رواية تحت الغطاء الأبيض الجزء الثاني للكاتبة مينار الفصل السابع

رواية تحت الغطاء الأبيض الجزء الثاني للكاتبة مينار الفصل السابع

رواية تحت الغطاء الأبيض الجزء الثاني للكاتبة مينار الفصل السابع

جلسنا كلانا في شرفة غرفتي نتبادل أطرف الحديث، هو يسألني عن ما فاته في العشرة سنوات الماضية و انا اسأله عن حياته في عالم البشر، لأنني لم أذهب إليه ابداً.
انهم بسيطون لِلغاية فالكين، حياتهم عادية و لا يوجد ما يحمس. انهم فقط يعملون لِلعيش و يقضون ما تبقى من الوقت ما بعد العمل مع بعضهم الى حين المساء. أخبرني ريزار (Reiser) يشرب الشاي من فنجانه ليُعيد وضعه فوق الطاولة بيننا.

هذا كل شيء؟ ألا يوجد ما يفعلونه لِلمتعة؟
هَمهَم هو قليلاً ليبتسم بِخفة و يقول
في الحقيقة هنالك ما يفعلونه، مثلاً يحبون الذهاب ليلاً الى الحانات لشرب الجعة مع الأصدقاء، هناك يغنون ايضاً و يرقصون و يلعبون الأوراق فَهذا شيئاً كنتُ أفعله مع والدي و أصدقائنا البشر.

ليس جديداً فَهذا ما نفعله نحن ايضاً عندما نَمَل أو إن أصَح القول، هذا ما يفعله شعب الممالك في الليل، لأنه في الليل تكون الأجواء أجمل و محمسة أكثر من الصباح. فالصباح لِلعمل أما المساء للاحتفال و المتعة.
هل من غيره؟ سألته بِفضول و هو يشرب من فنجانه مجدداً ينظُر للأفُق البعيد مكان ظهور الجبال و الغابات.

ليس حقاً فَبأمكانك القول انهم يعيشون مثلنا لكن الفُقر كثير و مُحزن، يعملون ضعف ما نعمله يومياً عدا الأغنياء فَهم يوَكِلون الخدم و العمال لكي يأخذوا عملهم بدلاً منهم و هل تعرف ما الذي وجدته غريباً جداً؟
أوقفتُ الفنجان أمام شفتاي لا أشرب منه بينما بلايز وقف تناول ما في فمه جالساً على حافة صحن الفنجان الصغير يُشاهده.

لديهم شيئاً يسمى بالزواج المُدَبَر انه تقليد من نوع ما، أعني انه كَبيع بناتهم و أبناهم لغيرهم و خاصةً البنات، يزوجوهم في أول نضجهم فقط من أجل المال و السمعة.
حدقتُ به كالأبله أجِد صعوبة باستيعاب ما سمعته و بلايز بدأ بالاختناق بالذي يأكله.
هل انتَ جاد؟ سألته مندهش ليومئ بِرأسه يشرب رشفة من شايه.

انه شائع كثيراً في عالمهم فَمِن الصعب على الفتاة الرفض و إذا أحَبت رجلاً فقيراً و فضّلته عن الغني فَسوف يعاقبونها و يزوجونها لرجل سيء.
هذه حقارة.
ابتسم ريزار نصف ابتسامة لا تصل لِلعينين ليَمُد أصبعه السبابة على ظهر بلايز و يضربه بِلطف كي يتوقف عن الاختناق.
انها كذلك لكن يُشبِهوننا بعض الشيء بهذا الأمر.
رفعتُ انا حاجباً عليه لا افهم ما يعنيه ليَشرح قائلاً.

السنا نُفَضِّل الزواج من الأغنياء على الفقراء؟ فالغني يتزوج بِغنية و الفقيرة ليس لها غير الفقير فما الاختلاف بيننا و بينهم؟
انه يعتمد على ميول الرجال و النساء فَلا أحد يغصبهم أو يُملي عليهم ما يجب فعله و مَن يتزوجون، فَليس لدينا الزواج المُدَبَر.
أعطيته الحقائق عن عالمنا و كم انه أفضَل من عالم البشر لكنه هَزة رأسه يُبعد أصبعه عن ظهر بلايز بعدما عاد يتنفس بِشكلٍ طبيعي.

يوجد الزواج المدبر لمن هُم محتاجون لبعضهم لكنه نادر و مَخفي.
نعم انتَ محق، لقد نسيتُ بِشأن هذا السبب.
سمعتُ به هنا في هذا العالم مرة أو أثنتين لكنني لم أشهد على زواج مُدبر من قبل. عُدنا نُكمل شرب الشاي في صمت، أدع من رياح الربيع تُدَغدِغ وجهي و تحرك شعري بِلطف.

أشاهد أوراق الأشجار في الحديقة أسفلنا تتمايل تُلامس بعضهما البعض و العصافير تقف على حواف النافورة تشرب من مياهها تُطفي عطشها قبل أن تطير في أعالي السماء الصافية.
انه يوم جميل كَغيره.
تذكرتُ فجأة انني أمتلك رسالتين في دُرج التسريحة و انني نسيتُ أن أقرأها لهذا نهضتُ على ساقاي أستأذن من ريزار لأدخُل الغرفة و معي بلايز بعدها فتحتُ دُرج التسريحة أضع كِلتاهما عليها اُفَكِر أيهما يجب أن أقرأ أولاً.

التي أعطتني إياها السفيرة عن الرجل المُرشح لأخذ عرش شادونايت أم التي وصلتني من شخصٍ ما من قصر أسليرا؟
زفرتُ الهواء من فمي بِحيرة لا أعرف أيهما أختار ليطير بلايز و يقف على الرسالة اليُسرى ينظُر لي بِرأس مرفوع بما انني عملاق بالنسبة له.
أختار هذه، أشار لي بِيده على التي يقف عليها لأرفع انا حاجباً و اسأله
التي فيها معلومات عن الملك المستقبلي؟
أومئ هو قائلاً.

لقد أخبرك فالين أن تقرأ الرسالة من أسليرا و انتَ لوحدك و لأن صديقك هُنا فَهذا غير ممكن.
ضَيّقتُ عيناي عليه أتساءل حول اهتمام لِلتفاصيل.
انتَ تُخيفُني بِتصرفك و كلامك اللائِق.
ضحك بلايز يَهُز أكتافه ليجلس على الرسالة مُشابك الساقين.
هيا خُذها و أقرأها.
أخذتها كما طلب ثم عدتُ الى الشرفة أجلس مُقابلاً لصديقي الذي يبدو عليه التساؤل عن الرسالة التي وضعتها بيننا فوق الطاولة.
ما هذه؟ سألني هو.
سوف نكتشف سوياً.

حملتها و بدأتُ بِفتحها بِحذر كي لا اُمَزِق ما بداخلها و بلايز طار على كتفي ينتظِر حتى فتحتها لأبدأ بِقراءتها بِصوت مرتفع لكي يسمع ريزار.
و الرسالة المَكتوبة بِخط يد ليس جميلاً و مُلَخبط بعض الشيء تقول باختصار:
أنَ الرجل أو الملك المستقبلي يُدعى إيماريس و هو مِن نَسل عائلة غادان لكنه لا يمتلك سحره الأسود و ليس بنفس قوته.

شاب عمره خمسون عاماً يعيش في قرية مع عائلته لكنه أنتقل الى قصر الظلام و يعيش فيه مع ثلاثة مسؤولين يدربونه لكي يكون ملكاً قوياً و يهتمون بِحالة المملكة للأن.
أسباب رفضه لأخذ العرش الملكي هو انه غير قادر على تحمل سحره و يَهاب رفض العرش له لأنه لا يمتلك قوات مماثلة لِقوات غادان.
انا لا ألومه على خوفه من العرش. قال ريزار يَحُك لحيته الخفيفة لأرفع نظري عليه أضع الورقة من يدي.

لكن مستقبل المملكة بين يديه فإذا لم يتصرف فَغيره سوف يحاول أخذه.
كيف يكون مُمكناً؟ ألا يعمل العرش مثل باقي الممالك؟ أعني أن العرش لا يقبل إلا بِمَن يمتلكون دم الملوك؟
هَززتُ انا بِرأسي لا أوافقه لأنَ مملكة شادونايت مختلفة. فتحتُ فمي لكي أجيبه عن الذي يجهله ليَسبقني بلايز
عرش شادونايت يقبل بِمَن هُم أقوياء بِسحرهم و ليس بمن يحملون دماء الملوك في عروقهم.
هذا غريب لم أعرف بِقوانين المملكة.

هذا لأنكَ عشت بِعالم أخَر لفترة طويلة يا صديقي.
ابتسم ريزار يأخُذ قطعة بسكويت ليأكلها كلها مرة واحدة يحرك حاجباه بشكل مضحك.
ما الذي ستفعلونه في مملكة شادونايت و أنتم لا تعرفون شيئاً عنها؟ تساؤل ريزار يعود لِلموضوع لأخُرج زفيراً من فمي اُحَرِك رأسي على أطلاله الجبال و الغابات، حقاً لا أدري كيف أجيبه.

لا أحد يعلم كيف هي حالة المملكة المُظلِمة و ما هي أصلاً لهذا يجب عليّ إيجاد ذلك الكتاب الذي طلبه مني فالين بأسرع وقت لكي نَحذَر من ما هو خطير.
يجب عليكم التحدث مع الملك كيجا بما انه كانَ الملك الوحيد الذي ساعد شادونايت في الحرب الأخيرة.
نظرتُ له كالذي فقد حاسته السمع قبل أن اسأله
تعني كيجا ملك مملكة سنويان (مملكة الثلج)؟
نعم هو فَهل يوجد غيره؟

انه ملك أحمق و لا أحد يَطيقه فَبعد خيانته لم يَعُد يضع اية ملك قدماً في مملكته.
أكَلَ ريزار قطعة ثانية من البسكويت ثم شَرِبَ خلفها رشفة من الشاي يُقابل عيناي المشتعلة غضباً على ذِكر ذلك الملك.
صحيح لكنه الشخص الوحيد القادر على المساعدة بما انه دخل شادونايت و يعرف أوضاعها.

هَمهَمتُ انا اُعيد كلامه في دماغي و في الواقع أجده منطقياً و عملياً. فَهو مُحق، كيجا هو الملك الذي دخل شادونايت و عاد، يعرف أحوالها و ما هي مِن الداخل. لكن هل سيقبل فالين مُقابلته؟
لأنني لو كنتُ مطرحه لما فعلت و ضَيّعتُ وقتي معه.

أشعر بالأسف الشديد على شعب سنويان المسكين فَهُم يمتلكون ملكاً خائناً لهذا العالم بعد تحرضه ضِد أسليرا مع غادان حتى في الأخِر ساعده ريس و أنقذه من الظالم الشرير و سامحه على أخطائه.
و مع كل هذه الأفكار يجدر بي التكلم مع فالين و أقتراح الفكرة عليه لعله يُعطيني الرفض أو القبول فَفي الأخِر هو الذي يعرف الأصَح.

في اليوم التالي و في الصباح الباكر بعد تناول الفطور، توَجهتُ مع ريزار و بلايز الى قاعة الرقص التي أخبرني عنها بلايز حتى وصلني خبر أنَ الفتيات قد وصلنَ قبلي و ينتظرون في القاعة مع عازف البيانو لأنَ لا يوجد رقص بِلا موسيقى.
بالمناسبة لقد خطر على بالي سؤال، قلتُ انا لِريزار أذكُر شيئاً لم اسأله عنه البارحة.
نظر هو لي و نحنُ نمشي معاً ليسأل
ما هو؟

لما لم يُخبرني فالين عن قدومك؟، فالغُبار الصغير الذي يدخُل الى القصر يعلم به الملك.
أخرج هو ضحكة من حلقه ليرد
لقد كان يريد أن يخبرك لكني منعته و فَضّلتها مفاجئة.
هَمهَمتُ مُضَيّق العينين لنصل الى أبواب القاعة عسلية اللون و عملاقة تجعلني أحدق بها مطولاً، فَكُل مرة أرى أبواب هذا القصر أنبهر بِطريقة نحتها.

