رواية تحت الغطاء الأبيض الجزء الثاني للكاتبة مينار الفصل السادس والثلاثون

رواية تحت الغطاء الأبيض الجزء الثاني للكاتبة مينار الفصل السادس والثلاثون

رواية تحت الغطاء الأبيض الجزء الثاني للكاتبة مينار الفصل السادس والثلاثون

انا قررتُ أنَّ البقاء لوحدي في القاعة مع الحرس كالتماثيل، مُضجر. مشيتُ في الردهات و معي خادم كي يقودني الى غرفتي القريبة من غرفة ريزار.
فَتح الخادم باب ذهبي في الطابق ما قبل الأخير و ردهة طويلة مِن الحجر الأزرق، عليه منحوت حوت كبير يُشبه الذي رأيته أثناء رحلتنا الى هنا ثم أعطاني المفتاح ثم أخبرني.

إذا أردت طلب أية شيء، أسحب ذلك الحبل، أشار بيد فيها أغشية توصِل أصابعه بِبعضها، على حبل كبير متصل بالسقف على جانب السرير.
شكراً لك. قلتُ له أخُذ مفتاح الغرفة منه.
انحنى بِظهره احترامَا ثم تركني في الغرفة و أغلق الباب ورائه.

حلق بلايز في أرجاء الغُرفة الشبه عتمة لأخُذ انا وقتي بالتمعن بأثاثها و جمالها. مع انها غرفة عادية ليست مُميزة لِلغاية إلا أنَ في وسطها نافورة مياه صغيرة دائرية أعلم انها جزء مسبح للاستحمام فيه.
خلف النافورة السرير، مناسب لِشخصين و على الجدار الذي ورائه منحوت باللون الذهبي شجرة ذات أوراق كبيرة مُفرقة عن بعضها و في كل مكان أعشاب و زهور بحرية مُلتصقة بالجدران و حول الأثاث.

علي يسار الغرفة تسريحة مع مرآة تحملها تماثيل على شكل قناديل رمادية و بِجانبها خِزانة الملابس من الخشب الأبيض كما هو حال السرير و التسريحة و أغلبية الغرفة.
فوق التسريحة نوافِذ مُطِلة على المحيط مِن الجهة الأخرى أرى أسماك ملونة تُضيء و هي تَمُر من جانبها.

علي يميني الحمام ذو الأبواب البيضاء منحوت عليها حيتان كالتي رأيتها سابقًا و شُرفة.
انها ليست الأفضل لكن الإطلالة رائعة. قال بلايز يقف على لوح السرير مُشابك الذراعين لتأخذني أقدامي نحوى الشرفة فأنا أسمع أحاديث مرتفعة من هناك.
فتحتُ البابين الزجاجين التي كانت تُغطيهم ستائر الشيفون السماوية بعدها خرجتُ أضع يداي على حافة الشرفة.
توَسعت عيناي قليلاً على ما يوجد في الأسفل.

فَيوجد ساحة كبيرة كلها من الزجاج الذي كُلما ضربه نور ما، لمع و تحول لألوان كَألوان قوس قزح. و في منتصف الساحة أعمِدة ايضًا زجاجية طويلة مِن حولها عروق زهور بيضاء و زرقاء و صدفيات البحر مفتوحة فيها اللؤلؤ بِجميع الألوان عند كل عامود.

هنالك الكثير مِن العُمال و حوريات البحر، يُنظمِون المكان بِوضع أطباق جميلة على الطاولات المُصطفة بِمختلف الأماكن (عدا وسط الساحة فأنا أخمن انها لِلرقص بِما انني رأيتُ منصة كبيرة و عليها بيانو أبيض له أجنحة و كراسي خاصة بِعازفي التشيللو و غيره).
و غيرهم خدم يُزَينون المكان بالمزيد مِن الزهور و الأعشاب اللائقة مِن أجل حفل الزفاف غداً مساءً.

غرفتكَ أكبر مِن خاصتي لكن عندي حوض سمك بِعكس هذا المسبح. فجأة قال ريزار لألتَفِت اليه رافع حواجبي، لم أسمعه يدخل.
اتكأتُ بأكواعي و ظهري على الحافة أواجِه صديقي الذي جلس على طرف سريري يقفز بِخفة عليه يتأكد انه رقيق و مريح.
لديكَ حوض أسماك؟ انا سألته أجِد الأمر صعب تخيله.
أومئ ريزار يضحك.

سألتُ الخادم الذي أوصلني الى غرفتي عن سبب وضعهم لِحوض أسماك مع انهم يعيشون في البحر ذاته إلا انه هَزة كتفيه و قال انه من أجل المنظر.
ما الذي يعني هذا بِحق السماء؟
ضحك هو مجدداً يستلقي على ظهره فارِد ذراعيه متنهداً.
لقد سمعت أنَ الملك ريساند في القصر و أنَ فالين و سيون معه الأن يلعبون الشطرنج أو شيء من هذا.
دخلتُ انا الغرفة أغلق أبواب الشُرفة خلفي و أصوات الضجيج معها لأذهب وأجلس على مقعد التسريحة.

لم يكُن سؤالاً لكني اومأتُ مع انه لا ينظُر لي بل يحدق بالسقف.
حرك ريزار رأسه نحوي ثم سألني بِفضول
لماذا لم تذهب معهم كي تراه و ترى تاليا؟
مررتُ أصابعي في شعري أبعثره قبل أن أجيبه
لستُ أدري إن كانت تاليا حقًا هنا أم ما تزال في أسليرا و لم أذهب لرؤيته لأنني توترت قليلاً.
رفع حاجبًا عَليّ ثم نهض جالس يلتَفِت فوق السرير لكي ينظُر لي كاملاً.
انتَ؟ متوتر لرؤية أبن عمك؟

بدى و كأنه يسخَر مني لكني تجاهلته ثم هَززت أكتافي أرى بلايز يُشاهد فَرَس بحر من خلف النوافذ كالطفل الصغير يديه مُسطحة على زجاج النافذة.
ألا تريد مُقابلته كي تتحدث معه عن مشكلة الأتلانتيانز و قائدهم الذي وضعكَ في رأسه؟ ريزار سألني.
بلى، لكن ليس اليوم و ليس هنا.
إذاً متى؟ لا أعتقد أنَّ الفرصة ستسنح لكَ مجدداً بِما انكَ لن تعود و لا تفكر بِزيارة أسليرا إلا وقت وِلادة تاليا.
ولادتها قريبة، انها بعد شهر.

