رواية تحت الغطاء الأبيض الجزء الثاني للكاتبة مينار الفصل السابع عشر

رواية تحت الغطاء الأبيض الجزء الثاني للكاتبة مينار الفصل السابع عشر

رواية تحت الغطاء الأبيض الجزء الثاني للكاتبة مينار الفصل السابع عشر

دخلنا الكهف العتم ليضربنا هوائه المُثلج و هدوئه العميق على أرضه مياه و هنالك قطرات تهطُل من السقف لتسقط عليها تُشَكِل حركات صغيرة فيها قبل أن تختفي.
الهواء من خلفنا يضرب ظهورنا يزيد من برودة المكان ليقشعر بدني و يقف شعر جسدي لِلنهاية، أرتجف.
الدخان الأبيض يخرج من فمي و أنفي كُلما تنفست لألُف الغطاء من حول جسدي أكثر كي أمنع البرد بعيداً عن دفئي.

كل شيء في هذا الكهف موَحد. الجدران الأرضية السقف كل شيء من الحجر و توجد قطع طويلة نابِعة من كل مكان، حوافها حادة لو وقع عليها أحدهم لماتَ على الفور.
نجوم صغيرة زرقاء فاتحة تتلألأ على الجدران لأقترب منها أكثر أتمعن بها أجدها في الحقيقة أحجار فاقِعة اللون و تبدو زجاجية لأبتعد عنها و أكمل طريقي مع رفاقي.

انه ساكِن زيادة عن اللزوم. كسر ريزار الصمت ليُصبح صوته صدى في الكهف يجره الى داخله حتى أختفى.
هذا لأنه لا يسكنه أحداً غير جيكال، توقفت جونيبِر لِلحظة تنظُر من حولها قبل أن تعود مُكملة
و بعض الحشرات و الخفافيش مصاصة الدماء.
رفعتُ انا و ريزار و بلايز رؤوسنا بِرَدت فعل على الفور للأعلى بالفعل نجد خفافيش عينيها الحمراء الكبيرة واضحة تحدق بنا.

هذه حقاً فكرة سيئة فالكين. تمتم لي ريزار لأنظُر له بِطرف عيني قبل أن أبتسم.
ما هذا؟ تساءلتُ انا بِفضول.
ما هو؟
ذلك الشيء هناك. أشرتُ بأصبع يدي السبابة على شيء ما في الظلام لينظُر ريزار بِنفس الاتجاه يبدو حائراً.
انا لا أرى شيئاً.
انا أراه جيداً، انه يمتلك عيون كبيرة جداً و صفراء و أسنان بيضاء حادة.
ضَيّق ريزار عينيه التي ترتجف كَوَجهِه يُحاول بِقدر الأمكان أن يبدو قوياً غير خائفاً.

هل انتَ جاد؟ انا لا أراه.
بلى بلى، انه هناك يقف و يحدق بنا.
سمعتُ مِن جانب ريزار، جوينبِر تمنع نفسها من الانفجار ضاحكة، تعلم جيداً ما يحدث.
توقف عن هذا فالكين، انتَ لستَ مُضحكاً. قال ريزار يقترب مني و لِلحظة ظننتُ انه سوف يُمسك بِذراعي و يختبئ خلفي.
انه يبتسم لنا. همستُ أصَغِّر صوتي أكمل مزحتي.
دعنا نعود أرجوك.

لا لأنه سوف يزحف بِبطء نحونا و يأكُلنا! صرخ بلايز في أذُن صديقي لينتفض ريزار و يُخرِج صرخة من حلقه.
ضحكتُ عليه أهُز رأسي و جونيبِر انضمت لنا تُرَبِت على كتف ريزار حتى تجعله يطمئن أنه مجرد مَقلب.
اللعنة عليك فالكين. هَسهَس هو من بين أسنانه يُضَحكني أكثر كتفاي يهتزان إثر ذلك.

لم أكن أعلم انكَ رجلاً يَهاب الظلام و الوحوش. قالت جوينبِر تقودنا ليرفع ريزار رأسه يستقيم بِجسده و يُعَدِل من مشيته كأنه لم يكُن على حافة البكاء قبل لحظات قصيرة.
ا-انا لا أخافهم.
نعم هذا واضح. قال بلايز يقف على كتفي مُخرجاً صوتً كالضحكة.
تعمقنا بداخل الكهف حتى أصبح المكان مظلم بِحق، لا نرى شيئاً لتأخُذ جوينبِر عصا خشبية من على الأرض و تُمَرِرها على حجر الكهف حتى اشتعلت العصا و أنارة ما حولنا فقط.

عندما نظرتُ لأمامي رأيتُ ثلاثة مداخل على يميني و يساري و أمامي تماماً حُفرة عملاقة جداً و من الجهة المقابلة، المدخل الثالث.
تقدمتُ لِحافة الحفرة لأجد فيها سواد دامِس من المستحيل معرفة ما في الأسفل إلا إذا أستخدمنا قوى من قوات الملك لايتا لكي ينيرها بما انه ملك النور و طبعاً هذا لا يُمكن الأن.
أيا مدخل نأخُذ؟ سأل ريزار التي تحمل العصا المُشتعلة لتشير بأصبعها على المدخل الذي أردتُ أن نتفاداه.

الذي يكون في الجهة الأخرى من الحفرة التي بيننا و بين المدخل.
كيف سنعبر بِحق الإله؟
هل تحاولين أخذنا الى شخص يعرف أسرار هذا العالم أم انكِ تُخططين لِقتلنا؟ انا سألتها أقَهقِه من دون وجود ذرة مُزاح في نبرة صوتي.
لو أردتُ قتلكم لألقيتُ بكم من على الجُرف قبل دخولنا لِلكهف.
بدأت هي بالتحرك تذهب الى ممشى ضَيّق لِلغاية على حافة الحفرة تسع شخص واحد ليمشي أمام الأخر.

إن كُنا محظوظين فَسوف ننجو و نصل لِلجهة الأخرى و إذا لم نكُن...
لا أريد التفكير بالأمر حتى.
أخذت جوينبِر أولاً تمشي فوق الحافة ليتبعها ريزار ثم انا أخرهم مع بلايز الذي تمسك بِشحمة أذُني بِشدة مع انه يقدر على النجاة لو وقع.
قد تتساءلون لما لا يمكننا الطيران ايضاً بما اننا نمتلك أجنحة؟
حسناً الجواب بسيط، لستُ أدري لأنني نسيتُ سؤال جوينبِر.

الصقتُ ظهري بِجدار الكهف ثم مشيتُ على الحافة و لأنني ذكي جداً نظرتُ للأسفل أقدامي تنبُع لِلظلام أسفلنا لألعن تحت أنفاسي أشيح بِنظري عن الحفرة و ذلك الظلام المرعب.
سقطت حِجارة صغيرة بِسبب تحركنا الى الأسفل لأراها تقع لمَدَ قصيرة قبل أن تختفي تماماً الى أيادي السواد و ما يوجد خلفه من أسرار لستُ فضولياً بِشأنها.
هل انتِ واثقة من هذا جونيبِر؟ انا سألتها بِنبرة مرتفعة كي تسمعني.

هل تريدون معرفة ما لا تعرفونه؟
نعم أكيد.
إذاً توقفوا عن التحدث.
انها مُتعصبة. هَمس بلايز في أذُني لأبتسم أومئ له بأنني أوافقه الرأي.
بِغمضة عين، رأيتُ قدم ريزار أمامي تخطو فوق مكان ليس ثابت أيّ انه متحرك، و بِنفس الثانية رأيتُ قدمه تقع و صوت صراخه ملئ سمعي بأكمله لألتقط انا بِذراعها العُلية بِسرعة خارقة و أسحبه الى الوراء يُضرب ظهره بِجدار الكهف.
هل انتَ بِخير؟ انا سألته قلق.
تأوه هو متألماً ليومئ لي.

شكراً لك فالكين.
انتبهوا اين تخطوا أقدامكم و أمشوا بِسرعة لأنَ الحافة لا تتحمل الكثير من الضغط. أخبرتنا جونيبِر تتأكد اننا على ما يرام ثم تكمل طريقها.
شكراً على تحذرينا بعد وقوع الحادث الذي كادَ أن يؤدي بِحتفي. قال ريزار و هو خلفها تماماً لا يصدق متى سيصبل.
فالكين أنقذك فَكنُ ممتناً بِصمت.

عضتُ على شفتاي حتى لا أضحك عليهما كلاهما لم أرى ملامح ريزار يملئها الغيظ لِتلكَ الدرجة من شخص و يبدو أنَ جونيبِر هي التي قدرت على تغير ذلك.
بعد أن مشينا بِتوتر على الحافة القاتلة، وصلنا و الحمدلله لِلجهة الثانية لأخرج نفساً عميقاً من فمي أحني ظهري و أرَكِ يداي على ركبتاي كما لو انني كنتُ أركض لأميال على تلكَ الحافة.