سمعتُ من خلفها أصوات مختلفة أنثوية و عزف مقاطع من البيانو لأتبادل النظرات مع ريزار قبل أن أخُذ نفساً عميقاً أملئ فيه صدري بعدها دفعتُ الأبواب بِكلتا يداي.
باللحظة التي دخلتُ بها عَم صمت عميق في القاعة لأحرك رأسي على يساري أرى سبعة فتيات جميلات يافعات بعضهم يجلس على المقاعد و بعضهم يقفون الأن يحدقون بنا.
رسمتُ بسمة على شفتاي من أجلهم ليُعيدوها يقفون جميعهم يومئوا بِرؤوسهم لي.

دخلتُ انا القاعة الكبيرة أكثر صوت حذائي يُطَرطِق على الأرضية الرخامية اللامعة لِنظافتها بدت كالمرآة أرى في منتصفها بيانو أسود يجلس عليه العازف يرتدي طقماً أسود بِذيل.

نهض العازف من على مقعد البيانو ثم أنحنى لي، ابتسمتُ له شاكِراً بعدها التفتُ على الفتيات الهادئات أرى بِطرف عيني ريزار يتكئ على حائط مُشابك الذراعين مع بلايز على كتفه ينظرون إليّ بِعيون ضاحكة أعلم انهم يسخرون مني حتى قبل أن ابدأ.

أمممم مرحباً يا سيداتي، انا سأكون مُعلم الرقص الجديد الى حين عودة الأميرة فينار الى القصر. أدعى فالكين. قلتُ أعَّرف عن نفسي لتبدأ همساتهم بين بعضهم عني و اسئلة فيها أعجاب و دهشة إن ما كنتُ الأمير نفسه في الحفلة التي اُقيمت قبل أسابيع.
انا لستُ أعلم الى اية درس وصلتم لهذا سوف نبدأ اليوم بِتحمية كي أرى مهاراتكم و أعرف كيف أكمل معكم الدروس.

أومئوا جميعهم موافقون يُقهقِهون يُخفون أفواهَهُم بِأياديهم المُغطاة بِقفازات من لون فساتينهم، بيضاء، وردية، و الى أخره.
انها فكرة جيدة سموك. أضاف العازف لأضع يداي خلف ظهري أنظُر من وجه لوجه، جميعهم حقاً جميلات، بأحجام و الوان بشرة مختلفة فَهذا سوف يكون مثيراً للاهتمام.
حسناً، دعونا نبدأ لكن يجب أن أختار رفيقة واحدة بما انه من المستحيل الرقص مع سبعة بنفس الوقت، لا؟

ضحكن الفتيات بِنعومة كأنني أخبرتهم نكتة فُكاهية ليَصطَفوا بِجانب بعضهم مستعدون لمعرفة مَن سأختر من بينهم، يتسابقون بِوقفاتهم و حركاتهم لكي أختارهن.
هذا صعب.
حركتُ عيناي عليهم واحدة واحدة لتحُط على فتاة أعرفها من قبل أو بالأحرى رقصتُ معها سابقاً في الحفلة التي أقيمت على شَرفي، ذات شعر و عيون عسلية.
انها الليدي جيدان تيموثي.
لمعت عيناها عندما لاحظت انني أحدق بها لأبتسم أكثر أتقدم نحوها مادِداً يداً.

سيدتي، هل لي بِهذه الرقصة؟
تحول وجهها لِلمُشرق كما لو أنَ الشمس تعيش فيه لتُمسك بِيدي و تنحني بِلباقة. ذهبنا معاً الى منتصف القاعة، نقف مُستقيمان مقابل بعضنا.
نظرتُ الى العازف ثم أومأتُ له كي يبدأ عزفه، ردها لي بعدها عزف الألحان الراقية لأتقدم انا و الليدي هي تمسك بِيدي تضع الأخرى على كتفي و انا أضع خاصتي على خصرها.

تحركنا كلانا كما تُخبرنا أنغام البيانو، انا للأمام و هي لِلخلف، على اليسار معاً و الى الوراء.
العينين متقابلة لا تهتز من مطرحها، بسمة لطيفة على شفتيها و انا مشاركاً لها، أخذُ خطوة لها و هي تعود ثم أخذتُ اليمين لتلحق بي. لاحظتُ انها كادت أن تدهس على قدمي لو لم أعود أدراجي أعطيها قوة التحكُم بالتقدم نحوي من دون سَحبها.

انتبهت على خطئها لتَظهَر علامات التوتر على وجهها الصغير تنظُر لي بِتأسف ثم حركت فمها من دون أخراج صوت تقول أسفة
هَززتُ رأسي لا أمانع الخطء لنُكمل.
بعد رقص لا بأس به توقفنا كلانا ننحني لبعضنا لتعود هي الى صديقاتها مُحرجة لأنهم ايضاً لاحظوا أخطائها لكنهم لم يتفوهوا بِحرف يقفون مجدداً باستقامة حتى يتم اختيار الثانية.
يبدو انهم سيستهزؤون بها لاحقاً فأنا متأكد انهم لن يرحموها.

ما حدث من أخطاء تكون شائعة و أحياناً تحدث بِلا إرادة لو كان الشريك يخطوا بِسرعة في رقصه لا يُعير شريكته الكثير من الاهتمام لِخطواتها. قلتُ انا بِتنبيه كي ترجع رؤوسهم نحوي بدلاً من السيدة جيدان.
هل لكَ أن تُعلمنا كيف نتفادى تلكَ الأخطاء سموك؟ سألتني فتاة بِشعر أحمر على شكل أمواج البحر و عيون خضراء كبيرة.
بكل تأكيد سأعلمكم و لكني أحتاج شريكة جديدة.

أخذتُ أحاول إيجاد المناسبة لِلدرس لتتقدم واحدة من تلقاء نفسها بِشعر كستنائي مُرَتب على شكل كعكة فوق رأسها و بيضاء كأنها مَخلوقة من الثلج.
رفعتُ انا حاجباً عليها لتبتسم تَحني رأسها قبل أن تخبرني
سموك، انا جيدة في الرقص حتى سموها الأميرة فينار كانت تستخدمني كَمثال لأصلاح الأخطاء في الدروس لهذا أستعملني.

علي أخر كلمة قالتها، رقموها الفتيات بِكل ما لديهم من قوة و حقد لكنها لم تكترث لهم و رفعت رأسها شامخة.
سعدتُ بِجرأتها لهذا مَدَدتُ يدي كي تأخُذها و نذهب الى المكان الأول في منتصف القاعة.
حسناً إذاً يا انسة، لنرى مهارتكِ. قلتُ لها أغمِز بِعيني لتَحمر وجنتيها و تومئ لي موافقة.
أولاً يجب على الشريكة تخمين تحركات شريكها عندما يتحرك، قلتُ انا أخُذ خطوة واحدة بِبطء نحوها لتعود خطوة مثلي.

فأنا لو خطَوتُ مُعاكِساً، ستصبح الرقصة كارثة لهذا يجب عليها أن تُخَمِن بِسرعة الى اين يذهب الشريك. أكملتُ أخذ خطوتين الى اليمين لتلحق بي شريكتي بِحذر.
و لا تنسوا أن تبقوا الساقين بعيدة عن ساقين الشريك و أن تشدوا من ظهوركم و أن تنظروا بالعيون فَمنهم سوف تعرفون الخطوات التالية.

تحركتُ لا اُبعِد عيناي عن التي أرقص معها لتفهم هي و تخطوا لي مرتين و انا أبتعد الى الوراء مرتين أسمع من خلفي ال أهااا و ال وااااه
يجب على القدم اليسرى لِلراقصة التحرك بِتناغم مع قدم الراقص اليُمنى بِنفس اللحظة و اليُمنى مع اليسرى ايضاً. أكملتُ أخُذ خطوتين لِليسار و هي معي ثم ثلاث لِليمين أخدعها كي أرى إن ما كانت تنتبه لكلامي و طبعاً لم تكُن تنتبه لتَدهَس على قدمي تجعلني اُخرِج صوتً من حلقي عميق.

عَضضتُ على شفتاي من الداخل اللعن بِعقلي، و هي أنكمش وجهها بِحرج تتأسف لي لأهُز رأسي أحاول أن اُبقي وجهي ثابت، لا أبالي لِلقدم التي تقتلني ألماً، اعتقد انها تنزف أو ربما توَرمَت فَكعب حذائها دهسَ أصابعي.
سمعتُ من على يميني أصوات قهقهة من صديقي و مرافقي بين بعضهم لأرمقهم بِنظرات قاتلة قبل أن أكمل تعليمي.

أخذتُ اُعَلِم واحدة واحدة كل الخطوات الازمة لتفادي أزمات الدهس على لأقدام أثناء الرقص و طبعاً إثر ذلك لم يكُن لي إلا أن تلقيت ألم وراء ألم من السيدات فَقدماي كانتا الضحايا.
و ضحكات ريزار و بلايز ملأت القاعة لأعض بِأسناني على بعضهم أوقِف الدرس. واجهتُ الساخران بِوجه ضَجر و بارد ليحدقوا بي مبتسمون.
بما أنكما تحبان الضحك كثيراً فَلما لا تشاركاني في الدرس؟

تبادل ريزار و تلكَ الحشرة المزعجة النظرات قبل أن يقول بلايز
انا أعتذر منكَ سموك لكن كما ترى انا ضئيل الحجم و صعب عَليّ الرقص لهذا اعتقد أن السيد ريزار سيَسعد بالمشاركة.
تبَدلت تعابير وجه صديقي العزيز من الضاحكة و الساخرة الى المتفاجئة بِلمح البصر ليبدأ بِلعن بلايز بِهمس.
أشرتُ بيدي على منتصف القاعة لِريزار لأقول
تفضل سيد ريزار و أرِنا مهارتك بالرقص مع إحدى السيدات الجميلات هنا.

رمش ريزار مرتين يقف مستقيماً يُعَدِل من سترته و يُصَفي حلقه بِتوتر يحاول أخفائه عني.
ن-نعم أكيد سموك. قال هو يتقدم الى الفتيات ليطلب من إحداهن الرقص معه و طبعاً وافقت ذات الشعر الأحمر تُقهقه تغمز لي قبل أن تقف أمامه تستعد لِلرقص.
انه في ورطة. هَمس بلايز في أذُني لأرمقه أمُد يدي كي أمسك بِجناحيه لكنه طار هارباً قبل فوات الأوان.
أبقى بعيداً ايها الضئيل!

أخرج لسانه عَليّ لتتوسع مُقلتاي بِصُعق. أردتُ أن أذهب ورائه و أمسكه لكن صوت فتاة قاطعني من خلفي
سموك هل لنا أن نكمل؟
أستدرتُ اليها أعيد تعابير وجهي الهادئة المبتسمة لأقبل أخذ يدها بيدي لنرقص بِجانب ريزار الذي لِمفاجأتي جيد جداً برقصه.
مَرَ الكثير من الوقت رقصتُ فيه مع جميع الفتيات في القاعة على ألحان العازف المُبهر و الفنان بِحق فَهو يعزف بما يجده مناسباً لكل فتاة و لا يستعمل نفسها على اثنتين.

طلبتُ انا من الفتيات الاستراحة كي يستريحوا و أشرب المياه فَكثرة الرقص جعلني عطشاً. ذهبتُ الى الطاولة بالقُرب من أبواب القاعة لأسكُب لنفسي الماء و أشربه بِبطء أراقب ريزار و هو يرقص و يضحك مع الفتيات كأن لا هموم و غموم في حياته.

أعجبني المنظر جداً يجعلني أفرح بلا سبب فأنا أسعد لرؤية مَن هُم يضحكون و يبتسمون دوماً، تلكَ الوجوه تُنسيني ما هو سيء في الحياة و الحمل الثقيل على قلبي و كتفاي من عمل و تفكير بالقادم.
ما الذي تفعلينه هنا؟ فجأة قال بلايز لأحرك رأسي عند الأبواب أراه يضع يديه على خصره يتكلم مع إكسانا.
أنزلتُ كأس الماء من على فمي أراها تَعبُر الأبواب و تطير من حوله بِإغاظة.

هل انتَ مالك القصر أم ماذا؟ سألته إكسانا بِلا اكتراث لإزعاجه الغير لائق عليها.
ما خطبهما هذان الأثنان؟ كُلما تقابلا يتشاجران كالقطة و الفأر.
و كما لِوجود المُرافقة هنا علمتُ أنَ سيدتها معها، نظرتُ على الأبواب بِشكل أفضل أجدها تقف مُتكئة عليهم، مُشابكة الذراعين أمام صدرها تتمعن بِرقص مَن في القاعة.

