رواية تحت الغطاء الأبيض الجزء الثاني للكاتبة مينار الفصل الرابع والخمسون
هل لديكُم أسماء؟ سألتنا الامرأة التي أخبرتنا أنَّ أسمها بيلاتريكس لكنها تُفَضِل أسم بيلا كأختصار.
وضعتُ فوَهة حافظة الماء التي أعطتنا إياها بيلا لكي نَروي عطشنا على فم فالكين لكونه يحملني و لا يقدِر على الإمساك بِها لكي أدعه يشرب الماء الباردة.
عندما أنتهى وجدنا أننا مِن شِدة عطشنا شربنا كُل مافيها و لم يعُد هنالك المزيد.
أبقيتُ الحافظة معي بينما فالكين أجابها
أنا أدعى فالكين و هذه هُنا، أشارَ بِذقنه عليّ مع انها لا تنظُر لنا وتمشي أمامنا كانيلا.
هَمهَمت هي قليلاً الأن تُدير رأسها لكي تنظُر إلينا مِن فوق كتفها لتَحُط عينيها على الحافظة التي أضعها في حُضني قبل أن تسأل مبتسمة
كانَ يجدُر بي أحضار المزيد لكن لا بأس، لدينا المزيد في القرية.
عقدتُ حواجبي بِدهشة ثم سألتها نتبعها بين الأشجار و هي تمشي بِطريقة تُخبرنا جيداً أنها بِحَق تعرف كُل ذرة تُربة في هذه الغابة
قرية؟
اومأت هي تصعد مِن فوق جذع شجرة تنتظرنا على الجهة الأخرى ليَفعل فالكين المِثل لكن بِحركات أكثر حذراً لأنه يحملني.
نعم، هل ظننتم أنني أعيش لوحدي هنا؟
اومأتُ أنا باللحظة التي نزَل فيها فالكين مِن على الجذع يقف جنب بيلا لتُخرِج هي ضحكة مِن مؤخرة حلقها و تُكمل مشيها تقود الطريق.
على أطراف الغابة و بالقُرب مِن النهر توجد قُرى و ليسَ مجرد قرية واحدة و أنا أعيش في أكبرها. أنها تُدعى قرية أولينا. الأسم مُشتق مِن أسم قائدتها الأولى و حفيدتها العاشرة التي تُدعى أولينتيا.
على أطراف الغابة؟ أين تقع هذه الغابة بِحق الجحيم؟ سألها فالكين بِنفاذ صبر لأضربه بِخِفة على صدره كي يُخفِض مِن نبرته و يحترم هذه الجنية التي تحاول مساعدتنا.
رمقني هو بِنظرات لِتُجيبه بيلا تتوقف عن المشي، تلتفت إلينا تجعلنا نتوقف أمامها كذلك. وجهها خالي مِن تلكَ البسمات اللطيفة الودودة.
أنتم حقًا تجهلون المكان هاه؟
و ماذا بِرأيكِ؟ ألقى فالكين بِذقنه على مظاهرنا لِتبتسم هي تومئ مُدركة للأمر منذُ بداية لقائنا.
أنتم في قلب جبال العسل، عزيزتي فالكين.
رمَش كِلانا عليها لِعدة مرات أفتح أنا فمي و أغلقه مراراً و تكراراً لا أستطيع إخراج الكلام مِن فمي أعلم أنني أبدو كالحمقاء بينما فالكين تَصلب جسده و لم أعُد حتى أشعُر بِنبضات قلبه أسفل يدي.
جبال العسل.
مكان مملكة سوليس القديمة و موطن الأتلانتيانز.
أنتِ تمزحين. تَمتم فالكين بِصوت مُنخفض جداً لو لم يكُن يحملني لما سمعته.
هزت بيلا رأسها مِن اليمين لِليسار ثم قالت لنا
و لمَ سأمزحه؟ نحنُ بالفعل في جبال العسل. لماذا تبدونَ و كأنكم سمعتم بِأسطورة؟
كانت نبرتها مَرِحة و ساخرة بعض الشيء لكن بِطريقة مُستغربة مِن ردة فعلنا.
الأن تأكدت مِن أنَّ كاستيل أو رجاله استخدموا التنقُل الآني لأحضارنا إلى عرينهم الحقيقي في وسط جبال العسل التي تَبعُد لأكثر مِن شهر سفر عن باقي الممالك الستة.
علي الأقل عرفنا أين يقع مَخبأهم الرئيسي و بأنَّ تخمين ريس و تلكَ الخريطة الوحيدة التي يمتلكها، صحيحان مئة بالمئة.
حتى جنود فالين و تيريان التي أرسلوها المَلِكان على مخلوقات الغريفين (العنقاء) قد يكونوا في مكانٍ ما في هذه الجبال و هُم لا يعلمون بِوجودنا فيها.
لكن السؤال الأهَم يقول:
لِكَم مِن الأيام اختفينا فيها عن فالينيا مجدداً؟
بالنسبة لنا، نعم هي أسطورة. قلتُ لها أذكُر كيف أحَرِك لساني و ألفظ بالكلمات.
رفعت هي حاجبيها تعيد النظر مِن بيني و بين فالكين.
كيف وصلتم إلى هنا أيها الشابين؟ و من أين أنتم؟
لقد تم أختطافنا منذُ أيام و لستُ نعلم كيف وصلنا إلى هنا لكن أستطعنا الهرب لنَجِد أنفسنا في الغابة أما نحنُ، لقد أتينا من.
رفعت بيلا يدها أمام وجهينا توقفه عن الإكمال لتقول هي تُحرك يدها لا تبالي و تتابع سيرها أمامنا
لا أريد أن أعرف بالقصة الآن أو أية شيء عنكما. كُلما قلت معرفتي كلما كانَ أفضل لِجميعنا.
عُدنا نلحق بِها بِصمت إلى أن بدأنا نسمع بِخَرير مياه قريب ينتمي لِنهر جاري و بالفعل لمَحنا مِن بين الأشجار منطقة فارغة و أمامها تمامًا نهر كبير مائه تجري لكن ليستَ بِقوة كَمياه ذلك الوادي الذي حلقنا مِن فوقها قبل أيام.
و على يمين الأشجار بِقليل سمعنا أصوات الضحكات التي سمعناها مِن قبل لكنها أقوى و متعددة تنتمي لأطفال، كبار و غيرهم.
تقدمنا أكثر خلف بيلا نعثُر على منازل مِن الخشب و الطبيعة، منها على الأرض و منها مُعلق بين الأشجار و جميعها مُطِلة على النهر الكريستالي التي تنعكس مياهه عليه أسفل أشعة الشمس الدافئة على جلدي المكشوف و وجهي.
القرية حقًا كبيرة و تبدو، لطيفة. المَنازل بعيدة عن بعضها بينها فراغات إما لِنشر الملابس المُبللة أو توجد مواقد نار لِوَضع جرات عملاقة لِلطبخ و في وسط القرية نافورة مياه على شكل خلية عسل منها الماء يَسيل بِرقة للأسفل إلى الحوض الدائري. مِن حول النافورة مجموع أطفال يلعبون بِكُرة أو فقط يركضون وراء بعضهم يصرخون و يضحكون بأعلى الأصوات.
ضحكاتهم ملأت سمعي كالموسيقى اللطيفة. لقد مرت فترة منذُ أن سمعت تلكَ الضحكات الجميلة أو رؤيتي لِأطفال تلعب معًا هكذا بِما أنَّ المدينة في فالينيا أو في أية مملكة مُكتظة بالجنيات و البشر و مِن الصعب السماح لِهم باللعب كما يشاؤون.
لاحظتُ كذلك شيئًا عندما توقفنا نتمعن بِالقرية.
و هو أنَّ جميع مَن يعيشون بِها يمتلكون بشرة داكِنة، سمراء أو سوداء و منها أفتح بِقليل. لديهم شعر أسود أو مِن الألوان الطبيعية لكن جميعهم لديهم تلكَ الرسمات كالتي على وجه بيلا.
منها شكلها مختلف إما مرسومة باللون الذهبي أو الأبيض أو العسلي على حسب درجة لون البشرة و منهم لا يرتدي الكثير مِن الملابس، الأذرُع و الساقين مكشوفة تُظهِر لنا المزيد مِن الرسومات التي تُزَين أجسادهم و ليسَ فقط على وجوههم.
واو، هذه، همس فالكين مندهش عينيه تلمع و تبرُق كَماء النهر تتحرك بِداخل القرية و من حولها.
بيلا! فجأة نادى رجلٌ ما يُهَروِل نحونا مِن القرية باسم بيلا. يمتلك بشرة سمراء، شعر أسود قصير جداً و عينين غريبة اللون لم أجد لها أسم فَهي ما بين الأبيض و الأصفر.
علي أذُنيه أقراط كَما على أنفه موصولة بين فتحاته و أعلى جسره كذلك. الرسومات التي لديه أكثر مِن التي لدى بيلا. تمتد مِن ذقنه إلى رقبته و صدره العاري المليء بالعضلات، يرتدي بنطال بني يصل لفوق الكاحلين و على خصره مُعلق فأس صغير.
وقفَ الرجل أرى أنَّ له ندبة طويلة تصل مِن حاجبه الأيسر إلى أسفل عينه و وجنته ليُلقي نظرة عليّ و على فالكين قبل أن يرفع حواجبه على بيلا و يتكلم بِلغة لم يفهمها أحدُنا عدا المرأة التي تقف معنا.
مع تحديقي بِه لفترة، وجدتُ أنه في الحقيقة يُشبه بيلا. فَلديه نفس شكل الوجه، الأنف والعينين إلا أنها مُختلفة الألوان.
ظل الأثنان يتبادلان الأحاديث باللغة الغريبة أو الخاصة بهم بينما هو أخَذ ينظُر إلينا بين حين و آخَر، أخمن أنهما يتكملنا عنا.
هو يسأل بِقلق و هي تُجيبه تهُز كتفيها النحيلتين.
وضع الرجل يديه على خصره يرمُقنا بِنظرات فضولية ثم وضع بسمة على شفتيه الوردية و قال لنا بِلُغتنا
أهلاً بِكُما في قرية أولينا.
رمشَ عليه فالكين مرتين قبل أن يبلع ريقه مُحاولاً الابتسامة يبدو متوتراً ثم رد عليه
شكراً لك-كما على المساعدة نحنُ ممتنين كثيراً لكم.
هزَ الرجل رأسه ثم مَد يده لكي أصافحها أنها لِكون فالكين لا يمكنه بِفضلي. مَددتُ أنا يدي أخُذ خاصته أصافحها أجدها دافئة جداً لكنها خشنة فيها الكثير من الخدوش القديمة أو قد تكون جديدة و مع ذلك، لمسته ودودة كَبسمته التي تُظهِر أسنان لؤلؤية جميلة.
لأعرفكم على ولدي كالون، كالون هذان فالكين و كانيلا. أشارت بيلا من بيننا ليومئ كالون بِلطف يَحُط بِنظره عليّ أكثر.
كما توقعت. أنه أبنها لأنه يُشببها كثيراً و يبدو نسخة رجولية منها.
بشرية، لقد مرت فترة منذُ أن رأيتُ واحدة. قال كالون مندهش يديه على خصره.
لم أعرف ماذا أفعل عدا الإيماء بِرأسي و إعادة البسمة اللطيفة له.
كالون، خُذ الأنسة كانيلا و السيد فالكين إلى منزلنا لكي نهتم بهما و بِساقها. طلبتُ بيلا منه، ليومئ كالون مُنصِتًا لها مِن دون تردُد.
رُبما أخبرتهُ بيلا بِكُل شيء عندما كانا يتحدثان بِلغتهم و ربما شيء آخر لأنه لا يبدو خائفًا، متوتراً أو يَشُك بِأمرنا لِهذا أقترب كالون مني أنا و فالكين يفرُد ذراعيه العضلية ليحدق به فالكين قليلاً قبل أن يستوعب ما يفعله. و بتردُد أعطاني لِأذرُع كالون تَغمرني حرارة جسده بأكملها تدفئني، فَلَم أكُن أعلم أني حتى بين أذرُع فالكين مازلتُ باردة.
لابُدو و أنه هو أيضًا يتجمد بردًا و ملابسه الخفيفة لا تحميه منه بَل كانَ بِحملي يُعطيني كامل حرارته أنا متأكدة مِن ذلك بِما أنَّ نيرانه في حالة خمود بِسبب تعبه الشديد و نقص الطعام و الشراب و النوم.
هو يحتاج أن يتدفأ أكثر مني، كِلانا عانى في هذه الرحلة التي لا أوَد أن أعيد كرتها مرة أخرى في حياتي.
سوف تكونين على ما يرام. أخبرني كالون يُعطيني المزيد مِن تلكَ البسمات المُطمئنة، قبل أن يومئ لِوالدته و يُشير بِرأسه لِفالكين كي يتبعه.
أنا سوف ألحَق بكُم بعدما أنتهي مِن عملي! صاحَت بيلا مِن ورائنا تُلَوشح لنا بيدها الفارغة قبل أن تلتفِت و تذهب في اتجاه مُختلف في القرية.
أخذنا كالون إلى داخل القرية لِيحدقوا بنا فجأة الجميع نُصبح مركز الأهتمام كما لو أننا مخلوقات لم يروا مثلها من قبل. فالأطفال توقفوا عن اللعب لكي ينظروا لنا أما الكِبار أوقفوا عملهم يتهامسون بين بعضهم بِحيرة و فضول.
