رواية تحت الغطاء الأبيض الجزء الثاني للكاتبة مينار الفصل السادس والعشرون

رواية تحت الغطاء الأبيض الجزء الثاني للكاتبة مينار الفصل السادس والعشرون

رواية تحت الغطاء الأبيض الجزء الثاني للكاتبة مينار الفصل السادس والعشرون

لقد سألتُ أغلبية الخدم في القصر الملكي حتى حاولتُ أخذ معلومة من تيريان عن هذه المجموعة ولكنه نفى كل ما سألته و أتضح أنَ لا أحَد يعرف ما هي هذه الشارة و من اين أتَت بالضبط. و كانيلا قالت نفس الشيء عندما أتَت الى غرفتي تخبرني أنَ سيري و خادماتها و آناس لا يعرفون شيئاً عن الأمر.

بالنسبة لحريق النُزُل، لم أسمع خبر منه أو أنَ تيريان يَشُك بِشيء مِما أصبح الوضع أمن، قليلاً و إن كانَ يعرف فَهو لم يقل شيئاً.
توك أخبرني أنَ الحراس الملكيين قالوا بأنَه مجرد حادث قد تحول لِكلام بين الشعب هنا و هناك غير ذلك، لا مزيد.

الحرائق تحدث في أية مملكة و النُزُل ليس باستثناء لهذا أرحتُ بالي و استعدتُ طاقتي لِلسفر. تناولنا الفطور مع العائلة الملكية ثم غادرنا جميعنا الى عرباتنا و هُم طبعاً لحقوا بِنا لِلتوديع.
عانقت كانيلا سيري ثم آناس تتحدث معهم لأخِر مرة و الدموع في عيونهم كلهم أما انا صافحتُ تيريان أعطيه بسمة مثله أشكره على كل شيء من جديد.

أتمنى أن تعودوا مرة ثانية ليس فقط من أجل العمل بل كَزيارة. أخبرني تيريان يُفلِت يدي.
سوف نعود.
اومئ هو بِتفهم ثم أدخل يده بِجيبة سترته الخضراء و البيضاء الداخلية بعدها أخرجها و فيها ظرف ذهبي عليه ختم عائلته.
رسالة.
خُذ هذه الرسالة و أعطها لفالين بِنفسك.
رمشتُ انا على الرسالة أنسى انه يجب عليّ أخذها منه. أمسكتُ بها أنظُر له رافع الحواجب ليضع ذراعيه خلف ظهره يقف مستقيم الظهر.

انه رد على رسالته فَحسب. برر لي لأضَيّق عيناي عليه و اومئ على اية حال.
يبدو أنَ هنالك أمراً ما بينهما لكني لن أضغط و لن أدخِل أنفي في ما لا يعنيني، للأن.
و بذلك ودعناهم لِلمرة العاشرة و عُدنا الى عرباتنا و الى خارج القصر و المدينة و الى أراضي الخارجية لأريزو في غابة أبيرو الشهيرة.

علي الطريق تناقشتُ انا و ريزار بِموضوع الجثث و التاجر و خصيصاً الشارة و السلاسل الغريبة و في نهاية النقاش لا شيء منطقي خرج. لا أجوِبة منطقية لكل سؤال نتفوه به بل كل شيء ضبابي، غامض و مجهول.
توقفنا عِدة مرات على الطريق من أجل الاستراحة و الأحصنة كي لا تتعب أو مِن أجل قضاء الحاجة و تناول الطعام ليس أكثر حتى نصل أسرع لفالينيا.

بعد أسبوع سفر مُرهق و طويل وصلنا الى مملكة الربيع و رحبوا بنا فالين و فينار و ايضاً الخدم الذينَ نعرفهم جيداً.
افترقنا الى غرفنا من أجل الاستحمام و ارتداء ملابس جديدة و بعد ذلك تمت دعوتنا من أجل تناول الفطور مع الملك و أخته في قاعة الطعام.

جلسنا في مطارحنا المُعتادة، انا على يسار فالين و بجانبي ريزار، فينار على يمين أخاها و بجانبها كانيلا. و بدأنا نأكل و نتكلم، فالين يسألنا عن ما جرى في أريزو و كيف كانت رحلتنا و انا أجيبه أو ريزار و كانيلا يخبرونه القصص.
ألقى فالين نكاته الرخيصة بين حين و أخر يُضحِكنا جميعنا الى أن خرج الحساء من أنف ريزار ليرى انه يجب عليه توقف مزاحه قبل أن يقتلنا.

ضحكتُ من قلبي على كل ما قاله حتى لو كانَ سخيفاً أجِد نفسي أنَ في أريزو الأجواء كانت، مختلفة. ليس فيها حياة كَما الأن على الطاولة و طبعاً فالين يلعب دوراً كبيراً بِتحويل الأجواء الى مُشرقة و ممتعة، فَهو لا يُلَقَب بِملك الربيع من دون سبب.
صفق فالين بيديه يعود بِجسده على كرسيه ينظُر الينا بِبسمة كبيرة على شفتيه.
حسناً يا سادة و سيدات، قال هو يسنُد ذراعيه على مساند الكرسي
لدي خبرين اليوم من أجلكم.

لم يعد اياً منا يتناول طعامه و إنما حدقنا بالملك ننتظِر منه بِصمت أن يكمل كلامه لكنه لم يقل شيئاً و ظل يبتسم لنا، لأتنهد انا أضَع الملعقة من يدي على جانب الصحن.
ما هو الخبرين فالين؟
رفع أصبعه السبابة قائلاً
احتفال بيوم السيهينا بعد ثلاثة أيام، لهذا أطلبوا ما تشاؤون من الخدم كي يذهبوا الى المدينة لِشراء كل ما تحتاجونه من أجل الاحتفال الذي سيُقام في القصر و سوف نستضيف الكثير هذه المرة.

آوه، لقد نسيتُ بِشأن هذا اليوم المميز من كل عام في مملكة الربيع و كم انه يوماً، فريد بِحق.
رفع فالين أصبعه الثاني
الخبر الثاني هو عن مملكة شادونايت. لقد وصلتنا رسالة منهم البارحة قبل مجيئكم.
عَم صمت عميق بيننا على ذِكر أسم مملكة الظلام و تركزينا زاد بأضعاف على فالين الذي يبدو انه لن يتكلم بسرعة لو لم تُصَفي فينار حلقها بِقوة كي يُتابع حديثه.

الرسالة تقول، أنَ مسؤولين قصر الظلام غيروا من موعد المقابلة الى بعد أسبوعين من اليوم.
أسبوعين؟ سأل ريزار مندهش حاجبه مُعقد بما أنَ الثاني مخفي أسفل القماشة على عينه.
اومئ فالين رأسه مرتين تصبح تعابير وجهه جادة عينه الخضراء تتحول لِلداكنة لكون نور الشمس لا يصلها كَعينه العسلية التي بدت صفراء.
نعم. صدقني لقد اندهشتُ مثلك، بل أكثر لكن قالوا انه أفضل وقت لقدومنا.

قدومنا؟، انتَ تتحدث عن نفسك ايضاً؟ انا سألته مستغرب.
ضغط بِشفتيه على بعضها و نَقرة بأصابعه على مسند كرسيه لا يخرج صوتً الى أن أجاب
سوف أتي معكم مع انني كنتُ سأبقى هنا و أرسلكم انتم، لكني غيرتُ رأيي بأخر لحظة.
و لما هذا؟ فينار مَن سألت هذه المرة، يبدو أنَ أخاها لم يخبرها من قبل.
حرك رأسه فالين نحوها و رد
لا أثق بهم، أعني مسؤولين القصر و أوَد مواجهتهم بِنفسي.

