رواية تحت الغطاء الأبيض الجزء الثاني للكاتبة مينار الفصل الرابع والثلاثون
باللحظة التي سمعتُ فيها الجُملة تخرج مِن فم الخادمة، أخذتني ساقاي تلقائيًا الى خارج المكتب أركض الى الطابق الأعلى الذي تكون فيه غرفة كانيلا.
لحقتني أصوات أقدام غير خاصتي على بِساط الرُدهات و سمعتُ على ما يبدو أن بلايز الذي يُناديني لكنني لم أتوقف و أكملتُ ركضي بأسرع ما يمكنني لا أهتم إن دفعتُ خادمة من دون قصد أو عندما نادتني فينار لرؤيتها لي مذعور الوجه.
ركضت و ركضت و قلبي ركض معي، يُلاحقني بِنبضاته الهائجة و الأعصار الذي حَل على دماغي أو لنقول الاسم الذي تَكَرر فيه.
كانيلا.
كانيلا.
كانيلا لا تستيقظ.
انها ليست على ما يرام.
كيف حدث هذا و ماذا و متى حدث؟
لقد رأيتها بِخير و سالمة في الليلة الماضية في الحديقة عندما تحدثنا عن ذهابها الى مملكة البحار.
ما الذي يجري مع هذه المرأة؟ كل يوم شيء، كل يوم مُصيبة، كل يوم ألَم و صُراخ أو رؤيتها فقط، جسد من غير روح.
ركضتُ مِن بين خادِميّن يحملان أواني زجاجية و لكوني مسرعاً لا أرى ما أمامي عدا الطريق الذي سيأخُذني الى كانيلا، ارتطموا أكتافي بِخاصتهم و أوقعوا إثر ذلك، ما يحملونه على الأرضية لينكسروا و تنتشِر قِطع الزجاج في كل مكان.
أحسَستُ بِشيء حاد يُمزِق جلد فخدي الأيمَن لكني لم أكترث و أكملت.
في دقيقة و ربما أقَل، أصبحتُ عند باب الغرفة و خلفي تمامًا، دافني خادمة كانيلا. لم أنتظرها لأني لا اريد تَضّيع المزيد من الوقت لهذا فتحتُ الباب بِقوى أجعل مِن الثُريا التي تُنير الغرفة، تهتز زجاجاتها على شكل ندى بِبعضها.
كئيبة.
كانت أول كلمة خطرت على بالي عندما دخلتُ الغرفة و ضربتني نسمة هواء الربيع التي تدخُل عبر أبواب الشُرفة الشبه مفتوحة.
مع انها غرفة جميلة و مُرتبة و لها لمسة أنثوية إلا انها، كئيبة بِسبب أجوائها.
و هناك!
كانيلا مُستلقية على ظهرها فوق سريرها و نصف جسدها مُغطى بِغطائها، وجهها منكمش و من هذه المنطقة أستطيع رؤيتها تُعاني في نومها.
كانيلا! صحتُ أذهب اليها أجثوا على ركبتاي عند السرير ألقي نظرة قريبة عليها.
انها تتعرق بِشدة، شعرها مُلتصِق بِوجهها و شفتيها شاحبة حتى وجهها بدى أصفَر، عيونها المُغلقة تتحرك أسفل جفونها و تُتَمتِم كلمات هامِسة لا أفهمها في نومها.
انها تحلم.
رفعتُ يدي لكي ألمس جبينها و إذ بِإكسانا تُمسِك بِأصبعي توقفني مندفعة
لا تلمسها!
حركتُ رأسي لها بِسرعة مُنصدم لا أذكُر وجودها في الغرفة.
لماذا؟ ما خطبها؟
تركَت أصبعي ثم تنهدت دموع لا تُغادر عينيها الصغيرة تتجمع و هي تنظُر لِسيدتها.
حرارتها مرتفعة جداً و كُلما لمسها أحدهم، تنتفض بِقسوة.
عدتُ أنظُر لِكانيلا ألاحِظ الأن، أنَ هنالك حقًا حرارة تندفع مِن جسدها نحوي كما لو انها نيران مُشتعلة لكنها خفيفة جداً لن تشعُر بِدفئها إلا إذا اقتربت.
فالكين! أتى فالين مِن خلفي و معه فينار و بلايز أما الخادمة تقف عند أقدام كانيلا أخِر السرير رأسها مُنحني و يدها على فمها.
يا للهول. هَمست فينار تقف بِجانبي تلمس جبينها قبل أن أحذرها و كانيلا كما أخبرتني مُرافقتها السحرية، انتفضَت كأنَ أحدهم سكب دلو مياه ثلجية على كامل جسدها، تتأوه في نومها.
انها تحترق. تَمتَمت فينار بالواضِح لتَلتفِت الى الخادمة و تسألها مُعقدة الحواجب
ما بِها؟ فَلقد كانت بخير في الصباح الباكِر.
حتى انا رأيتها في الأسطبل مع مايكا و لم يكُن فيها شيء. أضاف فالين يديه على خصره و عينيه الملوَنة على النائمة.
هَزت الخادمة رأسها تَنشُق مِن أنفها قبل رفع رأسها نحوى الأميرة كي تُجيب
فجأة مرضت و لم يعُد لها طاقة بالحركة. في البداية قلنا انه أمر طبيعي بِما انها تُعاني من مشاكل منذُ سنين و لكنها أخذت دوائها كما ذكرت إكسانا،.
أشارت بِعينيها على الصغيرة لتومئ إكسانا تؤكِد كلامها قبل أن تتابع الخادمة بين شهقات بُكائها
لكن سيدتي قالت انه ربما بِسبب الوقت من الشهر فَجميع الفتيات يَمرضن قبل هذه الفترة و أثنائها حتى، نحنُ صدقناها لكننا لم نتركها و راقبناها الى أن بدأت حالتها تسوء و نامَت تُهَلوِس بأشياء لم نفهمها.
و عندما حاولنا إيقاظها لكي تتناول الغداء، لم تستيقظ. أكملت إكسانا عن الأخرى ليَعُم صمت في أرجاء الغرفة فيه ظهرت صوت أقدام راكِضة باتجاهنا لننظُر جميعنا الى الباب نجد انه مايكا بِعيون متوسعة.
لقد وصلني الخبر. قال هو يمشي بِخطوات كبيرة الى السرير يقف على يساري.
مَد يده كي يلمس وجه خطيبته لأمسك بها و أمنعه أخبره انها تحترق و يجب علينا فعل شيء لها و هو طبعًا غادر الغرفة كي يُحضر الطبيب من دون تفكير.
لكن فالين صاحَ له كي يعود و على وجهِه خيبة أمل و غضب مَمزوج يُعلِمنا بالسيء
الطبيب غير موجود.
اين هو؟ انا سألته أنهض على ساقاي.
تنهد فالين مُجيبًا
أحَد أفراد عائلته مريض و طلب مني شخصيًا أخذ يوم إجازة كي يهتم بِعائلته و غداً سوف يعود.
ماذا عن كاغوا؟ لقد ساعدها مرةً و ساعد ريزار بالتشافي مِن الشَلل الذي أصابهم عندما لمسهم وَحش المكتبة. اقترحتُ عليهم ليومئوا رؤوسهم عدا فالين.
لن يُجدي نفعًا، كاغوا يَشفي السحر أما الذي يحصل مع كانيلا، ليسَ بِسحر ابداً، فَهل تشعُر بِهالة سحرية تطوف من حولها؟
نظَر الجميع على النائمة و انتظرنا كي نشعُر و لو ذرة من سحر ما يُسَبِب لها هذا المرض لكن لا وجود له.
الحمدلله، لا سحر. هَمست فينار تمسح وجهها.
إذاً ماذا علينا فعله؟ بِكُل تأكيد لن نتركها كما هي. سأل بلايز يقف على كتفي الأيمَن ليَعُم صمت أخَر فيه لا يتفوه أحَد بِكلمة.
لا وجود لِلطبيب الملكي و كاغوا لن ينفع فَماذا نفعل؟ هذه الحرارة قد تُدمرها من الداخل الى الخارج لو ظلت على هذه الحالة قد، قد تموت.