عَلِقَت أنفاسي في حلقي لرؤيتها لأضع الكأس على الطاولة أنتظرها حتى تدخُل بِنفسها لكنها لم تفعل و ظلت تحدق بِريزار و شريكته و انا بها.
سمو الأمير أخبرها أن تغادر كي لا تحدث مشكلة! تَذمر بلايز يطير أمام وجهي يحجُب رؤياي عن السفيرة.
لو انكَ نبيل كما تَدّعي لتركتها و شأنها. قلتُ انا اُبعِدُه عني بيدي ليقلب شفتيه غاضباً و يطير يَحُط على كتفي.
مرحباً سمو الأمير. أتَت إكسانا لي تنحني باحترام.

أهلاً بكِ عزيزتي. ما الذي تفعلينه هنا؟
لقد أتيتُ مع سيدتي عندما سمعنا صوت عزف البيانو في الردهة لهذا أردنا معرفة ما يجري.
هَمهَمتُ اُلقي نظرة على التي دخلت الى القاعة متجهة نحوي.
خطواتها ثابتة كأنها مَدروسة و فستانها الأبيض يَطير من حولها و ذلك الشعر الناعم على كتفيها و صدرها. انها حقاً خاطفة للأنفاس.
سمو الأمير. رحبت بي مُنحنية لأومئ لها بالمُقابل.
أرى انكِ خارج غرفتك.

لقد جذبني عزف البيانو و الضحكات اليكم فَهل تمانعون وجودي؟
هَززتُ رأسي بِلا تفكير لتبتسم أكثر تُظهِر أسنانها البيضاء.
شكراً لكَ سمو الأمير.
لماذا على لقبي أن يكون جميلاً قادماً منها فَهذا غير عادل.
استدرنا كلانا على الراقصين نشاهدهم بِصمت نضحك بين حين و أخر على وجه ريزار كلما دهست راقصة على قدمه، أشعُر بالراحة لأنه يتلقى ما تَلقيته من ألم.
لقد دارت بِنا المواقف لأصبح انا مكانه و هو مكاني.

اُحِب عدل الحياة في هكذا أشياء.
أتى دوري لكي أكمل الدرس و مُعاناتي معهم لكني لم أمانع فالرقص هواية أحِبها لِلغاية و مع الألم يأتي السرور.
بِطرف عيني و انا ارقص مع إحداهن رأيتُ السفيرة تَهُز رأسها كما لو أن وضعنا لا يعجبها لأضَيّق عيناي عليها و أطلب من الراقصة التوقف لِلحظة.
ما الامر ايتها البشرية، ألا يعجبكِ رقصنا؟
ظهرت بسمة على شفتيها الوردية لتُكمل هزاً بِرأسها.
الراقصة لا تتعلم مِن خطأها.

شعرتُ بِالتي معي تتحرك بين يداي كأنها مُنزعجة لأرفع انا حاجباً على السفيرة.
آوه حقاً؟
انها متأخرة و لا تلحق بِك بسرعة مهما ابطأتَ من خطواتك أو سرعتها فالرقصة تَشوهت.
لِلمفاجئة وافقن باقي الفتيات كلام السفيرة حتى العازف أخبرني انه يعزف بِسرعة كي يلحق بنا بما أنَ خطواتنا ليست متناغمة.
هل السفيرة تتحداني بِطريقة غير مباشرة؟
و انتِ تعلمين؟ سألتها بِتَحدي.
لستُ الأفضل لكني أعلم كِفاية لأكون بِمُستواك.

شهق مَن في القاعة بِدهشة على جرأتها في الكلام و الوصف بينما ريزار أخرج ضحكة من حلقه ليتقدم اليها و يقف جنبها مُشابك الذراعين.
مَن حضرتكِ؟ سألها ريزار بِنبرة أجشه و عميقة لأقلب مُقلتاي بِمحاولته لجذب انتباهها.
سفيرة البشر في فالينيا.
هَمهَم هو ينظُر لي كأنه يطلب مني أن أخذها لِلرقص و أثبات عكس كلامها.
استأذنتُ من التي معي ثم توَجهتُ الى السفيرة لأمُد يدي نحوها
إذاً أريني رقصك الماهر يا انسة.

حدقت هي بِيدي كما لو أخبرتها انني وحشٌ بِعشرة أذرع قادم لأخطفها.
آوه لا لا سموك انا لم اقصد أن أتحداك فأرجوكَ أعذرني لكني فقط قلتُ رأيي بِما خطب الرقصة لا أكثر.
و مع ذلك أثبتِ لهم خطأهم.
عادت تحدق بيدي ثم على الفتيات التي ليسوا معجبين بها و بِتدخُلِها لكني لم أهتم لهم بَل لِلتي تقف أمامي تبدو مُترددة.

تنهدت هي باستسلام ثم وضعت يدها بالمُتلبسة بالقفازات البيضاء لأخذها بِخفة حركة الى منتصف القاعة أومئ لِلعازف بالعزف على تلكَ الآلة الراقية.
هذا ليس ما كنتُ أعنيه. تَمتَمت هي مع نفسها لأبتسم لها أخُذ يدها بيدي أضع الثانية على خصرها النحيل لتضع خاصتها على كتفي تنظُر لي في العينين.
استمتعي فَحسب. هَمستُ لها لنبدأ بالتحرك معاً.

أخذت هي خطوات ليست اثنتين لِلخلف بل أربعة و خمسة لألحق بها بعدها أخذتُها الى اليسار أسحبها معي و هي أجابت بِحركات لِليمين تجعلني الحق بها و بتلكَ العينين كَالعسل تنعكس عليه أشعة الشمس في يوم ربيع دافئ.
خطوتُ انا خطوات لها لتسحب نفسها لِلخلف هاربة مني بِبراعة قبل أن أدهس انا على قدمها. لاحظتُ وجود نمش بِسيط على أنفها و وجنتيها لو لم أكُن بذلك القُرب منها لما انتبهت عليهم يوماً.

انهم كالزينة لوَجهها الخالي من الشوائب، قطرات من الشوكولا على بشرتها الأفتَح بِقليل منها. قررتُ أن اُغَيّر من اللعبة لأرفع يدها و أديرها أمامي و هي ردَت بِطريقة جيدة و استدارت أربعة مرات لتعود لي يرتطم ظهرها بِجسدي من الأمام.

بعدها عادت تَستدير مرة إليّ كما كانت لأرجع ثلاث خطوات لِلخلف و هي تحلق بي بنفس السرعة، شعرها يتطاير من حولها بِخُصلات حريرية. بِكل حركة لم يبدو عليها التَعب و لكن لماذا قلبي ينبض بِسرعة كأنني كنتُ أركض لأميال؟ مع انها هي التي تتحرك أكثر في الرقصة.
كَبُرت بسمتها كأنها قرأت أفكاري لكنها لم تتفوه بِحرف بَل قَرَّبت وجهها من وجهي حتى شعرتُ بِأنفاسها على شفتاي لم أتوقع القادم لأنها أخذت يسارها بِسرعة.

رمشتُ أخرُج من فقاعة خيالي عنها لأتحرك بأخِر لحظة معها ندور سوياً في أرجاء القاعة كما لو أنَ قدمينا تعرف خطوات الأخر، جسدها يندمج بِجسدي ساقها اليسرى بين ساقاي و الثانية كأنها واحدة مع خاصتي.
انها ليست جيدة بالرقص، بل محترفة و أحببتُ الرقص معها فَهي تجعلني أشعر بأنني أطير من دون جناحين في السماء لِخفة حركاتها كما وصفتها من مرة، كأنها رياح.

أُحِس بِنبضاتها الأن فَصدرها مُلتصق بِصدري أسمعه مع قلبي و أنفاسها الهائجة مع أنفاسي مندمجة، لكنها لم تبدو مُتعبة بل على العكس فَرحة و متحمسة.
بدت شخصاً مختلفاً، فأنا لا أراها إلا الجريئة داكنة الشخصية و باردة بعض الشيء، هادئة و ساكنة مِن الداخل و الخارج مع انها تبتسم باستمرار و كل مرة لا تكون نابِعة من القلب كما أراها في هذه اللحظة.
مَن تكون هذه الامرأة؟

أوَد أن أعتذر منكَ سمو الأمير. تَمتَمت هي لي أثناء رقصنا لأنظُر لها رافع الحواجب لا افهم ما تعنيه بالضبط.
عن ما جرى البارحة في المتجر، لم يكُن قصدي--
أعلم. رجاءً لا تعتذري على شيء لم تقصدي فعله فأنا رأيتُ كيف تعثرتِ و كُدتِ تقعي.
لثانية مرة توَردت وجنتيها لتُهبِط من عينيها على الأرض لا تزال مُحرجة أعتقد انها تتصور الموقف مجدداً.

أغلقتُ عيناي اُزفِر الهواء من فمي أذكُر الموقف بتفاصيله، الخيوط الحرة بعد أن أفلتَتها، خُصلات من شعرها الأسود تُغطي كتفيها و الجزء العلوي من صدرها بارِز لأشعر بِحرارة ترتفع في وجهي.
قبل أن يتم ملاحظة شكلي رفعتُ رأسي على السقف أخُذ نفساً عميقاً فيه اُصَفي ذهني لأعيده عليها
هل اشتريتِ الفستان؟
استحميكَ عُذراً؟
هل أشتريتِ الفستان الذي كنتِ ترتدينه في المتجر فَبدا عليكِ جميلاً لِلغاية، يليق بكِ.

رمشت هي عَليّ قليلاً قبل أن تعود بسمتها اللطيفة على وجهها تجعلني أحس بِنجاح بِتغير الموضوع و مع ذلك هي انتبهت للأمر لتَشكرني بِصمت قبل أن تقول
لم اشتريه بل فَضّلتُ غيره سموك. أجمل منه.
آوه حقاً؟ ما لونه؟
أسود.
فتحتُ فمي لكي أخبرها أنَ الأسود لوني المفضل لِتتوقف الموسيقى فرأينا أنَ كلانا لم نَعُد نرقص منذُ فترة.
ابتعدتُ عن السفيرة ثم انحنيتُ مُمتناً على الرقصة.

استدرتُ الى طلابي الذينَ يبدو عليهم الغيظ و الغيرة من التي ذهبت الى مرافقتها و جانب ريزار لأخبرهم
و هكذا يا أعزائي تتفادوا الأخطاء مهما تحرك شريكَكُم بِعشوائية فَيجب عليكم توقع حركته حتى تتناسق خاصتكم معه.
أدري أن كلامي فارغ و ربما لم يساعدهم بما انهم كانوا يركزوا على ما أظُن على السفيرة أكثر من الرقصة نفسها.

رأيتُ ريزار و بلايز يضحكون مجدداً عَليّ لأشقلب مُقلتاي و أكمل الدرس بِرأس مُشَوش و مع تلكَ التي تُمَرِر أناملها النحيلة بين شعرها تتحدث مع ريزار طوال الدرس.
و طبعاً بعد الدرس عندما استدرت لكي اسألها عن أهَم سؤال و هو عن اسمها لم أجدها في القاعة.
لقد اختفت، مجدداً.

أخبرني ريزار قبل تركه لي و عودتي الى غرفتي أنَ لأنَ العالم مليء بالسحر فالبشر يصبحوا أقوى بِذرة من ما كانوا عليه. هذا يعني أنَ سرعتهم تتضاعف مرة مع حواسهم لهذا أختفاء السفيرة سريع.
ليس لأنها غير بشرية كما اعتقدت في البداية بل لأنها تمتلك ضعف السرعة المُعتادة لِلبشر مقارنةً في عالمهم.
لقد كانَ اليوم ممتعاً. قال بلايز يستلقي فوق ظهر أيكس النائم فوق بطانيته على الأرض قريب من سريري.

و مُرهق. أضفتُ ارتدي بنطال نومي أترك الجزء العلوي من جسدي مَكشوف.
لأتجه الى السرير و أستلقي عليه واضِعاً يداي خلف رأسي اُحَدِق بالسقف و الورود المَرسمة عليه.
لا اصدق انني قضيتُ نصف يوم اُعَلمهُم دروس رقص، في المرة المُقبلة سأعلمهم لِساعتين فقط.

ضَحِك بلايز لأغلق انا عيناي اُفَكِر بِلحظة رقصي مع السفيرة و كم استمتعتُ معها. انها حقاً غامضة و مُثيرة للأعجاب فَعندما تتعرف عليها و لو قليلاً تنجذب لِهالتها و لِشخصيتها أولاً.
و اليوم عرفتُ انها تُحِب الرقص و ماهرة به كثيراً لدرجة انها ذكرتني بِالمتعة التي كنتُ أقضيها مع مُربيتي مانويل قبل سنوات.
أغلقتُ عيناي لا زلتُ اُفَكِر فيها لأغُط في نوم عميق فيه أحلام و كوابيس.