هَمهَم هو مُضَيّق عينيه لأشقلب مُقلتاي و أنهض أفُك أزرار سترتي لكي أستعد لِلنوم فالوقت متأخر.
انتَ تعلم اننا في حرب ضِد الأتلانتيانز و قد تلِد تاليا في القصر و انتَ غير قادر على رؤيتها.
خلعتُ سترتي و القميص الذي أسفله ثم طويتهم جيداً قبل وضعهم في الخزانة و أستدير الى الذي يحطم كل آمل لديّ لِرؤية تاليا بِسهولة.
أو تلكَ أعذاري لعدم التحدث مع ريس و رؤيته و ريزار يلقي بالحقائق في وجهي، فأنا لستُ متأكد.

حرك ريزار عينيه على الجزء العلوي من جسدي العاري ثم هَزة رأسه يجعلني أشابك ذراعاي متساءل عن نظراته تلك.
ما المشكلة الأن؟
انتَ تحتاج المزيد من التدريب لأنكَ تفقد بعض العضلات يا صديقي.
ألقيتُ نظرة على نفسي في مرآة قد وجدتها تقف مُتكئة على الجدار بِجانب الخزانة.
بدوت كَكُل مرة، لدي عضلات معدة و لا أبدو نحيل البنية بل على العكس فأنا لدي أكتاف عريضة حتى لو خسرت العضلات فَلن أبدو مختلفًا كثيراً.

انتَ مزعج. تَمتَمت أعود لِلخزانة كي أخرج منها بنطال حريري أسود لِلنوم و قميص بِنصف أكمام أبيض.
أخرج هو ضحكة مِن خلفي و انا دخلتُ الحمام كي أبدِل الملابس بِهدوء.

في ظُهر اليوم التالي، أخذتُ أتمشى في القصر الملكي لأنني شعرتُ بالملل بعدما تناولنا الفطور و جلسنا معًا نشرب الشاي حول طاولة دائرية.
لم أشعر بالملل مِن التجمع بل على العكس، كانَ جميلاً و خاصةً أنَّ الملكة أوكتافيا بدأت بأخبارنا عن قصص مُحرجة و مضحكة تتعلق بِزوجها الذي رأيته و لأول مرة في حياتي يحمر خجلاً و يتوتر.

لكن بعد مضي ساعات أردتُ التحرك لأنَ عيناي ظلت تبحث عن ملك ذو شعر أسود و عيون فضية و وجه بارد كَوجه مايكا إلا انني لم أجده و أفكاري لاحقتني عنه حتى لم أعُد أتحمل.
وجدتُ الأستاذان منهم و التمشي لوحدي قد يُشغلني عن التفكير بالقادم و يُسَليني بِجمال و روعة هذا القصر و كل مَا فيه مِن مخلوقات و جنيات البحر.

أوقفوني عِدة مرات مجموعة خادمات و خدم جميلين و لطفاء كي أعطيهم رأييّ عن الطعام الذي يعدونه لِلحفل في المساء.
و انا بِكل سرور تناولتُ كل شيء و أعطيتهم رأيّ الصريح عن طعامه لأترك بسمات عريضة على وجوههم بِرضى و أغادر.
بلايز ظل على كتفي يشاهد بِصمت فقط يُعَلِق كلما عبرت مخلوقات عجيبة لم يرى مثلها مِن قبل من جانبنا.

دخلتُ ردهة طويلة ليس لها نوافذ مُطلة على ساحة صغيرة فيها برج ما عملاق و من حوله تسبح حيتان و مخلوقات بحر صغيرة. مع انه لا توجد نوافذ إلا أنَّ على كل جدار ستائر ثقيلة خضراء مِن لون العشب الداكن و انها فارغة ليس فيها أحد أو اية صوت لهذا أكملتُ طريقي فيها عشوائيًا ليست لدي وجهة.

وقفت لِلحظة كي أراقب الدلافين التي تسبح حول نفسها بِتناغُم مِن الجهة الأخرى لأشعر بِشيء ما يتحرك خلف ستارة بعيدة عني مترين.
هل رأيتَ هذا؟ انا سألت بلايز الشارد لينظُر بِنفس الاتجاه يهُزر رأسه مُجيبًا بِلا.

عادت التحركات مجدداً خلف الستار و انا مشيتُ مُضَيّق عيناي نحوها أقف عندها مُمسكًا بِطرفها. سحبتها بِحركة بِطيئة أجِد شيء ما يطفوا في الماء جلده أزرق لكنه شفاف و له قدمين صغيرة و الجزء الثاني من جسده مخفي خلف الستارة.
ما هذا؟ تساءل بلايز يبتعد عن كتفي كي يطير الى خلف الستار.
آهااا انه ذلك القبي-- لم يكمل بلايز جملته ليَخرُج ضوء صغير أزرق مع صوته كالصعقة و صرخة بلايز.

حلق بلايز بعيداً الى الأرض ثقع على ظهره، منه يَخرُج دخان أسود و بِنفس الثانية ظهر من خلف الستارة نفس القنديل الصغير الذي لحقنا عندما كُنا في العربة البارحة.
ذلك اللعين. تأوه بلايز بألم مِن الصعقة ينهض على ساقيه لأضحك انا أمُد يدي لِلقنديل.
مرحبًا مجدداً، ما الذي تفعله في القصر؟
سبح القنديل نحوي ثم جلس ليس على يدي لكن على كتفي يُخرِج صوتً بدى كالترحيب لي.

كيف لحقنا الى هنا؟ سأل بلايز يُرتِب شعره الذي تبعثر إثر الصعقة.
هَمهَمتُ أنظُر على كتفي ليُغمض القنديل عينيه الصغيرة كأنها ينام الجناحين فوق عينيه تتحرك كأنه توجد نسمة هواء.
لستُ أدري لكنه أليف و لطيف، لِذلك سأدعه يرافقنا في مغامرتنا القصيرة.
حلق بلايز إليّ يترُك مسافة لكونه رأى أنَّ القنديل في مطرحه.

هذا القبيح سرقة مكاني! أشار بلايز بيده غاضبًا على كتفي المَشغول لأشقلب مُقلتاي و أكمل طريقي في الردهة.
لدي كتف آخَر. قلتُ له أرَبِت على كتفي الأيسر.
لا أهتم، فأنا كنتُ أجلس على ذلك الكتف و هذا الضئيل أخذه.
رفعتُ حاجب عليه ثم ابتسمت على طريقة كلامه.
هل تغار بلايز من أن أخذُه مرافقًا بدلاً منك؟
فتح فمه على مصراعيه كأنني صفعته على وجهه حتى وجنتيه توردت.