لماذا لم نستخدم الطيران؟ كما لو أنَ ريزار قراءة أفكاري سأل جوينبِر عن الأمر لتلتَفِت لنا، ضوء الشُعلة في يدها ينعكس على وجهها الصغير يجعله ذهبي مائل للبرتقالي اللون و عينيها أكثر خضاراً و السواد الذي فيها ضئيل.
لديها عينان جميلة.
هذا كهف سحري مَحمي بِقوى جيكال لكي لا يُدمره أية دخيل أو مزعج، فَهذا الكهف عمره ملايين السنين و هنالك سافلين يحبون الأذية. و إن حاولتم الأن أستعمال قواكم فَلن تقدروا.

و بالفعل لم نقدر لأني حاولتُ استدعاء قوى تحريك الأشياء و فشلت لم تُحرك قواي الحجرة التي رأيتها على الأرض بين قدماي و لا ظهرت شرارتي الزرقاء مِن كَف يدي عندما فكرتُ بها.
هذا رائع، إن حصل أمر ضدنا هنا لن نستطيع أنقاذ أنفسنا إلا بالقوة الجسدية فَحسب مع انه ليس عائقاً أو صعب ولكنا كبرنا بالقوة و هي ما نفتخر به.

علي أية حال، أكملنا طريقنا في المدخل الكبير أسمع قطرات المياه تقع من سقف الكهف للأرض و أصوات الرياح العاصِفة من الخارج لا زلتُ أشعُر بها على جلدي المكشوف.
بالمناسبة، كيف تعرفين بأمر هذا الرجل الغريب؟ فتح ريزار فمه مُتساءل.
لقد كنتُ أتي الى هنا من أجل العمل و ليس مِن أجل أمور شخصية. أجابته هي من دون أن تنظُر له.
عمل؟ مثل ماذا بالضبط؟ انا سألت هذه المرة.
هَمهَمت هي قليلاً ثم ردت.

كنتُ أعمل في الغابات مع أخرين قبل قدومي الى القصر الملكي و عندما سمعنا بأمر جيكال أتيتُ أول مرة كي يُخبرني عن مكان مناجم قريبة فيها ما يُفيدنا في العمل ليس إلا.
لوحدك؟ ريزار سأل رافع حاجباً.
هَزت هي رأسها تُنفي ذلك لتقول
مع مَن تَشجعوا مثلي بالقدوم.
إذاً انه ليس خطيراً كما ذكرتِ.
ارتفعت زاوية من شفتيها للأعلى.
ربما،.

طريقة كلامها تدهشني. بِلحظة تتفوه بما يجعلك تطمئن و بِلحظة أخرى تُلقي بكَ لِلقلق و التوتر كما لو انها بِعقلين و ليس واحد، كلٌ منهما يخبركَ بِشيء مختلف.
حسناً، و هل انتِ متأكدة انه سوف يخبرنا بكل المعلومات المهمة عن الجُثث التي--
وضعت جوينبِر بِسرعة يدها على فَم ريزار توقفه من أكمال الجملة لنتوقف عن المشي و نحدق بها و هي تُهَشهِش لنا.
لا تتفوهوا بما لا تريدون أفصاحه لِلعَلن الأن.

مبفهمفه؟ تَمتَم ريزار بِسؤال لم نفهم منه حرفاً بما أنَ يدها ما تزال على فمه لتبعِد يدها تأخُذ خطوة صغيرة لِلخلف تتنهد.
ماذا قلتِ؟ أعاد ريزار سؤاله بِشكل أوضح يشابك ذراعيه أمام صدره.
لِلجدران أذان، و عيون. قد ترى و تسمع كل شيء و تنقله للأخرين حتى ينتشر لهذا انتظروا الى أن نصل لجيكال لأنَ المكان الذي هو فيه أمِن خاص فيه.

تابعنا سيرنا خلفها لنأخُذ مُنعطفاً أخراً على اليمين الى قلب الكهف أكثر و نكمل نحنُ بالأسئلة على العجائب التي تُحيطنا.
مَن هُم الذينَ يسمعون و ينظرون لينقلوا؟ بلايز مَن سأل يطير الى جانبها من دون لمسها من الواضح انه يمتلك القليل من الخوف منها لأبتسم على ذلك.
الوحوش التي تسكُن هنا.
رمشتُ عليها عِدة مرات لا يدخل كلامتها رأسي إلا بعد أن أكملت قائلة.

وحوش محبوسة خلف تلكَ الجدران منذُ ألاف السنين و ترغب أكثر من أية شيء في حياتها بالخروج الى العالم و طبعاً هذا مستحيل بما انها مَحبوسة و مَن حبسها غير موجود.
كيف تعرفين عن كل شيء؟ انا سألت أمشي على يمينها.
حركت رأسها إليّ تقابل عيناي ثم أجابت بِتفاخر
انا لا أحب اكتشاف الأشياء و الأماكِن من دون معرفة الكثير عنها، العلم مُفيد صحيح؟

أومأتُ لها بِنعم من دون تحريك شفاهي أجدها مُحقة. يجب علينا أن نتعلم عن ما نُدخِل أنفسها به أو إن أصَح التعبير عن ما يفيدنا أو يضُرنا.
لا أعلم لِكَم من الوقت مَر و نحنُ في هذا الكهف نمشي فيه لأننا و بعد مُدة وصلنا الى نهاية الطريق أمامنا عن بُعد جدار يغلق الطريق لنتوقف و ننظُر من حولنا لا نرى شيئاً يقودنا الى طريق جديد أو مدخل ما.

أممممم ماذا الأن؟ سأل ريزار يضع كلتا يديه على خصره يتكئ على ساق أكثر من الأخرى.
لقد وصلنا. أجابته هي تنظُر لِلجدار الذي يواجهنا بعيد عنا انتبهتُ الأن أنَ عليه رسمة منحوتة بِشكل دقيق على شكل دائرة كبيرة فيها دائرة أخرى و ثالثة و بداخل الثالثة توجد رسمة قرون و بينها عين بِرموش طويلة لِسببٍ ما أحسستها تحدق بنا.

وصلنا؟ لكن لا شيء هنا و اين الذي يدعى جيكال؟ بلايز طار أمامنا على شكل دائري يتأكد من اننا حقاً قد وصلنا لأنَ لا شيء منطقي.
دُخلاء هنا، فجأة قال صوتٌ عميق من مكانٍ ما قد جمدنا في مطارحنا لأحرك رأسي في كل الجهات أحاول العثور على صاحب الصوت و جسدي في وضعية التأهُب.
مِن اين أتى الصوت؟ سألتُ لا أحَد مُعقد الحواجب.
ما الذي أحضركم الى كهفي؟، عاد الصوت قائلاً بِذلك الصوت الأجَش الداكِن يتخلخَل لِعظامي.

من انت؟ انا سألته أدور حول نفسي.
جيكال، لقد حضرنا اليوم ليس لكي نزعجك لكن نحتاج بعض المعلومات عن أمر مهم و بعدها سنغادر. أخبرته جوينبِر تبدو طبيعية غير مكترثة بأن صاحب الصوت هنا و ليس هنا فأنا لا أراه في أية زاوية أو مكان و لا يوجد منطقة يُمكن التخبئة بها.
اين هو بِحق الإله؟
جوينبِر، هَمس الصوت مجدداً لتومئ هي كأن جيكال يراها.

لقد أحضرتُ معي بعض الأصدقاء أتمنى انهم لن يكون أزعاجاً لك و على ما أعتقد انكَ تعرف أحدهما.
نظرت لي هي بِعينيها تُشير بهم ليَعُم صمت في الأرجاء لا أحد يتفوه بِحرف الصمت كل الذي نعرفه قبل أن يُهمهِم ذلك الجيكال و يقول أقسم مِن صوته عرفت انه يبتسم
الأمير، فالكين لوماريل. لماذا أحضرتِ أميراً إليّ؟
لأنه يمتلك بعض الأسئلة التي قد تقدر انت على إجابتها.

بالطبع يمكنني الإجابة عليها و لكني لستُ معجباً بِذلك صاحب قطعة القماش على عينه، ريزار هِسا، أبن التاجر الكبير فَلديه هالة لا تُعجب جيكال.
ماذا؟ سأل ريزار بِصدمة لترفع جونيبِر يدها تُسكِته.
لن يكون مصدراً مُقلقاً جيكال.
أتمنى هذا.
اين انت؟ انا سألته لا أكُف عن تحريك عيناي في كل منطقة في هذا المكان فَصوته مرةً يخرج من على يميني و مرةً من خلفي و مرةً من أمامي كأنه خلف ترك الجدران يُراقبنا.