الحرارة المرتفعة خطيرة جداً إذا خرجت عن حدها الطبيعي و كانيلا...
حرفيًا تحترق كما أحترق انا أثناء نومي بِسبب أحلامي لكني دومًا ما ألحق بِنفسي أو هي تلحق بي و الأن كانيلا بِنفس موقفي إلا انني عاجز عن إيقاظها و أنقاذها.
ما علينا فعله سوى جعلها تشرب نعناع بارد أو نصنع لها مشروبًا مِن بذور الحَلبة كي تُساعد بأخفاض درجة حرارتها. قال فالين يكسِر الصمت.
و ننتظِر الى أن تستيقظ أو لا؟ سألته انا نبرة صوتي مرتفعة قليلاً ليُعطيني هو نظرة تجعلني أنتبه على ذلك أرجع خطوة الى الخلف أعتذر له.
انا سوف أذهب و أخبر الخدم بأعداد لها الأثنان و كل ما يساعد. أخبرنا مايكا يذهب مع فينار و دافني في زاوية الغرفة لأظل انا و فالين و مَخلوقات البيلافي نُراقب كانيلا.
سوف تكون على ما يرام. أخبرني فالين يضع يداً على كتفي.
أمل ذلك. تمتمتُ بالمُقابل أزفُر كمية كبيرة من الهواء أمسح وجهي.
عاد وجهها الجميل ينكمش أكثر و يديها على شكل قبضات مُمسكة بِلحاف سريرها. عضتُ على شفتي السُفلية ألعن تحت أنفاسي بِعجز لأذهب و أجلس على أريكة قريبة منها بينما فالين ظل معي قليلاً قبل أن يُغادر لكونه مشغولاً.
طلب مني أن أعلِمُه إن ما حدث اية تَطور و انا فقط اومأتُ له أبقى لوحدي مع المرافقين أنتظِر معجزة ما لتُنقذها.
أحسستُ بِشيء دافئ يَسيل على فخدي لأحرك ساقي و أتحقَق منها، أعثر على بنطالي مُمَزق على شكل خَط طويل في منتصف فخدي و عبر الشَق، دماء قرمزي يُبَلِل القماش و يضع بقعة حمراء داكِنة على الأريكة.
نسيتُ كليًا انه بِفضل تَهوري و تلكَ الأواني التي وقعت و انكسرت، قِطع صغيرة خدشتني و الأن انتبه لِيس لِهذا الجرح فَحسب بَل يوجد غيره لكن أصغر.
تنهدتُ أمسح وجهي بانزعاج أدَع الجروح كما هي لأنها سوف تُشفى بِدقائق.
بعد فترة قصيرة، عادَ مايكا يحمل صينية عليها فنجانين من النعناع البارد و أخَر فيه مشروب الحلبة. حاولنا قدر الأمكان جعل كانيلا تشرب القليل منها لكننا لم ننجح جيداً.
لا يمكنها البلع و هي نائمة و غير ذلك سعلت مرتين تُخرِج ما أدخلنها على وجه مايكا و ملابسها.
مرت فترة على ما أعتقد الساعة و نحنُ ننتظِر منها اية إشارة على انها تتحسن. جسدها بشري، هذا يعني بطيء التحسُن و قد يأخُذ يومًا كامل أو أيام كما قرأتُ في كُتب قديمة تتحدث عن حياة البشر و ما هُم من الأساس.
كيف تعمل أجسادهم و كم انها مختلفة بِقدر كبير عن أجسادنا نحنُ الجنيات السحرية.
و انا جالس على نفس الأريكة مع وجود فينار و مايكا و ما تبقى في الغرفة، خطرت على بالي معلومة لقد نسيتها بالكامل. معلومة قرأتُ عنها في الكُتب عندما وصلتُ الى صفحات فيها يتحدث الكاتب عن أمراض خطيرة تُصيب البشر و لِقِلَة الأدوية و المَعرفة، تموت بِسببها.
و أرتفاع درجة الحرارة واحِدة منها.
هنالك أكثر من علاج قد يُنقِذ المريض و أحدهما هو ألقاء جسد المريض في حوض مليء بِمياه مُثلجة لمُدة طويلة و تكرار فعل ذلك الى أن يلاحظ الشخص أنَ حرارة المريض انخفضت.
انه علاج نحنُ لا نستعمله بِما أنَ هذا المرض نادر هنا. نحنُ الجنيات نادراً ما نمرض و إذا مرضنا العلاج هو بالسحر بما اننا مخلوقين مِن السحر ذاته. و البشر لا. هُم لا يَمُسهم السحر ابداً لهذا يدرسون لِسنين كي يعثروا على علاج ما الى أن يُطَوِروه و يُصبح الأفضل كي يستخدموه دائمًا.
و بِما اننا لا نعرف بِهذه الطريقة، أخذني عقلي الى حفرة تُسمى الشَك، فيها خفتُ أنَ لا يسمحوا لي بِاستعمال ذلك العلاج الغريب على كانيلا.
و خاصةً مايكا. فَقد يرفض و يطردني من الغرفة حتى لكونها خطيبته وله الحَق بالرفض، لهذا لم أخاطِر بأخبارهم و انتظرتهم حتى قررت فينار انه وقت المُغادرة و ترك كانيلا مع دافني و إكسانا كي يراقبوها و إن حصل شيء ما سَترسل الخادمة إكسانا الينا أو هي بِنفسها تأتي كما فعلت من قبل.
طبعًا وافق الجميع و تركوا الغرفة. انا تظاهرت انني اتجهتُ في طريق غرفتي و باللحظة التي لم أعُد اسمع أصواتهم في الردهة أو قريبة، التَفتُ أجعل بلايز مُتعجبًا مِن تصرفي ثم عُدتُ أدراجي الى الغرفة.
دخلتها مِن دون طرق الباب أفاجئ دافني و إكسانا، كلاهما يقفان بِحيرة على دخولي.
سمو الأمير؟ تساءلت دافني رافعة حواجبها لأغلق الباب بِهدوء كبير و أخبر الخادمة بِما يجول في عقلي.
اسمعيني جيداً و لا تجعليني أكَرِر كلامي كي لا نُضَيّع الوقت.
اومأت هي مرتين بِرأسها تتقدم خطوتين نحوي.
هل مِن مشكلة سموك؟
هَززتُ رأسي بِلا ثم قلتُ بِصوت منخفض
لدي فكرة قد تُساعد الأنسة هاندسين بِسرعة لكن يجب عليكِ تنفيذها حرفيًا بِلا ارتكاب خطأ.
عقدتُ حواجبها بِفضول تقترب أكثر اليّ كأنها هكذا سوف تسمع بِشكل أفضل.
هل لديكِ قوى الثلج أو ما يُشابه؟
لا سموك، لكني أعرف أحَد الخادمات لها سُلالة من مملكة سنويان (الثلج).
وجدتُ نفسي ابتسمت بِرضى لأكمل لها قائلاً
جيد، أذهبِ اليها و أحضريها لكن لا تجعلي أية أحَد يَشُك بِتصرفك أو كلامك هل فهمتِ؟
اومأت هي وانا سرقتُ نظرة خاطِفة على كانيلا، عرقها الأن يُغطي رداء نومها الحريري الأبيض وكل ما حولها كأنها استحمت واستلقت على الفور بِالمياه فوق السرير من دون تجفيف نفسها.
سوف نملئ حوضها في الحمام بِمياه باردة و انا سأحملها و أدخلها الحوض. أخبرتُ الخادمة أعيد عيوني عليها.
شَهِقَت الخادمة تُغطي فمها و عيونها متبحلقة كالتي تَم صفعها على وجهها لتقول مُندهشة
لكن سمو الأمير، ستَموت برداً، هذا ليس جيد على الأطلاق.
تنهدتُ أمَرِر أصابعي في شعري أبعثره
لا لن تموت برداً و غير ذلك الَم أخبرك أن لا تجعليني أكَرر كلامي؟ على اية حال، سنَضعها في الحوض الى أن تنخفض حرارتها.