لكن هذا خطر عليك فأنتَ ملك فالينيا لا يجب عليكَ ترك القصر. انا اعترضت بدلاً من أخته التي بدت على وَشك خنقه بيديها فَهي تُمسك بالشوكة بِشدة حتى أصبحت مفاصلها بيضاء و انطوت من قوتها.
تظنون انني لستُ مُدركاً للأمر؟ سأل فالين بِنبرته الملكية الصارمة لأشقلب مُقلتاي أرجع بِظهري على الكرسي.
بل نعلم هذا ولكن إن ذهبت معنا، مَن سيَبقى في القصر و يحميه؟

نظر فالين الى الوراء لجانبه الأيسر ينظُر الى مساعده الشخصي، صاحب الوجه المتحجر و عيونه الخضراء، يقف بِجانب كرسيه.
لاحظت أنَ عيونه على أخِر شخص يجلس معنا.
كانيلا، انها تحدق به بِصدمة كذلك، الملعقة بيدها تتدلى من بين أصابعها.
نعم، فالين بِكل تأكيد أخفى الكثير عنا كلنا و بالأخص فينار.

مايكا، هو مَن سيبقى بدلاً عني بما انه مساعدي الشخصي و الأفضل بِتولي أمور القصر في غيابي. قال فالين بِتفاخر ليومئ مايكا لملكه يبقى صامتاً.
في الحقيقة انا أوافق فالين. مايكا الأفضل في عمل القصر و مع ذلك ذهاب فالين الى مملكة شادونايت و مقابلة تلكَ العفاريت التي فيه خطير جداً عليه و إن تأذى هناك...
هَززتُ رأسي مع نفسي ألقي بِتلكَ الأفكار بعيداً عني، فَلا أريد التفكير بكون فالين متأذي.

هذا ليس قراراً صائباً فالين. قالت فينار من بين أسنانها ليتجاهلها أخاها و يكمل شرب عصيره من الليمون و النعناع.
فالين! رفعت نبرة صوتها تجعله ينظُر اليها بِلا تعابير على وجهه الوسيم، كأسه أمام فمه من دون أن يشرب منه.
أرجوك جلالتك، فكر بالأمر أكثر. فجأة قالت كانيلا بِرقة و قلق ليضع كأسه غير منتهي. انتبهتُ على شده لِعضلة فكه مراراً و تكراراً.

انه غاضب لكوننا نحاول أقناعه أنَ فكرته غلط و قد تؤذيه و انا أعلم انه لن يُنصت الينا فإذا أتخذ فالين قراراً لن يرجع عنه.
انا لا أستأذنكم أو أعطيكم رأيي، انه قرار انا اتخذته بعد تفكير طويل حتى قبل أن تصلنا الرسالة من المملكة.
و مع ذلك انتَ تخبرنا الأن! اندفعت فينار تقف على ساقيها بِسرعة تجعلنا جميعنا نتجمد في مقاعدنا، الكرسي خاصتها كادَ أن يقع لولا أمساك توك حارسي، إياه و إعادته لورائها.

و مع ذلك بدى فالين غير مهتم ينظُر لها بِحاجب مرفوع.
أجلسي فينار، لا داعي لِلدراما لأنني لن أغير من رأي.
دراما؟ هذا ما ترى قلقنا و خوفنا عليك و على هذا القرار السخيف، بأنه دراما؟
لم يُبادرها الكلام و ظل ينظُر اليها بِعيون هادئة لكن فيها شعلة قد تتحول لنيران، يُدير كأس عصير بأصابعه فوق الطاولة.

ضمت فينار يديها على شكل قبضات على جانبها ترمقه بِنظرات لو كانت موَجّهَ لشخص أخَر لكان هرب باكياً منها لكن فالين ظل جالساً يتحداها عيونهم لا تترك بعضها.
ظلوا يحدقون بِبعضهم لفترة كأنهم يتحدثون بِصمت عن طريق العيون و بعد لحظة دامت أكثر عن اللزوم تنهدت فينار بِقسوة ثم جلست على كرسيها لا تقترب من طعامها.

بقينا صامتين لِلحظة طويلة أخرى، نسمة الهواء لا تُصدر صوتً و لم يلمس منا باقي طعامه، لم يَعُد لأحد الرغبة بالأكل.
زفر فالين الهواء من فمه و قال بِهدوء يكسر الصمت المحرج
فالكين و ريزار، أوَد التكلم معكم في مكتبي لهذا بعد ساعة تعالوا سوياً اليّ أما الباقي منكم، فاستدعوا ليوم السيهينا.
تبادلتُ النظرات مع ريزار لكنا اومأنا لهم بِالموافقة على اية حال.

هكذا قضينا الفطور بِصمت الى أن حان وقت المغادرة. انا و بلايز كنا أخِر مَن يُغادر القاعة لكوني قضيتُ فترة أحدق بِنوافذ الشرفة المُطلة على الحديقة الجانبية لِلقصر و فيها نافورة كبيرة على شكل امرأة لها أجنحة تحمل بيد نبتة و بالأخرى زهرة.
هذا قسم من الحديقة نفسها التي أتمشى فيها إلا انه قسم لم أتي اليه كثيراً.
انتبهت انني الوحيد الذي تبقى في القاعة بعد أن عَم صمت أسمع فيه نبضات قلبي و زقزقة العصافير.

خرجتُ من القاعة متوجِه الى الحديقة، لكي أستنشق بعض الهواء المنعش الربيعي الذي أعلم انه سوف يُصَفي ذهني و إذ بيد صغيرة دافئة تُمسكني من ذراعي العُلية و توقفني عند أبواب القاعة.
نظرتُ الى خلفي أجد كانيلا و بِجانبها تطير إكسانا. استدرتُ اليهما أنظُر من حولنا لا أرى أحداً غيرنا في الردهة.
هل من خطب؟ سألتها ألاحِظ توترها مرسوم على وجهها.
لا لكني أردتُ أخبارك عن ما حدث معي اليوم قبل الفطور.

وضعتُ يداي في جيوب بنطالي أميل رأسي على جنب.
ماذا حدث؟
مررت أناملها النحيلة في شعرها المضفور تجعل بعضاً من الخصلات تهرب منها و تنزل على وجهها.
تكلمتُ مع مايكا و الخدم عن تلكَ الشارة التي أريتني إياها و مع الأسف لا يعلم أحدهم عنها و لم يروا شيئاً مثلها أبداً.
ألم يَشُك مايكا بِك لكونكِ سالتيه هكذا؟
هَزت رأسها تُمسك رقبتها من الخلف و هي تتنهد و انا راقبتُ الحركة.

لقد رسمتُ الشارة على ورقة ثم أخذتُ رأيه عنها بما انني أرسم بعض الأحيان، أتظاهر انها رمسة مِن خيالي و هو لم يَشُك، انا متأكدة.
همممم هذه فكرة ذكية لم تخطُر على بالي و إن شَك بالأمر فَهو لم يظهر لها ذلك لكن من الجيد انها فعلت و سألته لأنني لا أتصور الطريقة التي سوف أحضر الموضوع له.
غير ذلك؟ انا سألتها.
لا شيء، لا أحد يعلم. ماذا عنك؟

هززتُ انا رأسي أجيبها بِ لا، لأنَ جوابي نفسه، و لا كائن هنا سمع بِمجموعة مثلها أو رأى الشارة في مكانٍ ما إن كانَ في هذه المملكة أو غيرها.
وضعتُ انا يداً خفيفة على كتفها لترفع رأسها اليّ.
لا مشكلة، لقد فعلتِ ما بِوسعك و الكثير. انا سوف أحاول سؤال مَن نسيتُ سؤاله و حتى سأنتقل لِلحراس ايضاً.
أتمنى أن تعثر على ما تبحث عنه.
أعطيتها بسمة جانبية أترك كتفها النحيل.
و انا ايضاً.