جيكال لا يمكن أفشاء مكانه فَهو هنا و في كل مكان. أجابني هو من جديد أشعُر انه مبتسماً أبتسامة ماكِرة.
ما الذي تريدون أن تعرفوا عنه؟ سألنا يُغير الموضوع لأتقدم انا و أقف بِجانب جونيبِر، الشُعلة على العصا تُدفء وجهي و رقبتي.
عن الجثث التي تنتشر في أرجاء عالمنا. رددتُ عليه بِصوت صارم ملكي نادراً ما أستخدمه.
آووههه صحيح، جثث البشر.
إذاً انتَ مُدركاً بِشأنها.
لم يرد عليّ أو يُخرج صوتً لكنه و أخيراً قال.

بالطبع، فأنا أعلم الكثير عن كل ما يخطر في بالك.
أخبرنا بالمزيد.
هَمهَم هو صوته يَهُز من كياني.
لقد بدأت في أسليرا على ضواحي المملكة هناك، بدأ كل شيء و انتشرت الى ممالك أخرى.
ممالك غيرها؟ رفع ريزار حاجبه بِتفاجئ لأعيد تركيزي على لا شيء و اسأل جيكال
و هل فالينيا على القائمة؟
لا، ليس بعد فالشخص ذكي يتصرف بِحذر.
ماذا؟

عن ماذا يتحدث و من هذا الشخص الذكي؟ ربما العقل المُدبر لأني لطالما تساءلت بأنه هنالك مَن يُخطط لكل شيء لأنه لو كانَ مِن عمل الوحوش و الحيوانات لعرفنا على الفور لكن الحيوانات لا تترك خلفها كل شيء، فَهي تقتل لتأكُل.
مَن هو العقل المُدبر و راء كل هذا؟ سألته أشابك يداي عند صدري أتعب من كثرة تحريك عيناي لأثبتها على تلكَ العين في داخل الدوائر مع اني أعلم انه ليس خلف ذلك الجدار و أن الرسمة مُجرد ألهاء.

صعب القول، أما مملكة البحار ليست على القائمة لأنها مملكة مفتوحة وَضع الجثث عند الساحل أو بداخل المياه غير مُمكن.
صحيح، انها مملكة صعب الدخول اليها أو إيذائها فأنها بِعمق البحار و ساحلها مفتوح يقدرون حُراس المملكة معرفة مَن يقف عليه و ما يفعله. لهذا انها بأمان و غيرها ليس كذلك.
هل وصل الحَد الى الممالك الأخرى؟ انا سألته.
ليس بعد هنالك كلام يدور بين كلام ولكنه ليس مؤكد، بعد.

يبدو أنَ كلمة بعد كلمته المُفضلة فَهو يُكررها باستمرار مع كل جملة مِما يجعل فهمه مشكوك لا أعرف ما أصدق.
ماذا يجب علينا فعله لكي نمنع مِن ازدياد الحوادث؟ سألته جوينبِر تنضم لِلحديث.
أخرج جيكال صوتً أعمق على ما يبدو انها قَهقَهة من نوع ما، ساخِرة؟ مستهزأ؟ أو ضاحكة فقط فأنا لستُ أدري.
عزيزتي جوينبِر، انها ليست حوادث بِكل تأكيد.

أخبرنا ما هي و ما يجب علينا فعله لكي نوقفها و نوقف مَن هو خلفها. قلتُ مِن بين أسنان مُطبقة على بعضها.
نبرتك لا تُعجبني سمو الأمير فأحذر،
أخرجتُ زفيراً من فمي أفُك أزرار الغطاء فَلقد بدأتُ أشعر بالحر و بِنفاذ الصبر فَهو يتكلم بِبطء و غموض يجعلني مُختنق.
كالذي يجاوب بِكلمتين على كل سؤال، نعم و لا، و هذا يجعلني أريد التهجُم على أحَد و تكسيره حتى يبدأ بالتكلم بِشكل أفضل.

لا حَل لدي لكم من أجل المشكلة فأنا لدي معلومات و ليس حلول. قال جيكال يوضِح الأمر الذي نسيناه، حسناً هنا انا لا ألومه.
كيف نعرف انه لن ينتشر كالداء الى باقي الممالك مثل أريزو؟
هَمهَم مرة أخرى بِتفكير قبل أن يُجيب
لكل ثغرة فاعلها، و لكل مشكلة حلها إلا التي تنشأ لكَ لكي تُديرها بِنفسك فَكُن سيدها و شاور خبيرها.
.
.
.
ما هذا الأن؟ كلام مِن كوكب أخر و أحجية ما؟

بدأتُ أندم على تضّيع وقتي على هذا الشخص المجهول الذي يختبئ خلف الجدران يتكلم بطريقة لم أسمع أحداً يتكلم مثلها عدا كاغوا ولكن هذا اسوأ منه.
هل لكَ أن توضح ما تعنيه بالضبط؟ سألته جوينبِر تبتسم بأحراج تَحُك رأسها من الخلف.
لقد انتهى وقتكم هنا و انا اريد مالي. رد عليها بِتغطرس لأشقلب مُقلتاي أهُز رأسي، لقد توقعتُ ما قاله، كل مَن هم مِن أمثاله يفعلون نفس الشيء.

بالطبع. قالت هي تتقدم الى الجدار الذي أمامنا تُخرج من جيبها صُرة مال لون القماش قرمزي كلون الدماء لتُلقي بها على الأرض تتبعثر بعض القطع الذهبية منها تلمع في هذا الظلام.
انه المال الذي أعطيتها إياه بعد أن علمت انها سوف تدفع هي لهذا الشخص الجَشِع لكني رفضت و أعطيتها تلكَ الصُرة بما انني أسبح بالمال لكوني من عائلة ملكية على الأقل سأستخدمه هذه المرة.
و ربما يُفيدنا مع انني أقول العكس.

جميل لِلغاية. هَمس جيكال بِبطء أحس انه يقف خلفنا يحدق بتلكَ القطع الذهبية بِعيون يُنقِط منها الطمع.
لن تخبرنا معنى الأحجية صحيح؟ ريزار سأله يتنهد بِأحباط.
مع الأسف، لكن فكروا جيداً فأنتم ثلاثة و رابعكُم لا بأس به.
علمتُ على الفور أنَ الرابع هو بلايز الذي لم يُصدر صوتً منذُ أن بدأ جيكال بالتحدث.
لما تحتاج المال على اية حال؟ فأنتَ لا تغادر الكهف. انا سألت بِفضول صغير في صدري.

لدي أسبابي الخاصة سمو الأمير.
حسناً، نحنُ سَنُغادر، شكراً لكَ على المساعدة جيكال. أخبرته جونيبِر تلتفِت لكي تعود و تسحبني مِن ذراعي معها لأنني حاولتُ فتح فمي من جديد لكي اسأله أكثر.
لاحقاً. تَمتَمت هي من بين شفتيها لي بِنبرة منخفضة لأصمت و أكمل الطريق بِنفسي.

لنعود الى بداية الكهف نُدير كلام جيكال بأدمغتنا طوال طريق الى القصر الملكي بتخفي نتناقش ما سمعناه و ما يجول في خاطرنا، نتشارك الأفكار لعلنا نجد الحل.
و طبعاً لا شيء مُعقد هَيّن و نحنُ قد يأخُذ منا الكثير من الوقت لاكتشاف الأحجية التي لم نفهم منها ذرة مع أنَ في صدري أحساساً يقول العكس و أنَ الأحجية سهلة ولكنا لم نستوعبها بعد.

ذلك الأحساس الذي أمتلكه لم يُخطئ يوماً لهذا وثقتُ به و أكملتُ عملي بالتفكير مع الوقت سوف أدرك كل شيء فَهذا ليس مستحيلاً.

وقفتُ منحني الظهر على شُرفة إحدى ردهات القصر أحدق بالشجرة في الحديقة الجانبية أكواعي على الحافة و أصابعي مشابكة بِبعضها الهواء المنعش الخاص بالصباح الباكِر يُحرك شعري و يُفَضفِض ملابسي بِرقة.
صوت الخدم و العمال في الأسفل لا يُضاهي قوة الاسئلة كالأعصار في رأسي تتضارب مع بعضها كُلما فكرتُ بالأحجية و كُلما سألتُ نفسي إن ما حقاً مملكة فالينيا في أمان ليَتبعني صوت جيكال بِكلمة واحدة:
ليس بعد.

تنهدتُ أغلق عيناي لِلحظة أحاول تهدئة ما بِرأسي و السماع زقزقة العصافير في أعالي السماء و الأحاديث من دون الاهتمام لمعناها و ما هي أصلاً و فقط كي ألُهي نفسي لأنَ ألماً في رأسي ظهر يُرَحِب بي ليشاركني اليوم الجميل.