كالون ظلَ يمشي إلى وجهته لا يومئ و يرُد على مَن يتكلم معه بِلغتهم التي لا أفهَم منها شيئًا و مع ذلك لم ينظُر لنا أحدٌ منهم بِتقزُز، خوف أو بِطريقة تجعلنا نود الأبتعاد عنهم و إنما فقط، فضول مِن أمرنا كأنهم يستقبلون الغُرباء كل يوم و هم مُعتادون على الأمر.
كيف وجدتم أنفسكم في غابة براك ويل؟ كَسر كالون الصمت ينظُر إليّ لِلحظة بينما بسماته تستمر لِمَن ينظُر إلينا.
لعقتُ شفتاي أرطبها أنظُر لِأمامنا على المنازل الجميلة المصنوعة من الخشب منها الصغير و منها الكبير، عليها تنمو نباتات و أزهار تُزَين أبوابها ونوافذها ثم أخبرته
لستُ متأكدة.
لستِ مُضطرة بالإجابة لكني سألت لكي نقدر على مساعدتكم بإيجاد طريق العودة أو إذا لا تريدون العودة فَلا مشكلة بتاتًا. أنتم مُرحب بكُم هنا إلى متى شئتم.
ارتفعت زاوية شفتاي على كرمه أخطُف نظرة على فالكين الذي يمشي خلفنا عينيه تَحوم حول القرية. يدرُسها عن كثب كأنه ما يزال لا يثق بِأهلها.
لديكم قرية رائعة لم أرى مثلها مِن قبل. غيّرتُ الموضوع ليعطيني بسمة عريضة آخرى مختلفة، تُبين أنه أدرَك تغيري لِلحديث لكنه لم يُعلِق بل بادر قائلاً.
أولينتيا و التي تكون قائدتنا تُحِب الطبيعة فَهي خُلِقَت منها لهذا مِن بعد أجدادها، أخذت مسؤولية الأهتمام بها و بِمَن يعيش فيها. لقد كانت أولينا قرية صغيرة وحيدة في الغابة مِن بعد دمار سوليس و مع الوقت و باهتمام أولينا كبرت القرية و كبر عدد أهلها إلى أن بنينا قُرى مِن حولها و جعلنى أولينا المركز كما أننا نحنُ مَن أسميناها بِأولينا لِحبنا الكبير لِأولينتيا الأولى.
عقدتُ حواجبي على ذِكر مملكة سوليس و مملكة الأتلانتيانز ثم ألقيتُ بِسؤالي الذي ربما يُجيب على سؤال ثاني في عقلي
كنتم تعيشون في سوليس؟
هل أنتم مِن أهل سوليس؟ كان السؤال الأصلي المخبأ خلف الذي تفوهتُ به.
نظر لي كالون بِتعابير لم أفهمها ثم أعاد وجهُه لأمامه يأخُذ منعطفًا يدخُل بين منزلين. رأيتُ رجل يقطع الخشب على منصة بِفأسه كبير و امرأة تحمل عصا أطول منها تُحرِكها على شكل دوائر في جرى كبيرة سوداء يَخرُج منها دخان أبيض.
نظروا إلينا لِثواني ثم عادوا إلى عملهم لا يُعيرونا أنتباه.
أنتم لم تفهمون بعد، هاه؟ أرجعني سؤال كالون له. تقابلت مُقلتينا قليلاً أرمش عليه إلى أن فرقع معنى سؤاله في رأسي لِتتوَسع عيناي بِصدمة لا أصدق ما يجول في خاطري.
هذا مستحيل. همستُ لا إراديًا.
عادت بسمته على شفتيه قبل أن يقف و يقول لِكلينا يلتفِت بعض الشيء نحوَ فالكين
لقد وصلنا.
أشحتُ أنا و فالكين بِابصارنا لِليسار نلاحظ أننا وقفنا أمام منزل خشبي كبير مُزَين بِالأغصان و أوراق الشجر الصغيرة بين جذور نباتات مِن حول النافذة الكبيرة، خلفها ستائر بيضاء تُغطي ما بداخل المنزل.
له باب خشبي مِن طول كالون تقريبًا و عليه منحوت خلية نحل و مِن حولها بعض النحلات الصغيرة التي تطير بِأجنحتها الضئيلة.
أقترب كالون مِن الباب ثم طرق عليه ثلاث مرات قبل أن ينتظِر لِلحظة قصيرة و إذ به يُفتَح مِن الداخل و تَظهر لنا شابة فاتنة بِبشرة سمراء، شعر أسود متوسط الطول و لها عينين خضراء تُذكرني بالرجل الذي يحملني.
لها نفس الأنف و الشفتين عدا لون عينيها. الرسومات التي على وجهها، بيضاء كَخاصة كالون تصل كذلك إلى رقبتها لكن المختلف بِها أنها مرسومة على شفتيها الممتلئة و على جانبها مِن الطرف الأيسر، ندبة صغيرة تبدأ من فوق شفتها العليا تنزل إلى أسفل شفتها السُفلية.
ترتدي فستان أزرق نيلي لا أكمام له. له فتحة فخذ و عليه أيضًا رسومات تصل إلى أصابع قدميها العارية.
آوه دينيسا هل المنزل نظيف؟ لقد أحضرتُ بعض الزُوار. قال كالون بِمرح لِترفع دينيسا حاجبيها للاعلى تنظُر علينا ثم على ساقي المكشوفة المتورمة لتومئ هي تفتح الباب أكثر تبتسم لنا.
بِكُل تأكيد. أنتَ تعلم أمي كيف تُصبح عندما ترى المنزل غير نظيف كل يوم و خاصةً عندما يأتينا زُوار جميلين. غمزت دينيسا لي ثم دخلت المنزل لنتبعها نحن.
أنا أخذتُ نظرة مُطولة على شكل المنزل من الداخل فَهو أوسَع مِن ما يبدو عليه خارجًا و طبعًا أكثر جمالاً.
كل شيء مِن الخشب. الأرضية، الجدران، السقف حتى الأثاث. أمامنا مباشرة على ما يبدو مطبخ مفتوح له كل المستلزمات. على اليمين مدفأة حطب و مقابلها كنبة سُكرية اللون، تَسِع أربعة أشخاص، عليها غِطاء مُرتب و أسفلها بساط أحمر دائري الشكل.
علي جوانب المدفأة، رفوف كُتب و أغراض و على يسارنا توجد طاولة طعام حولها خمسة كراسي. الطاولة بِجانب نافذة على جوانبها ستائر بيضاء مفتوحة تُطِل على ساحة و منازل آخرى.
بِجوار المطبخ يوجد درج طويل لِتبدأ دينيسا بالصعود عليه تشير لِكالون باللحاق بها يأخذوننا لِلطابق الثاني.
عندما وصلنا رأيت أربعة أبواب بيضاء اللون في مَمر كبير. واحد على اليمين بِقُربه درابزين الدرج، عليه منحوت علامة خلية النحل. وبابين أمامنا تمامًا يملُكان ذات النحت لِخلية نحل بِجانب بعضهما لكن يفرقهما جِدار عليه لوحات لِطبيعة خلابة و أخيراً الباب الرابع على اليسار في آخِر الردهة.
توَجهت دينيسا إلى الباب على اليمين ثم فتحته و دخلت لِنلحق بِها كذلك و نصبح في غرفة نوم واسِعة مُريحة الشكل. اثاثها بسيط جداً لكنه لطيف. في وسطها مُعَلق على سقفها فانوس أسود. يوجد سرير في آخِر الغرفة و فوقه نافذتين، أغطيته وردية اللون بِوسادات بيضاء، على اليمين تَسريحة مع مرآة و على اليسار خزانة ملابس خشبية.
الأنسة الجميلة هُنا، سوف تُشاركني غرفتي. قالت دينيسا تُشير على الغرفة تُشابك ذراعيها أمام صدرها تُعطيني بسمة رقيقة لأرُدها لها أومئ ممتنة لها.
وضعني كالون على طرف السرير بِرقة ثم ابتعد و وقف بِجانب دينيسا شقيقته يستنِد عليها بِوضع ذراعه على كتفها يُشابك كاحِل فوق الثاني.
بينما نحنُ سوف نُشارك غرفتي، إلا إذا كانَ لديكُما فكرة مختلفة. أقترح كالون ينظُر لِفالكين بِنظرة جعلتني أحمَر خجلاً أعلم ما يعنيه بِكلامه.
شقلبت دينيسا مُقلتيها على شقيقها ثم دفعته عنها تتوجه إليّ لِتُقرفص عند ساقي المُصابة تتمعن بِها و تلمسها بِرفق كي لا تؤلمني.
هممم انها مكسورة بِشكل سيء لِلغاية و تحتاج العلاج بسرعة.
انكمش وجهي على منظرها. المنطقة عند ركبتي مُتورمة، منفوخة بِشكل اسوأ من ما كانت عليه و في زاويتها العُليا، انتفاخ كبير أخمن أنه العظم خارج عن مكانه.
لقد جعلتها اسوأ بالمَشي عليها لأيام. أخبرتها أعَض على شفتي يقشعر بدني مِن شكلها. هذه أول مرة أكسِر شيئًا بِجسدي و لا أوَد كسر شيء آخَر في أية وقتٍ قريب أو ابداً.
رفعت دينيسا رأسها نحوي الفضول واضح على وجهها مندمج مع تساؤلات كثيرة
أيام؟ هل أضعتُم الطريق في براك ويل أو شيء من هذا القبيل؟
تبادلتُ النظرات المُترددة مع فالكين ليفتح هو فمه كي يُجيب عني لكن تقدم كالون بِسرعة إلى شقيقته ثم أمسك بِذراعها ضاحِكًا
هيا أختي، دعينا نذهب نُعِد لهم الحمام و الطعام فإنهم يتضورونَ جوعًا لكي و نُطلُب الطبيبة مِن أجل ساق و جروح الأنسة كانيلا.
بدت دينيسا و كأنها ستعترض لكن شقيقها سحبها إلى الخارج و أغلق الباب يدعني لوحدي مع فالكين بينما نسمع همسات الشقيقان يَختفي رويداً رويداً و هم ينزلون الدرج إلى الأسفل.
أخَذ فالكين و هو يقف في وسط الغرفة ينظُر مِن حولنا في الغرفة قبل أن يحط بِعينيه عليّ و يرفع حاجبيه متسائل متأكدة أنَّ تعابير وجهي التي ما زالت منصدمة مِن معلومة التي عرفتها قبل قليل مِن كالون و لوني المَخطوف جعله متعجب.
فالكين، نحنُ في قرية أهلها أتلانتيانز. تمتمتُ له بِنبرة منخفضة أخاف أن يسمعونا أهل البيت مع أنهم نزلوا إلى الطابق السُفلي ولكني لا أثق بِسمعهم القوي جداً، لقد تعلمتُ مِن أخطاء كثيرة.
تحولت تعابير وجهه المُتعجبة إلى المتفاجئة بِلحظة كأنه رأى وحشًا أمامه. أتى هو إليّ بِسرعة ثم جلس جنبي يحدق بي لا يصدق ما غادر فمي.
كيف عرفتِ؟
تنهدتُ أنا أنظُر إلى الباب الأبيض كأنني سأرى القرية كُلها هكذا قبل أن أجيبه
كالون. لقد أخبرني بِطريقة غير مباشرة بأنهم أتلانتيانز.
يا للهول، هذا، هذا مستحيل.
أعدتُ مُقلتاي عليه أجده يحدق بِبالأرض عاقد لِحواجبه.
أعلم، الأمر يفقد العقل لكنها الحقيقة.
أشاح بِبصره عليّ يُمرر أصابعه في شعره الليلي
تظُنين أنهم يعرفون بِشأننا؟
قلدته بِقطب حواجبي أقابل عينيه المُحتارة لأهُز رأسي لستُ أدري قائلة
إن كانوا حقًا يعرفون فَهم لا يهتمون لأنهم لو أرادوا أذيتنا لكانوا فعلوا ذلك منذُ وصولنا لِلقرية، صحيح؟
لا، ما عنيته هو هل تظُنين أنهم يعلمون بِأمر الأتلانتيانز في الممالك و عن كاستيل. همس فالكين أسم والده لِدرجة اضطررت بالأنحناء قليلاً نحوه لكي اسمعه يلفِظ به.
ربما و ربما لا وفي كلِا الحالتين يجب علينا مُغادرة القرية بعدما نرتاح فأنا لا أريد وضعهم في خطر بِسببنا.
تعتقدين أنَّ رجال كاستيل ما يزالوا يبحثون عنا أو قد يكونوا في الجوار و يعرفون عن القرى؟
هززتُ كتفاي أيضًا لا أعرف ليقول هو يومئ مرتين بِرأسه مع نفسه
أنتِ مُحقة. أنهم لُطفاء جداً، لقد أدخلونا إلى قريتهم و فتحوا لنا منزلهم لا أعتقد انهم يريدون أذية حشرة.
اومأتُ أوافقه الرأيّ لأضيف أنا أمرِر أصابعي بِشعري المُعقد
لهذا مِن واجبنا أن نبقي الأذى عنهم و الرحيل في الفرصة المناسبة لكي نعود إلى فالينيا بأسرع ما يمكن.
لكن كيف؟ سؤاله صعب جداً الإجابة عليه.