أستيقظتُ أجِد نفسي في حانة عتمة بعض الشيء ضوء القمر ينيرها مع الشموع على كل طاولة ممتلئة
بِمَن يشربون الجعة و يتناولون الدجاج المشوي على
نار الموقد. صاحب الحانة خلف منضدته الطويلة
يمسح الأواني بِقطعة قماش و هنالك ايضاً نادل يقدم
الطعام للأخرين.

صوت موسيقى خفيفة قادمة من عازف جيتار يبدو
ثملاً و في زاوية الحانة ثنائي يَمتصون وجوه بعضهم بالقُبلات الحارة.
أدرتُ وجهي عنهما لأدخل أكثر لِلحانة و معي والدي
لنذهب و نجلس على طاولة فارغة.
هل تعتقد سيأتون على الوقت؟ سألتُ أبي لا أرى وجهُه جيداً لأنه يرتدي رداءً له غطاء رأس يُخفي ملامحه مثل خاصتي، ليتقدم بِجسده على الطاولة
الخشبية المُهترئة و يهمس مُجيباً.

أتمنى ذلك بني، لقد اتفقنا جيداً و لكن إذا تأخروا فَسوف نغادر على الفور.
أخاف أن يخدعونا، فأنا لا أثق بِجنسهم كثيراً.
أومئ هو يوافقني الرأي ليفتح فمه لكي يُكمل لكن
النادل قاطعنا بِظهوره.
ماذا تودون؟ سألن بِنبرة ضجرة واضحة على وجهه المتسخ بالفحم كأنه يكره كل لحظة من حياته.
أمممم سنأخُذ كأسين من الجعة. أجابه والدي
ليومئ النادل و يغادر حتى يجهزهم مِن أجلنا.

اننا نعيش في عالمهم و الى الأن لم أعتاد على أخلاقهم تلك. هَمستُ لأبي ليخرج ضحكة يجعل مَن
في الحانة ينظرون الينا بِنظرات قذرة.
اننا في المكان الخطء عزيزي ريزار لهذا لن نعتاد إلا على أهل المدينة فَحسب.
ألا يعجبوك أهل القُرى ايها العجوز؟ فجأة سأل
أحد البشر على يميننا جالس مع أثنان يلعبون الورق
لأرمقه بِنظراتي كَخاصتهم لكنه لم يتزحزح خوفاً.

أعذرنا اننا فقط نتبادل الهموم لا أكثر. أجابه والدي بِلطف لكن يبدو أن ذلك البشري غير راضي
بِكلامه على اية حال.
من اين أتيت انتَ ايها العجوز؟ مِن الطبقة الغنية
في المدينة؟
هذا ليس مِن شأنك انت! تدخلتُ لينهض الرجل و مع رفاقه عن طاولتهم.
ماذا قلت ايها اللعين!؟
نهضتُ انا ايضاً بِبطء يرافقني والدي مُمسكاً بِذراعي
لكي لا اذهب الى ذلك الرجل و أكسر أسنانه و عظامه.

ريزار أهدئ فَلا داعي لبدأ شجار من لا شيء. قال والدي لأتجاهله أرسل خناجر بِعيناي على الرجل.
لقد سمعتني، فَهل توَد أن أعيد كلامي لك؟
قلتُ انا ليتقدم الرجل و رجاله نحونا يُخرجون سيوفهم من على خصورهم.
أخرجتُ انا خاصتي أستعد له.
هل تريد الموت ايها الشاب الصغير؟ سأل الرجل يقف وجهاً لوجه معي.
ابتسمتُ له غير مُتحرك من مَطرحي
هذه الأمنية لكَ ايها البشري الضعيف فَلا تعلم مع من تتحدث.

رفع الرجل حاجباً على ما قلته لينظر الى رجاله و يضحك كالمجنون.
مَن تكون عجباً؟، من الجنيات الخيالية؟
حركتُ رأسي على جنب ليتقدم والدي إليّ و يترجاني
أن اتوقف قبل حدوث مشكلة لا خروج منها لكني كما هو حالي عنيد لم أنصت له و لم أعره انتباهي.
ربما، أكون شيطاناً. قلتُ لهم أجعلهم يضحكون
أكثر.
لأمسك انا بِكأس جعة من طاولة قريبة مني و القي بها على الرجل. تحولت الضحكات الساخِرة الى صياح.

غضب ليلعن والدي تحت أنفاسه قبل أن يتهجموا علينا.
وجَّه قائدهم و مُسبب المشكلة سيفه عليّ لأصده
بِخاصتي ادفعه بِقدمي على بطنه ِللخلف ليقع على
أثنان من أصدقائه.
الذي لم يتأثر منهم ركض نحوى أبي يوَجَّه سيفه على صدره ليصده أبي بِذكاء ثم أدار سيفه الملتصق بالأخر
بشكل دائري يأخُذ خطوات إليه يجعله يرجع الى أن
تصادم مع طاولة ليقع عليها و يكمل أبي ضربه بِيده.
الرابع ضخم الحجم تهجم عليّ لأمسك بِالطاولة التي.

أمامي ارفعها كي أصُد بها سيفه، ليعلق به. قفزتُ من
فوق الطاولة رافع ساقي كي تتقابل مع وجهه أوقعه
علي الأرض و دمائه تتناثر في كل مكان.
ايها السافل! صاح قائدهم ينهض من على الأرضية
ليركض نحوي موَجِّهاً سيفه مجدداً.
استدرتُ بِمكاني أتفادى الضربة لأصيبه بِسيفي على
ظهره أجرحه كاملاً.
صاح هو بألم ليلتَفِت لي وجهه أحمر مِن لون الدماء
الذي يسيل على سيفي.
توقفوا حالاً! صرخ صاحب الحانة لتتجمع رجاله من حولنا بِتهديد.

هذا سيء جداً.
ريزار! سمعتُ والدي يناديني و عليه يتجمعوا رجال صاحب الحانة لأشتعل غضباً عليهم أقرر أنَ مقابلة اليوم مع التُجار لم يَعُد لها اية أهمية.
رفعتُ يدي الفارغة أُبعِد غطاء رأسي لأريهم أذُناي
المُدببة و لون بشرتي مع أسناني الغير طبيعية بالنسبة
لهم.
خرجت شهقات عالية في أرجاء الحانة منهم بِعيون متوسعة مَصعوقة و منهم خائفين يرتجفون.
ا-انه، انه حقاً ج-جني! صرخت مرأة راكضة.

الى المخرج لأستدعي قوة الهواء أغلق بها الباب أمنعها من الهرب و اخبار القرية كلها عنا.
فَلا خيار لدي سوى قتلهم الأن.
انه سحري أقتلوه! صاح صاحب الحانة ليركضوا
إليّ كل رجل موجود.
انحنيتُ مستعداً لهم اُنَظِم من ضربات قلبي الهائجة
كأن زلزالاً يسكن فيه لأستقبل أولهم بِسيفي في بطنه.
فتح فمه الرجل متفاجئ ينظر لِلسيف فيه قبل أن
ادفعه بِقدمي و أكمل لِلثاني استدير أتفادى ضربته.

لأركله على معدته حتى وقع ثم أكملتُ أغرِز سيفي
بِصدره.
ريزار ورائك! استدرتُ كما حذرني والدي وجدتُ
أثنان منهما يحملان الكراسي لكي يلقونها عليّ.
بِقوة الهواء التي أمتلكها، حملتُ الكراسي من أياديهم
أجعلهم يرتفعوا معها الى السقف بعدها أفلتهم ليقعوا
مُحطمين على الأرض.
أمسك بي أحدهم من الخلف يمنعني من الأكمال
ليتقدم الأخر و يلكمني عدة مرات على وجهي الى أن
تذوقتُ الدماء في فمي ينكمش وجهي على الطعم.

والألم الذي يرافقه.
تباً لكَ ايها الجني القذر. قال هو يضربني على معدتي حتى بصقتُ الدماء بِشدة إثر ذلك.
ابتعد عن وَلدي! أتى والدي ليركله على كتفه
يوقعه و لأن الذي يمسك بي تم الهائه قدمتُ رأسي
للأمام ثم أعدته لِلخلف أضرب به فمه ليُفلتني، أخُذ
السيف من على الأرض و اقتله.
أحسَستُ بِشيء ما ساخن جداً قادم نحوي لأحرك رأسي على يميني أرى عصى خشبية كبيرة مُشتعلة
تطير في الهواء باتجاهي.

توسعت عيناي بِدهشة لأرفع ذراعي أحمي وجهي من
القادم. ضربتني العصى بِقسوة لأقع على الأرض بِذراع
مُحترقة و نيران من حولي.
لا! صرخ والدي لأنهض انا أجده على الأرض و
أثنين منهم يلكمونه على وجهه. لم يغضبني إلا عندما
لاحظتُ سيف أحدهم في كتفه و كم انه بدا ضعيفاً
بِعكس ما هو عليه.
عضتُ بأسناني على بعضها أستدعيتُ قوتي كلها
لأطلقها على النيران أمامي حتى فرقتُها أجعلها تُشعِل
أكثر.

قفزتُ من فوقها لأهبط على ظهر أثنين، تدحرجتُ مرة
مُمسِكاً بِعصى خشبية من كرسي مكسور لأغرزها بِساق
مَن يلكم أبي.
صرخ هو بأعلى صوته، سحبتها من ساقه بعدها أكملتُ
بِغرزها في رأسه من الخلف.
دعوه! التقطتُ شعر الرجلين ليفلتوا أبي ثم ضربتهم بِبعضهم حتى فقدوا الوعي.
لم يبقى الكثير لهذا كي اختصر على نفسي و أساعد
أبي جعلتُ الهواء في الحانة تَهُب عاصفة تُقَوي من النار
فيها حتى أحرقت كل شيء بما انها حانة مَصنوعة من.

الخشب فالعملية كانت سهلة.
أخرجتُ أبي منها أسنده على كتفي ينزف كثيراً ليُتَمتِم
كلاماً لا افهمهم.
أنتظر هنا. قلتُ له اُجلِسُه على الأرض لكنه رفض
يلتقط ياقة قميصي بِقبضته.
ما الذي فعلته ريزار؟
لقد تعدوا الحدود أبي.
هَزة هو رأسه ينظُر لي في العينين أرى خيبة الظن
واضحة فيهم لأشعر بالاستياء الشديد فَهو نادراً ما
ينظُر لي بتلك الطريقة.
انهم بشر، ضعفاء ليسوا بِقوتنا، كان يجب عليكَ.

الاستماع لي و تركهم لكن أنظُر! أشار بيده على
الحانة المحترقة.
لقد دمرتَ المكان بسبب تافه.
أحسَستُ بانخفاض الدماء في رأسي على المنظَر الذي
تسببتُه، فإنَ الحانة تحترق كلها تتحول لرماد و لم يَعُد
هناك صرخات قادمة منه، صرخات مَن هُم أحياء
يموتون حرقاً.
لكن، لكنهم كانوا سيقتلوننا. قلتُ انا بِصوت منخفض.
دفعني أبي عنه ثم التَفَتَ و ذهب بعيداً عني. لألحق به
أناديه من دون أن يرد و لو لمرة.

انهم لا يؤمنون بنا و يكرهوننا! صحتُ من ورائه.
من المستحيل أن يتقبلوننا لهذا دعنا نعود الى
فالينيا!
لا رد، بل ظل يمشي و دمائه تسيل من كتفه على الثلج
الأبيض، تلونه باللون القرمزي الداكِن بدا أسود.
انا لن أتحمل البقاء هنا الى الابد!
توقف فجأة بين الثلوج ليلتَفِت نحوي عاقد الحاجبين.
انتَ مَن أردتَ القدوم معي ريزار، لقد أخبرتك من قبل انهم ليسوا مثلنا، عالمهم مختلف عنا قد لا تتحمله و البقاء فيه.