كيف عرفتَ بِهذه الطريقة سيد سمو الأمير؟ فجأة تدخَل بلايز يَطير نحونا و عينيه مُضَيّقة عليّ بِتساؤل على تعابير وجهه.
أدرتُ مُقلتاي أنسى انه موجود معنا و يسمع كل شيء و أنسى كم أنَ فضوله مُزعج كَوجهه الأن.
التفتُ اليه كي أجيبه بِضَجر
قرأتُ عنها في كُتب البشر منذُ فترة و لن نخسر شيئاً إن حاولنا استخدامها بدلاً من الوقوف و انتظار مُعجزة ما كي تنقذها.
هَمهَم هو ثم عاد يسأل، يده على ذقنه بِتفكير.
متى قرأت عن البشر؟ كل الذي تقرأه هي روايات و كُتب أساطير أو لا شأن لها إلا بِهذا العالم.
كنتُ اقرأ عن البشر في كل مرة كنتَ تحدق بِنفسك في المرآة طوال الوقت تنظُر الى عضلات معدتك التي لا وجود لها أصلاً.
تحولت ملامحه مِن الواثقة الى المُنحرِجة في ثانية واحدة ليُلقي نظرة على الخادمة و إكسانا يرى انهما يبتسمان يُمسكان ضحكاتهم.
هذا ليس صحيحًا! انا لا أفعل هذا ابداً.
نعم نعم لا تفعل. قلتُ له أهُز بِرأسي أعطي دافني ما تبقى مِن الخُطة.
لا تجعلي تصرفاتك غريبة في الخارج و لا تُخبري كائن هل كلامي واضح؟
كما تأمر سموك.
أعطيتها بسمة صغيرة ثم أشرتُ لها بالمُغادرة لأذهب الى كانيلا أجثوا مجدداً عندها، أمسك بيدها بِخفة كأنني أمسك بِقطعة زجاجة مَشعورة لو نفختُ عليها سَتنكسِر.
سوف تكونين على ما يرام. همستُ لها بِصوت يرتجف لا أستطيع التوقف عن الشعور بالقلق و الخوف عليها كما لو أنَ هنالك يداً حول يدي تَخنقني بِبطء و تعذبني.
سوف تستيقظي و لن تشعري بأية ألَم بعد اليوم.
لم تتحرك، و لم تُصدر صوتً فَهي ليست نائمة بل فاقدة لِلوعي و كما أخبرتنا دافني، انها تُهَلوِس بِشيء ما فوَجهها الطفولي يتحرك بين حين و أخَر لكنها لم تَعُد تُتمتِم كلمات غير مفهومة.
بعد ذلك دخلتُ حمامها الأبيض، ليس فيه إلا بعض من اللون الذهبي على الجُدران، المِغسلة، المرحاض و حوض الاستحمام ذو الأرجل الذهبية قريب مِن نافذة صغيرة لا غيرها على اليَسار.
بدأتُ بِمُساعدة إكسانا و بلايز ملئ الحوض بالمياه الدافئة فَلا وجود لِلباردة جداً كما وَصفت الكُتب لهذا أرسلتُ الخادمة كي تُجلِب أحداً يمتلك الثلج في عروقه.
هل انتَ واثق مِن أنَ الطريقة ستنفع؟ سألني بلايز فور انتهائنا مِن ملئ الحوض كامل بالمياه، أضَع يداي على خصري أرى كما انها شفافة، انعكاس وَجهي على سطحها.
لستُ واثقًا لكن المُحاولة لن تؤذي. أجبته متنهداً أتمنى من كل قلبي أن تنفع الطريقة و أن لا تتأذى كانيلا أثناء ذلك.
فإن تأذت و بِسببي؟، لستُ أعلم ما سأفعل بِنفسي.
انا أثق بكَ و بأنَ سيدتي سوف تُشفى. أخبرتني إكسانا مُبتسمة بِحُزن لأرَبِت على رأسها بِطرف أصبعي شاكِراً لإيمانها بي بِعكس ذلك الغليظ الذي يرمقني بِنظرات.
مَرت الخمسة دقائق و نحنُ ننتظِر عودة الخادمة معها أحداً ما له قوى الثلج و الحمدلله ظهر طرق باب لأستدير اليه و أفتحه أرى دافني و معها خادمة أخرى بِشعر أشقر فاتح لِلغاية بدى أبيض و عينيها زرقاء فاتِحة جداً تلمع كأنها مصنوعة مِن الكريستال.
أدخلتهُما بِسرعة و أغلقتُ الباب أخبر الخادمة التي عرفتُ أنَ اسمها ريتا بأن تُحَوِل المياه في الحوض الى الباردة جداً من دون تجميدها.
حدقت بي ريتا لِلحظة طويلة رافعة الحواجب الفاتِحة كما لو انني شخص مجنون لكنها لم تتساءل أو تفتح فمها بِحرف بَل استمعت اليّ و بِحركة يدين خَرج شُعاع أزرق مائل للأبيض فيه رقائق ثلج على شكل نجمات مِن كَف يديها نحوى الماء.
و بِثانية أصبحنا نشعُر بِبرودة الماء و حتى الحمام لكون هذه القوى ليست بسيطة ابداً و لها تأثير قوي يُمكن الشعور به في العظام.
أرجوا التأكُد مِن المياه. أخبرتني ريتا لأنحني و أضع أصبع في المياه أهَسهِس من بين أسناني على برودتها.
ممتاز! شكراً لكِ ريتا. قلتُ لها أضَع يداً على كتفي لتنحني لي احترامًا.
أرجوا أنَ يبقى ما رأيته و ما فعلته سراً بيننا. أضَفتُ لها فقط كي اتأكد مِن انها سمعتني جيداً.
رمشَت عَليّ مرتين بِوجه ثابت تُلقي بِطرف عينها نظرة على دافني التي اومأت لها ثم انحنت لي مجدداً متفهمة و موافقة قبل أن تغادر الغرفة.
أشرتُ لِدافني بالانتظار هنا في الحمام بعدها توَجّهتُ لِلداخل الى سرير كانيلا. أخذتُ نفسًا عميقًا عيناي تَحوم على وجهها الهادئ ما يزال مُتعرقًا بِلا توقف و جسدها الغير مُغطى باللحاف لكونها لا تحتاجه أصلاً.
سوف تكونين بخير. همستُ لنفسي أكثر ثم وضعتُ يداي خلف ظهرها و الأخرى خلف ركبتيها لأحملها الى صدري و أعود بها الى الحمام.
لم أكُن أعلم انها ترتجف بِشدة إلا وقت حملي لها بين يداي. كونها تحترق و تحرقني بِحرارتها بِبطء وحده جعلني أعَجِل مِن خطواتي الى الحوض. وضعها اسوأ مِن السيء ذاته.
انها خفيفة و ضئيلة مقارنةً بي، جميلة و رقيقة لِلغاية.
شعرها الحريري الأن مُبلل يهتز بِرقة في الهواء العرق على يَسيل مِن رأسها الى رقبتها لأبلع ريقي مرتين الى أن وصلت ثم قرفَصت على لأرض أضَع الجزء السُفلي من جسدها على الأرض لتنتفِض قليلاً مِن لمسها الأرضية الباردة يزيد من ارتجافها.
بقية الجزء العلوي منها على ذراعي اليُسرى و يدي أسفل ظهرها، أجعل رأسها يستنِد على صدري.
سمو الأمير هل ستضعها بِملابسها؟ تساءلت إكسانا تطير اليّ تقف مُقابل وجهي لأنظُر لها ثم لا إراديًا على جسد كانيلا الخفيف.
انها تحتاج أن تأكُل أكثر فأنها نحيلة لِلغاية و عظام وجهها بارزة.
رداء نومها الشيء الوحيد الذي عليها لتَحوم مُخَيلتي الى ما إن ما كانت ترتدي ملابس داخلية أسفله.
لعنتُ بِصوت هامِس ثم أعدتُ تركيزي على المرافقة القلقة.
بالطبع لا. سوف تُساعديني انتِ و دافني بِخلع ملابسها فَلا يجب علينا وضعها بهم أو اية شيء كَعائق بينها و بين الماء.