قنديل بِلا عقل كَمُرافق لِأمير بلا عقل؟ نعم أنكما أفضل معًا.
فتحتُ فمي كي أبصق كلامه في وجهه بِصيغة مختلفة لكنه هرب مسرعًا قبل سماعه يعلم جيداً ماذا سيَقول هذا الأمير الذي بِلا عقل.
ها انتَ ذا. قال صوت غاضب ناعِم لكنه صارم من ورائي لأتوقف في مكاني و ألتَفِت إليه أعثُر على الملكة أوكتافيا مُضَيّقة العينين و يديها على خصرها.

فتح القنديل عيونه بِسرعة على صوتها كأنه يعرفه جيداً ثم سبح أسرع الى خلف كتفي يَختبئ منها.
لقد كنتُ أبحث عنك منذُ يومين. قالت أوكتافيا قادمة نحونا و عنفتها تتحرك خلفها، تأخذها الينا بِرقة حركات كأنها ريشة تسقُط في الهواء.
هذا الصغير لكِ؟ انا سألتها بِتعجب لتُعطيني بسمة رقيقة و تومئ برأسها قبل أن تضع تركيزها على القنديل.
لقد هرب مني عندما حاولتُ تنظيفه و لم أعُد أراه في القصر منذُ حين.

ألقيتُ نظرة من فوق كتفي على القنديل الذي مع انه لا يمتلك حواجب إلا انه بدى متضايق كالذي يعقد حواجبه.
يبدو انه يكره الاستحمام. أخبرتُ أوكتافيا التي زفرت الهواء من أنفها بِاستياء.
هذا غير صحيح، انه يحبه لكنه يكره عندما أستعمل الفرشاة داخل قرصه بِما أنَّ أغلبية الأوساخ تتجمع فيه.
أخرج القنديل صوتً حزين لتتجاهله هي تنظُر لي
هل لحق بك؟

ربما، لكني رأيته البارحة و نحنُ في طريقنا الى القصر و هذه ثاني مرة أراه فيها.
هَمهَمت تمُد يدها كي تمسك به لكنه تفاداها و أختبئ خلف ظهري يجعلني أضحك بِخفة.
انه لطيف لكنه شيطان يحب تعذيبي مع أنَّ سيون حذرني من اقتنائه و انا لم أنصت له لأني وقعتُ في سحره. قالت أوكتافيا تمُد يدها مجدداً نحوه لكنه سريع هرب من قبضتها يجعلها تخرج كلمة بذيئة و انا ضحكت بِشدة عليها لم أتوقع سماعها تتفوه بِكلام مثل هذا.

وضعت هي يدها على فمها مُدركة لِلذي تفوهت به ثم اعتذرت لي بوجه أحمر.
كنتُ على حق، لا يمكن الوثوق بِلطافة كائنات مثله. تَمتَم بلايز يُقرَر المشاركة في حديثنا بِفخر، يقف على كتفي الذي كانَ عليه القنديل الخائف مِن سيدته.
مدت أوكتافيا أصبعها ثم مسحت على شعر بلايز قائلة
لكنكَ لطيف كذلك، فَهل انتَ شيء لا يمكن الوثوق به؟

عضتُ على شفتي السُفلية أمنع نفسي من الضحك أكثر لكونها لكمته بِكلامها الذي لم تعنيه بِطريقة سيئة على وجهه فَهو نظر لي بِطرف عينه كأنه يعرف تمامًا ما أفكر به.
على اية حال، بدأت الملكة الجميلة، تُشابك ذراعها بِذراعي تُشير لي كي نمشي سويًا و انا لم أعترض بل على العكس أحببتُ وجودها و طبعًا ما يزال القنديل متشبث بِظهري لا يجرؤ على مواجهة الملكة.
أبن عمك الوسيم سأل عنك في الصباح.

قالت أوكتافيا لأنظُُر لها متفاجئ ثم بلعتُ ريقي أصَفي حلقي و أضع قناع الضجر على وجهي كي لا ترى ما بِداخلي.
حقًا؟ انا لم أراه على الفطور اليوم و يبدو انه لا يغادر غرفته.
صدقني حتى انا نادراً ما أراه منذُ وصوله لكن سيون أخبرني انه يهتم بِتاليا لأنها متعبة.
تجمدت ساقاي على الأرضية أوقفها معي لتنظُر لي بِقلق يعلوا وجهها الجميل.
تاليا هنا؟ انا سألتها لتَميل رأسها على جنب كالعصفور الفضولي.

الَم يُخبرك أحد؟ انها مع ريس، تُخزِن طاقتها لِوقت الحفل كي تحضره فَكما تعلم انها قريبة من الولادة.
هَززتُ رأسي كأنني أهُز دهشتي لأركز على الملكة أمامي أعطيها بسمة جانبية تُغير مِن تعابيرها القلقة لأسحبها معي نكمل طريقنا بِخطوات بطيئة.
مرت من جانبني خادمة خضراء البشرة تنحني لنا لنومئ لها قبل أن اسأل
و هل تستقبل الزوار؟
قَهقَهت هي تصفعني على ذراعي كما لو انني تفوهتُ بِنكتة فكاهية.

انتَ كالشقيق الصغير لها، لا تتحدث و كأنكَ شخص غريب عنها هي و ريس و طبعًا تستقبل لكنها حاليًا نائمة كما تنام طوال الوقت أو تأكل كي تغذي طفلها.
ابتسمتُ مع نفسي و انا أتخيلها نائمة على سريرها و يداً على بطنها بِسلام كما تنام عادةً.
انها تشتاق لك و سألتني عنك عندما أخبرتها انكَ وصلت مع الباقي. أخبرتني أوكتافيا بِنبرة هادئة.
و انا ايضًا غير ذلك، سوف أراهم اليوم.

اومأت هي تعصِر ذراعي المُتمسكة بها بِلطف تَميل رأسها على كتفي.
أحسستُ أنَ بينكم أنتم الثلاثة شيء، شيء خطأ. لا أوَد التدخل لكن إن احتجتَ لأية الشخص كي تتكلم معه انا موجودة، فالكين.
وضعتُ قُبلة صغيرة على جبينها أشكرها بِصمت و نحنُ نتابع سيرنا الى الساحة الكبيرة التي يتم تجهيزها لِلحفل أفكِر، بِكلامها و وجود تاليا تحت نفس السقف.
قريبًا، سوف أراهُما كلاهما قريبًا و هذا كل ما يهُم.