من دون قصد حركتُ عيناي على رقبتها و لأول مرة انتبه على وجود شيء عليها، يبرُق أسفل نور الردهة و في أخره فوق صدرها تقريباً عقد على شكل فراشة وردية.
انها ترتدي العقد الذي أهديتها إياه منذُ أيام في أريزو.
لاحظت هي تحديقي به لتضع يدها عليه و تُمسكه، تلعب به مبتسمة.
لقد أصبحتُ مهوسة بِه، أرتديه مع كل كل شيء. أخبرتني بِصراحة.

اتكأتُ على ساق أكثر من الأخرى لا أعلم ماذا أقول بالضبط مع انني أشعر بالسعادة تضخ نفسها الى رأسي، فَهل أضحك و أخبرها انه يليق بها مع انها الحقيقة أم أصمت أجعل الوضع محرجاً بيننا.
ذهبتُ مع الاقتراح الأول لأني لم أقدر على التحكم بِلساني كأنه محلول.
انه يليق بكِ جداً.
تركت العقد يتدلى فوق صدرها تشُابك يديها بِبعضها فوق بطنها. إكسانا أخذتُ تنظُر عليه و بِلايز بِجانبها يخطُف نظرة على الصغيرة بِفضول.

هل، أردتُ أكمال سؤالي لكني توقفُ قبل فوات الأوان.
هل ماذا؟ هي همست.
هززتُ رأسي أرفض الإجابة لأخبرها أنني سوف أراها قريباً و هي ابتسمت أكثر لكن ابتسامة لا تصل لعيونها الجميلة كأنها ما تزال تشعُر بالفضول على ما كنتُ سأسألها عنه.
ودعتها مؤقتاً ثم غادرتُ الردهة و الى الحديقة.
هل سألكِ مايكا عن العقد و مَن الذي أهداكِ إياه؟ أم لم يهتم؟

كان هذا السؤال الذي أردتُ سؤالها عنه لكني في أخِر ثانية غيّرتُ رأيي و قلت انه ليس مهماً و لا شأن لي بهما.

و انا أتمشى في الحديقة، ابتسم و أقبل الترحيب مِن الخدم و العمال رأيتُ جونيبِر بالقُرب من البيت الزجاجي تتشاجر مع ذلك الطفل نفسه المُشاكس الذي نعتها بالسارقة مرةً قبل أن أذهب لمواجهة تلكَ النبتة العملاقة.
و التي كادت أن تقتلني.
توجهتُ نحوهما يداي في جيوبي أعصر ضحكة كي لا تخرج على شكلهما هي تسحب حبل ما و الأخَر يسحبه منها يصرخ عليها.

انتما أفضل ما في الحديقة لِلمُشاهدة. قلتُ لهما ليتوقفوا عن شَد الحبل و يحدقوا بي.
الطفل ابتسم لي بسمة فيها سِن مفقود بينما جونيبِر ركلته ليقع على مؤخرته فوق العشب ثم ألقت الحبل بِوجهه.
خذه انا لم أعُد أحتاجه و أركض باكياً الى والدك.
لم يبكي و لم يهرب لكنه أخرج لسانه عليها و هي تجاهلته تأتي اليّ مبتسمة ايضاً فردَت ذراعيها و انا رحبتُ بِعناقها اللطيف.

لقد مَر زمن منذُ أخِر مرة رأيتكَ بها، كيف كانت رحلتك في أريزو؟ سألتني هي تبتعد عن العناق.
مشوقة. تَمتَم بلايز مِن جانبي لتُهَمهِم جونيبر تمسح جبينها بيد فيها تراب تلطخه به.
انا متأكدة من هذا و مع ذلك أخبروني عن المغامرة.
قبل أن نبدأ بالقصة، لماذا كنتُ ستفتلي ذلك الطفل الصغير مجدداً؟ انا سألتها ألقي نظرة عليه ينهض على ساقيه يحمل الحبل بعدها لوَح لي لأردها له و غادر راكِضاً الى البيت الزجاجي.

تنهدت هي تضع يديها على خصرها تجيب
لا تريد أن تعلم لأنك سوف تعاني من صداع لأيام.
ضحكتُ على ذلك بعدها أشرتُ لها بِذقني كي تمشي معي في الحديقة ثم أخبرتها لا أضَيّع وقتاً بِما أنَ لديها فكرة كاملة عن موضوع ذهابي الى أريزو في المقام الأول.
لقد تم قتل التاجر و مهاجمتنا مِن قِبَل مجموعة غريبة.
تجمدتُ قدميها فوق العشب ثم استدارت نحوي بِصُعق.
ماذا؟
تنهدتُ مستاء من الأمر أدَلّك جسر أنفي.
مع الأسف هذا ما حصل.
كيف؟

لم أجبها على الفور بل أخرجتُ الشارة من جيب بنطالي و أريتها إياه لعلها تفهم لوحدها و بالفعل، فهمت لكنها بدت مُتعجبة تُعقد حواجبها الداكِنة على الشارة و تتمعن بها.
انا لم أرى شيئاً مثله من قبل.
هذا ما توقعت أن تقولينه مع الأسف.
أعادت الشارة لي لكي أرجعها الى جيبي و بعد ذلك أخبرتها القصة كاملة و نحنُ نتمشى بعيداً عن سمع الخدم و العُمال و عيونهم من خلف البيت الزجاجي و بين الشجر الكبير.

سمعتني هي حتى النهاية و لم تتفوه بِحرف لمُدة قصيرة تراقب العصافير في السماء الخالية مِن الغيوم تطير و تزقزق لبضعها.
ماذا ستفعل بالسلسلة التي معك؟ سألتني هي بِفضول تُشابك ذراعيها أمام صدرها.
أفكر بالذهاب الى المدينة و سؤال أفضل حداد هنالك لكني لا أعتقد انه سيَعرف مَن صنعها و من اين أتَت من الأساس.
هَمهَمت هي قليلاً ثم أضافت.

و انا أعتقد المثل، بِما انها صُنع نادر و لا مثيل له لكني متأكدة مع انني لا أفهم بالحِدادة و الأسلحة، أنَ لِلشادونايتس يد بِصنعها.
نظرتُ لها بِطرف عيني نأخُذ منعطفاً أسمع من بعيد صوت ضحكات العمال.
ربما شادونايتس قُدماء، لا يزالون يردون الانتقام لكن مازلتُ أظن انهم ليسوا السبب و أنَ هنالك مَن يترأسهم ليس منهم طبعاً.
كيف تكون متأكد؟
هززتُ كتفاي من دون إجابتها.

ماذا عن ذلك الرجل المُخيف في الكهف؟ فجأة سأل بلايز من فوق كتفي يجعلنا ننظُر له رافعين الحواجب لا نفهم ما يعنيه.
طار بلايز أمام وجوهِنا يدع فراغاً كبيراً بيننا ثم وضّحَ سؤاله
الذي ذهبنا اليه مرةً لكي نسأل عن الجثث، الرجل الذي يعرف كل ما يحدث في هذا العالم، تقريباً.
تبادلتُ النظرات المتسائلة مع جونيبِر لتتوسع عينيها هي بأدراك تُفَرقِع بأصابعها قائلة
تعني جيكال؟
آوه هذا الرجل.

اومئ بلايز ثم واجهتني جونيبر تقف أمامي
ما رأيك لو نذهب اليه مرة أخرى و نسأله عن السلسلة، لعله يمتلك إجابة و لو صغيرة قد تساعد.
كيف له أن يعرف بها؟ انها شيئاً--
المُحاولة لن تؤذينا. قاطعتني هي تُرَبِت بِطرف أصبعها السبابة على رأس بلايز ليبتسم هو بِسعادة على ذلك يجعلني أشقلب مُقلتاي لكني لم أمنع القهقهة تغادر حلقي.
انتما طفلان.