بلعت هي ريقها، متوترة، الفكرة حتى لي بعدما تفوهتُ بها بدت غير لائقة بتاتًا لكن لا خيار أخَر.
ماذا سيقول اللورد مايكا إن عرف بِهذا؟ سألتني دافني مَذعورة لأشير لها بِرأسي كي تُقرفِص أمامنا و تفعل ما أمرتُها به.
لن يعرف أحَد حتى كانيلا لن تعرف.
لماذا؟
لأنَ هذا ما يجب فعله.
كما تأمر سموك.
بيديها المُرتجفة و انا عيوني تحدق بِسقف الحمام الأبيض عليه مرسوم زهور ذهبية مثل عروقها، بدأنا بِخلع ردائها من الأعلى أولاً و بلايز أدارَ ظهره لنا يواجِه النافذة بينما إكسانا تراقبنا بِصمت الدموع تتساقط على وجنتيها.
حاولتُ قدر الأمكان عدم النظر لِكانيلا و الخادمة تسحب الرداء الى الأسفل و حاولتُ عدم الاهتمام لِلأحساس بِجلدها العاري على يداي و كم انه ناعِم جداً لكن العرق الجاف يحوله لِلزج.
نبضات قلبي مرتفعة جداً أحس بها في جمجمتي و انا واثق أنَ دافني و الجميع يسمعونه لكنهم لم يتفَوهوا بِحرف.
لقد انتهيت. هَمست دافني لي، بِطرف عيني أراها تلقي بالرداء المُبلل على الأرضية بِجانب الحوض.
بِغمضة عين، رأيتُ ساقين كانيلا عارية تمامًا كما يجب، تلمع لضرب أشعة شمس الظهيرة عليها.
هل ترتدي ملابس داخلية؟ سألتُ الصغيرة و الخادمة أنظم أنفاسي و نبضات قلبي السريعة فَهذا ليس وقت الشعور بالأحراج مِن حملها عارية بين يداي مع انني أعلم أنَ الجهة العُلية من جسدها خالي مِن الملابس كليًا.
رأيتُ لا إراديًا طرف صدرها و عَضَضتُ على لساني بِشدة الى أن تذوقتُ الدماء.
لا ترتدي شيئًا. أجابت إكسانا بِوجه أحمر لأومئ لها و أحمل كانيلا أنهض على ساقاي ألقي نظرة على وجهها قبل أن يصبح نظري مُرتَكِز على الحوض.
وضعتُها بِخفة و حذر في المياه ذراعاي تَغُط معها، تغرق بِبرودتها لِتُخرِج كانيلا فجأة صرخة كَردة فعل تَرِن بأذُناي، بِنفس الثانية هَسهَسة المياه منها أو مِن جسد كانيلا يَخرُج دخان أبيض.
لم أرى منظراً كَهذا من قبل. أعني حتى نيراني التي أمتلكها لا تُخرِج دخانً مني عندما أستعملها ولكن هذه المرأة مِن شِدة ارتفاع درجة حرارتها بَخرت المياه المثلجة.
كامِل كانيلا مع القليل مِن خُصلات شعرها انغمرت بالماء و لِحُسن الحَظ هَدأت صرخاتها و وجهها أصبح ساكِن كأنها و في هذه الثانية، نامَت بِسلام مِن دون أحلام تُطاردها تجعلها تُهَلوِس.
يا للهول، الطريقة تعمل. تَمتَمت دافني تتقدم لِلحوض تُقَرفِص بِجانبه تشاهد وجه سيدتها كما أفعل انا، أنفاسي ما تزال هائجة لِسعادتي على شكلها.
بدت كالطفل النائم بعد يوم شاق جداً، ملامحها و جسدها كله أرتخى. لقد عانَت كثيراً لوقت طويل و الأن بعد ألمها لا أصدق انني وجدتُ الحل.
مِن كُتب لم أعتقد يومًا بأنني سأستفاد منها و مِن ما قرأته و لو بعد مئة سنة و الأن ها انا أجرب ما لم يُجربه أحَد في هذا القصر.
مَن كانَ ليُخَمِن أنَ مياه مُثلجة ستنقِذ شخص على وَشك فقدان نفسه بِسبب خَلل في نظام جسده مِن مشكلة غير معروفة، أو نحنُ لا نعرفها بِما أنَ الطبيب الملكي ليس هنا.
لو تواجَد الطبيب، أتساءل ماذا كانَ ليَفعل حتى يُشفيها؟
المياه أصبحت حارة سموك. قطعت جُملة دافني حبل أفكاري و هي تُخرِج يدها مِن الماء على وجهها القلق يعود.
آوه لا. وَقفت إكسانا على حافة الحوض ليلحق بها بلايز يُمسك بِكتفيها ينظُر لِوجه كانيلا وجنتيه وردية لِرؤيته لِكانيلا عارية.
هذا اللعين.
مِن الطبيعي أن تدفئ المياه فَحرارتها لم تنخفض بعد، يجب علينا تغير الماء مرة أخرى. أخبرتُهم أحمِل دلوين من المياه الباردة فَلقد أمرتُ ريتا أن تُبَرِد المزيد من المياه قبل مغادرتها.
وضعتُ الدلوين مِن يداي ثم أخرجتُ كانيلا مِن الحوض أمُر دافني و الصغيران أن يُفرغا القديمة كي يَستبدلوها بالجديدة و طوال الوقت ظَللتُ حامِلاً البشرية لا أبعِد عيناي عن وجهها.
جسدها كَالزهور عندما تَذبُل، لا تتحرك. بالكاد أسمع أنفاسها و نبضات قلبها المُنخفِضة. لو بأمكاني أخذها بعيداً و حمايتها مِن كل ما هو مؤذي.
لو بأمكاني أخذها الى مكان بعيد جداً عن كل المُمالك الى منزل في منتصف الغابات الأمِنة بين الطبيعة الخلابة التي تُحبها هي كي تعيش في راحة و سعادة كما يجب.
لطالما أخبرتني انها ليست سعيدة، أو هكذا فهمت منها من خلال كلماتها الغريبة و الغامضة و انها تُعاني مِن ألام ليست بالجسد فَحسب و إنما الروح، تحمل ندبات عميقة أثرت على حياتها حتى يومنا هذا الى أن تَجَمّع و تَجَمّع كل شيء بِداخلها و الأن بدأت أثاره بالظهور كل يوم.
أردتُ معانقتها الى صدري و حملها بيداي للأبد لا أتركها و لو تدمَر العالم مِن حولنا. أردتُ تقبيل تلكَ الشفاه المُمتلئة و رؤية وجهها يبتسم كل ثانية و أسمع صوتها الناعِم الأنثوي الذي يُطاردني في أحلام اليَقظة.
أردتُ رؤية عينيها المتلألئة التي تَصغَر عندما تبتسم ابتسامة عريضة تُظهِر أسنانها المثالية و رؤيتها تمسح رقبتها أثناء توترها و تلعثُمها بالتحدث (مع أنَ هذا نادر).
أوَد أن تكون بخير و في صحة، لا بِهذه الحالة، مريضة و لا لون لها، شبه ميتة بين ذراعاي.
سوف أكون معكِ. همستُ لها قبل أن رأى انهم انتهوا من ملئ الحوض بالماء الجديد كي أضعها فيه و أخبر الجميع بالمغادرة عدا دافني التي ستراقبها و تُنادي لي إن أصبحت المياه دافئة مجدداً.
اومأت هي بِتفهم و انا غادرتُ الحمام الى الغرفة. ملابسي مُبللة مِن الأمام. توَجّهتُ نحوى الشُرفة و أغلقت أبوابها فَلا اريدها أن تمرض بِزيادة بفضل هواء الربيع البارد هذا اليوم.
جلستُ على الأريكة بالقُرب من السرير أسنُد ذراعاي على المَساند أتنهد مُغمض العيون، أرجع رأسي لِلخلف، أزفر كمية هواء كبيرة من فمي بِراحة.