حَل المساء و بدأت الموسيقى الراقية بالوصول إليّ و انا أعدِل من ملابسي في الغرفة أنظُر لنفسي في المرآة و خلفي ريزار و بلايز ينتظرون.
قررتُ ارتداء الأسود (يا لِلمفاجئة)، سترة عليها خيوط رمادية كالزخرفة، بنطال و جزمة سوداء تصل لأسفل ركبتاي.

مشطتُ شعري ثم وضعتُ خاتمي الذي أهدته إليّ تاليا منذُ سنوات و حتى هذا اليوم لم أستطع عدم أبقائه معي، بعدها التفتُ الى رفاقي أخبرهم انني جاهز.
أخرجوا زفيراً مِن أفواههم يتذمرون على كوني كالمرأة، تأخُذ ساعات حتى تنتهي و انا تظاهرت انني لم أسمعهم أغادر الغرفة و هُم معي.
توَجَّهنا الى الأسفل، مكان تواجُد الحضور الذينَ ملئوا القصر و الساحة الكبيرة التي تُطِل عليها غرفتي.

و أول ما وصلني بِقوى فور وقوفنا في بداية الساحة هي ضحكات الحضور و أحاديثهم المرتفعة مُختلطة قادمة من كل مكان. الفرقة الموسيقية تعزف على آلاتها على المنصة بين أعمدة زجاجية، ألحان راقية عذبة و أمام الفرقة في وسط الساحة بعض مِن الذين يرقصون و يضحكون أكثر يستمتعون بِهذه اللحظة.
هنالك ما يُقارب المئة شخص و ربما أكثر و كل واحد في مجموعات عند طاولات صغيرة يشربون و يتناولون الطعام.

يوجد أشخاص مِن الممالك الستة.
مجموعات ذو شعر أبيض أو أشقر يرتدون ملابس بيضاء و زرقاء، مِن مملكة سنويان و بينهم ملكهم كيجا و أبناء عمه إيناري و نيرِكس.
و مجموعة يرتدون الأخضر و البني من مملكة أريزو و بينهم تيريان و عشيقته سيري و أبنهما آناس، و مجموعة غيرهم ذو بشرة سمراء أو داكِنة يرتدون الذهبي من مملكة كاداري، معهم لايتا و شقيقته نيفاري.
رأيتُ ايضًا مجموعتنا التي أتَت مِن فالينيا بِملابسهم الربيعية.

أخيراً و ليس أخِراً، مجموعة مختلفة يرتدون ملابس لا تنتمي لأية مِن تلكَ الممالك التي ذكرتها لأعرف انها من أسليرا.
و طبعًا هنالك الكثير مِن أهل هذه المملكة بِزعانفهم أو على سيقانهم يرتدون ملابس مِن اللون الأزرق بأنواعه أو ألوان جميلة مناسبة تُعبِر عن المحيط الذي يحيطنا.

حان وقت المرح. تَمتَم بلايز مِن جانبي يطير الى طاولة الطعام الكبيرة المليئة بأصناف مختلفة حتى لاحظت انه يوجد ايضًا طعام من الممالك الستة.
نعم، بِكل تأكيد سيون متواضع.
أنظُر انهم هناك. أشار ريزار مِن جانبي على مجموعة صغيرة لم أراها مِن البداية، تقف في زاوية الساحة عند عامود تسبح مِن حوله جنيات بِحجم بلايز.

انها مجموعتنا. يوجد فيها فالين بِشعره الأشقر و عليه تاجه الذهبي المُرصع بالياقوت الأحمر و الأصفر الذي نادراً ما يضعه.
يحمل بيده كأس زجاجي فيه مشروب بِغازات يرتدي ملابس أنيقة مِن سترة حمراء، بنطال أسود و حول سترته معطف خفيف.

يضحك على شيء ما قالته فينار التي ترتدي فستان أزرق فاتح طويل يلامس الأرضية الزجاجية ليس له أكمام يُغطي منطقة الصدر و يكشف الأكتاف و على رأسها تاج من الفضة و الألماس.
مايكا معهم، أزيائه لا تتغير كثيراً مِن سترة بنية تُغطي رقبته و بنطال أسود مع جزمة، سيفه على خصره و يده حول خصر كانيلا النحيل و التي تبدو خاطفة للأنفاس بِفستانها.

أخَذ مني الدقيقة كي أستوعب ما ترتديه هذه المرأة و أخذ مني دقيقة أخرى كي أذكُر كيف أنظُر و الى مَن أنظُر أساساً.
فستانها أزرق مِن الشيفون الذي يُظهِر ظهرها و جانبها حتى ساقيها و أفخاذها، انه بِلا أكمام ذو فتحة صدر تصل لِمنتصف بطنها. مُطرز عليه أزرار صغيرة بدت كأنها قطرات ندى على فخذيها أما على صدرها و بطنها مُطرز قطع زرقاء و بيضاء على شكل مربعات بأشكال مختلفة.

و أخيراً، يوجد قطعة قماشة زرقاء سماوية اللون تغطي الجزء الخلفي و السُفلي من جسدها، شعرها مُمَوج و منسدل على كتفيها و ظهرها كلما تحركت يتلألأ فستانها كأنَها ترتدي قطع زجاج يعكس الأضواء من حولنا، تمامًا كما يحدث لِلساحة.

لم أكن يومًا لأحدق بأحدهم بِهذه الطريقة و لم تقدر مرأة على جذب اهتمامي و جعلي أنسى كيف أتنفس كما تفعل هذه المرأة لي.
شكلها، نظراتها، طريقة تكلمها و صوتها، حركات يديها و هي تتحدث حتى هدوئها و سكينتها وكُل ما فيها يجعلني أتجمد كالأبله الذي لم يرى فتاة في حياته.
لها هالة جاذبة تجعلني لا أرى أحداً غيرها، لا تعرف أنَّ لها تأثير قوي عليّ و ربما لن تعرف ابداً.

أحيانًا أعثر على نفسي أفكر بِصوتها و أتمنى لو باستطاعتي الجلوس معها و سمعاها تتحدث الى الأبد كما لو انني أسمع الى تنهيدة جميلة، فَلن أمانع على الأطلاق. السماع لها كل يوم طوال حياتي الخالدة.
لكن توقف عقلي عن العمل كليًا عندما وضعتُ عيناي على كتفها الأيسر.
المكان الذي كانَ يجب أن يتواجَد عليه وشم أسود.
لكنه، لكنه فارغ.