طفلان كبيران. قالت جونيبر تضحك مع مرافقي الذي يُحَرِك حواجبه بِطريقة مضحكة و تفاخُر.
بعد التفكير بالأمر. كلاهما محقان.
جيكال قد يساعد و لو بِمعلومة بسيطة فَكما قلت انا من قبل، الأمساك بِطرف الحبل أفضل من لا شيء على الأطلاق.
لكن فكرة رؤيتنا أو سماع صوت جيكال أرسل قشعريرة بأرجاء جسدي كله. ذلك الرجل لا يعجبني بتاتاً.
إذاً متى سوف نرحل لكي نقابله؟ أعادني سؤال جوينبر الى الواقع من فقاعة أفكار.

غداً مساءً فأنا لا أريد تَضيّع الوقت أكثر.
اومأت هي بتفهم و عادت تُرَبِت على رأس الحشرة المزعجة.

وقفتُ انا و ريزار أمام باب مكتب فالين ثم طرقتُ انا ثلاثة مرات أنتظِر معه رده و بعد ثانيتين تماماً أتانا السماح بالدخول لأفتح الباب الذي على كِلتا جانبيه مِن الخارج حارسين بدو كالتماثيل الغير متحركة لو انني لا أسمعهم يتنفسون.

نظرتُ على اليسار على الفور، على الطاولة الطويلة و العريضة من الخشب الداكِن و اللامع و على فالين الذي يجلس في مقدمتها و أمامه عند يديه أرواق مُكدسة فوق بعضها البعض و على جانب كرسيه يقف مايكا يساعده بأمر ما.

أغلق ريزار الباب خلفنا لينظُر الملك و مساعده نحونا. ابتسم فالين ثم أشار لنا بيده كي ننضم اليه على الطاولة. جلستُ انا على يمينه بينما ريزار جلس بِجانبي و بلايز طار الى النافذة الصغيرة و الوحيدة في الغرفة متوسطة الحجم.

الغرفة أو المكتب كما يفضل فالين تسميتها، بِكلتا اللونين، السكري و البني، فيها بعض خزانات كُتب و أشياء أخرى أما بالقُرب من الباب خزانة مشروبات و كؤوس و أمامنا تماماً النافذة مع وجود لوحة عائلة فالين و لوحة أخرى فيها مرسوم درع المملكة.

حسناً، أخبرني هل معكَ الرسالة مِن تيريان؟ سألني فالين يصدمني بِمعرفته مع انني لم أخبره عنها بعد لكوني نسيت لكني اومأتُ على اية حال و أخرجتُ الرسالة الذهبية من جيب سترتي أعطيها له.
نظر اليها فالين بِعيون مُضَيّقة ثم وضعها على جنب الطاولة لا يقرأها الأن.
حسناً فمهت، هي سرية مثل التي قبلها.
ما الذي يُخططان له هذان الأثنان؟

هل مِن مشكلة فالين؟ انا سألته أدخُل في الموضوع ليتقدم الأشقر على الطاولة بِجسده و يُشابك أصابعه بِبعضها فوقها.
لا مشكلة لكني أردتُ سؤالك عن أمر يخص الجثث.
ما هو الأمر؟
أخذ هو نفساً عميقاً يملئ فيه صدره الذي أرتفع قليلاً بعدها زفره بِقوة.
انتَ أخبرني هل مِن جديد بِهذا الموضوع فأنا أذكُر انني أعطيتكَ مسؤوليتها.
هل أخبره عن الشارة؟ السلسلة؟ أم لا؟

لقد سبق و قلت انني لا اريد تدخلهم الأن كي لا تَكبُر المشكلة و تصبح مزيجاً بين الرعب و الذُعر مع انني أعرف أنَ فالين سوف يتصرف بِعقلانية و ذكاء لكن...
يُفَضّل أخفاء السر لوقت أخر، لن أطيل عليهم لكن الى أن اتأكد من كل ما أمتلكه.
لا جديد عدا انهم ما يزالوا يعثروا على المزيد منها، خارج أسليرا. انا أجبته بالحقيقة أتخطى المزيد من التفاصيل عن وجود جثث على أطراف فالينيا.

بالمناسبة، هل يعلم بِها و لا يقول شيئاً عنها؟
لا تدخُل ذبابة الى المملكة من دون عِلم فالين لهذا مِن المُمكن أنَ لديه فكرة لكنه لم يخبرني بأمرها بعد.
مثلي ربما يُخفي أسراره الخاصة مثلي.
هَمهَم فالين يراقبني عن كثب لأرَطِب شفاهي أحمل نظرته بِشكل طبيعي كي لا يراني متوتر أو كأنني أمتلك ما أقوله.
لورد لوثر لم يرسل خبراً غير هذا لك؟ تسأل الأشقر لأهُزر برأسي.

هذا لوحده كافي بِإضافة مشاكل على القائمة و انا أعتقد اننا إذا ظللنا نخفي الأمر، لوثر سوف يُخبر ريساند و لن يتنظِر الأمر منا. قال ريزار يُصيب نقطة وجيهة لينظُر له فالين يَطرُق بِلسانه على أسنانه.
لن يبقى كل ما نعرفه سراً عنه و عن الأخرين لكن لنُحافظ عليه بِقدر الأمكان الى أن ينقطع حبله.
و ماذا عن شادونايت؟ انا سألت فالين أرجع تركيزه عليّ.
ماذا عنها؟

انا سألت عن قرارك المفاجئ ذاك، عن قدومك معنا و ترك القصر، حركتُ رأسي باتجاه مايكا مُكمِلاً
لا أقصد الإهانة.
اومئ مايكا متفهماً مِن دون لفظ كلمة، لأعيد انا انتباهي على الملك العنيد ذو الجُمجُمة المُتصلبة التي يُصعب كسرها.
انا لن أبرر لك أو لأية شخص عن السبب فالكين. قال فالين بأصرار.
انا لا أطلب تبريراً لكني فقط أشعر بِالفضول.
ارتفعت زاوية من شفتيه للأعلى و قال لي.

سمعتُ أنَ في قصر الظلام امرأة تكون قريبة إيماريس الملك القادم لشادونايت و انها جميلة لِلغاية، عيونها ذهبية كَلون شعرها و هي بيضاء كَبياض الثلج و لها شخصية جذابة تجعلكَ ثمل باللحظة التي تسمعها تتحدث و انا ذاهب لكي أراها.
رمشتُ عليه مليون مرة في ثانية واحدة أعلم أنَ فمي مفتوح و فم ريزار و بلايز الذي بِلحظة أصبح يُحدق بنا وعيونه متبحلقة ستخرج من مكانها لو كانَ ذلك ممكناً.

حتى مايكا الذي يقف بِجانب كرسيه يحدق بِملكه كأنه يراه لأول مرة في حياته.
علي الأقل لم يُخبر مساعده بِهذا قبل اليوم.
مِن شكلنا أعاد فالين رأسه الى الوراء و أنفجر ضاحكاً يضع يديه على معدته، صوته مرتفع جداً يرن في أذُناي و متأكد أنَ الحراس و الخدم خارج الغرفة سمعوه.
تمنيتُ لو باستطاعتي حمل طبق الفواكه في وسط الطاولة و ألقائه على وجهِه الأحمق ذاك و بِطرف عيني رأيتُ أنَ مايكا ينظُر على الطبق ذاته.

لو تروا كانَ الرسام هنا لطلبتُ منه رسم ردة فعلكم، يا للهول هذا أروع شيء حدث منذُ غيابكم. قال فالين يمسح دموعه.
هذا ليس مضحكاً ايها اللعين. تَمتَمتُ من بين أسناني ليُخرج ضحكة أقل قوى من التي سبقتها.
لدي أسبابي بالذهاب فالكين و انا لم أمزح عن قصة المرأة التي تَقرَب إيماريس.
رفعتُ حاجباً بِتساؤل ليُخبرني، المزاح يختفي من نبرته الرجولية.

الرسالة كانت منها و اسمها هو كورالينا، لستُ أعرف عنها الكثير إلا اني سمعتُ إشاعة انها كانت حبيسة في القصر أثناء حكم غادان و تم أخراجها بِمُساعدة المسؤولين الثلاثة بعد موت الملك.
لماذا كانت حبيسة؟ انا سألته الأن أَوَد رؤية هذه المرأة و معرفتها أكثر.