ما الذي تشرد به؟ فجأة وُضِعَت يَد على ظهري لأحرك رأسي الى الخلف أرى فينار تقف بِشعرها الأشقر المضفور على جِهة من صدرها ترتدي فستاناً أبيض و أخضر فاتح بأكمام طويلة، لقد لاحظتُ انه نوعها المُفضل من اللباس.
وقفت هي بِجانبي تتكئ بِذراع على حافة الشُرفة تحدق بوجهي بِعيون مُضَيّقة كأنها تحاول قرأتي.
لقد ناديتُك لكنكَ لم تسمعني. قالت هي.
أعتذر لم أسمع بِقدومك.

ما الذي يوجد هنا؟ وضعت أصبعها السبابة على جانب رأسي لأبتسم أحنيه للأرض لكي أخلق موضوعاً ليس له علاقة بالذي يُشغل بالي فَلا اريد أعطائها صُداع كالذي لديّ.
لا شيء مهم،
هل توَد مشاركته؟
هَززتُ بِرأسي مُجيباً بِ لا لِتُهَمهِم هي لا تدع عيناي، نظرتُ انا على الحديقة مجدداً.
لدينا هذه الأيام حمل أثقل من الذي سبقه بعد مشكلة لايتا و مملكته و لكن على ما أظُن أن ما لديك مُختلف. هي قالت بِتفهم.

لم يكُن سؤالاً لكني أومأتُ بِرأسي قائلاً
انه شيء يجعلني محتاراً يفقدني الحس مِن حولي و لستُ أعلم تماماً ما مُسببه.
ستجد المُسبب إن فكرتَ بِطريقة غير مَنطقية، أحياناً تعثر على الحل هكذا، فالأشياء التي ليس لها معنى بِحق حلولها غير مَنطقية.
همممم كلامها مُضحك لكنه صحيح نوعاً ما.

لا يمكنك مُعالجة الغير منطقي بالمنطق فَهذا لا يطابق المشكلة من الأساس و انا الأن و منذُ ثلاثة أيام و أفكر بِما جرى من حديث بيننا و بين جيكال.
الأحجية هي أكثر ما يَصيح في عقلي طالباً الشَرح المناسب لها.
لن أطيل عليك بالبقاء و سأدعك بِمُفردك. قالت هي تُرَبِت على كتفي تبتعد عن الحافة لأستدير اليها.
الى اين؟

عمل، أودُ البقاء لكن في الحقيقة كنتُ في طريقي الى مكتبي من أجل العمل و عندما رأيتُك أردتُ الاطمئنان عنك قبل أن أكمل.
آوه. كان كل الذي قلته لتقترب و تُقَبّل وجنتي ثم تلتَفِت و تغادر تتركني لوحدي مع أفكاري المُحبطة أراها تمشي الى نهاية الردهة لتختفي بعدما أخذت منعطفاً.
انها محقة، أنظُر من زاوية مختلفة للأمور فالكين. ظهر صوت بلايز من ورائي لأنظُر له قليلاً ثم أعود لِلتحديق بالحديقة و ما يحدث فيها.

أنظُر من زاوية مختلفة، لعلي أرى الأشياء مُختلفة من مكان لم أقف فيه لأرى من خلاله.

أخذتي ساقاي من تلقاء نفسها و انا أتمشى في ردهات القصر الى ذلك المكان السري الذي لم يُخبرني أحد عنه، الذي بِفضل ملاحقتي لِكانيلا وجدته.
صعدتُ الدرج الحلزوني و كالعادة معي بلايز، فأينما كنت و أينما ذهبت فَهو موجود يُرافقني دوماً و انا في الواقع أعتدتُ عليه و أصبح من الصعب قضاء اليوم من دونه.
مضحك صحيح؟ لم أكُن لأظن يوماً انني سأقول هذا بِداخلي، أبداً.

وصلت الى القمة أو القاعة الكبيرة الشبه عتمة في منتصفها تلكَ الشجرة الكبيرة بِسحرها القوي و هالتها التي أشعُر بها في روحي و على أطراف أصابعي و مِن حولها بركة المياه، نور الشمس يُضيئها من الفتحة في السقف الخاصة لها فقط.
أول ما لاحظته و أحببته، هو الهدوء الجميل هنا، لا مثيل له، في القصر ضجة و لا توجد أماكن يُمكن الاسترخاء فيها إلا و لِظهور مَن سيزعج.

لِدهشتي رأيتُ أحداً يقف عند الشجرة أو امرأة، ترتدي فستاناً من الشيفون الطويل بلون البيج عليه على ما يبدو نجوم ملونة مع وشاح من نفس القماش يُغطي كتفيها.

ظهرها لي لهذا لم تنتبه لِقدومي مع أنَ جزمتي السوداء تُصدِر صوتً على الأرضية الرخامية كُلما خطوت خطوة نحوها، يبدو انها هي ايضاً ضائعة في عالمها.
انا أحِب هذا المكان. قال لي بلايز فجأة يَطير أمامي قليلاً أعلم أنَ عينيه على الصغيرة، تطير فوق غصن شجرة تلعب بِورقة مِن أوراقها الساحرة.
ظهرت بسمة جانبية على شفتاي لأضيف انا أنظُر على ظهر مَن تقف بعيدة عني تتمعن بالشجرة
و انا ايضاً أحبه.

لا يوجد أحدٌ أخر غيرها و إكسانا هنا. في المرة السابقة كانت معنا خادمة تهتم بِالقاعة أما اليوم لا كائن أخَر.
عندما وقفتُ جنبها من دون التفوه بِكلمة رفعت هي رأسها بِحركة خفيفة تنظُر لي لأبادلها النظرات مُبتسماً حتى تعيدها لي بِواحدة دافئة عينيها المائلة للأحمر تلمع.
أعادت نظرها على الشجرة تراقبها كما كانت تفعل قبل أن أتي اليها لأفعل مثلها أضَع يداي في جيوب بنطالي الأسود.

ما الذي أحضر سمو الأمير الى هنا اليوم؟ هي تساءلت نعومة صوتها تجعلني أفكِر إن كان مُمكناً لمسه عندما يخرج من فمها.
هنا عثرتُ على الهدوء و السكينة و الأجواء مُختلفة لِهذا أتيت لعلي أنظِم من أفكاري.
تبدو مُشوشاً.
أخرجتُ قَهقَهة صامتة من حلقي لأومئ مرةً أوافقها.
الكثير ما يشوشني.
يبدو انكَ لا تريد التحدث بالأمر إن كانَ تخميني صحيحاً.

أشحتُ بِعيناي عليها لِلحظة سريعة أرى جانب وجهها المثالي ثم عدتُ لأحدق بالبركة أرى الأوراق المُتساقِطة من الشجرة تسبح على سطح المياه الرقيقة بِأشكال بطيئة.
هذا ما أخبرتني به فينار قبل لحظات. قلتُ لها أذكُر كلام فينار و انني لم أخبرها عن ما يُشغل عقلي فَلا أريد أخبار أحَد بعد حتى انا لم اُعلِم فالين بعد لأنه ليس الوقت المناسب.

لستُ أدري ما يجب عليّ فعله، انه أمر مهم و لا يمكن التهرب منه. أكملتُ أفَضفِض عن كل ما هو ثقيل فوق صدري أشعر بالضيق إن لم أتحدث و لو قليلاً.
مع اني شخص لا يُحب التكلم جداً أو الأفصاح عن ما يزعجني أو يحزنني إلا إذا كانَ حملاً يقتلني و هذه المرة أخَف من أية مرة لهذا لم أخبرها و لا أعتقد انني سأفعل قريباً.

أحياناً أخفاء الأشياء عن الجميع يكون لمصلحتهم أكثر من أعلامهم بها حتى و لو كان يتعلق بهم أو لهم شأن.
الشخص بالعقل السليم يعرف ما هو الصح و الأصَح عندما سيختار الأصَح فَهو أعلى مَن سابقه و قد يكون مفيداً بِشكل أكبر. كما لوجود الصح و الخطء، يوجد الصح و الأصَح في الحياة، فَهي تعطينا خيارات كثيرة في مواقف عديدة.

و من مسؤوليتنا أن نختار ما يناسب كما تعطينا، فَهي لا تُلقي بأشياء علينا بِلا سبب، لكل حدث سببه و علينا حل لغزه.
إن كانَ أمراً محيراً أو صعب حله فَهنالك طُرق كثيرة لِسلكها، قالت كانيلا ترجعني مِن فُقاعة أفكاري عن نفسي لأنظُر لها أجِدها تبعد خصلة من شعرها الطويل الى خلف أذُنها.
تظهر أذُن مُدورة صغيرة، بشرية بِعكس التي نمتلكها نحن، طويلة و مُدببة عند النهاية هذا ما نملكه نحنُ الجنيات.