مهما حاولتُ إيجاد طريقة لِلعودة إلى المملكة، أضيع في الطريق و أرجع إلى البداية. الطيران إن كانَ مع فالكين أو حيوان ما يحتاج تقريبًا الشهر مِن هنا إلى المملكة و هذا كثير و ليس لدينا الوقت لِنضيعه بالسفر البعيد من الأساس لأنَّ رجال كاستيل يستطيعون التنقل بِلحظة بين عالم و آخر.
إذاً ما العمل؟ ما الحل؟ أنا حقًا لستُ أعلم كيف سنصل إلى المملكة و نحذر الجميع بالخطر الذي واجهناه و سوف نواجِهُه في المستقبل إن لم نتصرف بِسرعة و نحمي الممالك مِن كاستيل و رجاله و غير ذلك، لدينا معلومات كافية بِإيقاف الأتنلانتيانز و وضعهم في حدهم قبل بدء حرب ثانية.
دعنا نفكر بِهذا لاحقًا أما الآن لِنرتاح، نجمع طاقة و قوة ثم نُكمل رحلتنا. قلتُ له أزفر كمية هواء مِن فمي ليومئ هو يوافقني ذلك.
فجأة طرق الباب مرتين يجذُب انتباهنا إليه ليُفتَح بِرقة و يظهر مِن خلفه رأس دينيسا تبتسم لنا.
أعتذر على المقاطعة، لكن هل تُفضِلون الأستحمام أم تناول الطعام أولاً؟
أعطيتها بسمة لطيفة ثم تبادلتُ النظرات مع فالكين. اسأله هو ذات السؤال بِصمت ليَهُز كتفيه لا تفرق معه كي أجيبها بعدها
الأستحمام أولاً.
إذاً الحمام جاهز، لدينا مياه دافئة من أجلكم. مَن يوَد البدء به؟
نظرتُ إلى فالكين مجدداً ثم أشرتُ له بِعيناي قائلة
أنا أحتاج المزيد من الراحة، فَساقي تقتلني لِهذا أذهب أنت.
تردد فالكين لِفترة يُلقي نظرة سريعة على ساقي المُتورمة قبل أن يتنهد يُمَرر أنامله النحيلة في شعره و ينهض على ساقيه.
هل ستكونين بخير لوحدك؟
فتحتُ فمي لكي أرُد عليه و أطمئنه لِتَسبقني دينيسا تفتح الباب كاملاً تلقي بِيدها في الهواء مبتسمة
أنا سأهتم بِها، لا تقلق.
تردد فالكين مجدداً بِتركي لكنه استسلم و اتجه نحوَ الباب يمُر مِن جانب دينيسا المتكئة على المدخل. أخَذ هو نظرة عليّ من فوق كتفه يرسُم بسمة صغيرة على طرف شفتيه ثم أكمل طريقه إلى الدرج و الطابق السُفلي.
امسكت دينيسا بِمقبض الباب تريد إغلاقه لكنها توقفت لِلحظة حتى تُخبرني
سوف أعود بعد القليل، هل توَدين شيئًا مِن المطبخ؟ شيء لِتسكتين جوعك ريثما يَجهَز الطعام؟ بعض الماء ربما و شطيرة سريعة؟
أوَد بعَض الماء لو سمحتي.
و الشطيرة؟
ضحكتُ بِخفة على نبرتها المرحة ثم اومأتُ لها
و الشطيرة.
قادمونَ على الفور. قالت هي بعدها أغلقت الباب و بقيتُ بِمفردي.
- فالكين -.
الكثير حدث في آخِر ثلاثة أيام.
و أولهُم معرفتي بِحقيقة وشم كانيلا الذي لطالما أردتُ كشفها و إذ بِها تأتي إليّ لوحدها. و ثانيهم، أعتراف كانيلا بِحُبها لي و هذا أكثر ما جعلني متفاجئ لكوني لم أكن لأتخيلها حقًا تمتلك مشاعر لي. فهَي غامضة و كتومة و دومًا ما كانت تتهرب مني (مع أنها قالت العكس).
و لكني كشفتُ السبب و تفهمت أنها هذه المرة المُحقة و أنا المُخطئ. المرأة عانت في ماضيها أكثر مِن ما عرفت و غير ذلك، قصتها الكاملة منطقية و لقد ترجمَت تصرُفات ريس و تاليا معها ومعي عندما كُنا في حفلة زفاف قريب سيون في مملكة البحار.
و كيف أنهما يُخفينا ذات السر و حاولا كثيراً عدم الإفشاء عنه حتى غضب ريس مِن كانيلا وعدم تكلمه معها أو النظَر إليها فمهتُ سببه الأن.
و بالنسبة لِتاليا...
أمر حملها قبل عشرون سنة جعلني أجَن بِاسئلة تدور و تتقلب في عقلي لم أستطع التفوه بِها لِكانيلا لأنَّ مَن يقدر على إعطائي الأجوبة وإسكات العاصفة في رأسي، هي تاليا فقط.
لا أصدق أنَّ حملها الحالي هو الثاني و ليسَ الأول كما يظُن العالم بأسره عدا من يحمل السِر الذي أخبرتني به كانيلا البارحة.
رأسي يؤلمني مِن كثرة الأشياء التي عرفتها بأنٍ واحد و هنالك المزيد، ما يتعلق بالوشم و لعنة كانيلا.
الحب و الوقت.
شيئين واحد منهما أنا أمتلكه و الثاني هي لا تمتلكه.
أنا مَن أستطيع أنقاذها مِن فقدان ذلك الشعور الجميل الذي يجعل العالم أفضل. الذي يجعل أثنان يتوحدان معًا إلى الأبد بِفضل قوته التي لا مثيل لها.
و إذا خسرته هي، فَلن تكون أنسانًا و إنما مُجرد جسد يمشي على الأرض. سوف تنسى حبها لِعائلتها في عالمها، حبها لِصديقتها التي ضحت بِحياة طفلها الذي لم تسنح لها الفرصة بِحمله بِذراعيها و رؤيته مِن أجلها و بِحبي أنا.
لن تكون قادرة على تفهمه، على تبادلهُ معي.
البارحة عندما أعترفت لي بِمشاعرها و كانت تلكَ الجُملة المتألفة مِن كلمتين من مغادرة فمها، أوقفتها بسرعة. لقد فعلتُ ذلك ليسَ لأنني لا اريد سماعها منها بَل على العكس، فأنا سأحب سماعها تتفوه بها.
ولكني أوفقتها لأني أريد أن أخبرها بِتلكَ الكلمتين أولاً. أوَد أنَّ أخبرها بِها و أرى ردة فعلها و ما سيَحدُث معها و بِتلكَ اللعنة. هل أنا حقًا مُنقذها؟
هل بأمكاني حقًا أنقاذ مَن أعشق مِن لعنة قد تدمرها مجدداً بعدما حاولت أصلاح نفسها و إلى الأن لا زلتُ أحس بِجزء مِن قلبها و روحها منكسر و مفقود.
هززتُ رأسي مع نفسي و أنا أجلس في حوض الأستحمام في الحمام الذي أخذني إليه كالون، متواجد خلف الدرج في المنزل. تنهدتُ بِشدة لأجمع ماء بيداي و أغسل وجهي بِها أكمل أستحمامي و فرك جسدي جيداً فأنا أشعُر و كأنني كنتُ أعيش بين القمامة لأيام ولكن الحمدلله عثروا علينا أتلانتيانز مُختلفين.
لم أكُن يومًا لأتخيل أعدائنا مَن قادرون على مساعدتنا.
أتلانتيانز بِحق السماء!
بعد الحمام الرائع المُنعش الذي جعل مِن رائحتي المُقززة، لذيذة مِن الليمون و العسل بِفضل الصابون الطبيعي المتوفر لديهم خرجتُ مِن الحمام ثم توَجهتُ إلى المطبخ المفتوح لِغرفة الجلوس الكبيرة أجِد كالون يُعِد الطعام يُهَمهِم ألحان موسيقى لا أعرفها.
رأني هو أتي إليه ليتوقف عن الهَمهَمة و يبتسم لي يُلقي نظرة على الملابس التي أعطاني إياها بدلاً مِن التي كنتُ أرتديها، ممزقة و مستخة لم يعُد لها داعي و حرقها أفضل.
لقد أعطاني قميص أبيض فَضفاض و بنطال أسود مع جزمة تصل لِأسفل الرُكبتين. بسيط لكني أحببته و أشعُر بالراحة فيه كما أنه نظيف و هذا أهَم شيء.
كما توقعت، قياسك مِن قياسي تقريبًا. قال كالون يُكمل عمله بإعداد الطعام.
وقفتُ أنا عند الدرج اتكئ على الدرابزين أضَع كاحل فوق الأخَر أشاهده يحرك ملعقة خشبية في قدر على موقد الحطب ليَسكب بعدها مِن الحساء في أطباق و يضعها على الطاولة.
شكراً لكَ على الملابس، لو تعلم كم أحتجتُ ارتداء شيئًا نظيفًا. قلتُ له لينظُر لي بِطرف عينه يستمر بِسكب الحساء في آخر طبق.
سعيد بالمساعدة. بالمناسبة، إن لم تمانع سؤال، كم قضيتم في الغابة؟
كنتُ سأقول يومين لكني تذكرتُ أنها ثلاثة و الفضل لِكانيلا على متابعة تذكيري لِلذلك فأنا بِحَق لا أعرف لماذا أقول أثنان.
ثلاثة أيام.
همهم هو يُحضِر الأطباق إلى الطاولة عند النافذة المطلة على ساحة صغيرة و حولها منازل فيها أطفال يلعبون و قرويين يذهبون في يومهم و أعمالهم.
حملتُ أنا أيضًا بعض أطباق الطعام التي تبدو شهية لِلغاية تجعل لعابي يَسيل في فمي إلى الطاولة أساعد كالون.
هذا كثير، بيلا أخبرتني بالأمر و أنتم حقًا مَحظوظين بِعثورها عليكم فَغابة بِراك ويل كبيرة كالمتاهة لا يمكن لأحَد أن ينجو فيها لأكثر من يوم. قال كالون.
بدأنا بِترتيب الطاولة و وضع عند كُل كرسي طبق، ملاعق و سكاكين و كؤوس مِن الخشب فَهنالك خمسة كراسي فقط. أتسائل لِمَن يكونوا الكرسيّن بِما أنَّ كالون له شقيقة و والدتهم بيلا لِتبقى أثنان فقط، ربما لِوالدهم و فرد ثاني من العائلة؟
نعم، نحنُ محظوظين بالفعل و الشُكر لِوالدتك أستطعنا النجاة مِن أيام كانت ستكون جحيمًا. أخبرته أضحك مع أنه لا ذرة مرح في ضحكتي.
هزَ كالون رأسه بِكِلتا الجهتين ينتهي مِن الترتيب ليُشير لي على إحدى الكراسي كي أجلس عليها. أخترتُ الذي على يسار مُقدمة الطاولة بينما هو جلس مقابلي و خلفه النافذة.
إن كنتَ تريد نصيحتي، لا تقُل هذا الكلام أثناء وجود بيلا فَهي لا تحب أن يشكرها أحد على شيء.
رفعتُ حواجبي مُستغرب لأسأله
لماذا؟ أليسَ مِن المفترض أن يشكُر الشخص مَن يساعده؟
اومئ هو بِ نعم ثم أضاف
بيلا مُختلفة، فَهي لا تُساعد لكي تسمع الأمتنان و الشُكر و إنما تساعد لكونه نابع مِن قلبها و تقول أنه يجب على الجميع أنَّ يفعل المِثل.
رمشتُ عِدة مرات عليه ثم ابتسمت لا إراديًا أتفهم ما يعنيه جيداً لأنه واضح من الأساس و جميل. قد يكون ألطَف ما سمعته مِن غريب و الآن أشعُر بِندم أكبر على قدومنا إلى هذه القرية و السماح لهم بِمُساعدتنا و الأتلانتيانز ربما يبحثون عنا و قد يجدون هذا المكان بِمسألة وقت.
تنهدتُ أنا بِخِفة ثم ألقيتُ نظرة على المنزل مِن حولي بعدها أخبرتُ كالون
لديكم منزل دافئ و جميل.
أخَذ كالون نظرة مثلي على منزله ثم أومئ مرةً بِرأسه، بسمة جانبية تُزين وجهه
انه بالفعل. لقد بناه جَد جدي و رمَمه بعدها والدي عندما تزوج مِن بيلا و استلمه قبل وفاته. أنه ليسَ مِن مستواكَ أنتَ و حبيبتك لكن أتمنى أن ترتاحوا فيه بينما تُقيمان معنا.
إذاً الكُرسي الرابع لِوالده و غير ذلك لماذا يستمر بِمُناداة والدته بِاسمها؟ الأمر مُضحك بعض الشيء.
أعدت بصري عليه مندهش مِن كلامه لأقول
ماذا تعني ليسَ مِن مستوايّ أنا و كانيلا؟
لم يجبني على الفور بل أخذ أبريق شاي مِن على طرف الطاولة ثم سكب القليل لنفسه في فنجانه و فنجان آخَر أخمن أنه لي أنا.
أنتما تبدوان مِن عائلة غنية و على الأرجَح تعيشان في إحدى الممالك الستة و إن كانَ تخميني دقيقًا فأنتما إما مِن مملكة أسليرا أو فالينيا.