لستُ أدري بالضبط لكني سمعتُ إشاعة تقول انها كانت مِن ضمن المتمردين الذينَ كانوا يعترضوا على الحرب و فكرتها و لكونها قريبة غادان ايضاً، حبسها بدلاً مِن قتلها و هي أحَد الأسباب لذهابي كما قلت مِن قبل، ربما لديها قصة نحتاج سماعها.
كيف تكون واثق انها سوف تساعدك؟
حَكَ هو ذقنه، عليه بعض الشعر ينمو، يحتاج حلاقة بِما انه لم يطيل لحيته يوماً و ينظُر على مكانٍ ما في نهاية الغرفة.

ربما لن تساعدنا و ربما بلى فَمَن يعرف لكني اريد المُحاولة و إذا رفضت، لن نخسر شيئاً بالمقابل.
عدا رؤوسنا. هَمس ريزار من جانبي لأركُل انا قدمه من أسفل الطاولة.
فالين سمعه لهذا ابتسم يُبعِد خُصلات من شعره عن جبينه.
لن يجرؤ على قتلنا، أذيتنا ممكنَ أثناء تواجدنا في القصر لكن قتلنا؟، يحتاج شجاعة أكبر من التي لديهم.

تعجبك فكرة تعذيبنا و نحنُ عندهم؟ انا سألته مُضَيّق عيناي ليُخرج ضحكة من حلقه و يَهُز رأسه بِكلتا الجهتين.
بالطبع لا ايها السخيف، انا سوف اتأكد مِن انهم سيَبقون أياديهم و أفواههم بعيداً عنا.
شابكتُ ذراعي أسفل صدري لا أصدق ذرة حرفاً مِن ما يُغادر فمه لكني أبقيتُ رأي لنفسي.
و شيئاً أخَر، هل سوف تنضم الى الاحتفال بعد ثلاثة أيام؟ سألني فالين يُغَيّر موضوع لم يَعُد له أهمية الأن.
يوم سيهينا.

انه احتفال سنوي خاص بِمملكة الربيع فيه السحر يكون قوي جداً و خصيصاً علينا نحنُ الجنيات أما البشر فيه يناموا أو ينضموا الينا مع انه لا يؤثر فيهم بِما انهم لا يمتلكون السحر (عدا الذين فيهم سحر أو يستخدمونه).
في هذا اليوم المُقدس مِن قِبَل أهل المملكة، تتغير رغباتهم و تصبح هادفة لأشياء جديدة و أكثرها شهرة هي، رغبات و شهوات نمتلكها لأشخاص لا نستطيع الاقتراب منهم أو مع مَن نتمنى التجربة.

اية جني تُصبح لديه تلكَ الرغبة حتى لو كان متزوج و لديه أطفال أو إن كان يُحب امرأة ما و لا يُفكر بغيرها و نفس الكلام ينطبق على النساء.
في هذا اليوم بالذات، نكون، لنقول كالثملين نعرف ماذا نفعل و ماذا يحدث مِن حولنا لكنا في اليوم التالي إما ننسى أو لا نتأثر بِما جرى ابداً و نعود الى حياتنا بِشكل طبيعي.

مثلاً لو انا شعرتُ بِرغبة تقبيل أحدهم سأذهب الى اية فتاة متوفرة و اسألها بِرغبتي و هي إن كانت تملك نفسها ستقبل و العكس صحيح.
يوم غريب و عجيب و لم أرى أحداً يحتفل بِما يُشابهه لأنه فقط موجود في فالينيا و في الحقيقة هنالك الكثير مِن الجنيات التي تسافر مِن ممالك أخرى لكي تشاركنا هذا اليوم.
انه يوم ليس له حدود، هذا ما أفَضّل تسميته.

لم أحتفل به يوماً و عندما كنتُ أزور فالينيا مع ريس و تاليا أو تاليا فَحسب كانوا يتأكدوا من أن لا نزورهم في وقت بدأ يوم سهينا ابداً. و انا في الواقع لستُ متحمساً له جداً لأني لا اريد أن أعثر على نفسي بين أيادي فتاة لا أعرفها أو مُحاط بِمجموعة منهم و لعابهم يسيل عليّ.
و لكن، هل بأمكاني الهرب منه لكوني أعيش في المملكة نفسها؟
لقد فات الأوان لِلرفض، فَحتى لو كنتُ أعيش أسفل الأرض، سَتصلني قوى السحر.

بالطبع، هل هنالك خياراً أخَر؟ انا أجبته متنهداً لتكبُر بسمته أكثر فيها مُكر خبيث.
آوه يا اللهي خلصني.
انا شخصياً متحمس له.
نظرتُ على ريزار مندهش مِن الذي قاله.
لماذا تنظُر اليّ بتلكَ الطريقة؟ سألني صديقي لأهُز رأسي عليه و أنظُر على طبق الفواكه.
لا تهتم لِكلامه ريزار، انه يغار مِن حماسك لأنه رجلاً نبيلاً لن يقترب من فتاة من أجل المتعة أما انا أشاركك الحماس.

فتحتُ فمي كي أخبرهم اني لستُ مهتماً بهذا النقاش و انني سوف أغادر ليَسبقني فالين و يُكمل يجعلني أوَد فقدان سمعي في هذه اللحظة
هنالك امرأة فاتنة جداً قد تعرفتُ عليها عن طريق زوجها و هي مِن أحَد المدعوين لهذا أفكِر بِرؤيتها في سيهينا و معرفة إن ما كانت فنانة بِتقب--
نهضتُ على ساقاي أقطع جملته قبل أن يتلوث سمعي أشير لريزار بالنهوض معي.

لا داعي لِلتفاصيل فالين، نحنُ سوف نتركك تُكمل مع، حركتُ عيناي على مايكا أرسل له نظرة تأسُف على بقائه مع ملكه و سماع كل هذا الكلام لأتابع أرى بلايز يطير نحوي
مايكا، و إن كان النقاش بيننا أنتهى انا سوف أعود الى غرفتي.
اومئ فالين يُظهر أسنانه يُلَوِح لي و لريزار.
قبل ذهابك، هل سوف تعود الى دروس الرقص أم ستدع فينار تُكمل تدريس الفتيات؟ سأل فالين يضع رأسه على قبضة يده.

توَجهتُ نحوى الباب ثم فتحه ريزار و غادر قبلي ثم انا استدرت قليلاً الى فالين أرد عليه
سوف أدع الدروس لها الى بعد يوم سيهينا فَلدي ما أنشغل به هذه الأيام كما تعلم.
نعم نعم بالطبع، على راحتك.
و بِذلك اومأتُ له و لمايكا ثم غادرت الغرفة أحمد الله على كوني لم أظل جالساً لسماع كلام فالين عن تلكَ المرأة المتزوجة و رغبته بها.
أعلم انه يمزح و يُحب إغاظتي لكنه مُزعج بِحق.

وقفتُ انا و جونيبر و معنا ريزار و بلايز أمام الكهف نفسه الذي يعيش فيه جيكال. الرجل المُريب الذي يعرف الكثير عن الأمور التي تحدث و حدثت في هذا العالم و هو الذي أعطانا معلومات عن الجُثث و ما جرى.
سمعتُ صوت ارتجاف أسنان ريزار مِن خلفي انا و جونيبر لألقي نظرة سريعة عليه أراه يَلُف ذراعيه حول نفسه يلعن تحت أنفاسه على الطقس في هذا العلو و الرياح العاصفة.

مشكلته، فَهو لم يُنصِت اليّ عندما أخبرته أن يرتدي معطف أفضل من الذي معه الأن.
هيا بنا. قالت جونيبر تسبقنا الى داخل الكهف و عندما أصبحنا في عتمته أخذَت هي عصى خشبية كانت تحملها معها طوال الوقت ثم أشعلتها بِحجر الكهف حتى تنير لنا الطريق.
انا أكره هذا المكان مِن كل قلبي. هَمس بلايز من فوق كتفي الأيسر.