ما هي الطرق التي يجب أن نسلكها؟ انا سألتها أرجع لِلحديث.
هَمهَمت هي لِثانية ثم ردت
تخيل نفسك تقف في دائرة و من حولك اتجاهات مختلفة عليك أخذ واحد منها.
هذا صعب. أخبرتها ضاحِكاً أتخيل ذلك.
أزاحت تلكَ العينين الكبيرة عليّ بسمتها الدافئة لا تزال على شفتيها الممتلئة.

صح ولكن فقط تخيل أنَ بداية المشكلة هي الدائرة التي تقف عليها، بدأتَ منها و لديك عِدة طُرق فيها الحلول لكنك تريد الأفضل منها، توقفت لِلحظة عن الكلام تَحُك المنطقة بين رقبتها و كتفها المُغطى، عيوني تراقب الحركة لتُكمل هي
و مع ذلك لن تقدر لأنكَ لا تعلم نهاية كل طريق لهذا تأخُذ أول ما تحُط عيناك عليه مثلاً. و في كل خطوة تأخُذها فيه تدرس التي قبلها حتى تصل لِلنهاية عندها سَتُدرك ما لم تدركه في البداية.

كلامها واعِظ فيه حكمة جميلة جعلتني أشرد بها أتعمق بِكلام جيكال و خاصةً عن الأحجية التي ألقاها علينا و أخَذ ماله يتركنا ضائعين كالأطفال في السوق لا يعرفون اين والدتهم لأنَ الحلوى ألهتهُم عنها.
انتِ محقة لكن ما أخوضه، كالأحجية قِطعها غير مُركبة.
انا لا أعرف مستوى تعقيداتها لكن بعض الأحيان قد تكون سهلة لِلغاية لكن لكونها أحجية تراها صعبة حتى قبل أن تبدأ بِحلها رويداً رويداً.

لكل ثغرة فاعلها، و لكل مشكلة حلها إلا التي تنشأ لك
لكي تديرها بِنفسك فكن سيدها و شاور خبيرها.
ما الذي كان يعنيه بِقوله؟
لكل ثغرة فاعلها: يعني أن الجثث لها فاعل فَهي الثغرة، حسناً هذا مفهوم.
لكل مشكلة حلها إلا التي تنشأ لك لكي تديرها بنفسك: لكل مشكلة حلها قول معروف و شهير بين الجميع ولكن التي يتبعها تعني: التي تنشأ لكَ بالذات فيه مسؤوليتك لِحلها.

و أخيراً، فَكُن سيدها و شاور خبيرها: هنا انا لم أفهم ذرة.
انا سيد المشكلة التي نشأة لي لكن من خبيرها؟
خبيرها يعني أن هنالك شخصاً أخراً خاض التجربة و يعرف بها كالمُحترفين؟
هذا ليس منطقي فَلا مشكلة مشابهة لها مهما فكرت بالأمر و في الماضي. حوادث جثث بشر أو مشاكل تتعلق بهم، لا أثر أو وجود لها من الأصل و لو كانَ ذلك حقيقياً لسمعتُ عنها بما أنَ الأخبار السيئة تصل لِلملوك و القصر الملكي أولاً.

المشكلة بدأت في مملكة أسليرا على ضواحيها بالذات و ليس في قلبها، هذا يعني أنَ ريس ليس له علم حتى.
لم يُخبره لوثر الى الأن كما خططنا. ثانياً، الجثث ظهرت ايضاً في غابات مملكة أريزو و هي مملكة الغابات و كل ما هو أخضر.
فَهل لِتيريان عِلم بها؟
شاور خبيرها...

تيريان؟ هل تيريان هو الخبير؟ انه ملك أريزو و غاباته تُخبره عن كل شيء يحدث فيها لأنَ لديه صِلة بينه و بينها ربما كانيلا مُحقة درسها بالتفاصيل أوصلنا الى ما لم أتوقعه ابداً.
التفتُ اليها مندهشاً لدي رغبة بِمُعانقتها لكني لم أفعل طبعاً فقد تصفعني أو تقتلني بيديها العارية مع انني لا أعتقد انها عنيفة بتاتاً.
بدلاً مِن مُعانقتها أمسكتها مِن كتفيها و جعلتها تستدير لي بِحواجب داكِنة مُرتبة مرفوعة.

انتِ على حق، انه هو. قلتُ لها لترمش عليّ كأنها لم تفهم اللغة التي أتكلمها لكنها ابتسمت أكثر بعدما تركتها أخُذ خطوة الى الخلف.
سعيدة انني ساعدتك و لو قليلاً.
فعلتِ ما هو أكثر.
ظهرت أسنانها البيضاء على ذلك لتومئ لي بعدها رفعت يدها في الهواء و حركتها تُخبر إكسانا مُرافقتها
هيا بنا لنعود الى الغرفة.

رأيتُ إكسانا تقلب شفتيها للأسفل بِحزن على الرحيل لتطير من على غصن الشجرة و الى سيدتها بينما بلايز ظل يحدق بها يُلَوِح لها بالوداع.
سأراكَ على الفطور. أخبرتني كانيلا.
لا، أبقي قليلاً.
أردتُ قول هذه الجملة الصغيرة لكني ختمتُ على فمي و فَضّلتُ الابتسامة لها.
ثم أخذتُ خطواتها المنتظمة صوت كعبها يُطرطِق على الأرض الى الدرج و خارج القاعة.

رجعتُ أحدق بأوراق الشجرة المُتطايرة من حولها بِحركات بطيئة من اليمين لِليسار و للأسفل نحوى المياه أو الأرضية.
أمسكتُ انا بِواحدة في الهواء بين أصابعي لِتُضيء لي باللونين، الأصفر و الوردي تُخبرني انني على قيد الحياة أنَ قلبي ينبض في صدري و روحي مُتمسكة بِجسدي.
تيريان.
هو الذي يجب أن أتشاور معه ولكن لفعل ذلك يجدر بي رؤيته و كيف لي أن أراه؟ حسناً بِبساطة، السَفر الى مملكة الغابات هو الحل.

علي طاولة الفطور الطويلة في إحدى قاعات القصر الملكي جلس جميعنا مع فالين نتناول الفطور ولكن في هذه اللحظة الجميع يحدق بي، أجلس بين فينار و ريزار على الجهة اليُسرى لفالين.
يحدقون بي لأنني أخبرتُ فالين عن كوني أرغب بالسفر الى أريزو و لأنَ كلامي فاجأه تجمدت يده التي تحمل الملعقة فيها الطعام أمام فمه.
مملكة اريزو؟، من اين خرج هذا فجأة؟ سألني هو يضع الملعقة بِخفة على جانب طبقه.

بلعتُ انا اللقمة التي في فمي ثم مسحتُه بِطرف المنديل.
لدي بعض الأصدقاء هناك و أوَد رؤيتهم لقد مَرت فترة و بما أنَ لا عمل لي في القصر ظننتُ انها فكرة جيدة.
لكنها بعيدة جداً، قد يأخُذ منكَ الطريق أكثر من أسبوع. أضافَت فينار تُرجِع بِظهرها على كرسيها تضع ساقاً فوق الأخرى.
أعلم و مع هذا لا أمانع السفرة.
هَمهَم فالين يشرب المياه من كأسه الذهبي المُرصع بالألماس.

إذا كانَ هذا ما سيُمتعك فَلا بأس بالطبع باستطاعتك الذهاب فأنا لستُ بِوالدك لكي تطلب السماح.
أخبارك شيء مهم.
أومئ هو بِتفهم و شُكر ليفتح فمه و يقول
بما انكَ سوف تذهب الى المملكة اريد منكَ أن توصل شيئاً ضرورياً الى تيريان فَهل ستفعل هذا من أجلي؟
عقدتُ حواجبي اتساءل مع نفسي عن ذلك الشيء الضروري لكني أومأتُ له بِرأسي موافقاً ليُخبرني بعدها بِمُقابلته قبل مغادرتي المملكة في غرفته.

جعلني فضولياً أكثر عن ما هو ضروري لكن حبستُ رغبتي بالمعرفة و قضيتُ باقي أيامي أتناقش مع ريزار عن ما أكتشفه و تَخطيطنا لِلسفر الى أريزو فَكما ذكرت فينار الطريق بعيد لِلغاية حتى أبعد من كاداري لأنَ أريزو أسفلها تماماً.
دروس الرقص أكملتها بِنفسي أعَلِم الفتيات كل شيء و أقضي وقتاً جميلاً معهم انهم لطيفات و مُحترمات لديهم حِس فكاهي و يعرفون كيف يُلَطِفون الأجواء إن كانت كالغيمة السوداء.