حدقتُ به كالأبله أفتح فمي لكن لا تخرُج منه الكلمات لأني حقًأ لا أستوعب كيف عرف و هو يعيش في الجهة الأخرى من هذا العالم و بعيد أبعَد ما يمكن عن الممالك الستة.
يبدو أنني حدقتُ به لِفترة طويلة ليَضحك هو بِصوت مرتفع يدفع فنجان شاييّ نحوي قبل أن يمسك بِخاصته و يشرب رشفة منه.
لماذا أصبحتُ شاحبًا كأنكَ رأيتَ شبحًا؟ هل أنا مُحق؟ سألني هو لأغلق فمي ألعق شفتايّ ارطبها ثم أخذت رشفة صغيرة مِن شاييّ أحذر مِن حرق طرف لساني.
وضعتُ الفنجان بِهدوء على الطاولة و رفعتُ رأسي إليه ملامح وجهي ساكِنة أحاول أن لا أبدو كالذي بالفعل رأى شبحًا مع أني رأيتُ أشياء اسوأ في حياتي منذُ أن بدأتُ العيش في فالينيا.
كيف تعرف بأمر الممالك الستة و أنتم في جبال العسل؟
هَمهَم هو قليلاً يجلُس جيداً على الكرسي مستقيم الظهر يمسك بِفنجانه بيديه الاثنتين لينظُر لي مِن أسفل رموشه و يُجيب
نحنُ نعرف كُل شيء، فالكين. تصلنا كل الأخبار لكننا فقط لا نهتم لها و لا نتدخل لأننا نُفَضِل العيش بعيداً عن المشاكل لهذا ابتعدنا عن مملكة سوليس و لم نُعمِرها مجدداً بعد الحروب.
إذاً تعرفون بأمر الحرب الآخيرة و ما سببها؟
أومئ هو يرفع فنجانه مِن دون الشُرب منه يحدق به كأنه ضاع بِأفكاره لأكمل أنا استفسِر
قبل أن نصل إلى الغابة كُنا قد مررنا مِن فوق وادي خطير، هل هو وادي--.
إيلوي؟ قاطعني هو يُكمل جملتي ليومئ منِ جديد بِرأسه تعابير وجهه تتغير لِلجادة نعم، أنه كذلك و في الحقيقة نادراً ما نصطاد أو نقترب منه لأنه يحمل الكثير مِن الغموض و الخطر حتى هنالك كائنات أخطر تعيش مِن حول نهره.
النهر الذي وقع فيه أثنان من الأتلانتيانز الذينَ كانوا يلاحقوننا أنا و كانيلا قبل أيام قليلة. خريطة ريس التي فيها تفاصيل ليست موجودة في أية خريطة حالية في مكاتب الممالك الستة، صحيحة مئة بالمئة.
و كلام ريس عن سوليس و جبال العسل أيضًا صحيح!
كيف تعرف بِالوادي؟ جبال العسل لا يأتي إليها إلاّ مَن يوَد الموت. نحنُ أهل الأرض و بالكاد نقدر على العيش في خطورتها بعد الحروب القديمة. تساءل كالون يتقدم بِجسده على الطاولة الفضول يملء وجهه.
هززتُ رأسي بِكِلتا الجهتين ثم رددتُ عليه
قصة طويلة.
حسنًا، لا بأس إن لم تكُن توَد التحدث عن الأمر فأنا متفهم. لكن أخبرني، شرب القليل مِن الشاي ثم أكمل أنتم لا تعرفون كيف وصلتم إلى هنا،.
أجبته بِ نعم ليُتابع كلامه
و تودون العودة إلى مملكتكم التي خطفتم منها.
مرة آخرى لم يكُن سؤالاً لكني أجبته على أية حال بِ نعم بِصمت ليَعقِد حواجبه الخفيفة و يسأل
كيف سترجعون؟ قلتَ أنكَما مررتم مِن فوق وادي إيلوي هذا يعني أنك تمتلك أجنحة و هذا ليسَ غريبًا لكن السفر و التحليق بها سيأخُذ منكما أكثر من شهر هذا إن لم تحسُب أيام التوقف للاستراحة و تناول الطعام.
هذا السؤال كنتُ سوف اسألكَ إياه، كالون، نحنُ لا نعرف كيف يجدُر بنا فعل ذلك. يجب علينا العودة إلى المملكة بأسرع وقت.
لم يُبادر هو بالحديث و إنما نظَر لِلطاولة ليَعُم بيننا صمت كلانا نفكر و ضائعين بِدوامة لإيجاد الحل. أنا حقًا ممتن لِه على مُحاولة مساعدتي لكن مِن شكله و كلامه، لا أعتقد أنهم قادرين على فعل شيء لنا.
لا توجد وسيلة لِرجوعنا السريع إلى فالينيا و هذا سيء لِلغاية.
قد تكون الآن جميع الممالك مِن ضمنها فالينيا، في خطر أكيد و إن لم نُخبرهم عن كاستيل و ما يُخَطِط له فقد تُشِن حرب أكبر من التي سبقتها قبل عشرون سنة.
حرب فيها قد يكون فوز الأتلاننيانز الأشرار و قائدهم الحقير، غير مستحيل بل شبه أكيد.
و ماذا عن خُطته لِخلق مملكة سابعة؟
يا الهي ماذا يجب عليّ فعله؟
هيي صديقي. صوت كالون الرقيق أعادني مِن فُقاعة أفكاري المتشائمة إلى الواقع لأرمُش عليه مرتين أرصّ على أسناني أكره أنني لم أتخلص من مشكلة لِتظهر مشكلة أكبر.
لا أعلم بِماذا تَمُر به و ماذا حدث معكما بالضبط لكن سنجد الحل، لا تقلق نفسك. أخبرني كالون بِلطف يُطَبطِب على يدي قبل أن يرجع بِظهره على مقعده.
أغمضتُ عيناي أسحَب نفسًا إلى صدري ثم زفرته بِهدوء أتفهم مجدداً و أجِد كالون ينظُر بِطريقة جذبت انتباهي بالكامل.
بدى، متردداً لِقول شيء ما.
أردتُ أن اسأله ما الخطب لكنه سبقني و قال يحُك ذقنه
في الواقع هنالك مَن قد يستطيع مساعدتكم في هذه المشكلة.
رفعتُ حواجبي متفاجئ لأندفع أنا أسأله
مَن هو؟
تقابلت عيناي بِعينيه غريبة اللون فأنا لم أرى مثلها مِن قبل ثم أجابني
أولينتيا. قائدة قريتنا فَهي تفهم بِهذه الأمور أكثر مني و قد تساعدكم بِإيجاد الحل.
أين بإمكاني مقابلتها؟
هزَ هو رأسه كأنه نادم على أخباري بالموضوع مِن الأساس لأفتح فمي كي أضغط عليه أكثر مع أنها حركة سافلة لكني لم أعُد قادر على الجلوس و عدم فعل أية شي لِيظهر صوت أنثوي ناعم لكن عميق مألوف مِن خلفي
أولنيتيا ليست موجودة الآن في القرية.
التفتُ في مقعدي لِلوراء لأجد بيلا تقف و معها ذات السلة المصنوعة مِن القَش لكنها هذه المرة فارغة و لاحظتُ كذلك أنَّ أطراف فستانها مِن الأسفل مستخ بالطين.
بيدها الفارغة تحمل طرفه ترفعه للاعلى قليلاً كي لا يلامس الأرضية النظيفة.
آوه بيلا عادت مِن العمل! قال كالون بِحماس يرفع ذراعه في الهواء الجدية تختفي مِن على وجهه كأنها لم تكُن موجودة من البداية لِتتبدل بِبسمات يافعة كبيرة.
وضعتُ بيلا سلتها على الكنبة السُكرية الأكبر في المنزل ثم توجّهت نحونا تنظُر لي تُعطيني بسمة لطيفة قبل أن تجلس على مقدمة الطاولة بيني و بين ابنها الذي ما يزال يُناديها باسمها و على ما يبدو انها لا تمانع ذلك بتاتًا.
أتفهم رغبتكَ بالعودة إلى مملكتك لكن لا تتوتر و تفكِر كثيراً، هكذا ستعثر على نفسك تحت ضغط سيَمنعكَ مِن التفكير بِوضوح لهذا أهدئ، أرتاح للآن و بعدها نحنُ جميعنا سنتعاون بإيجاد طريقة لِأخذكما إلى مملكتك. أخبرتني هي مشابكة أصابعها فوق الطاولة أمامها لأومئ أنا متفهم اوافقها الكلام.
عقلي لم يتوقف عن التفكير منذُ كل ما جرى معي أنا و كانيلا في مخبأ كاستيل الخبيث. مُشوش طوال الوقت و لا أعرف أين يميني من يساري.
مررتُ أصابعي في شعري الذي ما يزال مبلل مِن الأستحمام، خُصلات منه على جبيني ثم قلتُ لها
أعتذر على ذلك. أنا أزعجكم بِأسئلتي بدلاً مِن شُكر-- لم أكمل جملتي أو الكلمة الآخيرة لأنَّ كالون هزَ رأسه بِصمت بينما بيلا لا تنظُر له يجعلني أذكُر ما قاله عن كون بيلا لا تحب الامتنان من الأخرين و سماع الشكر.
رفعت هي حواجبها السوداء على قطعي لِجُملتي المُفاجئ لكني اتبسمتُ لها أتهرب بِإضافة كلام مُختلف بينما أسمع ضحكات و أحاديث هامسة قادمة مِن الحمام لكون كانيلا تستحم الآن بِمُساعدة دينيسا
ماذا تعملين؟
سؤالي كانَ سخيفًا لأنه لا يَمِس أية صِلة بِكلامي السابق لكن لِدهشتي وضعت بيلا بسمة تُدرك تَغيّري لِلموضوع إلاّ أنها لم تُعلق بل أجابتني بِسرور.
أنا لديّ أعمال و ليسَ عمل واحد في القرية لأني أكون كا، همهمت هي لِلحظة تبحث عن الكلمة المُناسبة كالأم لأهلها. أذهب إلى جميع المنازل و أطرق على بابها اسأل إن ما كانَ أحدٌ يحتاج المساعدة في شيء أو يوَد مني إيصال طلب أو خبر لِأولينتيا لكوني كَذراعها اليُمنى.
صمتَت هي ليقفز كالون يُضيف مِن عنده
كما أنها تذهب إلى الغابة لكي تجمع بعض الأزهار و النباتات مِن أجل الأدوية و الطعام و عادةً تفعل ذلك مع مجموعة مِن شُبان القرية لكي لا تذهب لِوحدها لكن اليوم،.
توقف هو ينظُر إلى والدته حتى تكمل بدلاً عنه قائلة
اليوم، لم أكُن أخطط بِالدخول لِلغابة لكن أقدامي لسببٍ ما جرتني إليها حتى وجدتكم و كأنَّ القدر أخذني إليكم.
القدر.
نعم بالفعل. هو خطط اللقاء جيداً و جعله صِدفة غريبة لن أنساها في حياتي كما أنني لن أنسى أهل هذه القرية على كرمهم و لطفهم معنا ولن أنسى أنهم من الأتلانتيانز الذينَ نحاربهم في الجهة الاخرى من عالمي.
ماذا عنك؟ نظرتُ على كالون ليَرجِع بِظهره على مقعده و يرفع كفين يديه أمام وجهه يُريني إياها لتنمو فكرة عن عمله في رأسي لكني تركته يُجيب
أنا حطاب كَوالدي.
رأيتُ بِطرف عيني بسمة بيلا الحنونة تختفي بِبطء مِن على شفتيه على ذِكر زوجها المتوفي لينتبه كالون أيضًا يُخفي يَد أسفل الطاولة أما الثانية مدها إليها و أمسك بِيدها يجعلها تنظُر له.
حدقا بِعيون بعضهما يتشاركان ذِكرة ما خاصة بهما رُبما عن والده قبل أن تعود بسمة بيلا لكن هذه المرة حزينة. كالون لم يدع يدها لكنه أشاح بِنظره على الكرسي في مؤخرة الطاولة المُستطيلة كما لو أنه يرى والده يجلس على كرسيه ليُخبرني.
والدي كانَ رجُلاً شجاعًا و ليسَ مُجرد حطاب بل صياد ماهر أيضًا. مرةً من المرات ذهب مع كونور و مجموعة صغيرة مِن الصيادين إلى الغابة لكي يقتلوا كائن كانَ يأكُل حيواناتنا و يهرب،.
وجدوه بعد بحث طويل و قتلوه لكنهم لم يعلموا أنَّ لِذلك الكائن رفقة. تمت إحاطتهم مِن جميع الجهات لكن والدي و الصيادين قتلوهم بِصعوبة إلاَّ أنَّ أحد منهم نجى لأنه الأقوة في قطيعه، ليقتل أغلبية الصيادين و مِن ضمنهم والدي.
في نبرة كالون الحزينة سمعتُ فيها كذلك الغضب. غضب قديم جداً و قاسي عليه لِتضغط بيلا بِيدها على يده تجعله ينظُر لها قبل أن يُكمل هو الحكاية ترتخي ملامحه المَشدودة و حاجبيه التي كانت معقدة كأنَّ لمستها تذكره أنهم بِخير و أنهم ما يزالون عائلة واحدة قوية.
الحمد لِلإله، نجى كونور و أثنان مِن الصيادين ليُخبرونا بالقصة. مرت فترة منذُ أن سمعنا أو عرفنا بأمر الوحش ليَظهر في ليلة مِن الليالي و يتهجم على القرية يقتُل عشرة منا و يُسبب هذا لِمَن قابله،.