كتفها عاري بِما أنَ فستانها ليس له أكمام و مع ذلك، لم أرى ما كنتُ دومًا أراه بالصدفة.
لا وَشم كأنه أختفى أو كنتُ انا أتخيله.
كيف لهذا أن يحدث؟ اين أختفى؟ و اين أخت--
فالكين؟ وضع ريزار يداً على كتفي يُعيدني من عالم أحلامي و تصوراتي الى الواقع.
نظرتُ له أرمش بسرعة أذكُر اين انا و مع مَن أكون و لماذا انا هنا.
ما الخطب؟ سألته انا مُستغرب ليُحدق هو بي لِلحظة طويلة ظننته فيها لن يرد.
كنتَ شارداً لهذا قلقت.

هَززتُ رأسي أمسح جبيني من دون سبب قبل أن أعطيه بسمة و أخبره أن نذهب الى مجموعتنا ليومئ موافقًا.
و لكي أكون أقرب من كانيلا حتى اتأكد من انني لم أجَن عندما لم أرى الوشم.
رأيتُ بلايز و إكسانا عند طاولات الطعام لهذا قررتُ تركهما و عدم أزعجاهما فهذا اليوم للاحتفال.

أخذنا طريقنا بين الحضور نرحب على من ينظرون باتجاهنا و يومئون لنا بِرَد، فهُنالك بعض الأشخاص الذينَ أعرفهم من ممالك أخرى و لم أقابلهم منذُ فترة طويلة.
فالكين، لقد اعتقدت انكَ ستعلق في غرفتك. قال فالين كَترحيب يضع يداً على كتفي لأقف بينه و بين كانيلا التي لاحظتُ انها تنظُر لي إلا انني لم أجرؤ على مقابلة عينيها بعد.
أعتذر على التأخير و بالمناسبة، تبدون جميعكم رائعين.

أعطتني فينار كأس مشروب مثل الذي يحملونه جميعهم ثم ضربته بِخاصته كنَخب قائلة
شكراً عزيزي فالكين، وانتَ تبدو أنيقًا كَكُل مرة.
انحنيتُ لها بِطريقة درامية شاكِراً إياها ليضحكوا بِخفة على تصرفي و يشربوا مشروباتهم.
اين ريس و تاليا؟ لم اسأل أحَد مُحدد ألقي نظرة خاطفة على كتف كانيلا الأيسر لكنه كما رأيت، فارغ.
بلعت فينار مشروبها قبل أن تجيبني تنظُر من حولها.

لستُ متأكدة، لكني واثقة انهم على الطريق. تاليا مرهقة الحمل يُسَبب لها الكثير من المشاكل في الجسد.
أشعر بالأسف عليها، لابُد و انها تُعاني كل لحظة تتحرك بها، لدي علم بالأوجاع التي ترافق الامرأة الحامل. قال فالين يتنهد مِن فمه لأومئ انا أوافقه الرأيّ فَجميعنا نعلم ما يجري مع كل مرأة حامل فالحمل في عالمنا نادر و مُتعب لِلغاية.

أحسستُ بِكانيلا تتحرك في مطرحها بِجانبي، فَهالتها المتوترة تصلني لأعلم انها مثلي و ربما اسوأ، ليست مستعدة لرؤية صديقتها بعد أكثر مِن ثمانية عشر سنة؟
تسعة عشر؟ شيء من هذا القبيل وفي كل مرة أفكر بالأمر يؤلمني رأسي.
الجنرال أدلار يعتني بهما كلاهُما و لقد أخبرني انها على ما يرام. أخبرنا مايكا ينظُر لنا جميعنا و خاصًة انا.
سوف نراهم و نعرف بأنفسنا. أضافَ فالين يشرب من كأسه.

مرت النصف ساعة على ما أعتقد تتحول فيها الموسيقى الى الهادئة بدل الصاخبة كما كانت و الراقصين أصبحوا يرقصون بِبطء مع كل شريك لهم. أثناء ذلك انا، فالين و فينار تقابلنا مع أغلبية الملوك الى أن وقفنا مع لايتا و نيفاري نتكلم مع ما جرى معهما في كاداري و إن ما هنالك جديد.

الحمدللّه أنَ مملكة كاداري مُستقلة مع انه يوجد بعض المتمردين الذينَ لم يقتنعوا بِقرار لايتا ولكنهم لم يُشِنوا هجومًا آخراً أو يبدأو مشاكل أو تخريب المزيد مِن سمعة المملكة و يُعيقوا عملها السياسي.
لكن لايتا ما يزال قلق و ظل يسأل عن خُططنا التي رسمناها قبل ذهابنا الى مملكة شادونايت. لاحظتُ مع سماعي لِلحديث الذي أستمر مطولاً، نظرات نيفاري السريعة على شخص ما في الساحة.

انها تظل تختلس نظرات ما مِن فوق كتفها بالخفاء على أحد الحضور تجعلني فضولي بِتصرفها.
عندما لاحقتُ الاتجاه الذي تنظر له بين حين وآخَر، التقطتُ تيريان الذي يتكلم مع كيجا أما آناس و والدته انشغلوا بِحديث عميق مع أبناء عَم كيجا.
صُدِمت عندما انتبهت لِلشوق في عينيها فَمِنَ المستحيل عدم رؤية الحُب و الشَوق القديم الذي كانَ كل حياتها يختفي.

عينيها تتكلم بِصمت عن حبها له كما كان و ربما بعد تلكَ القرون كَبُر أكثر لكنها تحاول بِقدر الأمكان نسيانه أو على الأقل التظاهر انها لا تهتم له بعد زمن لا يُعَد من التفرقة بينهما.

و غير هذا هو مع سيري و لهما أبن شهم و ذكي و محترم، ولدته أمه أميراً و الذي باللحظة التي رأى فيها كانيلا تمشي بعيداً عن مايكا، ترك جانب والديه ثم ركض اليها مبتسمًا بِدهشة كي يعانقها. بعدما عصرها بِعناق طويل أمسك بيديها يرفعها في الهواء حتى يُديرها أمامه يخبرها كم انها جميلة.

ضحكاتها المرتفعة غَطت على ضجيج الحفلة أو هذا ما ظننته لأنها ملأت أذُناي و عقلي، تُعاد و تَتكرر الضحكة مع انها توقفت تُعانق آناس أكثر.
ماذا؟ انه يعرف فالكين؟ سأل لايتا بِصُعق و انا أحدق بِكانيلا التي تضع يدها على وَجنتين آناس تقول شيء ما له.
نعم مع الأسف، قائد الأتلانتيانز وضعه هدف له. أجابه فالين بِنبرة فيها صرامة و غضب.