و المزيد من الوقت في الحديقة أتحدث مع جوينبِر التي أرادت القدوم معي الى أريزو لكني رفضت قائلاً أنَ لديها واجب هنا في القصر يجب عليها الاهتمام به و إلا سوف تُطرد من قِبَل الملك و غير ذلك الأمر لا يتعلق بها فَلا شأن لها بما سيحدث لاحقاً.
لقد ساعدتنا و انا ممتن لها لكن تَدَخُلها سيُسَبِب لها المشاكل و هي لا ينقُصها على عاتقها عائلتها.

بعد مرور الستة أيام وقفتُ انا أعَدِل من معطفي الأسود أمام باب غرفة فالين المَحروسة. صَفيتُ حلقي أرَطِب شفتاي ثم طرقتُ الباب مرتين مُنتظراً السماح بالدخول.
سمعتُ صوت فالين يقول أدخل لأفتح الباب و أدخل أغلقه خلفي بِهدوء.
رأيته جالساً على مكتبه القريب من سريره الكبير يضع ورقة ذهبية في ظرف أبيض ليَلعق طرفه بِلسانه و يغلقه.

تعال فالكين. أمرني هو يُشير على الكرسي مُقابل مكتبه لأذهب و أقف لا أجلس فَلدي عمل اريد أكماله بسرعة قبل رحيلي غداً الى أريزو مع ريزار.
خُذ هذه الرسالة مني. رفعها بيده لي لأحدق بها مُحتار ثم تذكرت انه ينتظِر مني أخذها، لأمسك بها.
ما هذه؟
سِر، لن أقدر على أيصاله بنفسي الى تيريان لهذا انت الخيار الأفضل لي مِن الرسول الخاص بي.

فالين لن يستطيع رؤية تيريان في مملكته بِسبب مايكا فَهُنالك مشاكل بينه و بين تيريان. انها قصة طويلة و مُحزنة و أحَد أسباب قدوم مايكا الى فالين لكي يُصبح مُستشاره الشخصي.
عمل على ما أعتقد. تَمتَمتُ أضع الظرف بِداخل معطفي.
انه كذلك.
لا تقلق سوف أوصله الى أيادي تيريان بأمان.
ابتسم لي يُشابك أصابعه النحيلة بِبعضها فوق الطاولة ليقول
أعلم ذلك، فأنا أثق بك.

عَم صمت بيننا قصير كلانا لا يقول شيئاً لأرى أن هذه إشارة بالمغادرة.
أممم بما انك لم تَعُد تحتاجني بِشيء، سوف أعود الى عملي بِتوضيب أغراضي إن لم تمانع.
بالطبع بالطبع سوف أراكَ بالأرجاء.
أومأتُ له بِرأسي ثم استدرت و غادرت غرفته أشعُر بِالظرف قريباً من صدري بما انني أخبئه في معطفي، يهتز كُلما مشيت لوحدي مع بلايز في الردهة الى غرفتي.

انا حقاً متحمس لِلذهاب الى أريزو، لم أزور تلكَ المملكة لِسنوات و كَغيرها انها ساحرة على حسب ما أتذكره و ربما هنالك ما تغير فيها منذُ أخر مرة أريتها. العيب الوحيد في أريزو انها ممطرة، المطر فيها لا يتوقف و يعرف الراحة.
دوماً مُبتلة و الطين يملئ طرقاتها عدا بداخل المملكة أو المدينة بالأحرى، فَهي تُنَظَف كل فترة كي يُحافظوا على أرواح مَن يمشي فوقها، الكثير كانَ مَن يسقط أو يتزحلق و يكسر عظمة ما.

آوه، يبدو انني حقاً أتذكر تفاصيل كثيرة عنها مع انني كنتُ صغيراً عندما زرتها مع ريس و تاليا.
سمو الأمير! أوقفتني ساقاي عند سماعي صوت المألوف قادم مِن خلفي.
سمو الأمير انتظِر! عاد الصوت الأنثوي يقول لأتبادل النظرات مع بلايز الذي أستدار الى الوراء قبلي لأفعل انا المِثل.

كانيلا. انها تمشي بِخطوات سريعة نحوي مُمسكة بِفستانها لكي لا تخطو عليه و تقع و معها طبعاً مرافقتها ذات الشعر البرتقالي التي أضاء وجهها فور رؤيتها لِبلايز.
كانيلا ما الخطب؟ سألتها بعد توقفها مواجهةً لي تسحب أنفاساً مُتقطعة كأنها كانت تركض إليّ.
هل كانت تركض و انا لم أسمعها لكوني أفَكِر بِمملكة أريزو؟
لا خطب، انا، فقط، انتظِر أرجوك. رفعت أصبعاً تنحني ايضاً لتأخُذ نفساً عميقاً تُنَظِم فيه نبضات قلبها.

أنزاح إثر انحنائها الوِشاح الذي يُغطي كتفيها عنهم قليلاً يكشف جلد ناعم خالي من الشوائب على كتفها الأيمن خُلد (شامة) صغيرة بنية اللون أما على اليسار...
رأت عيناي طرف شيء ما لونه أسود انه إما خَط مائل أو لستُ متأكِد لكني متأكد انه يوجد سواد على جلدها لكني لم أقدر على رؤية المزيد بما انها استقامَت بِظهرها تُرجِع الوشاح لِكي يُغطي كتفيها.
بلعتُ ريقي عندما رأتني أحدق.

هل لي بِطلب منك؟ سألتني هي صدرها الأن يرتفع و يهبط بِشكل طبيعي بعد أن استعادة تنفسها.
رفعتُ عيناي مرة أخرى على خاصتها لأقول
نعم تفضلي.
كما تعلم انتَ أخبرتَ الملك فالين بِرحلتك الى أريزو،
لم يكُن سؤالاً بالضبط لكني أومأتُ لها بِصحيح، لتتابع هي
كنتُ أفكر مُطولاً، بِكلامك عن الرحلة المُفاجئة و انا أعني إن لم تكُن تمانع، اريد الانضمام لكَ بالذهاب الى المملكة.

رمشتُ عليها بِجفوني عِدة مرات لا أحَرِك فمي كأنني نسيتُ كيف أتحكم به.
الانضمام؟
نعم، مجدداً إن لم تكُن تمانع، فأنا في الحقيقة لطالما أردتُ الذهاب لكني لم أقدر لأنَ مايكا لا يَسمح لي بالذهاب لوحدي و هو لا يقدر على مُرافقتي بِسبب ما جرى في الماضي بينه و بين تيريان.

باختصار القصة التي لن أتحدثها عنها لكونها غير مهمة و طويلة، تيريان يَمنَع مايكا مِن دخول مملكته لأسباب عديدة إلا إذا كان الأمر مهماً ك َالمرة التي دخلها في الحرب الأخيرة بين شادونايت و أسليرا.
استثناءً كانَ قد أعطاه الملك تيريان لِمايكا كي يدخل أراضي مملكته حتى يساعد فالين الذي كانَ يُساعد ريس في الحرب.

غير ذلك، ممنوع منعاً باتاً دخولها لأغراض المرح و التمتع و انا أتفهم الأن سبب طلبها مني القدوم معي، أقصد معنا.
إن كانَ هذا ما تتمنينه فَلا مشكلة، انتِ مُرحب بكِ، انا و ريزار مَن سنذهب فقط و لا أحَد غيرنا لهذا لن نُمانع شخصاً ثالث.

لم أرى في حياتي التي تعرفتُ عليها فيها بسمتها المُشعة التي ترسُمها الأن على وجهها الجذاب. انها بسمة عريضة مُشابهة لِلضحكة من دون صوت، أسنانها اللؤلؤية ظاهِرة و عينيها أصبحت صغيرة تختفي خلف جفونها و رموشها الكثيفة.
لا إرادياً عثرتُ على نفسي أبتسم كالأحمق الذي لم يرى أحدهم سعيداً. بدت يافِعة أكثر مِن ما هي عليه كأنها في عمر الثامنة عشر مع انني لا أعرف عمرها ابداً.

إحدى الأشياء التي لم اسألها عنها من قبل.
لو كنتُ أعلم انها سَتسعَد بِموافقتي على الرحلة معنا لكنتُ واقِفاً أمام باب غرفتها أحمل لها الخبر قبل أن تُفَكِر فيه حتى.
أحلام العصر.
انا حقاً ممتنة لكَ سمو الأمير، لا تعلم كَم كنتُ أتوق لزيارة أريزو و رؤية سيري و أبنها.
ماذا، انت تعرفين سيري؟
أومأت هي مُجيبة.

تعرفتُ عليها عندما دخلتُ مملكة أريزو في أول يوم لي في هذا العالم، لقد وضعني تيريان تحت جناحه حتى تعرفت على مايكا.
سيري هي خليلة تيريان و لديهما طفلاً أو بالأحرى أبن ناضجاً الأن بِما انه أصبح شاباً في التاسعة عشر من عمره و الأمير المُختار لِلعرش من بعد أبيه حتى و لو هو الأبن الغير شرعي له، تيريان لا يؤمِن بالزواج، على الأقل ليس مِن بعد نيفاري.

