق بِظهره و كتفيه العريضان.
هذه الأيام الأجواء بيننا مُتغيرة. غريبة و عجيبة، أحياناً نتحدث بِشكل طبيعي جداً لِيتحول فجأة كل شيء الى الثقيل، يُلقي بي الى الحيرة حتى أعثُر على نفسي أفكر بِه و بالذي في دماغه.
أحاديثنا تصبح حادة بِثانية و تنتهي بِسرعة كأننا نحاول الهرب من شيء ما.
منذُ متى بدأنا هكذا انا حقاً لستُ متأكدة.
عدنا كلانا الى حول النار أرى القرويين يتناولون الطعام المُتبقي و بعضه فقط مُستلقي فوق العشب يُراقب النجوم في السماء و منهم عاد الى منزله فَلقد تأخَر الوقت على ما أعتقد.
رأني لوديان و معه زوجته المُستقبلية، يبدو انهم سبقونا و حديثي مع فالكين أخَذ وقتاً لم ألاحظه، ليَشكُرني لوديان على ما فعلته من أجلهما كلاهُما و انا بِسرور و موَدة عناقتهما و تمنيتُ لهما السعادة لأنهما يستحقان.
بعدها قررتُ العودة الى المنزل فَبدأتُ أشعُر بالتعب و الإرهاق، لستُ أدري لماذا لكني فقط وَدّعتُ الجميع مؤقتًا ثم توَجهتُ ليأخُذني حارسي راث الذي عثرتُ عليه بالصِدفة مع باقي الحرس.
في الأخر لم تكُن هذه الليلة سيئة على الأطلاق، بل مُذهلة و خيالية سوف أتذكرها للأبد مع باقي الذكريات الجميلة.
فَلستُ أعلم ماذا يُخبئه المستقبل لي من أشياء مُختلفة قد لا تحمل ذِكرة كَروعة ذِكرة اليوم.
و طبعاً نهاية اليوم لم تكُن كما تخيلتها أو تمنيتها، لأنني عندما كنتُ في غرفتي نائِمة على سريري بِهناء، سمعتُ صوت صُراخ يعود لِأمير نائم، أعرف ما مُسَبِب تلكَ الصرخات المؤلمة.