أشار كالون بيده اليُمنى على الندبة الموجودة على عينه لأذكُر أيضًا أنَّ دينيسا لديها واحدة على شفتها.
إن لم تمانع سؤالي، من هو كونور؟ سألته بِفضول أنظُر لِلكرسي الخامس الذي بِجانبه ذراعه اليُمنى المتكئة عليه.
آوه تبًا! لقد نسيتُ أخباركم عنه، كونور يكون شقيقي الصغير فَنحنُ شابان و فتاة في العائلة. دينيسا أصغر واحدة بيننا.
أردتُ سؤاله عن مكان كونور لأني لم أراه ابداً و إذ بِأحدٍ ما يطرُق الباب بِقوة يجعلني أنتفض أنظُر من فوق مقعدي عليه.
استمرت طرقات الباب العالية التي ظننت أنها سوف تكسره إلى قطع. وقفت بيلا بِهدوء متنهدة مِن مقعدها وجهها يقول عكس ما تبدو عليه، تتجه إليه لكي تفتحه. بعد فتحه بِبطء، ظهرت من خلفه امرأة عجوز بِشعر أبيض طويلة لكنه مُجدَل على شكل ضفائر كبيرة لِلغاية، لديها عيون زرقاء و ذات الرسومات الغريبة تملء وجهها و رقبتها المَليئة بالتجاعيد.
أنها قصيرة القامة أضطرت بيلا على أحناء رأسها لكي تنظُر إليها. المرأة العجوز تحمل سلة مِن الخشب مُلتفة حول ذراعها السُفلية و مُغطاة لا أقدر على رؤية ما تحتويه.
رفعت المرأة رأسها للأعلى لكي لا تنظُر لِبيلا و إنما ترمُقها بِنظرات غاضبة.
أنتم دائمًا بطيئون بِفتح هذه الأبواب اللعينة بيلاتريكس!
دخلت المرأة لا تنتظِر الأذن إلى المنزل تُلقي نظرة على كالون الذي نهض على ساقيه لأفعل أنا المِثل بينما هو لوَح لها سعيد بِرؤيتها
آوه كَم أحب دخولك المَلحمي!
شقلبت المرأة عينيها لا ترُد عليه قبل أن تنظُر إليّ لِفترة طويلة مُضَيّقة تلكَ المُقلتين الزرقاء بِفضول على وجهها المُجعد، تشيح بِهما عليّ من الأسفل للأعلى.
و مَن يكون هذا الشيء؟
أتَت بيلا إليها تبدو بِعكس أبنها، غير سعيدة بِرؤية المرأة الوقحة.
هذا الشيء ضيف لدينا، تالها. سوف تتعرفون عليه جميعكم لاحقًا.
رفعت تالها حاجبًا أبيضًا مِن لون شعرها للأعلى على بيلا ثم سألتها بِأنزعاج
أنتم أرسلتم خبراً لي بأنَّ ضيف لديكم مُصاب و يحتاج المُداواة، إذا هذا بخير لا يبدو عليه أية إصابات فَماذا أفعل أنا هنا؟
تنهدت بيلا تُدَلِك جانب رأسها تُغمض عينيها لِلحظة لأسمع كالون مِن جانبي يقهقه بِخفة مِن خلف يده. رأيتُ وجه بيلا يتحول لِلأحمر أخمن أنها لا تحب تواجُد هذه المرأة في منزلها و أنا لا ألومها ابداً.
هل هذا مقلب ما، بيلاتريكس؟ أنا لستُ في المزاج. التفتَت تالها لكي تُغادر لتمسك بِها بيلا مِن ذراعها تعيدها إلى مطرحها.
ليسَ مقلبًا بِحق السماء تالها. الضيفة المُصابة تستحم و سوف ترينها بعد قليل فقط أذهبِ إلى غرفة دينيسا و أنتظري قليلاً.
كانَ يجب عليكِ أخباري بِهذا منذُ البداية يا امرأة. تمتمت تالها تمشي نحوَ الدرج لِتصعد عليه قبل أن تنظُر لنا.
بيلا تجد ابنها على وشك الانفجار مِن الضحك لتَهُز هي رأسها بِخيبة أمل منه و تلحق العجوز لِلطابق العلوي و هي تقول
سوف أغيّر ملابسي و أتي لكي نبدأ تناول الغداء.
و بِذلك صعدت الدرج و أختفت عن ناظرنا. أخرج كالون ضحكته مِن حلقه بعد كبتها يجعلني ابتسم على شكله، هنالك دموع تسيل مِن عينيه ليَمسحها هو بينما ضحكته تموت شيئًا فشيء.
تلكَ العجوز المُتسلطة أكثر شخص أحبه في هذه القرية. قال هو يستدير لِجهة المطبخ كي يذهب إليه حتى يُحضِر شيء ما ربما نسيه من قبل.
مَن تكون؟ أنا سألته أتبعه أقِف عند المنضدة الخشبية في وسط المطبخ.
إنها أكبر الأطباء في القرية و أكثرهم مهارة بِعملها، عمرها يفوق عمر كل مَن يعيش فيها لكنها تمتلك روحًا شبابية و هي مَن سوف تُساعد كانيلا بالشفاء.
العجوز تالها لديها أخلاق سيئة لكنها ماهرة بِعملها كَطبيبة بِحق كما ذكر كالون. عندما انتهت مِن مُداواة ساق و جِراح كانيلا، غادرت هي لا تنتظِر مِن أحد شيء عدا انها أخبرت المُصابة بأنَّ ساقها مَكسورة بِشكل كانَ سيُفقدها إياها قبل فوات الأوان.
بعدها أعطتها دواء لكي تشربه كل يوم حتى يكون شفائها أسرع و رحلت تتذمر من كون هذه العائلة وقحة لم تقترح عليها تناول الغذاء معهم و طبعًا كالون قضى وقته بالضحك بِسببها.
ولكن الغريب في أمر الطبيبة تالها أنها لم تستعمل السحر لكي تُشفيها و إنما مُجرد نباتات و أشياء مِن الغابة مِما جعلني متعجب بِحق و محتار.
لديهم السحر فَلماذا يستعملون الطبيعة بالشفاء؟
قد سألتهم السؤال ذاته و أنا أقف في غرفة دينيسا مع الباقي عدا بيلا التي في الأسفل تُعيد تسخين الطعام لكون تالها أخذت وقتًا طويلاً بِالعمل على كانيلا.
كانت صرخات كانيلا ما جعلتني أركُض إلى الطابق العلوي و الغرفة لأكتشف أنها كانت تصرُخ لأنَّ تالها كانت تُعيد وضع عظام ركبتها إلى وضعها الأساسي قبل العمل عليها.
نحنُ نُفَضِّل الأعتماد على الطبيعة لأننا خُلقنا منها، فالكين. دينيسا أجابتني و هي جالسة على طرف سريرها تَعصِر قماشة فوق طبق مِن المياه الباردة لكي تضعها مجدداً على جبين كانيلا التي فقدت نفسها في النوم لأنَّ تالها أعطتها دواء جعلها تنام بسرعة كي لا تشعُر بالمزيد من الألم.
كما أننا نحمل سحر ضعيف لا يُمكن استعماله بالشفاء أو القتال و إنما بالأعمال البسيطة في حياتنا لا أكثر أو أقل. أضافَ كالون المُتكئ على الجدار بِجوار الباب المُغلق، مشابك ذراعيه أسفل صدره.
ألستُم مِن الأتلانتيانز؟ أنا سألتهما أنظُر مِن يميني على دينيسا التي تُمَرِر أناملها على شعر كانيلا المُبلل بِعرقها فالألم الذي شعرت به أثناء عمل تالها عليها، رفع مِن حرارتها بِشدة لِتلتقط سخونة خفيفة غير مؤذية.
صدرها يرتفع و يهبط بِأنفاس قوية لكنها سوف تكون على ما يرام عندما تستيقظ. شعرتُ بالحزن على أنها لن تشاركنا الطعام في الأسفل.
بلى نحن منهم، أعادتني دينيسا مِن أفكاري لأنظُر لها أجدها الأن تمسح العرق مِن على رقبة كانيلا بِقُماشة نظيفة جافة لتكمل
لكننا مُختلفين كَأختلاف أهل كُل الممالك في الخارج عن بعضها. نحنُ مِن الأتلانتيانز الأقل قوة و سِحرنا كَسحر طفل صغير لم يتطور أو يكبر في جسده بعد.
اومأتُ لهما أتفهم ذلك جيداً لأني قرأتُ مرةً عن وجود أنواع قليلة جداً مِن الأتلانتيانز لكني لم أكُن أعلم عن هذا النوع.
بالطبع لن تعلم به لأنهم مُختبئون في الغابة و يعيشون حياة مختلفة و خاصة بهم.
سَخِر مني صوت بِداخلي على أفكاري لأتجاهله و أركِز على الواقع.
ألقيتُ نظرة سريعة على العصا التي تكون بِنصف طولي تقريبًا تستريح على مؤخرة السرير. العصا مصنوعة بِطريقة خاصة لِمَن يمتلكون كسور في سيقانهم كَكانيلا. لها حمالة مِن وسطها و مسند في مقدمتها لكي يوضع تحت الإبط.
لقد أحضرها كالون لها عندما أخبرتنا تالها أنها لن تكون قادرة على المشي عليها بِشكلٍ طبيعي لِمُدة ستة أشهُر و إذا كانَ جسدها سريع الشفاء فقد يستغرق أربعة فقط.
كنتُ قد لعنتُ نفسي ألف مرة لأنني تركتها تمشي عليها في الأيام التي مضت في الغابة من دون الاكتراث لألمها و تحذيراتها عنها.
الحق عليّ.
و الآن هي لن تقدر على المشي جيداً أو لمَسافات طويلة لمُدة أربعة أو ستة أشهر بل يجب أن تستعمل العصا حتى تشفى بالكامل.
أضيفَت مُشكلة فوق مشكلة آخرى و فكرة الطيران أو المشي كي نعود إلى فالينيا تم مسحها من الوجود فَهذا لم يعُد خياراً.
هيي فالكين، ناداني كالون يبتعد عن الجدار يتقدم إليّ ليَضع يداً على كتفي الأيسَر ينظُر إلى كانيلا و شقيقته التي تغمِس القماشة ذاتها في طبق الماء، تعصرها ثم تُعيد وضعها على جبينها.
دعنا نذهب و ندعها تستريح. بِمُجرد استيقاظها سوف تكون كما كانت و أفضل حتى لكن مع العصا. في صوته مواساة و شكرته بِصمت على ذلك لأومئ له أوافقه الرأيّ أحدق بِحبيبتي قليلاً قبل أن أستدير و أغادر الغرفة.
تناولنا الغداء معًا من دون كانيلا و كونور لأنَّ مقعده ما يزال فارغًا فَهو لم يأتي مِن عمله الذي أخبرني كالون على أنه الصيد لكنه قال أنَّ كونور سوف يأتي على العشاء.
بالنسبة لِكانيلا فَهي ظلت نائمة إلى أن حان موعد العشاء لِتستيقظ و تجدنا معها في الغرفة لكن دينيسا أحضرت لها الطعام لكي تتناوله على السرير بِما أنها غير قادرة على الحركة حاليًا.
دينيسا أعتنت بِها جيداً أكثر مني حتى و أنا شكرتها كثيراً على ذلك و في كل مرة تَهُز هي رأسها تُلقي بيدها في الهواء لا تُبالي للأمر تقول أنه واجبها الأعتناء بِالأصدقاء.
لم تقل ضيوفًا، بل أصدقاء.
علي العشاء في اليوم التالي و نحنُ نُجَهِز الطعام على الطاولة نزلت بيلا مِن على الدرج تحمل بيدها سلتها ترتدي فستان نيلي طويل بِلا أكمام و على رأسها تاج جديد من الزهور لونها وردي.
توقفنا جميعنا عن العمل ثم التفتنا إليها أنا الوحيد أنظُر لها بِحيرة.
ألن تبقي على العشاء؟ أنا سألتها و هي تضع قُبلة على رأس دينيسا ثم انتقلت إلى ابنها تضع قُبلة آخرى على خده قبل أن تأتي إليّ و تُرَبِت على كتفي بِلطف.
مع الأسف لا. أنا عادةً لا أتناول العشاء في المنزل بِسبب عملي الذي لا ينتهي لكني سوف أراكم غداً على الفطور.
امأتُ أنا أتفهم ثم أعطتنا بسمة مِن بسماتها الدافئة بعدها مشت إلى الباب فتحته لِتُغادر و إذ بِشاب طويل القامة بِشعر بني طويل يصل لِأسفل كتفيه بعضًا من خُصلاته مضفورة عليها خَرَز ملون. لديه عيون بنية فاتحة و رسومات مختلفة على ذقنه، عظام وجنتيه تمتد على جسر أنفه، بين حاجبيه و فوقها حتى التي على رقبته كذلك.
لاحظتُ أنه أيضًا يمتلك ندبات كثيرة على جانب وجهه الايمَن، ندبات عميقة تبدأ مِن جبينه الأيمَن بِخُطوط رفيعة إلى عينه و أنفه كما أنَّ هنالك واحدة آخرى أكبر تبدأ مِن مؤخرة عينه و تمتد إلى وجنته و شفته العلوية.