لا أعلم لماذا، لكن أشاحَت كانيلا بِعينيها باتجاهي تلامس عيوني و أحسستُ بالزمن يتوقف لِلحظة، لأنظُر الى مجموعتي بِسرعة أركِز على الحديث الجاري قبل أن أعلق بِتلك اللحظة.
لماذا؟ سألت نيفاري مُعقدة حواجبها السوداء لأصبح انا مركز الانتباه كأنهم ينتظرون مني انا، تبرير سبب عشق قائد الأتلانتيانز لي.

فتحتُ فمي لا أعرف ماذا يجدُر بي قوله ليَسبقني صوت رجولي عميق قد أقشعر بدني منه فيه بحة، قادم مِن جهتنا اليُمنى و مِن خلف فالين و أخته
لأن قائدهم يعرفه و هو يستمتع بِكوننا لا نعرفه.
استدرنا جميعنا لِلصوت لأسحب انا نفسًا على ظهور ريس يرتدي ملابس سوداء لكن بِقميص أبيض يُغطي القليل من رقبته و على معطفه خيوط و أزرار فُضية من لون عينيه الحادة و الناعسة، على رأسه تاج أسود شكله كَمجموعة ريش لكنه من الحديد.

لكن ما جعل قلبي يخفق نبضة هي التي تمشي بِجانبه، ذراعها مشابكة بِذراعه.
أول ما رأيته هو فستانها الكحلي الذي يُغطي بطنها الكبير، بِلا أكمام يُظهِر رقبتها بأكملها و حول كتفيها ستائر طويلة تمشي مِن خلفها على الأرض فيها لمعان كالنجوم، كأنَّ الفستان النجمة و هي سماء الليل.

رفعتُ نظري على وجهِها الأجمل على الأطلاق، تبتسم بِرقة شعرها الفاتح مرفوع و فوقه تاجها توأم تاج ريس لكنه من الفضة و الألماس.
تقابلت عيوني بِعيون ريس لِثانية قبل أن يُصافح أيادي لايتا و فالين و يُعانق فينار و نيفاري يُعطيهم بسمة نادرة وبالنسبة لتاليا فَعانقت الجميع مع أنَ عناقها بدى صعب بِسبب بطنها.

كلاهما ثنائي قد سرق الأضواء في الحفلة. الراقصين توقفوا عن الرقص فقط لكي ينظروا اليهما. كُل مَن يتحدث و يضحك، صمت و لم يعُد لهم ذرة همس. كل العالم توقف حتى الأنفاس لم يعُد لها وجود على ظهور هاذين الأثنين.
أعظم ملك و ملكة في العالم.

بالأخص تاليا، حامية عالم الجنيات و مُنهية الملك الظالم، غادان. في نظرات الجميع ليسَ الخوف أو الغضب لكونها كانت تتلقى تلكَ النظرات عندما كانت بشرية لكن الأن، النظرات أصبحت معجبة، تهابُها و تحبها و الفكرة جعلتني أبتسم مع نفسي أنتظرها أن تلاحظ وجودي.
و كما لو انها قرأت أفكاري، حركت رأسها نحوي لتختفي البسمة البشوشة مِن على شفتيها الوردية و عيونها العسلية المائلة لِلخضراء توسعت.

بِلحظة كنتُ أقف أحمِل بيدي المشروب و بلِحظة أخرى أعطيته لِريزار ثم ركضتُ أعناقها بِحذر كي لا أؤذي بطنها.
فالكين! همست هي تلُف ذراعيها حول عنقي تغمر وجهها في رقبتي.
لقد اشتقتُ لكِ. قلتُ أعصرها بالعناق أشتم رائحتها كالفراولة لتضحك هي قائلة
و انا ايضًا.

ابتعدتُ عن العناق قليلاً كي أنظُر لها و هي أمسكت وجهي بيد يديها الصغيرة تحرك عيونها الحنونة عَليّ كأنها بِفعلتها هذه تُزيح قلق ليس له لزوم عن أكتفها كالحمل الثقيل.
دائمًا قلقة، دائًما تخاف و تقلق عليّ حتى لو كنتُ معها.
هنالك شيء بك تغير. تَمتَمت هي تُعطيني قُبلة على وجنتي تمسك بِيدي.
بل انتِ المتغيرة فأنظُري الى بطنك لقد أصبح أكبر.
نظرنا جميعنا على بطنها لتَضع هي يد عليه تُحركها بِدوائر تبتسم بِخجل.

نعم، انه يكبُر بِسرعة.
رفعتُ رأسي عنها أرى ريس ينظُر إليّ، وجهه لا يخبرني بالذي يشعُر به لأدع يَد تاليا، أبلع ريقي و أتقدم نحوه خطوتين. مع انني بِنفس طوله إلا أنَّ في هذه اللحظة بدى أطول مني، رأسه منحني ينظُر لي بِتلكَ العينين الثاقبة.
فالكين. قال هو يمُد يده لكي أصافحها.
لعقتُ شفتاي أرطبهم قبل أن أمسك يده.
ريس.

لم يُبعِد بصره عني ابداً طوال المصافحة و انا أحسستُ بِغيمة سوداء تطفوا فوق رؤوسنا و توتري تحكم بي لا أعلم ماذا أقول في هذا الصمت.
لكن فاجأني عندما سحبني بِقوى إليه و عانقني يُرَبِت على ظهري لترجع الأصوات مِن حولنا كما كانت و ربما أعلى من قبل. الراقصين يرقصون و الحضور يندمجون في أحاديثهم يتظاهرون انهم لا يُنصِتوا لنا و عيونهم ليست علينا.

لقد مرت أشهُر و لم تتكبد عناء أرسال رسالة لي و لو لمرة واحدة. قال هو بعد العناق يُعطيني بسمة جانبية.
انا--
لا تُبرر، أعلم انكَ مشغول و لديكَ أسبابك لكن انا و تاليا خائبين الظن بك.
اومأت تاليا توافقه لأتنهد أمرِر أناملي بين خُصلات شعري.
أنتم عائلة تحبون الدراما. تَمتَم لايتا مِن ورائي لتشقلب تاليا مُقلتيها و انا أضحك أما ريس كما هو حاله رمقه بِنظرات حارقة تجعل ملك الضوء يُشاركني الضحك.