احنيتُ رأسي أشعر بالعار فأنه مُحق، لقد ترجيته لكي
أتي معه قبل سنتين تقريباً، لقد تركتُ فالينيا و عالم
الجنيات عندما كنتُ في الخامسة عشر و انا الأن في
السابعة عشر.
لم أكُن لأتوقع عالمهم بهذا السوء أبي، تَمتمتُ
بِعيون ضبابية، فالدموع تجمعت من دون تحكم بها.
سمعتُ صوت أقدام متحركة لأشعر بيد على وجهي
ترفعه حتى أنظر له.
انتَ رجلاً ريزار، يجب عليكَ تحمل مسؤولية
قراراتك مهما كانت صعبة و سيئة لهذا أخبرني، هل.

ستتحمل ما فعلته؟
لم أجبه بسرعة، أخذتُ أفكر بِكلامه مطولاً و تلكَ
الدموع تتساقط على وجنتيها و يد والدي.
هَززتُ رأسي رافضاً لأنني أشتاق الى فالينيا و والدتي
فأنا اريد رؤيتها حالاً لكني لم أتلقى كلاماً متفهماً بل
لكمة على وجهي من والدي.
وقعتُ على الأرض بِقوة، يتجمع من حولي الثلج البارد
الذي لا يحتمل و ملابسي شبه محروقة تكشف جلدي.
لم يتوقف عند اللكمة و إنما قرفص على ركبتيه و عاد
يلكمني مجدداً.

هذه للأرواح البريئة التي قتلتها، لكمني مرة.
و هذه لِلقوة التي استعملتها، لكمة ثانية.
و هذه لِلرحمة التي لا تملكها! و لكمة ثالثة.

استيقظتُ أشهق بِشدة، لكن الهواء لا يدخل لي، أجِد صعوبة بِتنفسه كما لو هنالك يداً تعصر رقبتي. حرارة جسمي مُرتفعة و عرقي يُغطيني في كل مكان حتى سرير مُبتل.
فالكين! سمعتُ صوت بلايز من مكانٍ ما لكنه بدا بعيداً جداً كأنني تحت المياه، حاسة سمعي لا تعمل.
حاولتُ أخذ نفساً من جديد لكن لا فائدة فأنا أختنق و قلبي ينبض بِقوة أشعر به بأرجاء جسدي.

تنفس! حاول التنفس. أخبرني بلايز مرة أخرى يظهر أمام وجهي مَذعور.
لأحاول مرة أخيرة أشهق الهواء من أنفي و أخرجه من فمي. فتحتُ فمي لكي أتفوه بشيء ما لكن لا صوت استطعتُ أصدراه لهذا ظللتُ اُنَظِم تنفسي. شهيقاً مِن الأنف و زفيراً من الفَم و هكذا الى أن عدتُ أتنفس بشكلٍ طبيعي و حواسي عادت لأسمع جيداً.

هنالك شيء ما على حضني ناعِم يتحرك و حرارته قوية مع حرارة جسدي المرتفعة لأُهبِط رأسي أرى بِأيكس جالس فوق حضني.
ما الذي حصل؟ سألتُ بلايز أمسح عرق جبيني بِكَف يدي.
انني أسبح فيه.
لستُ أدري، لقد بدأت بالصراخ أثناء نومك و تلكَ، تلكَ العروق ظهرت على صدرك و امتدت الى رقبتك. أشار بلايز بِخوف على صدري لألقي نظرة و اللعن تحت أنفاسي.

انها نفسها، عروق سوداء أسفل جلدي واضحة كَوضوح الشمس تَظهر من صدري مرتفعة الى جانب رقبتي الأيمن.
آوه لا بلايز رأى كل شيء.
أغمضتُ عيناي أضَع وجهي بِيدي لا أعلم ماذا يجدر بي أخباره.
رفعتُ رأسي له اُهَدئ من روعي مع أن ألم فظيع أنتشر في صدري كما لو أنَ اليد التي كانت تخنقني تستمر بِلكم عظامي الأن.
انا أسف على إخافتك بلايز. همستُ اَمُد يدي له لكنه تراجع الى الخلف بعيداً عني وجهُه شاحب أكثر من ما هو عليه.

ما الذي حدث لك؟ لماذا كنتَ تصرخ و ما هي تلكَ العروق؟
سوف أشرح لكَ كل شيء لكن أمهلني لحظة لكي أستحم و ارتدي ملابس نظيفة.
هل هي خطيرة؟
مِن خوفه و ذعره لم يسمع ما قالته لأبعِد أيكس الذي يحاول جعلني أشعر بالطمأنينة عني ثم وقفتُ على ساقاي أتجه نحوى الحمام لكي أخُذ حماماً بارداً اُبَرِد أعصابي و اُرخي عضلاتي المشدودة. أحسَستُ انني لامستُ الموت في نومي ثم عدت.

بعد الحمام الذي دامَ طويلاً خرجتُ ارتدي بنطالاً أخراً أسود، أرى بلايز جالس مع أيكس على طرف سريري بِأغطية جديدة.
هل بدلتها؟ سألتُ بلايز أضع المِنشفة فوق السرير.
لم نقدر على الجلوس عليه لهذا بدلناها.
ابتسمتُ مع نفسي أعلم انه يكذب لكني تركتُ الأمر و لم أسخر منه أو على لطافته.
هل ستخبرني ما الذي يجري معك؟
جلستُ بجانبهم أركِ كوعي على منضدة السرير لأومئ له و ابدأ بأخباره ما الخطب.

طوال الوقت ظل بلايز ساكناً يحدق بي و لا يفعل اية شيء غير ذلك الى أن انهيتُ ليرمش بسرعة لا يصدق.
لقد ولدت بها؟، أيّ انها ليست لعنة؟ سألني بِنبرة منخفضة كأنه خائفاً من أن تصبح لعنة حقيقة.
نعم، لقد أخذتها من طرف أبي على ما أظن بما أنَ أمي لم تمتلكها ابداً.
هل تُعذبك كثيراً تجعلكَ تعيش الحلم بِتفاصيله؟
و أكثر من ذلك لكني أتحمل و اعتدتُ عليه.

عَم صمت بيننا هو لا يُخرج صوتً و انا أنظُر له أنتَظِر إن ما سيقول شيئاً فضولياً لكنه لم يفعل و إنما قرر أن يُغلق عن الموضوع يخبر أيكس بالتحرك الى بطانيته لكي ينام معه عليها.
هل هذا كل شيء؟ سألتُ بلايز مستغرب من صمته.
ماذا تريد مني قوله؟
لستُ أدري ألستُ خائفاً مثلاً من أن أتناولك و انا نائم و أقتلك؟
حرك رأسه نحوي بِسرعة خارقة مُتوسع العينين.
هل هذا ممكن؟

لم أجبه مباشرةً الى أن رأيتُ الخوف يعود في عينيه لأفتح فمي و اُجيب مازحاً
بالطبع ليس ممكناً، كنتُ أمزح، لم أصِل يوماً الى ذلك الحَد فَلا تقلق.
أعلم انه لم يصدقني و إن فَعل فَهو يُكَرِر كلامي في البداية و لن ينساه لهذا أرسلتُ بسمة صغير له ثم تحركتُ لكي أنام لكني رأيتُ رسالة أسليرا على منضدة السرير أذكُر انني لم أفتحها و أقرأ ما فيها بعد.

كنتُ اُخَطِط لفتحها غداً صباحاً لكني أخذتها الأن بدلاً من ذلك و بدأتُ بِفتحها بِحذر شديد أشتم رائحة عطر من زهور جميلة تُذَكِرني بشخصٍ عزيز عَليّ.
انها رسالة مكتوبة بِخط يد أعرفه جيداً و أشتاق لِصاحبه كثيراً و أتمنى رؤيته قريباً.
جلستُ فوق السرير أسنُد ظهري و رأسي على لوح السرير لأقرأها بِعقلي
الى عزيزي فالكين.
حتى قبل بدأ الرسالة ارتسمت بسمة عريضة على شفتاي أعرف انها مِن تاليا لأكمل القراءة.

أتمنى انكَ بخير و انتَ تقرأ الرسالة و انكَ سعيد في
حياتك التي أخترتها. انني أكتب لكَ هذه الرسالة كي
اُطَمئِنُك عنا و لكي أطمَئِن عنك فأنتَ تظل تَخطُر على
بالي كل يوم حتى ريس لا يتوقف عن السؤال عنك
لهذا شجعني لكي أكتب لكَ الرسالة اليوم و ارسلها لك
بأيادي أمنة.
لقد مرَ الشهر تقريباً فأنا لم أعُد لأنني انشغل هذه الأيام
بِالعمل في القصر مع جيانا و بِشخص قادم.
لقد أشتقتُ لكَ فالكين، و أشتاق لِأزعاجك لِريس و.

لِجيانا حتى انها أخبرتني انها تشتاق لذلك كثيراً و
تريد السفر الى فالينيا من أجلك لكن أدلار منعها بسبب
العمل. آوه و أدلار ايضاً يشتاق لك و يحزن لأنه لم
يبقى معك في فالينيا.
هَززتُ رأسي بِكلتا الجهتين أتخيل شكل جيانا و زوجها الجنرال يتشاجران لكي لا يدعها تتركه.
لقد نسيتُ أن اسأل، كيف حالك عزيزي؟ هل تُحِب
العيش في قصر فالين؟ هل كوَنت صداقات جديدة؟ ماذا عن العمل هل تعمل هناك؟

كيف هي الأجواء فأنا شخصياً لطالما أحببتُ فالينيا و
اعتقد انكَ تحبها لكن أخبرني فأنا اُفَضِّل التفاصيل منك.
بالمناسبة لدي خبر سيسعدك و يحزنك قليلاً لعدم وجودك معنا. إنَ الجنين بدأ بِركلي منذُ أيام و قال الطبيب الملكي انها علامة جيدة على قوته و صحته. لقد تمنيتُ لو انكَ معي لكي تشعر بِه يعذبني ليلاً و صباحاً بِركلاته.

لم أكُن اعلم انني أبكي إلا عندما شعرتُ بدفء الدموع و هي تَسيل على وجنتاي تسقُط فوق الورقة، تُلطخ الحبر.
جنين تاليا يتحرك، و لقد انتبهت انها تُشير له بِالذكر.
لطالما تمنيتُ أن يكون لي شقيقاً كي العب معه و تاليا دعت الله أن يكون ولداً مِن أجلي و ها هي الأمنية تحققت و انا لستُ معها عندما عرفت انه ذكراً.
سأحَذِرُك إن لم تأتي قبل يوم ولادتي سوف أحزن منكَ جداً لهذا لا تزيد الطينة بلا و تعال قريباً.

أخرجتُ ضحكة من حلقي مُنخفضة كي لا أزعج النائمون على تهديدها اللطيف لأكمل
آوه و اريد سؤالك عن قوتك، أعرف انكَ لا تحب
التحدث عنها لكني لم استطع التوقف عن القلق عليك.
كيف تتعايش معها من دون مساعدة؟ هل تؤذيك أكثر
أم انها خَفَت عن قبل لأن أخِر مرة رأيتك فيها كانت سيئة لِلغاية فأخبرني كيف نومك؟

لسببٍ ما لا اقدر على النوم من كثرة التفكير بك و خوفي عليك كل ليلة و لدي جزء بداخلي يخبرني انكَ لستُ على ما يرام لهذا طمأني فالكين. إن كانت تزداد سوءً فأنا ارجوك أن تعود الى أسليرا فلا يمكنني تركك
لوحدك بتلكَ الحالة من دون وجود الطبيب الملكي لكي يراقبك. و ريس يفكر بأرساله اليك إن لم تأتي لِلقصر
لكني منعته للأن و إذا لن تقول الحقيقة فأنا سأضطر
أن أدعه يُرسل الطبيب.

انتَ تَهُمنا كثيراً و نحنُ نحب حباً جماً و نشتاق لك كل
لحظة فَلا تظُن اننا نحاول التحكم بك في الأخر انتَ عائلة و ليس لدينا غيرك.
أتمنى أن ترسل لي رداً سريعاً لكي تُطفئ شمعة القلق عنك عزيزي. أحبك فالكين و سأنتظر ليوم ظهورك أمام
أبواب غرفتي انا و ريس.
ملاحظة: إن كانَ فالين يُدَمِر أخلاقك الحسنة بِتصرفاته فأنا سوف أتي لكي اقتله لهذا حذره بدلاً عني. لقد
تلقيتُ الخبر من فينار لهذا لا تكذب عليّ لأنني اعرف.