أنحنى الرجل قليلاً بِظهره أرى وجود قوس و حمالة سهام مُعلقة عليه، يأخُذ يد بيلا كي يُقبلها ترتفع زاوية مِن شفتيه للأعلى بِبسمة بالكاد واضحة.
مسحت بيلا على رأسه ثم ربتَت على يده إلى تُمسك خاصتها قائلة
أهلاً بِعودتك، هل كانَ الصيد موفقًا؟
أومئ الشاب الذي أعتقد أنه كونور. رفع كونور يده الفارغة لِمُستوى كتفه العريض ثم أشارَ بِها لِشيء ما مِن خلفه كأنه يسألها سؤالاً صامتًا، اومأت بيلا له ثم أخبرته
يجب عليّ زيارة عائلة كوهيني و الاطمئنان على الوالدة.
أعاد كونور الإيماء بِرأسه ليبتعد عن طريقها يدع يدها حتى تُكمِل هي خروجها و تختفي في الليل. دخل كونور المنزل و أغلق الباب خلفه ليرفع رأسه و تتجمد قدميه عن الحركة، عينيه الناعِسة تحدق بي.
أهلاً بِعودتك كوني، لأعرفكَ على صديقنا الجديد، قال كالون يقف بِجانبي يُطَبطِب على ظهري مُكملاً
هذا فالكين و فالكين، هذا شقيقي الصغير كونور الذي يبدو أكبر مني. ضَع اللوم على الصيد و العضلات.
ابتسمتُ كونور ثم مَددتُ يدي إليه لكي أصافحه و هو بعد ثوانيٍ أخَذ خطواته نحوي يُمسك بِيدي يُصافحها فَهي لِدهشتي أكبر مِن خاصتي و أقوى. أشعُر أنني أصافح عملاق.
كِلاهُما ضخام البنية و أطول قامة مني. ما الذي يتناولونه بِحَق السماء؟
سُررتُ بالتعرُف عليكَ، كونور. قلتُ له بعد المُصافحة ليومئ هو بِرأسه يرُد التحية بِصمت.
لم أفهم لماذا السكوت. فَمنذُ قدومه لم يتفوه بِحرف واحد. على ما يبدو أنَّ كالون انتبه لِحيرتي لكوني أظهرتها على ملامح وَجهي مِن دون قصد ليَضرب هو ظهري بِخفة يعود إلى المطبخ بينما كونور بدء بِخلع قوسه و حمالة السهام عن ظهره.
كوني لا يمكنه التحدُث. جعلني كلام كالون ألتفت إليه رافع لِحواجبي.
لماذا؟
دخل كونور المطبخ يقف بِجانب شقيقه الكبير يأخُذ تفاحة مِن سلة الفواكه على جانب المنضدة ليَذهب إليه كالون و يَصفع يده يجعله يوقعها من قبضته.
لا تأكُل شيئًا و نحنُ نجهز العشاء و اذهب واغسل يديك القذرة.
شقلب كونور مُقلتيه على شقيقه لكنه أنصت إليه و ذهب إلى الحمام أسفل الدرج.
عندما سمعنا إغلاقه لِلباب التفت إليّ كالون مُتنهداً يبدو عليه الحُزن ثم أجابني
كونور نجى مِن تلكَ المأساة قبل سنين لكنه فقد شيء بالمُقابل، الوحش اللعين سبب له تلكَ الندبات و قطع له لسانه.
توَسعت عيناي لا إراديًا على كلامه. لم أكُن لأخمن ذلك و لو بعد مليون سنة. أخَذ كالون وعاءً صغيراً مِن الخشب ثم توَجّه إلى الطاولة ليَضعه عند إحدى الكراسي.
و لأنَّ سحرنا ضعيف و لدينا أدوية مَحدودة المفعول، لم نقدر على أنقاذ لسانه لهذا هو يتواصل مع الجميع بالإشارات فقط. اتكئ كالون على كرسيه ينظُر إليّ.
أنا أسف على ما حدث، كالون.
هزَ هو رأسه يبتسم بِخِفة باللحظة التي خرج كونور من الحمام نسمع كذلك أصوات أقدام أحدهم ينزل على الدرج.
التفتَ جميعنا نحوَ الصوت نرى دينيسا تُساعد كانيلا التي تحمل العصا أسفل أبطها بالنزول.
أردتُ الركض إليهما لكي أساعدهم بالنزول لكن كونور سبقني لكونه الأقرَب يصعد لهما مُسرِعًا يأخُذ العصا مِن ذراع كانيلا لكي يُعطيها لِشقيقته و يحمل كانيلا بِيديه يُفاجأها بالحركة قبل أن ينزل بِها إلى الأسفل بِسهولة كأنه يحمل ورقة.
وصلَ بِها إلى وسط الغرفة ثم أنزلها بِرفق و حذر على الأرض بينما أتَت دينيسا إليهم تُعطي العصا لِكانيلا مجدداً.
كانيلا شكرت كونور تحمر خجلاً ليَهُز هو رأسه يُعطيها بسمة صغيرة كأنه يُخبرها بأنَّ لا تبالي للأمر.
كانَ هذا لطفٌ منه لأبتسم أنا كذلك أشكُره بِصمت.
ذهبتُ إلى كانيلا أخذها مِن يدين دينيسا إلى الطاولة لكي تجلس على كرسي أحضره كالون مِن مؤخرة الطاولة.
لكنه مقعد والدك. قلتُ له أوقفه مِن يده قبل أن يضع الكرسي بِجوار خاصتي.
لم يُنصِت لي بَل وضعه ثم أشارَ لِكانيلا بالجلوس عليه. كانيلا نظرت لي بِحيرة و تساؤل ليقول كالون لا يكترث لِكلامي
لو كانَ والدي معنا اليوم، لأعطاها الكرسي خاصته مِن دون تردُد لهذا أجلس و دعونا نبدأ بِتناول الطعام لأنني أتضور جوعًا.
جلستُ أنا في مقعدي لا أجادله كَما جلس الجميع، نُصبح أنا و كانيلا على يسار الطاولة أما دينيسا جلست مكان والدتها على مقدمتها و بالنسبة لِكالون و كونور جلس كِلاهُما مُقابلنا و خلفهم النافذة التي تُغطيها الستائر البيضاء القصيرة.
و هكذا، تناولنا العشاء نتبادل أطراف الحديث و نضحك بين حين و آخر على نِكات كالون و قصص دينيسا (كونور ظل صامتًا يسمع و يبتسم فحسب) إلى أن حان موعد النوم الذي انتظرته منذُ بداية قدومنا إلى القرية.
قضينا ثلاثة أيام في راحة و لكي أكون صريحًا، شعرتُ بأنني في منزلي أكثر مِن أية قصر عشتُ به من قبل.
قد أكون ناكِراً لِلجميل و أناني على هذا الكلام لكني شعرتُ بأني على قيد الحياة. أنَّ الحياة رائعة لكننا لا نراها مِن زوايا مُختلفة و ننتقدها على أنها هي السبب في تعاستنا، أمراضنا، أحزاننا و غيرها و لكني أكتشتفتُ في الثلاثة أيام التي قضيتها مع هذه العائلة، أنَّ الشخص هو الذي يُقَرِر إذا كانت حياته جيدة أو سيئة.
و هذه العائلة علمتني أنَّ الحياة تجري كما هي و لا تختلف في أية يوم ولكن نحنُ منَ نُغير طريقها بِقراراتنا و أعمالنا و تعاملنا معها و ليست هي، ابداً.
كُلما كانت الحياة بسيطة كُلمات كانت أفضل.
هذه الجُملة سمعتها منهم جميعهم و ظلوا يُكَرِروها كُل يوم.
هذه القرية و جميع القرى التي تحيط بها تعيش في عالم خلقته بِنفسها. لا تهتم لِلمجهول و لا الغريب و إنما تُرَكِز على الموجود و الجميل.
لا تحزن على المَصائب للأبد بَل تُدير وجهها و تستمر في طريقها و دومًا شاكِرة و ممتنة مهما كانَ ما لديهم و ما ليس لديهم.
أخذتني هذه الأفكار و أنا أقطَع الحَطب مع كالون و الشمس مِن فوقنا دافئة على جلدنا. أصوات زقزقة العصافير تسمعها مِن قريب، ضحكات أهل القرية مرتفعة تملء الأجواء و مع أننا في فصل الشتاء إلاّ أنَّ اليوم ممتاز لِلذهاب في نزهة و لقد أشتقتُ لِتغير الفصول لكوني أعيش في مملكة فيها ربيع على مدار السنة.
وضعتُ حطبة كبيرة على مِنصة خشبية ثم عدلتُ مِن مسكتي لِلفأس بيداي الأثنتين بعدها رفعتُ الفأس فوق رأسي و أنزلته بِقوة كبيرة على الحطبة لأقطعها إلى نصفين.
أنتَ تقطع الخشب و كأنَك حطاب خبير بِعمله مع انها أول مرة، صحيح؟ سألني كالون يقف بعيداً عني بعض الشيء بِجوار مستودع الخشب الصغير و هو يقطع الحطب كذلك.
عرقه يلمع على وجهه و رقبته و الجُزء العلوي مِن جسده العاري. كنتُ أظُن أنَّ الرسومات موجودة فقط على الوجوه و الرقبة ولكني تفاجأت بالثانية التي خلع فيها قميصه لأرى مجموعة رسومات تزين جسده أيضًا.
ابتسمتُ أنا له أعود لِلعمل على تقطيع الحطب أجيبه
نعم، أنا لم أقطع حطب في حياتي. هنالك مَن يفعل هذا لنا في المملكة.
ضحك كالون بِخِفة يضع خشبة كبيرة على المنصة خاصته ليرفع الفأس فوق رأسه كأنه يرفع عصا خفيفة الوزن ثم بِحركة واحدة و سَلِسلة قطعها لِنصفين.
مع أنني أفعل ذات الشيء ولكنه أمهَر و حركاته أخَف و أسهل بِكثير فَهو الخبير في هذا المجال. لقد أخبرني انه بدأ العمل بِتقطيع الحطب منذُ أن كانَ عمره عشرة سنين فقط و أصبح حطاب قرية أولينا في سِن الثالثة عشر مع والده قبل وفاته.
ماذا تعمل في قصر فالينيا؟ لقد سمعت أنَّ الملك فالين، شخص قوي جداً لكنه أيضًا رحيم و يُحِب مملكته. تساءل كالون بِفضول يمسح عرق جبينه بِذراعه لا يبدو عليه التعب بتاتًا بِعكسي أنا الذي ألهَث كأني ركضتُ مسافة كيلومترات.
وضعتُ خشبة سمينة آخرى على المِنصة قبل أن أجيب أركِز على قطعها بِنفس الوقت أفكِر بِالذي سأقوله لأني، لستُ أدري ما عملي بالضبط في القصر الملكي.
أنا، أنا لا أمتلك وظيفة مُعينة في القصر فأنا كَحَلال المشاكل و مُساعد الملك حين يحتاجني.
أخرج كالون صوتً مِن حلقه بدى كالضحكة يتوقف عن التقطيع يضع فأسه على الأرض ويتكئ عليه بِمرفقيه يضع كاحِلاً فوق الأخر.
هكذا إذاً؟ لكن إجابتك كانت، غير واضِحة، و أنتَ ترددَت. يبدو انكَ لستَ سعيداً بِذلك. صمت هو لِلحظة ظننتُ فيها أنه لن يُكمل لكنه أكمل يسألني بِقلق
فالكين، هل أنتَ سعيد في القصر؟
أنا سعيد.
إجابتي تفتقِر إلى الصدق و السعادة التي ذكرتُها و أراهِن أنه لاحظ ذلك ولكن لحُسن الحظ، لم يقل أيّ شيء و هو لم يسأل كما أنني لم أتوقف عن التقطيع لأني لا أريد النظَر له لكونه مُحق و هو لم يضغط عليّ عندما لم أتفوه بِكلمة آخرى بل أمسك بِفأسه و عاد إلى عمله في صمت.
لا يهُم بعد الآن، فالقرية ترحِب بِالجميع و أنتَ تعرفت على أهلها البارحة. إن ذهبت إلى مملكتك و بعد أشهُر، سنين أو قرون قررت العودة، أبواب القرية مفتوحة لك دائمًا. كَسر كالون الصمت لِتتجمد يدايّ تحمل الفأس قريب من الخشبة التي كدتُ أن أقطعها ثم رفعتُ رأسي أنظر له أجده يعمل.
لكن القرية لا أبواب لها. تمتمتُ له توجد ذرة ضحك في صوتي أجعله يتوقف مثلي ليِتتقابل عينيه بِعيوني و ترتسِم بسمة عريضة على شفتيه قبل أن يُخبرني
و هذا هو بيت القصيد.
حان وقت العشاء و الطاولة جاهزة كما أنَّ الجميع متواجد عدا بيلا لكونها لا تتعشى مع عائلتها بِسبب عملها ولكنها أخبرتنا أنها ستعود في وقت الشاي.
طرقتُ أنا باب غرفة دينيسا و كانيلا، أنتظِر إلى أن سمعت صوت رقيق من الداخل يقول
أدخل!
فتحتُ الباب قليلاً أظهِر رأسي مِن خلفه أرى كانيلا تُغلق مَشَد خصرها الأسود و أسفله قميص أبيض بعدها بدأت تُكافح بالنهوض مِن على السرير و هي تَحمل العصا بيدها اليُمنى.