مشينا و مشينا بِنفس الاتجاهات التي أخذناها في أول زيارة لنا و خصيصاً تلكَ الحفرة العملاقة التي عبرناها و قلبونا تنبض في بطوننا.
بعد نجاحنا بالوصول الى المكان الذي سوف نتكلم فيه مع جيكال وقفنا أمام الجدار النهائي الذي عليه منحوت عين كبيرة و انتظرنا لِلحظة لأننا ندرك بِجيكال مِن حولنا خلف تلكَ الجُدران الزلقة.

دخلاااااء. همس صوت عميق و ثخين من خلفي و مِن يميني و مِن يساري و كل أتجاه بأنٍ واحِد، قشعريرة هبت بأرجاء جسدي لكني لم أتحرك ساكناً و ركزتُ على العين.
جونيبر و ريزار يقفون خلفي.
لقد عدنا من أجل--
لم أكمل جملتي لأنه أخرج صوتً بدا بالضحكة الساخرة.
من أجل معلومات عن تلكَ الشارة التي تحملها في جيبك و السلسلة التي مع صديقك. قال جيكال يجعل نبضات قلبي تتسارع أكثر.

كيف عرف بِحق السماء عن الشارة و السلسلة و أماكنهم حتى؟
لم اسأله عن ذلك لأني واثق انه لن يخبرنا بِقدرته. بلعتُ ريقي أشعر بِحلقي كَرمال الصحراء أضع يدي اليُمنى في جيبي مكان تواجد الشارة، أحِس بِبرودتها و صلابتها.
ما الذي تعرفه عن الشارة؟ انا سألته أدخل في الموضوع.

عَم صمت في المكان، أسمع أصوات مِن خلف الجدران على يميني كأنها أظافر طويلة تلامس الحجر، الصوت مؤلم يجعل وجهي ينكمِش لكني حاولتُ تجاهله و انتظرتُ رده.
معلوماتي ضبابية ايها الأمير، ناقِصة. قال كيجال بِهمس.
أخبرنا على اية حال--
انها مختلفة، مُتغيرة.
عقدتُ حواجبي لا أستوعب ما يعنيه بينما بلايز أمسك شحمة أذُني بِقوة لأحرك رأسي نحوه أراه يحدق بالعين.
أردتُ سؤاله ما الخطب لكن كلام جونيبر منعني.

أخبرنا بِكل ما لديكَ و لا تُضَيّع وقتنا أكثر رجاءً.
هَمهَم جيكال هناك لمحة تسلية في نبرته.
هذه لم تكُن الشارة الرئيسية قبل مئات السنين، قبل الحرب الأولى بل كانت مختلفة الشكل و صاحبها عاد، عاد لِلعب.
كُن أوضح مِن ذلك! قال ريزار بِصبر ينفذ لأرمقه بِنظرة من فوق كتفي تخبره أن يبقي فمه مغلقاً.
أخِر مرة زرنا المكان، جيكال لم يُحِب ريزار ابداً و إذا اخطئ الأن بِكلمة لا أعلم ماذا سيحدث لنا بسببه.

انتَ تتكلم بألغاز. انا أخبرته بِهدوء.
صوت جيكال هذه المرة أتى مِن جهتي اليُسرى
إذا كنتم تريدون توضيحاً فَهُنالك مَن يقدر على أعطائكم ما تريدونه ايها الأمير،
مَن يكون؟
لم يجبني على الفور الى أن ظننت انه لن يفعل ابداً ليفاجئنا بِصوته قادم من الخلف
السلسلة التي معكم، فيها سحر أسود، سحر يمتلكونه القليل من الجنيات، قليل جداً و يبدو انهم يكبرون أكثر و ربما كبروا بعد الحرب الأولى.

ما هذا؟ انه يتكلم عن موضوع أخر...
مَن هُم الذينَ يمتلكون السحر و القدرة على صنع سلسلة من هذه؟ سألته جونيبر تتقدم الى جانبي، الشُعلة التي بيدها تتراقص لوحدها مع انه لا توجد نسمة هواء هنا.
ظهر رد جيكال مِن أمامنا، مكان تواجُد العين في الجدار
معلوماتي، ناقصة لأنهم مُخفيون منذُ أكثر مِن ألف سنة، لهم دماء مختلطة في عروقهم. أشرار، شرهم ينموا و يتكاثر معهم كل يوم و هُم، هُم المُسببون لِلموت في الممالك.

انه يتحدث عن الجثث.
إذا كلامنا صحيح انهم نفسهم الذين قتلوا تلكَ البشر و الجنيات المجهولة و ألقوا بهم في الغابات على أطراف ثلاثة ممالك.
اسليرا، فالينيا و أريزو.
من التالي؟
اليسَ لهم أسم؟ انا سألته أضغط بأسناني على بعضها لكونه بطيء بالرد يَغلي مِن دمائي كأنني قدر على نار.
صعب، صعب تذكره ولكن هنالك مَن يقدر على الإجابة بِكل سهولة، وحش مثلي له كافة العلم يعيش بين العلم و له أذُنين في كل مكان.
حش مثلي...

هذا الرجل ليس بِرجلاً، بل وحشاً.
حسبتُ نفسي قليلاً و أحسستُ بِقلبي يتوقف عن النبض و لكني لم أقع على الأرض بعد، هذا يعني انني على ما يرام.
مَن هو؟ انا عدتُ اسأله لدهشتي صوتي ثابت غير مُرتجف أو خائف.
لقد قابلتموه من قبل، قال جيكال.
مَن. هو. هذا الوحش؟ وجدتُ غضبي بالإطالة في نبرتي ليُقهقه هو صوته العميق يجعل الكهف يرتجف.

هذه المرة لم يتفوه بالكلام القادم مِن اية جهة توقعناها و إنما أقسِم انه كانَ يقف خلفي تماماً عند أذُني اليُمنى يهمس قائلاً
صاحِب المكتبة الملكية في القصر الذي يعيش في ظلامها و لا أحد يجرؤ على الاقتراب منها، جي أوكس.

جلستُ في اليوم التالي انا، ريزار و معنا جونيبر في شُرفة طابق الغُرَف حول طاولة دائرية بِغطاء أبيض و أمام كُلاً مِنا فنجان شاي بالكرز و بعض البسكويت.
منذُ أن عدنا من رحلتنا البارحة مساءً من عند جيكال، قُلنا اننا سوف نتناقش ما قاله لاحقاً و نرى إن ما ذهابنا الى المكتبة و رؤية جي أوكس يستحق.
طبعاً إن كانَ سيتكلم معنا مِن دون أخَذ أرواحنا أولاً.

هذا مستحيل. تَمتَم ريزار يفتح الحديث بِما اننا ظللنا صامتين باللحظة التي جلسنا حول الطاولة في يوم مشمس جميل و دافئ.
هذا الطابق شبه فارغ و رأيناهُ الأنسَب لكي نجتمع و نتحدث مِن دون وجود أذان صاغية. لماذا فارغ؟

حسناً، لأنَ يوم سيهينا بعد غَد و جميع الخدم مشغولين بالتحضير له، رأيتُ بعضهم بِوَجوه تعلوها بسمات عريضة تُظهِر أسنانهم بِسبب تشوقهم و الحماس المُشتعل لأجل قدوم اليوم الذي سيكون فيه كل جني حُر بفعل ما يشاء.
لم أكُن أعلم أنَ هنالك الكثير مَن يتمنى فعل ما يريده من دون وجود عرقلات أو حواجز.
مثير للأهتمام.