يبدو أنَ القراءة مُفيدة بعد كل شيء. سمعتُ بلايز يقول ضاحكًا و انا لم أتحرك أو أفتح عيوني فَلم يعُد لي طاقة لِلتفكير إلا بالتي في الداخل، لا صوت و لا حِس لها.
نعم، مفيدة لِلغاية.
في الواقع لم أكُن أخَطِط لِقرأت تلكَ الكُتب لكن ذهبتُ مرةً الى المكتبة أبحث عن رواية جديدة أو كتاب جديد كي اقرأه بِما انني انتهيتُ مِن ما لدي في غرفتي.
و انا أمشي أتمعن بِالرفوف العملاقة و الآلاف مِن الكُتب القديمة المُغطاة بالغبار، حَطت عيناي على ثلاثة كُتب.
ثلاثتهم عن البشر و ماضيهم و حاضرهم و حياتهم بشكل عام و ما هُم من الأساس.
لكوني مهتمًا بِبشرية نوعًا ما، بشرية لا تترك رأسي و شأنه، تسرق أفكاري كأنها مَلكتَهُم. غلبني الفضول بِشأن عالمها فَأخذتُ الكُتب الثلاثة ثم جلستُ على أريكة لِطاولة في عُمق المكتبة بعيداً عن أعيُن اية مأمور مكتبة أو أذانهم الفضولية.
و قرأتها الى أن انهيتُها بِأسبوع مع أنَ كل كتاب له ما يُقارب الخمسة مئة صفحة.
لا توجد معلومات كثيرة في تلكَ الكُتب بل هنالك كُتب أكبر و فيها أشياء أعمَق عن البشر لكني اكتفيتُ بِقراءة ثلاثة منهم لأنَ رأسي تَشوش مِن كَثرة ما عرفته و العجائب التي لم أتوقعها.
البشر مخلوقات بسيطة، لكنها مُخيفة و لها تصرفات و طريقة تفكير مختلفة عنا، أو على حسب ما تقوله الكتب.
أوَد معرفة المزيد و التعرُف على البشر و ما هُم أكثر لعلي يومًا ما، أزور عالم كانيلا و أعرفه على حقيقته بِعيناي بدلاً عن طريق الأوراق و الحبر.
يومًا ما، سوف أذهب و أكتشف و أتعرف.
لم يزورها أحَد و الحمدلله على ذلك. لكني لم أقدر منع نفسي من التساؤل عن أمر واحد قد شغل أفكاري.
لماذا لم يأتي مايكا؟
اليسَ خطيبها و حُب حياتها؟ فَلِما لم يأتي للاهتمام بها؟
انه مشغول كَعادته.
صوت ما بِداخلي أخبرني و كأنه مُبَرِر يكفي لِتصرفه.
حاولتُ عدم الاكتراث و ألقاء تلكَ الاسئلة في مكان لن تَخرُج منه لاحقًا، ثم ركزتُ على كانيلا المُستلقية على سريرها بِرداء نوم جديد، جافة، لا ترتجف و أهَم مِن كل شيء، حرارتها منخفضة و طبيعية.
لكنها ظلت نائمة بِهدوء جعلني أشعُر بِسكينة في قلبي كبيرة ترسُم بسمة رقيقة على طرف شفتاي.
دافني و الصغيران يُنَظِفان الحمام من المياه التي ملأت أرضيته بِما انني أخرجتُ كانيلا مِن الحوض و أعدتها اليه عِدة مرات الى أن لاحظتُ انخفاض حرارتها كالسحر و في وقت قصير.
هذه المرة دافني و إكسانا مَن ألبسا كانيلا الرداء، انا و بلايز غادرنا الغرفة الى غرفتي لكي أرتدي ملابس جديدة لكون القديمة تَغرق بالماء الى جزمتي.
و هناك رأيتُ جروحي قد شُفيت كما توقعت، إلا أنَ بقع الدماء التي تركتها على الأريكة ما تزال.
يجب عليّ أحضار أريكة جديدة كي لا تنتبه كانيلا أو شخص أَخَر لا اريد ذِكر اسمه.
و عندما عُدنا وجدنا كانيلا نائِمة كالأميرة، غطاء سريرها الجديد الذي بَدلوه مُلقى لنِصف جسدها فقط. شعرها مُمَشط منسدِل مِن حول رأسها، لون وجهها الحقيقي رجع و نضارة بشرتها مع شفتيها الوردية.
حية و ليس العكس كما بدت مؤخراً.
سمو الأمير. نادَتني دافني تجذُب انتباهي من البشرية.
باستطاعتك الذهاب الى غرفتك و أخَذ قسطًا من الراحة، انا و إكسانا سوف نبقى مع سيدتي الى أن تستيقظ.
رمشتُ عليها ثلاثة مرات لأومئ انا بِلا مُناقشة فَهي محقة، انا أحتاج قسطًا من الراحة بعد الرعب الذي عشته و لقد مرت ساعات و أصبح الليل.
مع انني أتمنى البقاء أكثر إلا أنَ الشخص الذي لا اريد ذِكر اسمه قد يأتي فجأة و يبدأ اسئلة لستُ مُستعداً للإجابة عليها.
نهضتُ على ساقاي أنادي بلايز كي يلحق بي. أمسكتُ بِمقبض الباب و حركته لكني لم أفتحه بل استدرتُ نحوى الخادمة و الصغيرة ثم أخبرتهما بِنبرة صارمة لا أستخدمها كثيراً
ما حدث هنا، يبقى هنا و لا يُغادر هذه الجدران ابداً.
حدقت دافني بي لِلحظة أستمرت لِثواني قبل أن تقول تَعض على شفتها
لكن سموك، الن تخبر الأنسة على الأقل؟
أشحتُ بِعيناي على كانيلا ثم أغلقتهم كي أدَع مِن صوت أنفاسها و نبضات قلبها الجميلة كالتنهيدة قبل النوم تملئ سمعي، أحفظها و أقنع نفسي بأنها على ما يرام مراراً و تكراراً.
لن نُخبرها هي ايضاً و هذا قراري الأخير. أجبتها أفتح عيوني لتومئ تنحني بِظهرها لي و انا أكملتُ فتحي لِلباب و الذهاب كي أخُذ قيلولة أبدية.
-كانيلا-
نور.
نور ظهر مِن ثُقب صغير قد جذب انتباهي من الظلام الذي يُحيطني.
صغير جداً رأيته بِطرف عيني بِداخل الظلام الذي دومًا ما كانَ صديقًا لي و لم يترك يدي مهما حاولت جعله يُفلتني.
توَجّهتُ نحوى النور الصغير بِخطوات بِطيئة، قدم أمام الأخرى، أصوات خطواتي صدى مِن حولي و حتى الوحيدة.
مَددتُ يدي لِلنور أشعُر بِدفئه يُضيء يدي و يجعلها، تتلألأ كالنجوم البيضاء، كالسحر.
بلعتُ ريقي ألقي نظرة مِن حولي لكن لا شيء. فقط انا في مكان لا أعرفه و لوحدي.
سوف تكونين على ما يرام.
قال أحدهم بِصوت رجولي بدى مألوفًا لي.
سوف تكونين بِخير. سوف تستيقظي و لن تشعري بأية
ألَم بعد اليوم.
قال الصوت الجميل مجدداً لأنظُر لِلثقب الذي يأتي منه النور.
الصوت قادم منه.
سوف أكون معكِ.
عاد مرة ثالثة يجعل مِن قلبي يخفُق نبضة، فأنا أعرف هذا الصوت جيداً، لكن ذاكرتي تمنعني من التذكُر. اسمه موجود على طرف لساني و مع ذلك لا يُمكنني لفظه، لساني معقد كَعقدة الحبل التي صعب فكها.
انه قريب جداً كما لو أنَ الشخص الذي تحدث يقف من الجهة الأخرى، خلف الثقب و خلف هذا النور.
مَددتُ يدي له، اريد رؤيته، الشعور به و معرفة مَن يكون، ما هو و لماذا يجعل قلبي يخفق بِشدة كَقلب العاشق.
باللحظة التي لمستُ فيها النور مِن الداخل، استيقظت.