ابتسمت لي بِلُطف ثم أشارت بِذقنها لكي أدخُل. ذهبتُ أنا مُسرعًا نحوها حتى أساعدها و تركها تتكئ عليّ أكثر مِن العصا فَهي بعد ثلاثة أيام لم تعتد كثيراً عليها و تحتاج المزيد من الوقت.
شكراً لك. تمتم لي تقف جيداً بِجانبي لِيقع مِن كُم قميصها ورقة ما على الأرض.
آوه يا إلهي. هَمست هي تنحني لكي تلتقطها لأسبقها أنا أخُذها أولاً ألقي نظرة عليها.
عقدتُ حواجبي عندما لاحظت أنها ليست ورقة و إنما بطاقة مِن حجم كف يدي تقريبًا. تبدو قديمة كما لو أنها طوتها عِدة مرات و فتحتها لكن مُحتواها أغرب.
فيها تمثال لأمرأة على عينيها قطعة قُماشة تُغطيها، يديها مرفوعة لِمُستوى صدرها و كفوفها لِلأعلى. فوق كَف توجَد كُرة كبيرة تبدو كالشمس و بِداخلها كُرة صغيرة جداً بِحجم لؤلؤة لكنها سوداء اللون بينما بيدها الأخرى كرة بيضاء شكلها كالقمر و بداخلها أيضًا كُرة صغيرة لكن لونها أصفر من لون الشمس.
رمشتُ عِدة مرات عليها لا أفهم ما تعنيه قبل أن تسحبها كانيلا مِن قبضتي تبتسم بِتوتر تُخفيها خلف ظهرها.
هل هذه لكِ؟ أنا سألتها بِغباء، بالطبع هي لها.
اومأت بِخِفة لِأضيف سؤالاً آخراً
هل كنتِ تحتفظين بِها طوال الوقت؟
إيماء رأس منها كانَ الإجابة الوحيدة.
ما الذي يحدث؟ هل أكل القط لسانها أم ماذا؟
و أين ذلك القط الذي سأقتله؟
مِن أين أحضرتِها؟ فَهي تبدو كَورقة يمتلكونها العرافين.
بلعت هي ريقها عينيها تتحرك على عيناي لأرفع حواجبي أنتظِر منها الرد
أمممم هذه بالفعل مِن عراف لكن الأمر لا يهم، دعنا نذهب.
امسكتُ بِذراعها امنعها مِن إكمال طريقها إلى الباب أديرها بِخِفة و حذر نحوي لكي لا تؤلمها ساقها.
أنتِ تتصرفين بِغرابة كانيلا مع أنني اسأل عن بطاقة و ليسَ عن إن ما كنتِ العراف نفسه، أنتِ بأمكانكِ أخباري، ما الخطب؟
ضغطت بِشفتيها على نفسها حتى أصبحت خطًا رفيعًا تُشيح بِبصرها على البطاقة تتمعن بِها كأنها تراها لأول مرة قبل أن تتنهد و تجلس مجدداً على طرف السرير.
لحقتُ أنا بِها أجلس جنبها أنظُر معها على البطاقة التي كُلما حركتها أسفل أضواء الغرفة، تلمع بألوان جميلة و ساحِرة مِن على أطرافها.
عندما كُنا في مملكة سنويان و خاصةً في المدينة، دخلتُ أنا و إكسانا متجر لِعراف عجيب قد قرأني كالكتاب و عرف أسراري لكنه و بِطريقةٍ ما حاول مُساعدتي و هذه البطاقة، أعطاني إياها لكي أتذكَر الخيارات الموجودة لديّ.
ما الذي تعنينه بِذلك؟
امسكتُ هي بِيدي ثم فتحتها و وضعت البطاقة فيها و بدأت تشرح لي ما معناها
البطاقة تُدعى الميزان، أنا الميزان لكن الشمس و القمر أوزان متساوية، عليّ أختيار واحد منها لكي أتحرر مِن الأثقال في حياتي، أشارت بأصبع سباب على الشمس فوق يَد المرأة أو الميزان تكمل شرحها
الشمس هي الحياة، جميلة و مُشرقة ولكن هذا السواد، أشارت على الكُرة الصغيرة في بِداخلها هي ما تجعلني تعيسة، كئيبة و حزينة، بينما القمر هنا،.
وضعتُ أصبعها نفسه على القمر
الحياة الصعبة، الميؤوس منها بِظلام يُغطي على الكثير ولكن هذه الشمس بِداخلها، نقرت على الكُرة الصفراء مرتين لِتتابع مبتسمة بِخِفة مع نفسها
هي سعادة، جمال و شمسي التي تنير ظلامي و تجعلني أنسى الهموم و الحزن الذي يرافقني دومًا.
ما معنى كُل هذا كانيلا؟ أنا لا أفهم ثقتك بِكِلام عراف لا تعرفينه اصلاً في وسط مدينة و مملكة مختلفة. قلتُ لها أحدق بِجانب وجهها و هي ما زالت تنظر بالبطاقة.
كانَ عليّ الأختيار بين الشمس و القمر. و أنا أبقيتُ البطاقة معي كُل يوم منذُ أن أعطاني إياها العراف الذي عرف ما بِداخلي من دون أن يعرفني أنا.
هنا رفعت رأسها نحوي ترفع يدها لِوجهي تلمِس وجنتي بِرفق تمسح عليه و في عينيها الجميلة تتجمع دموع.
عراف غريب كَفيف لم أكُن أثق به أعطاني أملاً و إشارات على أنه لم يَفُت الأوان بعد و كانَ مَحقًا كما أنني محقة بأختيار.
وضعتُ يدي فوق يدها أميل رأسي قليلاً على يدها التي تلمِس وجنتي لاسألها بِهمس
و ماذا أخترتِ؟
ابتسامتها توَسعت تُظهِر أسنانها اللؤلؤية لِتنهمِر دمعة واحدة على خدها و تضحك لِلحظة قبل أن تُجيب
القمر. أخترتُ أن أمشي في ظلام و معي شمس تُنير طريقي طوال الوقت و تبقيني في أمان.
عرفتُ أنني تلكَ الشمس التي تحدثت عنها و أنَّ ماضيها ذلك القمر. مُقارنتي بالشمس بدى فُكاهيًا بعض الشيء لكني تقبلتُ ذلك بِسرور. ابتسامتها معدية لأبتسم معها اومئ أريها أنني الأن أفهم جيداً معنى البطاقة و ماذا تكون بالنسبة لها لكي تُبقيها معها منذُ أن تلقتها مِن ذلك العراف الذي سأبحث عنه يومًا ما لكي أشكره.
فالكين، تمتمت كانيلا باسمي تجعل ابتساماتنا تموت بِبطء لأرى شيئًا على ملامح وجهها الجاذبة، جعل من قلبي يقفز نبضة.
أنا أحب.
أغلقتُ فمها بسرعة قبل أن تلفظ بِتلكَ الكلمة. عينيها توَسعت بِدهشة و حيرة من فعلتي لأبعد يدي عن فمها بِبطء أبعد خُصلات كبيرة من شعرها عن كتفها لِلوراء، أكشف المنطقة بين رقبتها و كتفها.
أنحنيتُ قليلاً نحوها ثم قبلتُ المنطقة ناعِمة الملمس بِخِفة اسمعها تشهق و أشعر بِجسدها يرتعش من اللمسة.
أبعدتُ شفتاي عن جلدها ثم همستُ لها
أنا أريد قولها لكِ أولاً.
نبضات قلبها هاجَت و أصبحت كالموسيقى الأجمل على الأطلاق لأذُنايّ. قبلتُ جانب رقبتها أستنشق رائحتها اللذيذة قبل أن أبتعد عنها قليلاً و أنظُر لها في العينين أراها تُغطي فمها و عينيها مَخفية أعلم انها تبتسم بِشدة.
امسكتُ وجهها بِكِلتا يدايّ لِتبعد يديها عن فمها أجدها بالفعل تبتسم لِتنهمر دمعة آخرى و تسقط على حضنها.
فالكين،.
و أنتِ شمسة ليلي، كانيلا هاندسين و أنا لا أعتقد أنني أحببتُ أحداً مثلما أحبكِ أنتِ.
كما لو أنها لم تتوقع سماع الكلمات تغادر فمي، تبحلقت عينيها و توقفت عن الرجف و البكاء لأعيد أنا قولها أقبل جبينها
أحبكِ أيتها البشرية أو أيًا كنتِ، فَلقد أوقعتني بِحُبك منذُ اليوم الأول و سأظل أقع به إلى أخِر نفس أخذه في هذه الحياة و الحياة التي بعدها.
نظرتُ في عينيها التي حبستني فيها منذُ اليوم الأول الذي أتيتُ فيه لِفالينيا. هي آخرجت نفسًا متقطعًا مِن فمها تحني رأسها بعض الشيء تمسح دموعها. حركت رأسها للأعلى تتقابل عينيها بِخاصتي قبل أن تفتح فمها و تقول
وأنا أحبكَ فالكين لوماريل، أيها الأمير المَغرور.
فاجأتني بِنعتها لي بالمَغرور مع أنَّ أول كلمتين جعلتني أسعَد جني على وجه الأرض لأرجع رأسي لِلخلف و أخرج ضحكة مرتفعة أعلم أنَّ مَن ينتظِرنا على العشاء في الطابق السُفلي و مَن في القرية سمعها جيداً و أنا لم أكترث.
عندما توقفتُ عن الضحك فتحتُ فمي لكي رُبما ألقي بعض الأسماء التي كومتها لكشفي شخصياتها المُختلفة من الغابة قبل أيام وقت غضبها و إذ بي أهَسهِس من بين أسناني بِقوة مِن ألم حقير ظهر مِن دون سابق أنذار في منتصف ظهري.
الألم ليسَ عادي بتاتًا و إنما ألم حرق، كأن جلدي يحترق. لم أشعُر بِشيء كَهذا من قبل و أنا الذي يمتلك قوة من النار.
فالكين ما الخطب؟ سألتني كانيلا تتحول تعابير وجهها السعيدة إلى القلقة و الخائفة بِسرعة.
نهضتُ على ساقاي ألعن تحت أنفاسي أحاول خلع قميصي و أنا أرجع خطوات إلى الوراء لأرتطم بِكُرسي صغير يعود لِلتسريحة. الكرسي أرتطم بِالتسريحة كذلك يوقع بعضًا مِن قارورات العطور و أشياء خاصة بالنساء.
وقوعها على الأرضية الخشبية سَبَب ضجة كبيرة أو ربما زلزال لكني لم أتوقف لكي أخذها و أعيدها إلى مكانها و إنما مَزقتُ أزرار قميصي ثم ذهبتُ إلى المرأة بالقُرب مِن التسريحة أعطي ظهري لها حتى أنظُر على ظهري.
تجمدتُ في مطرحي، الجُزء العلوي مِن جسدي عاري أحدق بِظهرها مفتوح الفم على مصراعيه فاقِد لِلكلمات و عقلي يلعب لعبة القفز على الحبل على ما أراه.
هنالك في منتصف ظهري و في كل المنطقة العلوية منه يمتد وشم أسود إلى أكتافي و القليل مِن أذرُعي العلوية، على شكل جناحين و بينهما اسم، أحرفه أعرفها معًا جيداً.
كانيلا.
هنالك وشم أسود لِجناحين سوداء و بينهما اسم حبيبتي على ظهري و ذراعايّ.
وشم!
رمشتُ عِدة مرات على المنظَر لا أعلم مِن أين أتى هذا الوشم لأني بكُل تأكيد لا أتذكَر أنني حصلتُ على واحد لأني لم أخطط يومًا لِلحصول على وشم ولو صغير و الأن لديّ أكبر حجم مُمكن منه على جسدي.
ما الذي لم أكمل جملتي لِتقاطعني صرخة صغيرة مِن حلق كانيلا تجذب انتباهي عن وشمي في المرآة.
وضعت هي يدها على كتفها الأيسَر مكان تواجُد وشمها ثم فتحت أول أزرار قميصها و كشفت عن كتفها لِنرى كِلانا الوردة الكبيرة تكتمل بِبتلتها الآخيرة.
الوشم بِطريقةٍ ما يرسُم نفسه بِبطء، يُخرِج منه شعاع طفيف أبيض نرى بينما البتلة الخامسة عشر تُصبح كاملة مع باقي البتلات.
وشمها أكتمل.
ماذا يعني هذا؟ سألتُها أنا لا يدخُل عقلي شيء من ما يحدث معنا.
أردتُ أن أقرُص نفسي كي أستيقظت لعلي نائم لكن باب الغرفة فُتِح بسرعة و ظهر مِن خلفه كُلاً مِن كالون و دينيسا وجوهَهُم قلقة و أنفاسهم سريعة كأنهما ركضا إلينا.
لقد سمعنا الصُراخ! قالت دينيسا تحدق بِكِلينا لِتتحول تعابيرها مِن القلقة لِلمَصعوقة ترى وشمي في انعكاس المرآة و وشم كانيلا على كتفها.
تقدم كالون إلى جانب شقيقته، شابك ذراعيه أمام صدره ينظُر مني و لِكانيلا باستمرار إلى أن ابتسم و قال
واو هذا رائع.
لقد أخبرنا الشقيقان عن حقيقة كوننا أنصاف بعضنا أو لستُ أعرف ماذا يسميه الشخص.