ما الذي تعنيه؟ سألته جونيبر تقطع بسكويتَ لِقطع صغيرة على طبقها الدائري الأبيض لكي تُعطي بلايز الذي يجلس في منتصف الطاولة يُشاهد السماء بِغيومها القليلة.
تقدم ريزار بِجسده على الطاولة مُشابك ذراعيه ليُجيب
جي أوكس سوف يقتلنا باللحظة التي ندخل فيها المكتبة التي يحرسها كما حدث معنا سابقاً.
ربما، لكن لا أعتقد أنَ جيكال سوف يُخبرنا بِأنَ جي أوكس مَن يقدر على مساعدتنا إن كانَ ذلك مستحيلاً.

هو لا يهتم لِنا إن كُنا أموات أو أحياء، فَكيف لنا الوثوق به؟
لديكَ وجهة نظر. قالت هي تتنهد تُعيد ظهرها على الكرسي شفتيها مَضغوطة بِبعضها.
لابد مِن وجود طريقة ما لِلتكلم معه. انا أخبرتهما أحدق بالدخان الذي يطفوا من الشاي.

مثل ماذا مثلاً؟، الذهاب اليه و الابتسام له و أخباره: هييي انت ايها الوحش القبيح، ما رأيك لو تخبرنا عن معنى الشارة و مِن اين تم صنع السلاسل التي تسحب قوة و كامل السحر مِن الشخص الذي يمتلكها؟
شقلبتُ مقلتاي لا أجيبه بينما جونيبِر أخرجت شخيراً من أنفها.
انا واثقة مئة بالمئة انه لن يدعنا نتكلم معه إن نعتناه بالوحش القبيح.

و مع ذلك لا أعتقد انها فكرة ذكية بالذهاب اليه. قال ريزار يُرجِع ظهره على كرسيه و ينظُر الى الحديقة في الأسفل.
كلاهما معهم حق.
لا يمكننا الوقوق بِكلام جيكال كله أو رؤية جي أوكس. فأخِر مرة كنا في المكتبة، كدنا أن نموت بين يديه عندما كنا نبحث عن كتاب يتعلق بِشادونايت.
و فقدَ كُلاً مِن ريزار و كانيلا قدرتهم على الأحساس بالجزء السُفلي من أجسادهم لمدة يومين بِسبب لمس جي أوكس إياهم بيديه فقط.

فَماذا سيحدث لو انه حقاً، حقاً وضع يديه علينا؟
ليس باستطاعتي تخيل ذلك بتاتاً. فأنه وحش أسطوري خطير سافِك لِلدماء، لا! بل يتغدى عليها.
إذاً ما العمل؟ سألت جونيبر توَجّه السؤال اليّ.
حركتُ رأسي نحوها أرمش عليها عِدة مرات بِتفكير أرى عينيها الخضراء، فيها لون مختلف كذلك، أصفر مائل لِلبرتقالي لم أراه من قبل. بعد ذلك أعدتُ رأسي لأمامي أمسك بِفنجاني لكي أشرب منه رشفة.

الطعم الحلو و الحامض رَحب بِحاسة تذوقي لأخُذ رشفة أخرى و أضعه في مطرحه.
رفع ريزار حاجباً بِما أنَ الأخرى مُخبئ مع عينه أسفل القماشة التي يرتديها كل يوم مِن دون أن يتفوه بحرف، ينتظِر كلامي.
لستُ أدري حقاً يا رفاق. نعم، الذهاب الى المكتبة مُخاطرة لكن ليس لدينا خيار غيره إن ما أردنا معرفة المزيد عن ما نمتلكه. انا قلتُ لهما.
انا لن أذهب. قال ريزار يُدير رأسه لحافة الشُرفة مجدداً.

جبان. تَمتَم هذه المرة بلايز يأخُذ قضمه من قطعة البسكويت أكبر من حجم رأسه.
نظر له ريزار بسرعة يرمقه بِنظرات قاتلة لأتدخل انا قبل أن تتحول جلستنا الى شجار بين قزم و زرافة.
انتَ حُر، لن أرغمك على القدوم معنا و لن أحكم عليكَ بِشيء، المرة التي ذهبت فيها معي انتهى بكَ الأمر مُصاب.
آوه صحيح، ذلك الموقف. قالت جونيبر تتذكر ما حصل.

يبدو انكَ تُخَطِط لِلذهاب حقاً فالكين. لم يكُن سؤالاً منه لكني اومأتُ على اية حال أشرب من فنجاني من جديد.
انتَ لا تُصَدَق!
لما لا؟
لأنكَ ستتعرض لِلخطر فالكين! ذلك الوحش قاتل لا أعتقد انه سيفهم بالكلام. أندفع هو يُعارض لكني بقيتُ هادئاً أحدق به بِضجر.

إذاً سأتكلم معه بالطريقة التي يُفَهم بها. انا أخبرته أنهض على ساقاي لينهضوا الباقي معي مِن دون أن يتحرك أحدهما بينما انا توَجهتُ لداخل الردهة و خلفي يُلحقني بلايز ما يزال يحمل القطعة التي يأكلها.
لا تكُن عنيداً! صاح ريزار لي لأضع يداي في جيوبي و أقف في منتصف الردهة ظهري لهما.
انا سوف أكون في المكتبة بعد العشاء، مَن يوَد الانضمام اليّ فَهو مُرحب به و مَن لا يريد، لا مشكلة لدي ابداً.

و بذلك أكملتُ طريقي أعود الى غرفتي لكني سمعتُ بعضاً من كلام ريزار الغاضب و مع جونيبر التي تحاول تهدئته.
أعلم انه مُحق، و أنَ ذهابي فيه خطورة كبيرة إلا انني لا أمتلك خطة غيرها أو حَل غيره. نحنُ نعتقد أنَ جيكال يكذب لكن ماذا لو كانَ صادقاً؟
ماذا لو أنَ جي أوكس مستعد لِلتكلم معنا مقابل شيء ما؟
ربما...

تنهدتُ أمسح وجهي بِأحباط أتمنى لو لم يكُن كل شيء صعب المنال و غامض هكذا لكن طبعاً لا شيء سهل مهما كانَ ما يكون.
و هذه مغامرة أخرى، شبه مستحيلة، لكنها مُمكنة إن حاولت.

هل انتَ متأكد؟ سألتني جونيبر لِلمرة الخامسة و نحنُ نقف بالضبط في داخل المكتبة، في مكان لا يأتي اليه أحَد لأنَ أمامنا تماماً، ظلام عميق و مخيف.
يأكل ما بِداخل المكتبة و لا يمكنني رؤية ما فيها أصلاً لكني أعرف أنَ هنالك توجد رفوف مثل التي على يميني و يساري. رفوف عليها كُتب و بلورات سحرية و الكثير من الأشياء التي يحتفظ بها جي أوكس ويمنع مَن يُفكر بأخذها.

إلا اننا دخلنا مرةً أخذنا ما نريده و خرجنا.
بالكاد.
عَدّلتُ انا الأسلحة التي على ذراعاي و خصري. تأكدتُ أنَ السيفين اللذان على ظهري ثابتان و اني مستعد لِلدخول.
لقد قررتُ أرتداء ملابس مناسبة لِلقتال إن اضطُرِرت. دروع فولاذية على جسدي الأعلى و على كتفاي و ذراعاي مع بنطال أسود و جزمة مقدمتها من حديد.

و ايضاً جونيبر مع انني أخبرتها عِدة مرات انني لا اريدها أن تأتي معي لكنها رفضت و ظلت بِقُربي لهذا تركتها تفعل ما تشاء، إن كانت تريد تعرض نفسها لِلخطر فَلا مشكلة على الأقل هي لم تتركني.
حركتُ رأسي الى خلفنا أجِد المكتبة هنا فارغة، أسمع بعض أصوات أقدام تمشي على الأرضية لكنها بعيدة و ربما تعود لِكل مأمور المكتبة بما انها تحتاج أكثر مِن واحد، أبحث عن وجه مألوف لكنه لم يأتي.