فتحتُ عيناي بِبطء أنظُر لأريكة باللون السماوي الفاتح مائل للأبيض في منتصفها بقعة داكِنة كبيرة كأنَ أحداً ما سكب عليها المياه أو أحدٍ ما مُبَلَل كانَ جالسًا عليها و هنالك بعضًا من البقع الصغيرة على طرفها.
بقع غامقة جداً بدت كأنها دماء جاف و قديم.
دماء...
هل كانت موجودة من قبل و انا الأن انتبهتُ لها لكون بقعة المياه الكبيرة جعلتها تبرُز أكثر؟
أشحتُ بِعيوني لِخلف الأريكة تقريبًا باب أبيض، باب غرفتي، انني في غرفتي.
حركتُ جسدي أستلقي على ظهري أحدق بِالسقف عليه الزهور و عروقها الخضراء و البنية كما على كُل سقف غرفة في هذا القصر. المكان هادئ أسمع زقزقة عصافير و أحاديث بعيدة من الخارج مع رفرفة أجنحة قادمة من جهة يساري.
حركتُ رأسي نحوى الصوت أجِد إكسانا مُرافقتي ذات الشعر البرتقالي و البشرة البيضاء تَطير بِجناحيها الجميلان تحمل بيدها ملابس على ما يبدو قديمة تحتاج الغسيل لتضعها في سلة مع باقي الملابس المتسخة.
فُتِحَت فجأة أبواب الشُرفة لتَظهر خادمتي الشخصية دافني و هي تتأفأف بِسبب شيء ما يُضايقها و باللحظة التي أغلقت الأبواب و استدارت باتجاهي، تقابلت عينيها العسلية بِعيوني لِتتبحلق و تندفِع قادمة اليّ لون وجهها يُخطَف
يا للهول! سيدتي لقد استيقظتِ.
رفعتُ نفسي كي أجلس الأغطية تُغطي ساقاي انتبه انني أرتدي رداء نوم مختلف، قُطني قرمزي اللون بِلا أكمام و خفيف جداً أحسستُ بِنفسي عارية فيه.
متى بَدلتُ ملابسي؟
أخِر ما أذكُره قبل نومي هو انني شعرتُ بالمرض لأغُط في نوم عميق كأنه كالمُخدر يُفقدني وعي و قبل ذلك أخبرتُ إكسانا انني بخير و انها مُجرد فترة و سوف أشفى بسرعة بعد ذلك، الظلام نفسه.
كيف تشعرين؟ وَضعت دافني يدها على جبيني و القلق يُزَيِّن وجهها كما أنَ إكسانا انضمت لجانبها تحدق بِي ملامحها تماثل ملامح الثانية.
أبعدتُ يَد دافني بِلُطف عني معقِدة حواجبي لا أفهم ما الذي يحدث حتى يكون القلق واضح بِشدة عليهم.
انا على ما يرام، ماذا جرى؟ سألتهم كلاهما ليَتبادلا نظرات غريبة بين بعضهما قبل أن أنهض مِن على السرير أنتظِر الإجابة و انا واقفة على ساقين هُلامية.
نعم، انا واثقة انني لم أكُن فقط مريضة.
لقد ارتفعت حرارتكِ بِشكلٍ سيء و لم تستيقظِ مع اننا حاولنا إيقاظك عِدة مرات لهذا اضطررنا بِمُناداة جلالة الملك و مَن كان معه كي يساعدونا بِما أنَ الطبيب لم يكُن موجوداً. أجابت دافني مُنحنية الرأس.
لكن الطبيب المَلكي أتى اليوم مع اللورد مايكا و فَحصكِ و الحمدلله أنَ حرارتك انخفضت و انتِ بِحالة أفضل. شاركت إكسانا بالإجابة.
هل ظللتُ نائمة منذُ البارحة؟
تبادلا مرةً أخرى، نظرة بينهما كأنهم يتحدثان بِصمت قبل أن تُجيب دافني
نعم سيدتي.
ألقيتُ نظرة بأرجاء الغرفة لا أعلم عن ماذا أبحث. لا أدري ماذا يجب قوله فأنا ليست لدي اية ذاكِرة عن ما حصل أثناء نومي أو اياً كانَ ما أخبراني به.
انا حتى لا أعلم لماذا مرضت فجأة. مثل التي انطفأت كالأنوار لكونها كانت مُشتعلة لفترة طويلة.
لكني تذكرتُ ما رأيته في بداية استيقاظي لألتَفِت للاثنتين و اسألهما أشير على الأريكة بِيد.
ما هذا الذي عليها؟
نظروا كلاهُما على الأريكة و إكسانا شهقت تضع يداً على فمها بينما خادمتي أدخلت كِلتا شفتيها لداخل فمها وجهها ينكمِش.
مثير للاهتمام.
أمممم، هذا ماء، لقد أوقعنا من دون قصد صينية كان عليها ماء. بررت دافني أولاً لا تقابل عيناي.
و ماذا عن البقع الأخرى؟
عادوا ينظرون للأريكة الأن ينتبهان على الدماء الجاف، أو هذا ما أظن انه.
هذا، قالت إكسانا تلعب بأظافرها، حركة تستعملها لا إراديًا عندما تحاول تفادي قول شيء ما
لقد جرحتُ نفسي من دون قصد عندما كنتُ أعمل و جلستُ عليها كي أضَمِد جراحي.
عقدتُ حواجبي أشابك ذراعاي أمام صدري ثم سألتها لا أصدق حرفًا غادر فمها لكني لا أظهر هذا لهما
حقًا؟ اين جرحتي نفسك؟
أشارت بِسرعة على فخدها الأيسر مخبئ أسفل فستانها القصير يصل لفوق ركبتيها مصنوع من القطن أبيض اللون
لكني شفيت.
تنهدتُ مُستسلمة لِلعبهما فَلا طاقة لي لِلنقاش و معرفة الحقيقة، فَسوف أعرفها قريبًا. لا كذبة تبقى مِن دون أن تُكشَف.
دخلتُ الحمام أتجاهلهما كي أغسل وجهي لأجِد دلو رمادي قديم فيه مياه ما عند الحوض و دلو أخَر قريب منه و أخَر و أخَر، سِتة منهم في أماكِن مختلفة.
دافني! صحتُ لِها لا أبعِد عيناي عن الحوض الذي يبدو نظيفًا لكن وجود هذه الدِلاء جعلني محتارة لِلغاية فأنا لا أذكُر وجودها من قبل.
نعم سيدتي؟ دخلت دافني الحمام تقف بِجانبي و على كتفها الأيمن إكسانا لأنظُر لهما كلاهُما أشعر أنَ هنالك شيء ما لا يخبروني به، أعمق من ما ظننته.
لماذا الدلاء موجودة هنا؟ أشرتُ عليها.
بدأت دافني بالتحرك في مَطرحها لا تُقابل عيناي و الأخرى طارت في الهواء تلعب بِشعرها، إشارة على انها مترددة أو متوترة.
لقد استعملناها كي نُبَدِل المياه التي وضعناكِ بها كي نخفِض حرارتك قبل مجيء الطبيب. ردَت إكسانا أولاً تضع بسمة مُزيفة على شفتيها.
لقد وضعتموني في الحوض؟
اومأت هي تعود لِلَعِب بِشعرها كَلون حبة البرتقالة تنظُر لِلحوض الفارغ مثلي.
أخبروني بِكل شيء لأني لا أفهم حرفًا. قلتُ لهما بِصرامة.
واجهتني دافني كاملاً تأخُذ نفسًا عميقًا قبل أن تبدأ بأخباري و إكسانا بِكل ما يجب معرفته و انا استمعتُ اليهما بِصمت حتى النهاية لا أقاطعهم ابداً.
كيف عرفتم بأن وضعي بالمياه الباردة سوف يساعد؟ سألتهم متعجبة قبل أن يعودا لِتبادل النظرات مع بعضهم لِلمرة الثالثة يجعلان صبري على حافة جَرف.
اللورد مايكا قرأ ثلاثة كُتب عن البشر و ما شابه لهذا أستخدم الطريقة معكِ. قالت إكسانا تبلع ريقها لأضَيّق عيناي عليها.