هذا جيد جداً لم أكُن أعرف عن الموضوع يوماً. قلتُ لها حقاً مَصعوق. لاحظتُ انني مهما ظننت انها تتفتح لي و أسرارها تطفوا من حولها لأتحول لِلمُخطئ بسرعة.
انها كما وصفتها مرات كثيرة، بِصندوق الأسرار العملاق.
بما انكَ وافقت، انا سوف أذهب و أستعد أعتقد أن الرحلة تبدأ غداً صباحاً؟ قالت هي لا تزال البسمة كَشروق الشمس على وجهها.

نعم باكِراً جداً لأنها طويلة فَخُذي ما تحتاجينه لمدة أسبوع معكِ نحنُ لن نبقى في أريزو لمُدة أطول.
مفهوم. أشارت لِإكسانا و هي تعود أدراجها من الجهة التي أتت منها تنظُر لي بِحماس ثم التَفَت و ذهبت مسرعة على ما يبدو الى غرفتها.
انها لطيفة. سمعتُ بلايز يقول من ورائي لأستدير له مُضَيّق العينين عليه.
هل أعدت عينيك عليها مجدداً؟
لم يُجبني على الفور كما لو انني سألته سؤالاً صعباً لكنه هَزة رأسه و برر كلامه.

انا كنتُ أعني إكسانا، البشرية مُرتبطة و مَن يكون مرتبط لا يثير اهتمامي.
ليس كأنها سوف تكون مهتمة بك أصلاً، الم أخبرك كثيراً أنَ الأقزام لا تناسب العَملاقة؟
و المُرتبطين لا يهتمون بَمَن هُم وحيدين.
حدقتُ به يطير بعيداً عني بِعدم اكتراث لأرص على أسناني أتمنى لو أستطيع الأمساك به و رميه في أقرب سلة قمامة أو ربما لِلكلاب الملكية فَهي دائماً جائعة و تأكل كل ما يُلقى لها.

ولكن جملته الأخيرة لاحقتني الى أن وصلنا لِلغرفة و داخلها و ظلت في زاوية في رأسي تنغزني و انا أرتب أغراضي في الصناديق التي سوف أخذها معي.
تُعيد و تكرر نفسها بِصوتي انا و ليس بلايز حتى حَل المساء و نمت عليه.
انه مُحق، المرتبطين لن يهتموا بالوحيدين و على الوحيدين أن لا يهتموا بهم ايضاً فَلن يأتيهم غير الألم و سَتصيبهم ندبات في قلوبهم يصعب أخفائها الى الأبد أو تجاهلها.

-كانيلا-
لم أكُن لأخمن انه سيوافق على أحضاري معه الى أريزو ولكن أملي الصغير الذي حملته معي اليه كَبِر و الأن ها انا أعود متحمسة بشكل كبير الى غرفتي لكي ابدأ بِتوضيب ما أحتاجه لأخُذه الى المملكة و ايضاً سأخُذ معي هدية لِسيري و أبنها الوحيد فَلقد مرت أكثر من خمسة سنوات منذُ أن رأيتهما.

فتحتُ الباب و دخلت مسرعة لكي أخرِج الصندوق من أسفل سريري حتى أفتحه ولكن تجمدت أصابعي على قفله عندما تذكرت أحداً فقد نسيتُ أن سأله في البداية.
تنهدتُ بِشدة لا أصدق انني نسيته و الأن بدأ ذلك الأمل بالتلاشي كما يتلاشى الدخان في الهواء.
مايكا.
انه حساس جداً بِشأن الموضوع و لا يُحِب عندما أتحدث عنه أمامه و له، لهذا لمُدة خمس سنوات لم أفتح فمي و أسأله إن ما سيسمح لي بالذهاب لوحدي الى أريزو.

حتى و مع وجود راث، حارس الشخصي، يرفض.
ما المشكلة سيدتي؟ سألتني إكسانا تلاحِظ تحول ملامح وجهي من السعيدة الى الخائبة للأمل بِثوانيٍ.
رفعتُ رأسي اليها أتكئ على الصندوق جالسة فوق الأرض و الفستان مَفرود من حولي لأضع جبيني فوق أذرعي أخبئ وجهي بهم.
لماذا لم تذكريني بأخبار مايكا أولاً؟ سألتها بأستياء و نبرة مُنخفضة حزينة.
سمعتُ أصوات جناحيها تتحرك و أحسستُ بها تَحُط على الصندوق قريبة من ذراعاي.

آوه، انا حقاً أسفة سيدتي و انا ايضاً نسيت عندما قلتِ انكِ سوف تسألين سمو الأمير أولاً، لقد غلبتني الفرحة.
تنهدتُ من جديد أضع هذه المرة ذَقني فوق ذراعاي أنظُر لِلسماء الزرقاء المُريحة و الغيوم البيضاء فيها عبر أبواب الشُرفة الزجاجية.
لا بأس إكسانا، انا المُلامة. نهضتُ على ساقاي أتجه الى الباب حتى أنادي خادمة رأيتها بالصدفة اسألها عن إن ما رأت مايكا أو الملك فالين.

انا لا أعرف مكانهم سيدتي لكن هنالك خادمة أحضرت الشاي لِجلالته في مكتبه منذُ لحظات.
حسناً، شكراً لكِ. وضعتُ يدي على كتفها ثم أكملتُ طريقي الى مكتب الملك فإن كانَ هو فيه هذا يعني أنَ مايكا معه. كما هو الحال دوماً.
انسة هاندسين؟ فجأة نادى أحدٌ ما اسمي لأتوقف و أرى خادم أذكُر بأنه يُسمى جاك، بشري قادم نحوي يحمل بيده صينية فارغة.
جاك، أهلاً.
الى أين ذاهبة؟
أممم لكي أرى مايكا.

هَمهَم هو لتتوسع عينيه بأدراك لشيء ما قبل أن يقول
إن كُنتِ تعتقدين انه مع الملك فالين في مكتبه فأنتِ تبحثين في المكان الخطء.
رفعتُ حاجباي بِتساؤل ليُكمل هو مُجيباً على السؤال الذي في رأسي
انه في غرفته، لقد كنتُ أوصل له الملابس.
شكراً لأخباري.
أومئ لي باحترام، تجاوزته و اتجهت في ردهة مُختلفة تأخُذني الى خاطبي العزيز الذي لسببٍ ما لا يُرافق ملكه اليوم.

وصلتُ الى باب غرفته بني اللون مَنحوت على شكل دائرة بيضاوية و منحوت كذلك بعض العروق و غصون شجر يُذكرني بِكونه من مملكة أريزو فَهذا أصله قبل أن يعيش هُنا كواحد من الفالينيين.
دققتُ على الباب بِتوتر أشعر بِنبضات قلبي في رأسي و كل جسدي لينفتح الباب بعد مُدة قصيرة يظهر لي مايكا عاري الصدر يرتدي فقط بنطاله الأسود و جزمته التي تصل لأسفل ركبتيه.

شعره الطويل مُبتل و هنالك القليل من المياه على رقبته و صدره العضلي، عضلاته ليست بارزة لكن يمتلكها و لديه جسد جميل و متناسق يختلف عن الباقي فَهنا أغلبيتهم مليئين بالعضلات المفتولة أما مايكا فَلا. و على ما أرى انه كانَ يستحم.
أتمنى انني لم أقاطعك. قلتُ له بدلاً من الترحيب ليفتح لي الباب أكثر يدعني أدخل ليُغلقه خلفنا.
لا، لقد انتهيتُ منه. رد عليّ يذهب الى سريره لكي يأخُذ قميصه البني و يرتديه.

ذهبتُ انا بسرعة له أمسك بِأطراف القميص و أغلق الأزرار بدلاً عنه أفكر بِنفس الوقت بِكيفية التحدث عن الموضوع الذي يجعلني متوترة و ماذا يجب قوله لكي لا أجلعه يرفض مِن الكلمة الأولى.
هل أتيتِ للاطمئنان أم لِغرضٍ أخَر؟ سألني أعلم انه يشعُر بِتوتري.
اللعنة على قدرة الجنيات في الشعور بِمشاعر غيرهم و خصيصاً البشر نحنُ لدينا هالة تَصلهم بِسهولة و بما انني قريبة منه أكثر، قرأني كالكتاب.

أكملتُ انا أغلق أزرار قميصه بِبطء من دون النظر له.
لدي ما أخبرك به و أتمنى أن تسمعني لِلنهاية قبل الإجابة.
لم أقابل عينيه بل ظللت مركزة على عملي و مع ذلك، أعلم انه يحدق بي مُضَيّق العينين، تعبيراً أخراً له نادراً ما يضعه على ملامحه الحادة أمام غيري في حياته فَلا أحَد غيري و فالين رأيناه يضع تعابير مختلفة عدا تلكَ المُثلجة أكثر من الثلج ذاته.