زفرتُ الهواء بِخفة مِن فمي ثم واجهتُ الظلام أمامي.
نعم، انا متأكد. أجبتها ألقي نظرة عليها أجدها مُستعدة، يداً فوق سيفها على خصرها و على ذراعها اليُمنى خنجر طويل و أخَر على فخدها الأيسر.
انها أسلحة انا زودتُها بها لأنني لن أدعها تدخل من دون ما يحميها و تستعمله لِلدفاع عن نفسها إن لم تكُن قوتها كافية و التي لا أعرف ما هي بالضبط.

لدهشتي أخبرتني انها جيدة جداً باستخدام السلاح لأن والدها كان دوماً ما يُعلمها قبل أن يصبح ضعيف البنية و بِظهر يؤلمه من كثرة عمله في الزراعة.
هيا بنا، قالت جونيبر تمشي نحوى الظلام لنذهب لكي نلقي التحية على عزيزنا جي أوكس.
اومأتُ ألحق بها لكني لم أخُذ خطوتي الثانية ليوقفني بلايز يَشُد خُصلة من شعري.
أوتش! ما الأمر؟ انا سألته أنظُر اليه.
أشار هو بذراعه الى خلفنا قائلاً
أنظُر هناك.

التفتُ في مطرحي الى جهة المكتبة المُنارة و الأمِنة لأجِد أحداً ما يركض نحونا. مثلي يرتدي ملابس مِن الجلد و دروع على جسده مع أسلحة مُعلقة عليه، شعره فاتح و قصير عريض الكتفين و جسده رياضي و على عينه قطعة قماشة—
ريزار؟ انا تساءلت عندما وصل الينا يتنفس بِشدة يضع يديه على ركبتيه يأخُذ أنفاساً قوية.
ما الذي تفعله هنا؟ سألته جونيبر تقف بِجانبي و يداً على خصرها.

وقف ريزار مستقيم الظهر و على شفتيه بسمة جانبية مُجيباً
أسف على التأخُر، أحد مأمورين المكتبة أوقفني لكي يُحقق معي كَعادتهم هُم و فضلوهم المزعج.
تبادلتُ انا و جونيبر النظرات لأبتسم انا وهي ربتَت على كتف صديقي المُقرب لأخبره انا سعيداً بِوجوده
هيا لنذهب و نلقي التحية على عزيزنا القبيح جي أوكس.
أعاد لي نفس البسمة و اومئ لنتحرك جميعنا معاً الى ظلام المكتبة و نختفي فيه.

أخرجتُ مِن جيب سترتي مِن الجلد الخفيف، كُرة بِحجم كَف يدي تقريباً تنير طريقنا باللون الأزرق السماوي. انها كُرة سحرية فيها نوع مِن أنواع السائل اللزج الذي يُضيء عندما يتم لمس الكُرة و تشعر بِدفء أو حرارة مَن يحملها.

و مع صديقاي نفسها، يمشون خلفي بِصمت بين رفوف كبيرة و مرتفعة مِن الكُتب و الأغراض. أرى مِن بينها رفوف أخرى و ممرات فيها يُمكن لشخصين المشي بِجانب بعضهم البعض و ليس أكثر من ذلك.
مع اننا نرتدي الجلد إلا أنَ الهواء هنا بارد جداً. كُلما زفرتُ نفساً من أنفي أو فمي يتحول لِضباب كأننا في فصل الشتاء و الهدوء، مُخيف أكثر من الظلام الذي يحيطنا، لا صوت و ولا اية شيء يجعل شعر جسدي يقف لِلنهاية.

ليتنا أخذنا معنا بعض الحراس. هَمس بلايز في أذُني و هو يقف على كتفي الأيسر لأرفع يدي التي تحمل الكُرة قليلاً أمامي أرى منعطفاً رباعي.
لا اريد لأية حارس أن يعرف بِعملنا لأنهم سوف يُخبرون فالين على الفور أو مساعده مايكا و هذا ما أحاول تفاديه منذُ أن بدأتُ بالعمل على هذه القضية. أخبرته لا أخُذ اية منعطف و أكمل المشي مستقيماً.

لا اريد أن نضيع بين ممرات و رفوف لهذا البقاء على نفس الطريق أفضل و انا متأكد أنَ جي أوكس هو مَن سوف يعثر علينا و ليس نحن.
لكنَ الجميع يعلم بأمر الجثث. قال بلايز مُصِراً.
أعلم، و مع ذلك ليست لديهم فكرة على انها ظهرت في فالينيا و أريزو بعد و لا عن هذه المجموعة التي نُحاول العثور عليها و معرفة ما هي أصلاً.

ألن تُخبر فالين؟ سألني ريزار من خلفي لأدير رأسي قليلاً نحوه ألقي نظرة عليه و على جونيبر قبل أن أجيبه أركز على طريقي
سأخبره لكن في الوقت المناسب.
متى يكون هذا؟ جونيبر مَن سألت بِفضول أتخيلها ترفع حاجباً عليّ.
قريباً، عندما تكون معلوماتي كلها كاملة لكي ألقي بها عليه.
هَمهَمت هي لنواجه مُنعطفاً أخراً رباعي.

لا أعتقد أنَ صديقنا سيخرج. تَمتَم ريزار و هو ينظُر من حولنا كأنه يخاف أن يكون جي أوكس موجوداً يراقبنا من بعيد.
هو ليس كذلك، الأن على الأقل فَليس لدي شعور يحذرني منه.

انا أذكُر أنَ هنالك إشارة تخبرنا بِقدومه و ظهوره و هو الضباب الذي يأتي قبله و معه. في المرة الأولى في زيارتنا، كانت كانيلا أول مَن لاحظت ذلك و أول مَن حذرتنا مِن وجوده لهذا بقيتُ منذُ دخولنا الى هنا، أراقب الأرض مِن بعيد لعلي أرى ضباباً أبيض كَتنبيه لوجود الوحش.
حتى انني لم أنسى عيونه و شكله.
من المستحيل نسيانه فَهو كالكابوس الحي.

عيون حمراء كأنها مخلوقة مِن الدماء فقط، بشرة رمادية شاحبة كَالأموات و شعر أسود لكثرة سواده يندمج مع ظلام هذا الجزء من المكتبة.
بلى سيخرج، فَمِن الوقاحة عدم الترحيب بالضيوف صحيح؟ أخبرتُ ريزار أخرِج ضحكة منخفضة مِن حلقي مع أنَ ليس فيها ذرة مزاح و مرح.
لا أظن ذلك.
فتحتُ فمي لكي أسخر مِن خوفه و أخَفِف مِن الأجواء الثقيلة التي من حولنا ليتجمد فَمي شبه مفتوح و نتوقف ثلاثتنا عن المشي.

لم أرى لكني أحسستُ بِنسمة هواء حركت مِن شعري لامست جلدي المكشوف. نسمة باردة و غريبة جداً لا أعلم كيف أوصفها.
جعلت مِن معدتي تتقلب و قلبي يخفق نبضة.
هل شعرتم بِهذا؟ سألتنا جونيبر لألتفِت اليهما بِبطء عينياي تحوم مِن حولنا بانتباه، أبحث عنه.
انه هنا. تمتمتُ لهما أنظُر الى الأفق البعيد من فوق كتفيهما القريبين من بعضهما.

و هناك تماماً على بُعد أمتار، ضباب أبيض يتحرك بِبطء شديد و بين الضباب ظهرت عيون حمراء كبيرة متوسعة و أسفلها بِقليل، أسنان بيضاء ناصِعة و لكن حادة كَطرف السيوف التي نحملها.
يبتسم لنا.
مَن أتى اليوم على العشاااااء؟ همس بِصوت فيه يسيل المُكر، يميل رأسه الذي ليس واضِحاً لكني علمتُ ذلك لأنَ عينيها مالت على جنب.
لقد أتى المستضيف.

الفصل التالي
بعد 12 ساعة و 27 دقيقة.
جميع الفصول
روايات الكاتب