مايكا؟
اومئوا كلاهُما بِسرعة معًا.
لم أكُن أعلم أنَ مايكا يقرأ عن أمور كَهذه من قبل. انه بالكاد يمتلك وقت لكي يقرأ صفحة مِن كتاب واحد و الأن هذه تقول انه قرأ ثلاثة.
لكن ما يهُم انه أنقذ حياتي مِن موت قريب لم أكُن مستعدة له، بعد. أتى عندما لم أكُن أحتاجه.
انا مدينة بِحياتي له، مرة أخرى.
على اية حال، ساعدوني بأخراجها و أرجاعها من حيثُ أحضرتموها. قلتُ لهما ليومئوا موافقين و يعملوا معي بإرجاعها و انا أخذتُ أدُير كلامهم عن ما جرى معي مراراً و تكراراً طوال النهار.
هنالك خطب ما، شعور بِداخلي يأكُلني على انه يوجد نقص في القصة. شيء لم يُخبراني به، قطعة ضائعة مهمة لتكملة الأحجية.
هَززتُ رأسي أشغِل نفسي بالعمل فالتفكير الدائم مؤلم جداً و انا لا ينقُصني ألَم غير الذي لديّ و زيادة عليهم قد يُدمرني مع الزمن.
لا مزيد...
رجاءً لا مزيد.
و ها قد أصبحنا في اليوم المنتظَر، أو قبل اليوم المنتظَر بِليلة. في وقت الفجر باكِراً، زقزقة العصافير تملئ الأجواء و نسمة الفجر البادرة تجعل جسدي يَقشعَر.
أغلقتُ صندوق ملابسي الذي سأخذه معي الى مملكة البحار و انا في غرفتي، بعدها أتَت دافني و معها حارسي الشخصي راث كي يأخذه الى العربة في المنتظِرة مع الباقي في الساحة، كما أخبرني راث.
نهضتُ على قدماي ثم ذهبت لِلتسريحة بعدها أخذتُ القلادة على شكل فراشة مِن على مرآة التسريحة بعدما خرجَت دافني لكي اتأكَد بِنفسي مِن عدم نسياني لأية شيء قد أحتاجه في الغرفة قبل رحيلي.
حدقتُ بالقلادة الوردية تلمع بِشكلٍ سحري كُلما حركتها بيدي لأسمع أجنحة إكسانا قريبة من أذُني اليُسرى أعلم أنَ مرافقتي تنظُر بالذي في يدي و بسمة لطيفة على شفتيها.
انها تبتسم دائمًا كلما حملتها أو ارتديتُ القلادة.
لماذا؟، لا فكرة لديّ.
انها تُضيء هذه المرة. تَمتَمت هي من جانبي منبهرة.
في المرتين التي ارتديتُها فيها، لم تكُن تُضيء كما حدث في المرة الأولى لأرتدائها، و اليوم وجدنا نورها المفاجئ غريب.
تبدو حية. قلتُ مع نفسي أكثر مِن إكسانا أضَع القلادة حول رقبتي لتُغلقها مُرافقتي من الخلف.
أحب ارتدائها مع كل شيء أو فقط وضعها على رقبتي فَهي تُعطيني شعور جميل كلَمسة الريشة على صدري و قلبي، رقيقة و ناعِمة أحس بالأمان بِسببها و بالثقة و القوى.
غريب صَح؟
سموه له ذوق. قالت إكسانا تنظُر لي بالمرآة.
ابتسمتُ أنظُر لانعكاسي بالمرآة ثم لِلقلادة التي بدت و كأنَ فيها سائل أبيض سحري يتحرك بِبطء شديد.
الى الأن مازلتُ اتساءل إن ما كانَ لهذه القلادة معنى حقيقي لأنني لم أرى مثلها ابداً.
و لم اسأل فالكين عنها لأني لم أتوقع أنَ لها معنى أصلاً.
زفرتُ الهواء مِن فمي وقفتُ مُستقيمة بعدها ابتعدتُ عن المرآة و رحلتُ مِن غرفتي أتوَجّه لِلساحة الرئيسية لِلقصر لأنَ اليوم سوف نذهب في رحلة قصير الى مملكة البحار.
الى زفاف أبنت عَم الملك سيون.
مملكة لطالما تمنيتُ زيارتها و ها هي فرصتي أتَت بِقدميها لي.
فتحوا الحُراس المَلكيين أبواب القصر العملاقة مِن أجلي كي أعبرها و أصبح في الخارج أنزل على الدرج الكبير و أرى أمامي تمامًا مجموعة عربات و عندها الجميع يقفون و يتكلمون.
جميعهم صمتوا بالثانية التي رأوني فيها كأنني شخص ما لم يتوقعوا رؤيته. لكن عيوني حَطت على رجل واحِد بينهم يقف بِملابسه السوداء كَعادته و شعره مرتب يقف بِقوى و فَخر يديه خلف ظهره و وجهِه ثابت إلا أنَ عينيه البنفسجية متوسعة قليلاً.
الم يتوقعوا حقًا رؤيتي اليوم مع انهم يعرفون بِقدومي؟
مشيتُ و مشيتُ الى أن أصبحتُ مُقابلهم، الملك فالين على يساري لكنه بعيد و بِجانبه مايكا الذي أعطاني إيماء رأس، فينار على يَميني بِجانب فالكين و صديقه ريزار.
لقد وصلتِ. قال الأمير أولاً بِترحيب على شفتيه المُمتلئة الوردية بسمة جانبية جعلتني أبتسم بالمقابل.
أتمنى انني لم أجعلكُم تنتظرون كثيراً. قلتُ لهم بأعتذار.
لم ننتظر كثيراً. غمز لي الملك بِعينه لتكبر بسمتي أكثر.
كيف حالكِ؟ سألني فالكين يجذب انتباهي عن الملك.
شابكتُ أصابعي أمام بطني قبل أن أجيبه بِصراحة أشعُر بِعيون الجميع عَليّ
بخير الحمدلله. لقد أخبرتني خادمتي و مُرافقتي انكم أتيتُم بعدما عرفتم بِمرضي الى غرفتي و أوَد أن أشكركُم جميعًا على مساعدتي و الأطمئنان عليّ.
انحنيتُ لهم أسرق نظرة على مايكا الذي اومئ مجدداً لي كأنه يقول لا مشكلة.
فرحتُ على تحسنَكِ و قدومك معنا. قال فالكين بعدما وقفتُ مُستقيمة الظَهر لا أعلم كيف لكن أحسستُ به قريب مني، ليس جسديًا بَل شيء أخَر لم أفهمه على الأطلاق.
و عينيه الرائعة حملت معنى مخبئ خلف تلكَ الكلمات التي غادرت فمه، فيها حزن؟ قلق؟ خوف؟ مَزيج بينهم جميعًا و غير ذلك، تفهُم؟ سعادة حقيقية؟ شوق؟
انا حقًا ضائعة لا أستوعب هذا الرجل ابداً.
تلقائيًا رفرف قلبي بِتلك الطريقة المفاجئة لكني منعتُ من أظهار ذلك على وَجهي أضَع بسمة صغيرة كي يُرَكِزوا عليها بدلاً من سماعهم لِنبضاته.
سمعهم قوي بِعكس سمعي البشري.
أشار الملك فالين لِلجميع كي يدخلوا عرباتهم حتى لا نتأخَر على مَن ينتظروا في مملكة البحار ليُنصتوا طبعًا و يدخلوها.
الملك و شقيقته في العربة الأكبر، الأمير و صديقه مع مُرافقه في واحدة أما انا و مايكا و مرافقتي في واحدة كذلك.
بدأت رحلتنا خارج مملكة فالينيا في طُرقات في الغابة و معنا حُراس لم أقدِر على عدهم لكثرتهم، مِن حولنا، خلفنا و قَبلنا يؤَمِنون الطريق لنا.
نحنُ مُدركون أنَ رحلتنا خطيرة لِلغاية و قد يَخرجوا الأتلانتيانز في اية لحظة لكننا ايضاً نعلم أنَ أعدائنا ليسوا بِحمقى، فَمهما كبر عددهم هُم لن يكونوا بِقوى ملك الربيع الجبار و أمير أسليرا، أعظَم مملكة في العالم.