مِن عزيزتك تاليا هارث لوماريل.
مسحتُ دموعي بيدي اُعيد الرسالة الى غلافها ابتسم كالأحمق مع نفسه و بطريقةٍ ما تخيلتُ تاليا تجلس على مكتب ريس في غرفتهما في المساء تكتب الرسالة على ضوء شمعة تضع يداً على بطنها الكبير و شعرها العسلي على كتفيها يتلامس مع ذراعيها كُلما تحركت و حواجبها معقدة تُفَكِر بِمشكلتي و ما يجعلني اُعاني في الليالي.
نعم، هذا سري الأعظم و إحدى قِواي من الثلاثة.

أستطيع رؤية ماضي أية شخص من مجرد لمسه و خصيصاً عندما أكون فضولياً عن ما يُخبئه و أحياناً أرى ما لا يجب عليّ رؤيته، لأنني لا أتحكم بِهذه القوة بشكلٍ جيد كِفاية لأمنع نفسي من رؤية ماضي أحدهم. و غير ذلك تلكَ العروق السوداء جزء مني لقد ولدتُ بها، انها كالإشارة على قوتي النادرة.
الأشخاص الذينَ يعرفون بِأمر قوتي التي أخفيها عن العالم أجمع هما تاليا و ريس فقط و لا غيرهما.

حتى انني لم أكُن يوماً اريدهما أن يعرفان لكنهما اكتشفا ذلك بنفسهم عندما سمعوني مرةً أصرخ أثناء نومي لكوني أعيش ماضي حارس قد لمسته من دون قصد و هي دخلوا عليّ ليروني بِحالتي هذه الأن.
تعتقد تاليا أنَ هذه القوة قد أخذتُها مِن والدي بما أنَ والدتي لم تملك شيئاً كهذا في حياتها و عندما درست تاليا هذه القوة في المكتبة الملكية عرفت انها قوة نادرة من يمتلكها يُعَد على الأصابع.

الأعراض مُخيفة أكثر من رؤيتي و عيشي ماضي أحدهم. ابدأ انا بالهلوسة في نومي، اتكلم احياناً و قد أصرخ، أتعرق بعدها كثيراً كأنني أخذتُ حماماً و حرارة جسدي ترتفع لدرجة تحرق من يلمسني و الجزء المُخيف، أنَ عروقي السوداء تبرز بِشكل كبير على جلدي و تنتشِر من عند صدري و الى رقبتي كما هي في هذه اللحظة.
و أخيراً، تصل حالتي لِلنزيف من أنفي أو أذُناي إن دخلتُ بتفاصيل أكبر في ماضي مَن أراه أو إذا أطلتُ ذلك.

و الأن بلايز ثالث شخص يعرف بأمر قوتي اللعينة. و أدعوا الله انه لن يُخبر أحداً و سيُبقيها سراً عن الجميع. سوف اتكلم معه عن أخفاء سري كي اتأكد و أرتاح.

مَررتُ أصابعي في شعري المُبعثر اتنهد أحدق بِسقف الغرفة و مع كل التوتر و التفكير ابتسمتُ لتَذَكُري رسالة تاليا و كل ما كتبته. انها لا تفشل ابداً بِجعلي سعيداً. أبسَط الكلمات التي تقولها أو تكتبها تنمو فيني الراحة و الطمأنينة فَهي ليست أهَم شخص في حياتي من دون سبب.

لقد عانَت في حياتها كثيراً، بِموت عائلتها أمام عينيها، أختطافها من قِبَل حارس البوابة لعالمينا الذي يُدعى لوثر، الكأبة التي خاضتها إثر ذلك و معاناتها مع لعنة ريس قبل أختفائها بِفضلها.
فَهي بطلة خاضَت المصاعب و عرفت كيف تخرج منهم و تُنقِذ نفسها لهذا مشكلتي ليس بِجديدة عليها أو شيئاً يُخيفها و لهذا هي متفهمة و تفهمني كما لو انني كتاباً تقرأه.

و لهذا لم أندم يوماً على اخبارها و السماح لها بِمساعدتي آوه و طبعاً الطبيب الملكي هو الشخص الرابع الذي يعرف بأمري بما انه الشخص الذي يُساعد بِتخفيف قوتي التي تأكلني حياً.
أغلقتُ عيناي أحاول التفكير بِشيء مختلف يُبعِد ما يُشَتِت نومي عني ليظهر وجه حنطي مائل لأسمر في مُخيلتي.
له عينان بنية فاتحة جداً مائلة للأحمر، شعر أسود حريري مُمَوج و طويل و بسمة دافئة رقيقة تدع جذورها تنمو بِداخلي تلتف حول قلبي.

لأغُط في نوم عميق، خالي من الكوابيس و الألم.

ذهبتُ انا و ريزار و معنا بلايز و أيكس في ردهات القصر متجهون في الطريق الذي يؤدي الى مكتبة القصر. و طوال الطريق ظللتُ اُفَكِر بِالحلم الذي رأيته عنه في مساء أمس و أردتُ سؤاله عنه لكني لم افعل و تراجعت عدة مرات الى أن قررت انه ليس الوقت أو اليوم المناسب لِسؤاله.
هل لديكَ خطة عن كيفية إيجاد الكتاب فالكين؟ سأل ريزار.
لا في الحقيقة لم اُخَطِط و لا أعرف حتى كيف سأجده.
هَمهَم هو قبل أن يفتح فمه ليقول.

يجب عليكّ التفكير بطريقةٍ ما كي تُسَهِل عليكَ إيجاده.
أومأتُ انا اتفهم لنسمع صوت صراخ بِغضب و تكسير زجاج قادم من غرفة على جهة اليمين مفتوحة الباب لتظهر فجأة منها إكسانا تطير بسرعة قُسوة نحونا يبدو عليها الخوف.
إكسانا؟ تساءلتُ مُتعجب بهذه الحالة و من دون سيدتها.

طارت هي إليّ ثم اختبأت خلفي و كما لو انني أستدعيتُ سيدتها، ظهرت السفيرة من الغرفة بِخطوات سريعة و مِن شكل وجهِها الغاضب و ملابسها المُبعثرة كأنها وضعتها عشوائياً تنسى انها شفافة بعض الشيء تُظهِر معدتها و ساقيها.
إكسانا لا تختبئي كالجبانة! صاحَت السفيرة تقف أمامي مباشرة تحاول الأمساك بِمُرافقتها من خلفي.
انا حقاً أسفة سيدتي، اُقسِم انني لم اقصد!
سوف أقتلكِ!

تبادلتُ النظرات مع ريزار لتستدير السفيرة من حولي تُحاول التقاط إكسانا الهاربة.
ما الذي حدث بِحق السماء؟ سألتهم انا لكن لم يُجيب أحداً منهم يُكملوا دورانهم من حولي.
توقفي عن الهروب! قالت السفيرة من بين أسنانها تفور غضباً كالبركان.
أرجوكم ساعدوني! صرختُ إكسانا تختبئ خلف بلايز الذي وضع ذراعيه أمامه بِدفاع عنها.

مَدَّت السفيرة يداً نحوها قريبة مِن وجهي لألتقطها من معصمها بأخِر لحظة قبل أن تُمسك و تقتل الصغيرة.
هذا يكفي! رفعتُ من صوتي قليلاً لتتجمد السفيرة بِمطرحها و تحدق بي، تُدرِك ما تفعله بِوجودي.
معصمها دافء جداً أسفل أصابعي الباردة أشعُر بِنبضها. لعنتُ تحت أنفاسي لتسحب يدها من قبضتي بِرقة تحني رأسها.
أسفة سمو الأمير لم اقصد أن اُقَلِل من أحترامك و تواجدك.
تنهدتُ بِخفة اُعيد يدي لجانبي.
ما الذي يحدث لكما؟

لما لا تُخبريهم إكسانا؟ سألت السفيرة مُرافقتها و هي تُشابك ذراعيها.
لقد دمرتُ شيئاً عزيزاً عليها من دون قصد. أجابت إكسانا تنظُر من فوق كتف بلايز.
ما هو ذلك الشيء؟ سألهما ريزار ينظُر لي لأهُز أكتافي لا اعلم عن ماذا تتحدث السفيرة و مُرافقتها.
خاتم ثمين و الأن لن اقدر على ارتدائه أو الحفاظ عليه بِفضلها. تذمرت السفيرة بِخيبة آمل.

كيف دمرت خاتماً؟ فَهذا مستحيل. قلتُ انا لتُخرِج إكسانا صوتً من حلقها يقول العكس.
لقد، أذبته بِنيراني. تَمتَمت إكسانا تُجيب على السؤال لنحدق بها جميعنا بِدهشة.
لقد كانَ حادثاً انا اُقسِم لكم. عطستُ عطسة كنتُ أمنعها لفترة و كانَ ذلك الخاتم قريب مني لهذا دابَ نصفه إثر تلامس نيراني به.
سمعتُ السفيرة تُزفِر الهواء من فمها لنستدير لها ننتظِر ما ستقولها ضِد مرافقتها المسكينة التي تمتلك قوة النار.

هل لي برؤية الخاتم؟ انا سألتُ السفيرة، لتومئ هي بِرأسها تُعطيني علبة صغيرة حمراء كانت تحملها معها من دون أن نراها.
انه خاتم اُحِبُه جداً لأنه هدية من صديقة عزيزة عَليّ و لقد أحتفظتُ به لسنوات الى أن، توقفت هي ترمُق إكسانا بِنظرات حارِقة.
فتحتُ انا العلبة أرى خاتماً جميلاً جداً كله ألماس و ذهب نصفه كامل و نصفه الأخر غير موجود لأنَ تم إذابته.

أنكمش وجهي على شكله أرى بطرف عيني ريزار بتعابير وجه مُماثِلة.
لم يَعُد باستطاعتي ارتدائه بعد الأن. تَمتَمت السفيرة لأرفع رأسي نحوها اُغلق الصندوق.
سوف اُصلِحُه فلا تقلقي.
ماذا؟ كيف لكَ أن تصلحه و ألماساته غير موجودة؟
انا سوف أفعل، أجابها ريزار لأرفع حاجباً عليه قبل أن يُكمل.

لقد تعلمتُ أساليب الحِدادة من أبي لهذا بأمكاني إصلاحه لكن يحتاج الوقت أما بالنسبة للألماسات فَباستطاعتي تكرارها من التي على الخاتم.
حقاً؟ سأكون مُمتنة لكَ للأبد سيدي إن أصلحته.
نعم حقاً. قال هو يَحُك رأسه من الخلف ينظُر لي بتلك العين الواحدة بما أنَ الأخرى مُغطاة.

ريزار فقد عينه اليمنى عندما كانَ صغيراً. كانَ يتبارز بالسيوف مع أحد أصدقائه و بِسبب غلطة منه لأنه مُتهور، أصابه صديقه بِطرف سيفه أفقده بصره بِعين و منذُ ذلك الوقت و هو يضع تلكَ القطعة على عينه و حول رأسه، لقد حكتها والدته مِن أجله و لم يرتدي غيرها في حياته.
إذاً هيا بنا إكسانا لنعود و نتناقش فيما بيننا. قالت السفيرة بِنبرة داكنة لتختبئ إكسانا أكثر خلف بلايز.

ما رأيكِ لو تدعينا نأخُذها معنا الى المكتبة الملكية حتى تهدأي؟ أقترحتُ عليها.
نعم سيكون أفضل! صاحت إكسانا بِلا انتباه لتُنخَفِض خلف بلايز و تقول بِصوت صغير
اعني نعم سموه مُحق.
هل ستذهبون الى المكتبة؟ سألتنا السفيرة لنومئ انا و ريزار معاً بأنٍ واحِد.
لما، هل تبحثون عن كتاب ما؟
لدينا عمل هناك مهم.
أومأتُ هي بتفهم لأتفوه انا من دون تفكير قبل مغادرتها الى على ما أظُن غرفتها
هل توَدين القدوم معنا؟

سمعتُ إكسانا تلعن كما أن ريزار رفع حاجباً باستغراب مِن طلبي.
الن أكون عائقاً لكما؟
هَززتُ رأسي ابتسم
بالطبع لا.
كما تريد سموك لكن أنتم اذهبوا سوف الحق بكم بعد قليل.
أومأتُ انا موافِقاً لتذهب الى غرفتها و نحنُ نُكمل طريقنا الى وجهتنا أتجاهل نظرات ريزار لي لأنني دعوتها معنا لأني سابقاً أخبرته أنَ مهمة البحث عن الكتاب الخاص بِتاريخ مملكة شادونايت سرية و الأن تفوهتُ بذلكَ السر أمام السفيرة.