روح الآخر؟ نصف الروح؟ نصف آخَر؟ لم أجِد الكلمة المُناسبة لِوصف ما بيننا لكنهما تفهما ما أعنيه و قال كالون أنه أمر سمعوا عنه لكنه غير موجود بينهم و لو كانَ موجوداً فهم لم يروا أثنان يجتمعان على هذا الأساس.
و نحنُ أول ثنائي.
بعد أن تمنى كِلاهُما لنا السعادة الأبدية و بعد أن أخَذ كالون يتمعن بِشكل الوشم الذي اتضح أنه ظهر كَعلامة على إزالة اللعنة عن كانيلا لكوني أعترفتُ لها بِحقيقة مشاعري و هذا ما كانَت تنتظره منذُ سنين، تركونا لوحدنا قليلاً بعد من أجل أن نتحدث عن ما جرى.
كانيلا قالت انها متأكدة مِن أنَّ اللعنة تمت إزالتها عند ظهور ذلك الوشم على ظهري و اسمها بينه. أعني هذا واضح وضوح الشمس لكني واجهتُ صعوبة بِالتصديق.
اللعنة زالت و الأن أنا و كانيلا واحِد.
روح و جسد و قلب واحد.
ننتمي لِبعضنا.
بِهذه السهولة، مِن كلمتين و في لحظات انتهت اللعنة التي طال عمرها لِعقدين.
مضحك لا؟
و غير ذلك ربما صمتنا قليلاً و أكملنا نقاشنا بِالقُبلات و المزيد مِن التغزل و القُبلات.
هل ذكرتُ التقبيل مِن قبل؟
أخذتُ بعدها كانيلا خارج الغرفة و هي تتكئ على العصا لأنها أخبرتني أنها تود الاعتياد عليها و عدم أنتظار أحدهم لكي يُساعدها بالمشي ثم بدأنا ننزل الدرج (هذه المرة سمحت لي بالمُساعدة).
لم نكمل أول أربعة أدراج لِنرى كالون يقف في الأسفل و خلف مقعد مِن الخشب المائل لِلأبيض ذراعيه مَفرودة في الهواء كأنه سيعانق العالم بأكمله.
مُفاجئة! صاح هو يُظهِر أسنانه كلها بابتسامة عملاقة لِنتبادل أنا و كانيلا النظرات المُستغربة قبل أن أنظُر لِكالون و اسأله
ما هذا؟
امسك كالون بالكرسي ثم قربه مِن الدرج بينما دينيسا تقف مُشابكة لِذراعيها عند الطاولة أما كونور متكئ على مؤخرة الكنبة الكبيرة يُشاهدنا بِهدوء زاوية من شفتيه مرفوعة بِخفة.
مقعد يُسَهِل على كانيلا الحركة و يُخَفِف مِن الضغط على ذراعها و ساقيها. أجابني كالون يُشير لِنا بالنزول بِسرعة. الحماس على ملامحه كَقوة شعاع الشمس في يوم صيف.
أنزلتُ كانيلا بِحذر مِن على الدرج إلى أن وصلنا لِأمام الكرسي لأضعها عليها أخُذ منها العصا حتى أرفع ساقيها على مسند الساقين أسفل المقعد لِتريح نفسها.
رمشت هي مرتين على المقعد الذي تجلس فيه منبهرة كما أنها بدأت ترسم بسمة جميلة على شفتيها، سعيدة مِن الآن به.
هذا، متى صنعته؟ سألته كانيلا تلمس المقعد تتحسسه بِأناملها.
لعب كالون بِأقراط أذُنيه الفضية وجنتيه تحمر و هو يُجيبها
قد أكون حطاب لكني أيضًا أعمل كَنجار. أخذَ مني ليلة فقط بِصنعه.
نظرت له كانيلا بامتنان تمسك يده بِيديها الاثنتين
انه مريح جداً، شكراً لكَ كالون. لا أعرف كيف سأرد لكَ الجميل.
ربت هو على يدها يهُز رأسه قائلاً
لا تقولي هذا، أنتم مِن العائلة الأن و أعتبريها هدية، أمممم أندماجكم معًا؟
ضحكت دينيسا مِن عند الطاولة على الكلمة لِتقهقه كانيلا مِن وراء يدها تحني رأسها بينما أنا وضعتُ يدي على كتفه أجعله يوقف رمقه لِأخته اجذب انتباهه إليّ.
و مع ذلك نحنُ ممتنون لكم على كل شيء فعلتموه لنا مِن كرم و لُطف.
مِن حُسن حظكم أنَّ بيلا ليست هنا و إلاّ كنتم في عِداد الموت. سخرت دينيسا تتقدم إلينا لتُمسك بِمقعد كانيلا و تحركه باتجاه الطاولة تدعونا على العشاء الذي اضطروا على تسخينه لأكثر من مرتين بِسببنا.
بالمُناسبة، لماذا تنادونَ والدتكم باسمها و ليس بِ، أمي مثلاً؟ كانيلا مَن سألت السؤال الأكبر على الأطلاق الذي لم يدع أفكاري و شأنها.
أوقفت دينيسا المقعد بِجانب مقعدي لِتذهب و تجلس في خاصتها على مقدمة الطاولة. كالون و كونور أخذو مواقعهم المُعتادة أثناء رد كالون على السؤال بِدلاً من أخته
تعبير عن الحُب و الأحترام.
و أنا أعدل مِن جلستي، رفعتُ حاجبًا للأعلى على ذلك ليُخرج هو ضحكة من حلقه يَسكُب بعضًا مِن النبيذ المَصنوع يدويًا في القرية في كأسي و كأس كانيلا قبل أن ينتقل لِكؤوسهم.
نحنُ يا عزيزي فالكين، بدأت دينيسا تبرر الأمر أكثر
نفضل الاسماء على الألقاب انها كَعلامة للأحترام و خصيصًا لِمن هُم أكبر منا سنًا.
هذا، مثير لِلأهتمام لكنه مُختلف و جميل. أضافت كانيلا تعليقًا لتبتسم لها دينيسا تحمل بيدها ملعقة خشبية لكي تبدأ تناولها لِلحساء بالطماطم و رقائق الخبز المقرمش.
و هكذا أكملنا تناول العشاء جميعنا معًا كما نفعل كل يوم و كما فعلنا في اليوم التالي و الذي يليه لِنقضي خمسة أيام في أمان و سعادة مع هذه العائلة.
في مساء اليوم السادس، جلسنا مع الأشقاء كالون و كونور عند مدفأة الحطب و بيدين كل واحد منا كوب شاي ساخن، دخانه الأبيض يطفوا منه للأعلى قبل أن يختفي.
أننا نتبادل أطراف الحديث و نضحك على شيء قاله كالون ننتظِر بيلا و دينيسا. بيلا كَما هو حالها ستعود مِن عملها و تنضم لنا أما دينيسا ذهبت منذُ ثلاثة ساعات إلى صديقتها مِن أجل أن تزورها بعد ولادتها و سوف تعود قريبًا كذلك.
بينما نحنُ نتحدث عن الممالك الستة لكون كالون سألني يشعُر بالفضول عنها، دخلت دينيسا تحمل سلة بيلا التي رافقتها إلى الداخل تُغلق الباب خلفها.
استقبلناهم بِابتسامات كبيرة قبل أن تجلس دينيسا بين شقيقيها على الكنبة على يمين الرئيسية في المنتصف تزعجهما لأنها صغيرة و بالكاد تسع الشقيقان صاحبين الأجسام الضخمة العضلية.
آوه اخرسوا و تحملوني! قالت لهما لا تكترث على زمجرتهم تُعيد ظهرها على الكنبة تضع ساق طويلة فوق الأخرى ينكشف فخذها الأيمَن.
أشحتُ نظري بسرعة على بيلا التي جلست في وسط الكنبة الكبيرة بينما أنا و كانيلا على الكنبة اليُسرى الموحدة. كانيلا تجلس عليها و أنا على مسندها ساق واحدة تلامس الأرضية.
تنهدت بيلا مِن الأرهاق الواضح عليها تدلك المنطقة بين عينيها تتأفَأف، لون نار المدفأ تنعكس على بشرتها تجعلها برونزية.
يجب عليكِ أخَذ إجازة لِمُدة سبعين سنة أو أكثر. أخبرتها دينيسا تخرج ضحكة مِن مؤخرة حلقها لِتُشاركها بيلا ذات الشيء تفتح عينيها تحدق بِأولادها.
هذا ليسَ كلامًا يُقال عن عمل أحبه ولكني لا أنكُر أنني أتعب بعد هذا السن.
تقدم كالون للأمام بِجسده يُركي مرفقيه على ركبتيه يشابك أصابعه بِبعضها بينهما.
من شكلك أخمن أنَّ لديكِ أخبار.
اومأت بيلا مرةً تلقي نظرة على المقعد الذي صنعه كالون لِكانيلا يقف فارغ بالقرب مني قبل أن ترُد عليه و أخيراً ترسم بسمة مِن القلب
لديّ أخبار جميلة لِطيور الحُب هنا. ألقَت ذقنها نحوي أنا و كانيلا نصبح مركز الأهتمام الآن.
رفعتُ حواجبي متعجب مِن كلامها لكني أندفعتُ بِحماس اسألها
ماذا تقصدين؟
أولينتيا، لقد عادت مِن رحلتها و لقد قابلتها في منزلها و أخبرتها عنكما و هي وافقت بِرؤيتكما لكن،.
لكن؟ سألت كانيلا تتقدم بِجسدها على مسند الكنبة تنتظرها بِنفاذ صبر.
هنا نظرت بيلا لِأبنتها لِفترة، كلاهما يخوضان نقاشًا ما بالعينين إلى أن كسرت دينيسا الصمت الثقيل تُجيبها
مِن دون أو بِقصد، أنزلقَ خبر كونكما رفيقيّ روح الآخر مِن لساني لِينتشر الخبر في كل القرية،.
فتحت كانيلا فمها يبدو أنها ستعترض لِترفع دينيسا يدها أمامها توقفها كي تتابع كلامها تبرِر موقفها بِبسمة ماكِرة
و لأننا لا نأتي بِزوار كل يوم، قررنا أن نحتفل بكما على طريقتنا و نجعلكما زوجين رسميين.
إن وافقتما طبعًا. أضاف كالون ليومئ كونور يوافقه.
و أولينتيا سوف تكون حاضرة الاحتفال لكي تكمل مراسم الزواج بِمباركتها. أكملت بيلا أيضًا ليُضيف كالون مجدداً
إن وافقتما طبعًا.
أومئ كونور بِرأسه يوافقه كلامه.
رمشتُ انا عليهم جميعًا لأشعُر بِكانيلا تلمس ذراعي تأخُذ انتباهي. انها تبدو مترددة و غير واثقة جداً من الاقتراح الاحتفال و الزواج لكن البسمة الصغيرة الدافئة على شفتيها جعلتني اتنهد بِشدة و أنظُر لِلعائلة التي لم تفعل شيئًا سوى أسعادنا كِلانا.
مع أنني كنتُ أخطط لِطلب يدها بِطريقة آخرى ولكن الزواج في هذه القرية و كسب مُباركة قائدتها فرصة لا تعوض بِغيرها.
سيَسعدنا الزواج و الأحتفال بِه مع أهل القرية و معكم. قالت كانيلا بِنبرة راقية و هادئة لتومئ بيلا بينما دينيسا صفقت بِفرحة تعلو وجهها كَأشقائها.
ولكن أنتِ ذكرتِ أنَّ هنالك شرط لِمُقابلة أولينتيا. ما هو؟ عدتُ أنا لِموضوع الرئيسي اسألهم.
نعم صحيح، ردت بيلا أولينيتا توَد رؤيتكما أولاً قبل مقابلتكما لوحدكما شخصيًا في منزلها و أخبرتني أنها قد تكون قادرة على مساعدتكما في مسألة عودتكما إلى مملكة فالينيا.
أنا و كانيلا جلسنا مُستقيمين الظهور كُلنا أذان صاغية على سماعنا لِكلامها الذي انتظرناه لأيام.
لِلتأخير خير، صديقي. قال كالون يَغمِز لي لأخرِج زفيراً عميقًا مِن أنفي اومئ لهم جميعهم عِدة مرات لكن فرحتنا و جلستنا اللطيفة لم تكتمل لكون مجموعة صرخات عالية ظهرت مِن الخارج جعلتنا نحدق بِباب المنزل و ننهض على أقدامنا.
ركض كونور مسرعًا نحوَ النافذة خلف طاولة الطعام يبعِد الستائر عنها حتى ينظُر و يعرف ما الخطب. بِذات اللحظة طرق الباب باستمرار و بِقوة جعل قلبي ينتفض إثر قوتها، أحسستُ بِه سينكسر لو لم يركض كالون و يفتحه قائلاً
ما المشكلة!
ظهر مِن الجهة الأخرى طفل يبدو في سن الخامسة أو السادسة عشر عينيه الخضراء متبحلقة بدت و كأنها ستخرُج من مكانها يُشير بيده على الاتجاه من فوق كتفه
انه، انه يدمر القرية! نح-نحتاج المساعدة كالون!
ما الذي يدمر القرية؟
فتح الشاب فمه ثم أغلقه عِدة مرات كأنه غير قادر على اللفظ باسمه ليبلع ريقه يُهدئ مِن روعه مع أننا جاسون على أعصابنا ثم أجابه
ال-الكونكاسا، وحش الكونكاسا قد عاد!
حرك كالون رأسه باتجاه أشقائه أولاً ثم أشاحه على والدته وجهه شاحِب اللون.