لقد كنتم تتكلمون عن الأتلانتيانز و قائدهم صحيح؟ سأل ريس و انا عدتُ الى مطرحي بين ريزار و فالين أمسك يد تاليا.
اومأت فينار مرةً تتحول وجوههم كُلها من الفَرِحة والسعيدة الى المظلمة على ذِكر أعدائنا و قائدهم المجهول.
الأمور تعقدت أكثر مما توقعنا ريس و ليست لدينا فكرة عما يجب فعله ضدهم. قال فالين ينظُر الى شرابه الذي في يده لكن على ما يبدو أنَّ لا شهية له بأكماله.

لا يوجد ما يُمكن فعله الأن لكن لدينا خيار الانتظار و رؤية الخطوة التي سيتخذونها هم.
لكن مَع كل خطوة يتخذونها ضدنا، تُسبب بأزمات كبيرة لنا جميعنا و غير ذلك الجثث.
لِننتظر بعد، أنتم أذهبوا الى مملكة شادونايت و حلوا المشكلة بينهم و بين مملكتك، لايتا، بعدها سنرى. وجَّه كلامه لِملك الضوء ذو الملامح القاسية الذي أومئ له بِتفهم يتبادل نظرات سريعة مع شقيقته التي وضعت يداً على كتفه.

و فالكين، وَجَّه ريس كلامه لي مُشيراً بِرأسه لكي أتي معه و يديه خلف ظهره
أوَد التحدث معكَ على انفِراد.
بالطبع.
أخذتُ خطواتي نحوه لِتقول تاليا مُضَيّق العينين على زوجها
ألا يمكنكم مشاركة السِر معنا؟
لا سر ملكتي، انتِ تعرفين انني لا أخفي عليكِ شيئًا. أجابه يغمز لها بعينه قبل أن يكمل طريقه معي.
يا اللهي أرحمنا. هَمس فالين يشرب من كأسه.

تجاهلتُ فالين ثم أعطيتُ تاليا بسمة على طرف شفتاي لترُدها هي لي و تُشير بيدها كي أذهب.
مشينا بعيداً عن الحفلة الى الحديقة الرئيسية لِلقصر، فيها بعض المَدعوين الذينَ فَضَّلوا الهدوء. رفعتُ رأسي الى الأعلى أتمعن بِجمال سطح البحر الذي مِن خلاله نور القمر يعبُر الى أن أصبح مَصدر إضاءة لِلحديقة.

و هنالك حيتان سوداء و بيضاء تسبح بِبطء و من حولها قناديل مُضيئة و أسماك بِمختلف الأشكال و الأحجام حتى رأيت سلاحف بحر مع صغارها التي بِحجم كَف يدي و ربما أصغر.
ظننت أنَّ تاليا لن تأتي. انا كسرتُ الصمت أنظُر لِريس بِطرف عيني.
لم يتفوه بِحرف لِمُدة قصيرة ثم قال بِهدوء
في الحقيقة حاولتُ أقناعها بالبقاء في أسليرا فَحالتها الصحية لا تسمح لها بالسفر لكنها أصرت و لم يكُن لدي خيار سوى الإنصات.

أخرجتُ ضحكة مِن حلقي أنظُر على جزمتي فوق العشب البحري يتراقص بِبطء كأنه توجد نسمة هواء.
لا أعتقد أنَّ الشِجار مع امرأة حامل فكرة ذكية. أخبرته ليَبتسم هو يومئ بِرأسه.
لهذا أحضرتها معي، أعني هي تحب هذه المملكة لِلغاية و مرت فترة منذُ أن زارتها لهذا هذه فرصتها و أخذتها.
عَم صمت آخَر بيننا نشاهد فيه خادمات يحاولن أخراج قناديل قد دخلت بين ستائر و عَلِقَت بها لكون أطرافها طويلة و هلامية.

انه صبي. أخبرني ريس بِنبرة بالكاد سمعتها لأحرك رأسي نحوه مُتعجب.
ماذا؟
الطفل، لقد تأكدنا مئة بالمئة منذُ فترة أنَ جنس الطفل، ذَكَر.
نمت بسمة عريضة على وَجهي تصل لِعيوني و جذور السعادة في صدري على الخبر الجميل.
مبارك لكما ريس. انا حقًا سعيد انه ذَكَر مع انني واثق انه لو كانت أنثى سيَكون ذلك ايضًا رائع.
تمنيتُ لو انه أنثى لكن هذا هو القدر و انا راضي على اية حال.

وضعتُ يدي على كتفه أربِت عليه عِدة مرات قبل أن نتابع سيرنا في أرجاء الحديقة ذات النباتات المُشِعة بألوان فاقِعة كالوردي، الأزرق و الأخضر وغيرها.
ريس؟ ناديته بِتوتر طفيف أقرر أن أفتح حديثًا جديداً قد علق في رأسي منذُ أن علمت انه متواجد في القصر.
هَمهَم هو ينتظِر أكمالي لأبلع ريقي و اسأله
هل انتَ غاضب مني؟

توقف هو عن المشي لألتَفِت إليه أقِف مواجهًا له. رمش عَليّ مرتين ثم زفر الهواء من فمه تعابير وجهه ترجع لِلجادة و الحادة.
جزء مني ليس غاضبًا و الجزء الثاني نعم قليلاً فأنتَ تركت المملكة فالكين، تركتَ كل شيء و رحلت.
انتَ تعلم ما أردته و ماذا أتمنى.
اومئ هو ثم رد
انتَ حُر و ليسَ لنا سلطة على قرار يتعلق بِمستقبلك و هذا ليس ما أحزننا أصلاً.

رفعتُ حواجبي بِحيرة ليُكمل هو كلامه المياه تُحرِك من شعره الأسود المائل لِلأزرق على جبينه
انتَ تركت لقبك و منصبك و هذا ما أشعلنا حزنًا و أستياء منك.
لكن هذا الأفضل لنا جميعنا.
هَزة رأسه يَعض بأسنانه على بعضها أعلم انه يحاول تهدئة نفسه فَلقد خضنا هذا النقاش مرةً و انتهى بِشجار بيننا.

انتَ لا تعرف مصلحة المملكة مثلنا و غير ذلك لقد كسرت مِن قلب تاليا بِتركك منصبك و قساوتك عليها عندما عارضت قرارك الغير منطقي. مهما فعلت و مهما قلت انتَ ستبقى أميراً حتى نفسك الأخير.
انا لم أترك القصر و المملكة من دون حسبان الأمر أكثر مِن مليون مرة، ريس. لم أغادر كالذي لا يرى و لا يسمع بل غادرت لأني عرفت انني محق.
الطفل ليسَ السبب الوحيد اليس كذلك؟

سؤاله جعلني أختم على فمي و أحدق به لِمُدة من دون رمش الى أن بدأت عيناي بِحرقي تجعلني أغمضها بِسرعة أنظُر لأية شيء عدا وجهه.
لا، الطفل ليس السبب أصلاً. أجبته مِن دون أن أتابع باقي كلامي.
لقد خسرتُ والداي كلاهما بِسبب العرش و انا لا اريد شيء كريه في حياتي و لا اريد أن أكون شخص حياته كلها و مستقبله متعلق بالقصر و بمكان واحد، فأنا اريد الحرية.
حرية.
هذا كل ما تمنيته و أعمل على الوصول اليه.