هذا الطلب قد لا يُعجبك على الفور لكن أرجوك تفهمني و أنظُر من منظوري انا هذه المرة. أكملتُ شارحة ليُمسك بِيداي يوقفهم عن أكمال العمل.
رفعتُ رأسي اليه كما قلت، عينيه الداكِنة مُضَيّقة عليّ يحاول معرفة ما أفكر به قبل أن أتفوه به.
أخبريني،
بلعتُ ريقي أعض على شفتي السُفلية أرى بِطرف عيني إكسانا واقفة فوق تسريحته يديها مُكَورة بِتشجيع لكي أخبره.

لقد سمعت الأمير فالكين و خططه لِلذهاب الى أريزو، و انا فكرت مئة مرة، لا بَل أكثر من ذلك و أوَد مرافقته الى هناك.
في نهاية الجملة، انتظرتُ ردة فعله و إن ما سيَهُز رأسه بِرفض كما كانَ دائماً يفعل كُلما فتحتُ الحديث معه لكن هذه المرة ظل صامتاً لا يتحرك. أخذتُ الفرص الوحيدة بالاستمرار أمسك وجهه بين يداي.

هذه أمنيتي فأنا أشتاق لِلشخص الذي ساعدني و أهَتم بي في أوائل أيامي في هذا العالم و اريد رؤيتها انها صديقة لي و انتَ تعلم كَم من الصعب مُصداقة أحدهم هنا.
لكنكِ تمتلكين تلكَ الساحرة و حقيراتها.
زفرتُ الهواء مِن فمي أبعِد يداي عن وجهه، كرهه لها غير منطقي بالنسبة لي و هو نادراً ما يَقبل زيارتي لها حتى، فَلِما يقول هذا الأن؟
لم اسأله لكني قلتُ مُتضايقة
لا تنعتها بتلكَ الألفاظ رجاءً انها مَن أنقذني.

هذا ليس صحيحاً، هي مَن دمر حياتك. أستدار مني ثم أتجه الى تسريحته مُمسكاً بالمشط من الخشب ليسرح شعره لا ينظُر لي.
مايكا، لن أتكلم في هذا الموضوع بل أتيت من أجل الأخَر.
تيريان لا يسمح لي بِدخول مملكته فَكيف لي أخذكِ الى هناك؟، باستطاعتي أخذك الى أينما تتمنين في هذا العالم ولكن لا تطلبِ مني مالا أقدر على أعطائك إياه كانيلا.
تقدمتُ خطوتين اليه ألُف أذرعي حول نفسي أشعر ببرودة ثم أخبرته.

لا أحتاج قدومك معي، لقد تحدثتُ مع الأمير فالكين و أخبرني انه هو مَن سيأخذني الى هناك.
هنا التفتَ إليّ ينظُر لي مُثبت الوجه ملامحه لا تتحرك يصعب عليّ معرفة بماذا يُفكِر. فَهذا ما كنتُ أخشاه...
التكلم عن الأمر معه ورطة ولكنه مُحق بعض الشيء، لديه جزء كبير يشتاق الى عالمه القديم، الذي تربى فيه و حياته في تلكَ المملكة التي يكون هو جزء منها.

بعد ما جرى في الماضي لم يَعُد يقدر على دخولها و رأيت من كان قريب منه و يُحبه، أحزن من أجله جداً و لدي نفس الشعور.
الاشتياق لِلماضي و حياتي السابقة في عالمنا البشري بين أحبائي و كل من أعرفهم.
هذه إحدى الأشياء القليلة التي نتشاركها لكن هذا لا يعني انه باستطاعته التحكم بي أو حرماني من ما أتمناه...
و هل وافق حقاً؟ أعادني سؤاله لِلواقع لأومئ بِنعم له.

عَم صمت عميق بيننا لستُ أدري إن ما يجب عليّ التكلم فيه أو فعل شيء ما لكونه ايضاً لا يتفوه بِحرف.
وضع المشط من يده ثم أتى لي ينظُر لي من فوق لكونه طويل القامة كالبرج أمامي يَحجُب ضوء الثريا فوقنا من على وجهي.
لكم من الأيام ستبقون هناك؟
لأسبوع تقريباً، انتظِر هل توافق؟ سألته بِعيون مُتبحلقة.
انا لا اريد أسرك في القصر كانيلا ولكن لا خيار لدي انتِ تعلمين.

لا، انا لا أعلم و انتَ تُصَعّب الأمور عليّ جداً و أحياناً أحس انكَ تفعلها عن قصد و أحياناً لا. انا أحبك ولكنكَ انتَ تجعلني مُحتارة و حزينة في بعض المرات لكونك شخص بِمشاعر مُختبئة و غير واضِحة ابداً. تأسرني في أشياء أحبها و تتركني عندما تراني متألمة فكيف لي أن أدرك؟

نعم، انا مُدركة لِذلك. أجبته مبتسمة ليتقدم و يُقبّلني على شفتاي بِلُطف ثم دخل حمامه يتركني بِمفردي مع إكسانا التي تنظُر لي بِعيون مُدورة كبيرة تلعب بِخصلة من شعرها البرتقالي.
هل وافق؟ سألتني هي لأخرج ضحكة من حلقي غير مسموعة أغلق عيناي أدَلّك جانب رأسي.
ليست لدي فكرة.

عاد هو مجدداً لِلغرفة ملابسه مُرتبة و رائحة عطره المنعشة تملئ مجرى تنفسي و شعره مرتب كما هو دوماً. لا شيء خارج عن إطار المثالية لكن هنالك ما ينقصه.
اين خاتمك؟
نظر الى أصبعه الصغير الأيمن الذي عادةً يرتديه فيه بما انه أشتراه صغير المقاس لكونه كانَ متوتراً عندما أشتراه مع الأخَر الذي انا ايضاً أرتديه في الأصبع السبابة لكونه ليس مُناسباً لأصبعي الأوسَط.

القصة تضحكني كُلما تذكرتها، فالين مَن أخبرني بها لأنَ مايكا رفض فَهي قصة مُحرجة بالنسبة له و يَخجل مِن قصها عليّ.
انه لطيف و غريب بأنٍ واحد.
انه هنا. قال مايكا يُخرج الخاتم من جيب بنطاله ليرتديه في أصبعه و يُريني إياه يلمع تحت نور الثريا و التي لا أدري لماذا مُضاءة في وضع النهار و ستائره مُغلقة تجعل غرفته مظلمة.
إذاً، ما جوابك؟ لم أستسلم أو أنسى ليتنهد هو يُمَرِر أنامله السمراء في شعره.

إن قلتُ لا هل سَتنسين الأمر؟
هَززتُ بِرأسي رافضة.
إذاً أذهبِ و أستمتعي بكل لحظة في المملكة.
ظللتُ مِن دون التحرك ساكِنة في مطرحي أرمش عليه، عقلي لا يستوعب ابداً ما خرج من فمه و دخل أذاني.
هل، هل حقاً وافق؟
انت جاد؟ سألته مصدومة جسدي يرفض التحرك عندما أمره كأنه ايضاً مَصعوق مثلي.
نعم، جاد جداً و أذهبِ قبل أن أغير رأي.

لم انتبه لنفسي و انا أركض نحوه لأقفز و أعانقه بِقوة أشكره كثيراً كثيراً و هو لَف ذراعيه حول خصري يحضنني بالمُقابل.
ابتعدتُ عن العناق أخُذ خطواتي لِلخلف الى الباب و معي إكسانا التي أعلم انها سوف تنفجر فرحاً في أية لحظة من خروجنا ذلك الباب.
انتَ الأفضل! قلتُ له افتح الباب ليومئ لي ملامحه تعود لِلثابتة لكني رأيتُ بسمة بالكاد واضحة على زاوية من شفتيه لتختفي كما ظهرت.

أرسلي لي الرسائل. أخبرني هو لأبتسم له و أغلق الباب بيننا.
هل سمعتِ ما قاله قبل قليل؟ انا سألتُ إكسانا أحدق بالباب لا زلتُ أتخيل مايكا يقف في مكانه.
اننا سَنذهب الى أريزو؟
أشحتُ بِعيناي عليها أراها تطير و ترقص في الهواء.
نعم، سوف نذهب الى أريزو غداً باكِراً. تَمتَمتُ هذه الجملة أتذوقها على لساني و الى أن عدتُ الى غرفتي و انا أرتب صناديقي التي سأخُذها معي الى مملكة الغابات العظيمة، أريزو.

الفصل التالي
بعد 19 ساعة و 56 دقيقة.
جميع الفصول
روايات الكاتب