تجاهلتُه و أكلمتُ طريقي الى أن وصلنا لأبواب خشبية كبيرة جداً تَصِل لسقف القصر ليفتحها ريزار من أجلنا و ندخل معاً.
ظننتُ انني سوف أنبهر أو ربما قد يقع فَكي السُفلي الى قدماي لكن كل الذي قابلته هو الصمت و جدار مِن رفوف الكتب المُرتفعة لسقف المكتبة العتمة فيها الشموع و القليل من نور الشمس عبر النوافذ العالية الصغيرة.
ما هذا؟ سألتُ نفسي أحدق من اليمين لِليسار لا اعرف اية جهة أسلُك.

مِن هنا سمو الأمير. قالت إكسانا تَطير لِليمين و معها بلايز متحمسين.
أخذنا انا و ريزار الجهة اليُمنى نتبع الصغيران الى أن وصلنا لِمنتصف المكتبة على ما أظُن أرى المزيد و المزيد من المداخل و رفوف الكُتب الكبيرة.
هل هذا كل-- لم أكمِل جملتي للأخر عندما التَففتُ ليساري بِنصف دائرة.

توسعت عيناي على حقيقة المكتبة التي رأيتها الأن. انها واسعة و كبيرة بِلا نهاية، مَداخل و مداخل كثيرة فيها رفوف أبدية من الكتب و كل رف اُخَمِن عليه الألاف من الكتب.

و هنالك مَن يتمشون فيها يَحملون الكتب و منهم مَن يعيشون فيها يرتدون رداء المكتبة الطويل يَصِل لأقدامهم و حول ردائهم الرمادي حبال بنية و في أقدامهم يرتدون الصنادل.
يوجد أكثر من مأمور واحد في المكتبة؟
واو. قلتُ انا فاتح الفَم مُدرك أنَ عيوني تلمع و تبرق.
هذا حلم أم ماذا لأنني لا اريد الاستيقاظ منه فالقراءة حياتي.

أهلاً بكَ الى المكتبة الملكية سمو الأمير. قالت إكسانا بِسعادة تبتسم من زاوية لزاوية بِشفتيها تَطير و معها بلايز في كل مكان.
انتَ تمزح معي، كيف لنا العثور على كتاب واحِد بين هذه الكتب؟ سألتُ نفسي أمشي بِخطوات بطيئة في الردهة الرئيسية على يميني كُتب و على يساري كُتب.
عن ماذا تبحث سمو الأمير؟ أتت إكسانا إليّ.
عن كِتاب فيه تاريخ مملكة شادونايت.
آوه، هذا صعب.

أومأتُ أوافقها ذلك نُكمل مشينا من دون خطة مُعينة لإيجاده لأنني الأن و بعد تفكير طويل، وجدتُ انه من المستحيل العثور عليه ليس بيوم واحد و ليس بأسبوع أو شهر و لا حتى سنة و إنما كما قال فالين، سنوات.
هذا القسم المُفَضَّل لدى سيدتي. أعادني كلام إكسانا من حبل أفكاري القلق لأنظُر على يميني، أجدها تطير بداخل قِسم التاريخ.
سيدتك تُحب القراءة؟ تساءلت أتقدم الى القسم و معي الباقين.

نعم في الحقيقة هي تعشق القراءة و لقد قرأت كل كتاب في هذا القسم بِسنة واحِدة فقط.
رفعتُ رأسي للأعلى على الرفوف التي لا يُمكن الوصول اليها إلا إذا أستخدمنا أجنحتنا.
هل تأتون كثيراً الى المكتبة؟ فَيبدو انكِ تعرفينها جيداً. سألت اُمسِك كتاباً قد جذب انتباهي بِعنوانه.

عالم البشر و أسراره هذا العنوان، لأتفحصه يبدو قديم و مُهترأً جداً إلا انه مُثير للاهتمام لهذا أبقيتُه بيدي كي أخذه معي الى غرفتي و أقرأه كلما سنحت لي الفرصة.
بما أنَ البشر تملئ مملكة فالينيا فَلِما لا أقرأ و اعرف عن عالمهم و لو القليل.
فَهذا السبب و ليس لأنني مهتم بأحدهم.

نعم سموك، انه المكان المُفَضّل لسيدتي. أجابتني إكسانا لأكمل نظري على الرفوف أتفحصها اُفَكِر بطريقة لِلعثور على الكتابة لكن كما قلت انه من المستحيل إيجاده، فَكيف لي أن أجده بينهم و هذا القسم الأول مع انه يوجد أقسام غيره.
هل تحب سيدتك قراءة التاريخ؟ لم أكنُ أنتَظِر رداً من شخص أخر غير إكسانا لكن مَن رد لم تكُن هي.

التاريخ عظيم لهذا اُحِب قراءته و معرفة ما حدث قبل قرون و سنين عن العالمين، البشري و الجني. رأيتُ السفيرة تقف عند بداية القسم ترتدي فستاناً أبيض طويل يُلامس الأرض و بِقالبه أحمر قرمزي، أكمامه طويلة تُغطي كل ذراعيها.

مهما كان ما ترتديه مُختلف عن أزياء هذه المملكة إلا انه يليق بها و يُعطيها فخامة من نوع أخَر.
و انا ايضاً اُحِب القراءة ليس بالتحديد التاريخ لكن بِشكل عام.
انه شيء ثاني نتشارك فيه سموك.
تقدمت هي نحونا لتتخطاني تُلامس الكُتب بأطراف أناملها كأنها تتذكرها صفحة صفحة.
لا اعتقد انكَ ستجد الكتاب الذي تبحث عنه هنا سموك لأني أعرف كل كتاب في هذا القسم و لا أرى اية أختلاف فيهم. قالت هي تُشير على كل الكتب.

كيف لي أن أعثُر عليه أصلاً فهنا أشعُر بِهالة و سحر أغلبية الكُتب فالعثور عليه مهمة مستحيلة.
هل لديكَ القُدرة على الشعور بِسحر الكتب سموك؟ سألتني السفيرة لأومئ لها شبه أوافقها و شبه لا.
ليسَ سحر الكتب بل كل ما هو غريب و فريد فَلدي هذه القدرة منذُ ولادتي.
هذا رائع.
ابتسمتُ على دهشتها اُخَبِئ الكتاب بين ذراعي و أبطي كي لا تراه، لا أعلم لماذا أخفيه عنها لكني لا اريدها أن ترى عنوانه.

هالة كِتاب تاريخ شادونايت مُختلفة عن باقي هالات الكتب السحرية هنا سمو الأمير. قالت إكسانا لي لأستدير اليها بِحيرة من معرفتها.
و كيف تعلمين؟ سألها ريزار هذه المرة لتجلس على طرف طاولة بِجانب شمعة في أنبوب زجاجي يُرافقها بلايز.

انني مخلوق سحري خُلِقتُ من السحر الصافي سيدي لهذا لدي معلومات و لو طفيفة عن الأمر. إنَ هالة الكتاب داكنة لِلغاية لحد القشعريرة عند الشعور بها و من الممكن أن تُناديك اليها على طريقتها.
و كيف لي أن أعرف و انا بالكاد أتحكم بِقُدرتي. قلتُ ضائع.

النية سمو الأمير، هي التي سَتساعدك بالعثور على الكتاب. فجأة قال شخص بِصوت بارد مِن الطرف الأخَر لِلقسم لنُدير رؤوسنا نحوه نجد مايكا يقف كأنه تمثالاً كالتي في المكتبة يحمل كتاباً كبيراً غلافه أخضر عشبي داكن بدا بني اللون.
انه مُخيف بِحق، فكلما أراه يقفز قلبي رعباً.
كيف لفالين تحمله؟
ما الذي تفعله هنا مايكا؟
كنتُ أبحث عن كتاباً لِجلالته و سمعتكم.

رأيتُ عينيه البُنية تتحرك من وجه لوجه، عادته بالتحقق من الجميع قبل أن تَحُط على السفيرة لتظل قليلاً يتشاركان النظرات مع بعضهما قبل أن تَكسِر السفيرة نظراتها أولاً تُخرج كتاباً من أحَد الرفوف التي أمامها تتسلى به.
ماذا كانَ هذا؟ و ما الذي فاتني؟
أنكم تبحثون في القسم الخطأ لهذا أتبعوني فأنا سأخذكم الى مكان من الممكن إيجاده هناك. أخبرنا التمثال المُتحرك لنلحق به جميعنا.

انا أعشق هذا المكان. حلقت إكسانا في الأعالي ليلحق بها ايضاً بلايز.
و انا بدأتُ أحبه. شاركها هو قائلاً لتدفعه هي بِخجل من كتفه. رمشتُ انا عليهما كما يفعل ريزار.
ما الذي يحدث بِحق الجحيم اليوم؟
اليسَ عليهم أن يقتلوا بعضهم و نَتف الشعر أم ماذا لأنني مُحتار بأمرهم.

حاول هنا سمو الأمير. أقترح مايكا يُشير على الرف على جهة اليسار لأرفع رأسي الى الأعلى اُخَمِن أنَ هذا الرف فيه ما يُقارب خمسة ألاف كتاب أو أكثر.
كم قسم تمتلك المكتبة.
ما يُقارب العشرون ألف و كل قسم فيه آلاف و آلاف الكتب.
هَمهَمتُ بِأعجاب فأنها أكبر من المكتبة في قصر أسليرا بِمئة مرة فالمكتبة التي لدينا فيها خمسة مئة ألف كتاب أيّ نصف مليون فقط بينما هذه فيها مليونين.

أغمضتُ عيناي لِلحظة أحاول التركيز على قدرتي لعلي أدعوها و أتحكم بها ثم بدأتُ أخطوا بِخطوات ضئيلة و بطيئة بِجانب الرفوف أشعُر بِسحر الكُتب لكنه ليس قوياً و غير جاذب كما أخبروني عن هالة كتاب شادونايت.
ما هذا الكتاب الذي معك؟ توقفتُ لِسماعي صوت السفيرة فَفتحتُ عيناي أنظُر عليهما. انها تسأله عن الكتاب الذي يحمله لِصدره.
انه عن مملكة البحر. أجابها مايكا لتأخذه منه متوسعة العينين.

انه الكتاب الذي كنتُ أبحث عنه.
لقد وجدته من أجلك.
رفعت هي رأسها نحوه لتَظهَر بسمة مُشرقة على شفتيها تنظُر له بِطريقة وجدتها غريبة.
هل هُما قريبان؟ فَلم أعرف أنَ مايكا يُكَوِن صداقات غير مع فالين.
شُكراً لكَ. قالت له بِهمس تتفحص صفحات الكتاب بِتشويق.
و هل وجدتَ شيئاً؟ كَسرتُ تحديقي بهما لأنظُر على ريزار يضع يديه في جيوبه.
لا شيء هنا، يجب عليّ الوصول للأعلى.

استخدم السُلَم سموك بدلاً من أستدعاء أجنحتك. أشارت إكسانا على السُلَم الطويل لأخذه و ابدأ بِصعوده الى أن وصلتُ للأعلى و هم أسفلي بعيدون جداً.
لو وقع أحدهم من هذا العلو لماتَ على الفور.
اريدكم أن تحركوا السلم بِبطء على كامل الرفوف! صِحتُ لهم ليومئ ريزار مُمسِكاً بالسلم حتى يحركه كما أمرته.

ركزتُ مجدداً أنظُر على الكتب و السلم يتحرك بي، هالة وراء هالة وراء هالة سحرية غير قوية كانت كل الذي شعرتُ به و كل الذي ناداني أما هالة داكنة، شريرة و منادية بطريقة مختلفة، ليس لها وجود بين باقي الكتب.
هل من شيء!؟ سألني ريزار من الأسفل.
توقف فَلا شيء هنا!

نزلتُ السلم بِحذر كي لا أتعثر الى أن وصلت أقدامي الأرض. القيتُ نظرة خاطفة على مايكا و السفيرة أجدهما متفرقان، هي عند الرفوف تحمل الكتاب الذي كان معه و هو يقف و من حوله يطير كُلاً من بلايز و إكسانا معاً كَعصافير الحب.
نعم. بكل تأكيد اليوم يتحول من أغرب الى أغرب بِمراحل مُتطورة.

ظللنا النهار كله نبحث في المكتبة و في أقسام مُتعددة من دون فائدة فَلا هالة جاذبة و انا تعبت لهذا قررنا أن نكمل في يوم أخَر لنتفرق جميعنا خارج المكتبة.
انا، بلايز و ريزار في جهة، السفيرة، إكسانا و مايكا في جهة مع أنَ غرفة السفيرة في نفس طابق غرفنا انا و ريزار.