مهما حاولنا أقناعك انتَ لن تعود صحيح و لو بِأميرة؟ أعادني سؤاله إليه انتبه أنَ هنالك ذرة استفزاز في صوته و زاوية من شفتيه ارتفعت قليلاً ليست واضحة لأسميها بسمة.
شقلبتُ مُقلتاي ثم أخذتُ خطواتي بِجانبه على أطراف الحديقة نرى أنَ الخدم نجحوا بأخراج أغلبية القناديل العالقة في الستائر.
انا سعيد في فالينيا و سأكون أسعد عندما تنتهي قصة الأتلانتيانز.

المهم انكَ لن تتركنا، على الأقل ستعترف بِمنصبك و هذا ما نريده لأنه حقك و حق أولادك و أحفادك في المستقبل.
زفرتُ الهواء من فمي لأومئ باستسلام فأنا نسيت كليًا أنَ يومًا ما قد يُطالبوا أولادي و ربما أحفادي بالعرش أو القصر لأنهم سيحملون دمائي، الدماء الملكية.
مع انني لا أخطط لِلزواج ولكن هذا أحتمال يجب عليّ وضعه أمامي كُلما فكرت بِمنصبي.

على ذِكر الأتلانتيانز، لقد أخبرني فالين انكَ توَد الحديث معي عنهم. قال ريس يديه في جيوب بنطاله.
اومأتُ له بِنعم أضَع يداي في جيوب بنطالي مثله فَهذه حركة تعلمتها منه لِكثرة فعله لها.
لقد ظننت انكَ تعرف شيئًا عن قائدهم لكنكَ غير قادر على أخباري بِسبب بُعد المسافات بيننا.
هَمهَم هو قليلاً قبل أن يخبرني
لديّ لكني لستُ متأكد و قد أكون مخطئ.
قُل ما لديك لعلكَ تُساعدنا بِحل هذا اللغز.

توقف هو في مطرحه ثم واجهني عاقد حواجبه المُرتبة من لون شعره
هنالك كلام يدور بين الرجال في كل نُزُل و فندق في أسليرا و حتى القُرى مِن حولها، كلام عن رجل أعتقد الجميع انه ميت.
كيف تعرف عن الإشاعة؟
أدلار سمع من رجال يعرفهم و أخبرني فوراً.
علي ذِكر أدلار نظرتُ في الأرجاء باتجاه الساحة لا أجده مع باقي الحُراس المَلكيين، لأعيد تركيزي على ريس و اسأل بِفضول
اين هو؟

في ساحة القصر الرئيسية مع باقي الحرس فَهو لا يحب الأماكن المُكتظة كثيراً أو مع زوجته جيانا. على اية حال، الإشاعة تقول أنَّ هذا الرجل قد يكون على قيد الحياة و يعمل في الخفاء و انه يتقابل مع أشخاص في الظلام.
مَن يكون هذا الرجل؟
لم يُجبني على الفور بل أخذ يحدق بالأفق، أطراف أذُنيه ترتجف لِثانية كأنه متردد مِن التفوه باسمه و عندما فتح فمه بدأت الموسيقى تعلوا و تعلوا الى أن أصبحت صاخبة لِلغاية.

بعدما بدأوا الحضور بالتصفيق و التصفير ألتفتُ انا نحوى الساحة أجِد الملك سيون عند الأبواب العملاقة في أولها وبِجانبه تمشي فتاة شابة جميلة ذات شعر أزرق من نفس لون شعره و بشرة زرقاء و عيونها بيضاء.
نسخة سيون لكن الأنثى، ترتدي فستان أبيض ساحر طويل و تحمل بيديها باقة زهور صغيرة بيضاء و زرقاء على شفتيها بسمة كبيرة تنظُر لِلرجل الذي يقف على المنصة التي كانت فارغة بأخِر الساحة.

رجل ذو بشرة سمراء و له شعر أحمر و عيون زرقاء يرتدي طقم أبيض، يقف بالقُرب من رجل عجوز ذو لحية طويلة يحمل بيديه كتاب مَفتوح.
انه العريس المنتظر و تلكَ أبنت عَم سيون التي تمشي على الطريق المُزَين بالزهور و الصدفيات و اللؤلؤ نحوى زوجها، مشابكة ذراعها بِذراع سيون.
دعنا نكمل حديثنا لاحقًا. تَمتَم ريس لأنصت له بلا اعتراض مع انني لا أعتقد انه توجد مرة أخرى فيها نستطيع التحدث معًا عن المشكلة.

مشينا كلانا الى مكان تواجُد مجموعتنا نشاهد معهم، العروس و هي تمسك بِيد عريسها تصعد على المنصة كلاهما يحدقان بِبعضهما و في عيونهم دموع كالتي في عيون أوكتافيا و هي وافِقة بِجانب سيون تعانقه. بحثَت عيوني عن كانيلا و مايكا لأنهم اختفوا و لا أثر لهم بين الحضور لكني لم أجدهم ابداً.
فَلقد كانوا مع مجموعة تيريان إلا انهم لم يعودوا و ليسوا معهم الأن.

تذكرتُ شيء غريب لم يخطر على بالي، شيء لم أضعه في الحسبان و في هذه الثانية ظهر في رأسي.
تاليا هنا و كانيلا هنا، فَلماذا ليسوا معًا؟
هل تقابلا و انا لم أنتبه؟
ما الذي سيحصل إن تقابلا؟ لقد مرت سنين منذُ أن رأو بعضهما.
عندما أزحتُ بِنظري على تاليا رأيتها تحدق بي و حواجبها مرفوعة بِتساؤل.

بِطريقةٍ ما عرفت بالذي أفكر به كأنني كنتُ أصرخ اسم كانيلا باستخدام عيوني و ليسَ الكلمات، لتتحول عينيها الجميلة و الرقيقة الى المظلمة و الباردة.

الفصل التالي
بعد 06 ساعات و 52 دقيقة.
جميع الفصول
روايات الكاتب