توَجهنا في الردهة عائدين الى غرفتي بِصمت لا أحد يتفوه بِحرف فمن كثرة المشيء و البحث فقدنا قدرة تحريك أفواهنا حتى و لا نصدق متى سنجلس و نرتاح و خاصةً انا الذي استعملتُ قدراً كبيراً مِن قوتي اليوم أحِس انني أذبَل كالزهرة التي تحتاج الماء لتعيش حتى تفرُد بتلاتها.
هل يوجد بينك و بين السفيرة شيئاً غير الاحترافية و الصداقة؟ فجأة سألني ريزار يفتح حديثاً.

تنهدتُ انا لا أرغب بالتكلم لكني أجبته على اية حال لأنني مدركاً لِفضوله بِشأننا منذُ أن رأنا نرقص
لا يوجد شيء عدا الذي ذكرته ريزار، لما السؤال؟ هل تفكر بالتقرب منها؟
ضحك هو يَهُزر رأسه ليرد
هي جميلة و جذابة لكنها ليست من نوعي المفضل، بالإضافة لدي من اُفَكِر فيه.
هل هي من عالم البشر أم هنا؟
من المستحيل أن أرتبط بمَن هي في عالم أخر، أما الفتاة التي في رأسي، تعيش في هذا القصر حتى.

نظرتُ له على جانبي رافع حاجباً واحِد ليُكمل قائلاً
لا تسخر عندما أخبرك.
لن أسخر.
عدني.
اعدك.
بالطبع الوعد كاذب فأنا اُحِب السخرية منه كما يسخر مني كلما رأى فرصة أمامه لكني وضعتُ الوجه الثابت و الجاد أنتظِرُه لكي يتكلم و يُخبرني عن زوجته المستقبلية.
انها، انها سموها فينار.
تجمدت ساقاي لوحدها في الطريق ليُكمل ريزار و بلايز بلا ملاحظة انني لستُ معهم و عندما لاحظا توقفا و استدارا نحوي.
فينار؟ تعني أخت فالين؟

أومئ ريزار يَحُك رأسه من الخلف مُحرجاً انتبه انها علامة تعبر عن توتره، لأتقدم اليه لسببٍ ما ليس لدي حِس الضحك عليه فَهذا صادم.
اليسَت كبيرة عليك؟ أعني ليس شكلاً فَهي تبدو أصغر منك لكن عُمراً.
صحيح لكن أيَهُم؟ لو أحببت أحدهم صغيراً أو كبيراً في عمره هل ستفرق؟

أدرتُ كلامه في دماغي لأجده مُحقاً فأنا كدتُ أن أدخل في علاقة مع نيفاري التي تكون أكبر مني بِمئات السنين و لم أقول انها كبيرة و غير مُناسبة لي بل العكس.
هَززتُ رأسي أصطَف معه في رأيه لنكمل مشينا الى غرفتي نتحدث عن متى و لماذا بدأ حبه للأميرة الشقراء.

في مساء نفس اليوم و بعد كتابة رسالة كاملة رداً على تاليا غَلّفتُ الرسالة جيداً اُعَطِرها بِرائحة عطري بعدها غادرتُ مع بلايز الى رسول القصر لأعطيه الرسالة و أخبره أن يرسلها الى قصر أسليرا و خاصةً لِلملكة ليومئ هو لي قبل أن أغادر مكبته أتوَجّه الى غرفة ريزار لكي أطَمئِن على خاتم السفيرة.
التي و تباً نسيتُ سؤالها لِلمرة المليون عن اسمها.

يجب عَليّ حقاً أن أكتب السؤال على جبيني لعلها تراه و تجيب من تلقاء نفسها.
أو أخبر بلايز فَهو سيتذكر أفضل مني.
طرقتُ باب غرفة ريزار الأبيض أنتِظر لِلحظة قصيرة قبل أن أسمع صوت أقدام من خلفه ليفتح يَظهَر لي صديقي يرتدي بنطالاً فَحسب.
في الاخِر انا لستُ الوحيد الذي ينام من دون ما يُغطي صدري.
تفضل فالكين. فتح لي الباب أكثر لأدخل غرفته متوسطة الحجم.

انها داكنة، كئيبة و كل ما فيها خالي من الألوان، على يساري توجد مدفئة حَطب و على يميني سريره الذي يبدو غير مُريح و طاولة صغيرة من حولها كُرسيين فقط.
في وسط الغرفة طاولة حديدية و عليها مُعِدات كاملة لِلحدادة و كأنها ورشته و ليست غرفته.

أذكُر أنَ غرفته قبل سنوات كانت مختلفة، فيها ألوان الربيع و على قيد الحياة. أما هذه، ميتة حتى روح ليس فيها و باردة لِلغاية كأنَ فصل الثلج فيها و ليس الربيع مع أنَ باب شرفته مفتوح.
هل تعيش الشياطين هنا أم ماذا؟ تساءلت أفرُك ذراعاي أجلس على كرسي ليَخرُج صوتً منه يجعلني أنهض بسرعة كي لا ينكسر بي.

لا بَل مَزاج اللورد مايكا. أجاب بلايز ليَضحك ريزار يُشارك صاحب النكتة أما انا أخرجتُ واحدة فَفي الحقيقة هذا تأثير مايكا على الجميع.
لقد قررتُ تغيير شكلها لشيء مختلف و لِلذي عشتُ فيه في عالم البشر. أمسك ريزار بيده مِطرقة من على سندان (السندان سطح مستقيم املس يُستعمل لوضع المعادن عليه و الطرق باستخدام المِطرقة) و بيده الثانية حمل مِلقط رفيع يُمسك به خاتم السفيرة.
لقد ظننتُ انكَ غني.

اننا كذلك فالكين لكنا لم نرد أن نجعل البشر تَشُك بنا بما اننا قادمون من بعيد و هُم لا يعرفوننا لهذا اُضطُرِرنا لِعيش حياة قاسية لبعض سنوات في البداية.
و هذه كانت حياتك؟ سأله بلايز يجلس على كتفه.
نوعاً ما نعم و انا لا اُمانعها بتاتاً بل أحببتها حتى لهذا طلبتُ من فالين تحويل غرفتي لهذا الشكل.

هَمهَمتُ أنظُر في الأرجاء على الأثاث الرمادي بالنسبة لي و شخصياً من المستحيل أن أعيش أو أنام فيها و لو لساعة فقد تتكاثر عَليّ الكوابيس.

و بِذِكر الكوابيس أخذتُ نظرة على ذراع ريزار و هو يعمل على الخاتم يطرقه و يُحَمّي الذهب السائل بالكير الذي سيستعمله من أجل تكملة هيكل الخاتم. (الكير، منفاخ يُصنع من الجلد القوي يستخدمه الحداد ليتم رفع درجة حرارة الحديد أو اية معدن حتى تزيد ليونته و هكذا يبدأ الحداد بتشكيل المعدن كما هو مطلوب).
و كما توقعت رأيتُ علامة حرق على ذراعه اليُمنى تمتد كلما رفع يده التي تحمل المِطرقة و ينزلها يَضرب الخاتم.

ما رأيته حقيقي و ريزار أقام الحريق في عالم البشر عندما دخله قبل سنين.
ظننتُ انه سيأخذ مني أياماً لكني انتهيت فالضرر ليس كبيراً. أرجعني صوت ريزار من شُردي لأنظُر على الخاتم يحمله بِين أصبعيه.
تقدمتُ اليه أمُد يدي ليضعه و يذهب لكي يحضر العلبة خاصته.
واو انه جميل جداً. تَمتَم بلايز بِجانبي لأتمعن به أكثر و هو كامل يبدو باهِظاً و، مألوفاً.

انتبهتُ لأول مرة أنَ بداخله يوجد حرفين، واحِد كاف و الأخر تاء.
و عندما نظرتُ على ما يوجد بين الألماسات من الخارج رأيتُ نفس الأحرف و معها شكل قصر مَحفور و علامة قَمر تُغطيه الغيوم من الأسفل.
انها علامة مملكة أسليرا و العائلة الملكية و هذا الخاتم يُشبه خاتماً أعرفه كما أعرف اسمي بالحرف.
تاليا.

تاليا دوماً ما ترتدي خاتماً مثله إلا أنَ ألوان الألماسات ليست ذهبية كالذي أحمله، و إنما وردية. فتاليا تُحِب الوردي.
ما الذي يفعله خاتم مُماثل للِذي مع تاليا مع السفيرة؟
فالكين ما الخطب؟ سألني ريزار يُعطيني الصندوق الأحمر لأنظُر له من دون وجود تعابير على وجهي.
هل انتَ بخير؟

لم أجبه لكن تصرفتُ من دون إرادة كأنَ شخصاً أخراً يتحكم بِجسدي و عقلي، أخذتُ الصندوق من يده ثم خرجت غرفته على عجلة أترك صديقي الذي يُناديني خلفي أما بلايز فَلحق بي بما انه يطير.
سموك الى اين ذاهب؟
مرةً أخرى لم أجيب على اية سؤال فقط أمشي بِسرعتي السحرية الى الردهة التي فيها غرفتي و غرفة صاحبة الخاتم.

وصلتُ اليها مِن دون تفكير لأطرق الباب بِقوة لا اعلم لماذا غاضب فأنا حتى لم افهم السبب بعد و مع ذلك ما بداخلي يَغلي لِلمعرفة و بالغضب ظَهر من العدم.
جزء كبير مني يُخبرني انها تُخفي عني شيئاً يتعلق بي و لو قليلاً و لأنَ الأن توَضح سبب شكلها المألوف و فُضولي عنها أو لم يتوضح لكن قريب كِفاية.

فُتِحَ الباب يُظهِر لي من خلفه السفيرة بِملابس النوم لأدخل انا من دون أنتظار دعوتها الى غرفتها ثم توقفتُ في وسطها أرفع الصندوق في الهواء.
سمو الأمير ما الأمر؟
مَن انتِ؟ مَن تكونين؟
أخذت خطواتها إليّ لكنها توقفت عندما رأت الصندوق معي.
لماذا تمتلكين هذا الخاتم؟ مَن أعطاكِ إياه و لماذا؟ أكملتُ لا أبالي إن أجابتني الأن أم لاحقاً.

خَفَت تعابير وجهها لتأخُذ من يدي الصندوق بِرقة يبدو انها ليست مُستاءة من دخولي غرفتها فجأة أو من وقاحتي معها.
لقد عرفت. هَمست هي تفتح الصندوق تُخرج الخاتم منه.
عرفت ماذا بالضبط!؟ صرختُ من دون تحكم بِنبرتي.
طار بلايز الى إكسانا لتهمس هي له شيء ما يبدو انها تتساءل عن غضبي لكن بلايز هَزة رأسه لا يدري مثلها.
ألا تذكُر؟
انا لا أعلم عن ماذا تتحدثين.
ابتسمت هي على الخاتم لتقول بِرقة صوت.

يبدو انكَ نسيت لأنني أذكُر كم كنتَ صغيراً و لطيفاً سموك و الأن أصبحت رجلاً نبيلاً.
رمشتُ عليها لا مازلتُ أفهم حرفاً من الذي تقوله كأنها تتحدث بِلغة أخرى لا توجد في هذا العالم.
وضعت الخاتم بأصبعها السبابة الأيمن ثم رفعت رأسها لي مبتسمة بِخِفة تجعل من قلبي يَخفق نبضة.
لقد مَرت سنين منذُ أخِر مرة رأيتكَ فيها على حضن تاليا تلعب بِشعرها.

مَن انتِ أرجوكِ أخبريني و ما علاقتكِ بِتاليا؟ تقدمتُ اليها مُمسكاً بِكتفيها لتُبقي هدوئها غير مُبالية حتى لِلمسي لها من دون أذُن.
يبدو انكَ ضربت رأسك في صغرك لتنسى لكني لم أنساكَ سموك.
ما اسمكِ؟ تركتُ كتفيها لترفع يداً للأعلى تُبعِد خُصلة من شعري عن عيني بِطرف أصبعها لتقول بِصوتها الناعم
انا أدعى كانيلا هاندسين، صديقة تاليا منذُ طفولتها.

الفصل التالي
بعد 20 ساعة و 14 دقيقة.
جميع الفصول
روايات الكاتب