أثناء رحلتنا القصيرة، اختلستُ نظرة على مايكا بين حين و أخر أترَدَد بِسؤل عالِق في لساني و يرفض الخروج.
هو إن لاحَظ نظراتي، فَلم يُخبرني أو يُصدِر صوتً بل ظل يكتُب شيء ما في دفتر عمله من دون توقف.
و إكسانا جلست على حافة النافذة الصغيرة على يميني تشاهد المناظِر الخلابة لِلطبيعة الساحرة، فالطريق خاطف للأنفاس و على جوانبه، نباتات سحرية ليس لها مثيل، بِجميع الألوان و مُختلف الأحجام تُضيء كأنها فوانيس بالأزرق، الأصفر و الأخضر.
و هنالك ايضاً بعض الحيوانات التي تركُض بعيداً في الحقول الخالية من الجنيات أو البشر، مثل الأحصنة الطليقة، أرانب بيضاء و وردية و منها الأسود عليه خطوط ذهبية أو فضية و سناجب بِحجم كَف يد رجل و أكبر، لها ذيول مَضفورة مختلفة عن ما قد يجده المرء في عالمي.
و في الاراضي البعيدة، فقط بحيرات و أنهار تلمع كأنَ فيها نجوم أو سائل سحري، أسفل السماء و أشجار ذات أوراق إما خضراء، وردية أو ملونة كَقوس قزح. الشَمس ليس لها وجود إلا أثَر منها بين الجبال، تُلَوِن جزء مِن سمائها بالأبيض و الأصفر الفاتح بين الغيوم شكلها كالقطن.
ألقيتُ نظرة نحوى مايكا أفتح و أغلق فمي لكني قررتُ عدم سؤاله لهذا بقيتُ ساكِنة أفتح كتابي الذي أحضرته معي كي اقرأه الى حين وصلونا.
لديكِ ما تقولينه. فجأة قال مايكا صوته يندمج مع أصوات عجلات العربات خارجًا و حوافِر الأحصنة على الأرض الترابية.
لم يكُن سؤالاً لكني رفعتُ رأسي اليه أرمش مرتين قبل أن أستوعب انه ينتظِر مني فتح الحديث و ما أوَد التكلم عنه.
هل كانَ صوتك الذي ظهر في حلمي عندما كنتُ نائمة و أحلم بالظلام؟
هل كانَ ذلك الصوت الجميل و المُريح مسبب هيجان قلبي، خاصتك؟ الصوت الذي أخرجني و أيقظني من ظلامي؟
لماذا؟ لماذا ما زلتَ تصبُر معي؟ لكن هذا ما سألته بِدلاً من الذي يجول رأسي.
و كما لو انني أخبرته انني امرأة بِسبعة رؤوس رفع رأسه بِسرعة اليّ ملامح وجهُه تُعَبِر عن دهشته و ضلالته من السؤال.
رؤية مايكا يُغَيّر مِن تعابير وجهه كي يعرف الشخص عن ما يشعُر به أمر نادر بِحَق و الى هذا اليوم يجعلني منصدمة مع انني رأيته يبتسم، متفاجئ، غاضِب، إلخ.
إلا انه في كل مرة يصدمني كأنه المرة الأولى.
من أين خرج هذا السؤال؟ سألني يعقد حاجبيه الداكنين يُغلق الدفتر بِرقة و إكسانا لم تحرك رأسها نحونا بل تتظاهر انها لا تسمع مع انني أعرف أنَ أذُنيها معنا.
أرجوك لا تُجيب على السؤال بِسؤال. ترجيته بِنبرة منخفضة.
حدق بي يرمش عِدة مرات بِبطء وجهُه يعود باردً و متحجراً بأمكانه كسر الحديد به.
لأنني أحبكِ و أهتم لأمرك كما يحبكِ و يهتم لأمركِ كل من في القصر.
عصرتُ الكتاب الشبه مفتوح في يدي مِن دون أظهار مشاعري كما أفعل دائمًا. أتصَنع المشاعر و أضَع قناعًا يحميني منهم جميعهم.
أعلم، لكن هذا سبق و تَغير مايكا، لم يعُد كالسابق. أخبرته بالواقع قبل تذوق الجملة.
فعل المزيد مِن التحديق لِفترة طويلة قبل أن يفتح فمه و يقول
لأنَ هذا الأفضل لنا جميعنا و انتِ أدرى به.
باستطاعتي أن أقسم انني لاحظتُ ارتجاف صوته في البداية قبل أن يعود لِلصارم.
كانَ يجب عليّ إعادة التفكير بِتلكَ الجُملة قبل اللفظ بها.
لكني لستُ السَبب لِما جرى قبل سنين، كِلانا يعرف هذا.
اومأتُ بِخفة حركة شعري يُغطي كتفي الأيسر بِخصلات طويلة طولها يَصِل لأسفل صدري.
لكن--
دعينا لا نُعيد نفس النقاش الذي خُضناه قبل خمسة سنين كانيلا.
نعم، النقاش الذي فتحناه قبل سنوات و لم ينغلق إلا بعد شجار حاد بيننا جعل كُلاً مِن فالين و فينار يُبعِدونا عن بعض كي لا نتحدث لِأيام و مِن بعدها تصالحنا و أخذنا قراراً سيَحمينا و يجعلنا سعداء للأبد.
أو هذا ما ظنوه.
أبعدتُ خُصلات شعري عن كتفي ثم أخبرته أغَيّر الموضوع لأني لم أكُن أوَد أن نفتح جرح قد التأم منذُ سنين.
اريد شكرك على اهتمامك بي و مساعدتي عندما كنتُ مريضة. فأنا لا أذكُر جيداً ما جرى لي و لا أعلم لماذا، لهذا شكراً لك على وقوفك جانبي.
عينيه الخضراء الغامِقة جداً بدت سوداء، نظرت لخاصتي لا تتزحزح من مطرحها ولا تُخبرني عن ما يوجد بِقلبه و عقله.
رفع حاجبًا قليلاً بالكاد انتبهت على الحركة، لسببٍ ما أحَسستُ انه لم يفهم كلامي لكنه أجاب على أية حال
هذا واجبي كانيلا. انتِ مسؤوليَتي.
لا تقول ذلك، و فقط دعني أشكرك من قلبي.
فتح فمه لكي يُعارض أو ربما يخبرني عكس ما سمعه لكني منعته بِنهوضي مِن على مقعدي المريح و تُقبيله على وجنته.
عدتُ بعد ذلك أجلس مبتسِمة أما هو هَزة رأسه مع نفسه وجنتيه وردية ثم عاد لِلكتابة في دفتره.
بارد لكنه يخجل بِسرعة البرق و هذا لطيف يجعلني من دون سابق أنذار أذكُر شاب مثله يخجل بسرعة و يحاول أخفاء ذلك عن طريق التصرف بِعدم اكتراث أو يتهرب بالتكلم و الضحك.
فالكين.
هل غريب لو أقول انني أشعر بِشوق أغرَب له؟
كما لو انني لم أراه منذُ زمنٍ طويل؟ رؤيته قبل رحيلنا من فالينيا لم يكُن كافيًا، و لن يكفي إلا إذا...
إلا إذا ماذا؟
سألني صوت بداخلي بِفضول.
أغمضتُ عيناي لِلحظة أتنهد بِخفة كي لا يسمعني مايكا ثم فتحتُ الكتاب و عُدتُ اقرأه أتجاهل ذلك الصوت بدلاً من التفكير بِالأمير واشتياقي الذي خرج من مكانٍ ما له.
خرج من قلبك؟
سأل الصوت نفسه لأعَض على شفتي السُفلية أحاول التركيز بالأسطُر التي اقرأها لكن لم يُجدي نفعًا لأقرأها مرة أخرى و ثانية و ثالثة أنسى ما هي و ما في الصفحة كلها.
سوف أراه.
قلتُ لنفسي بِصمت.
سوف أراه مجدداً في مملكة البحار ولو مِن بعيد، سأراه وحينها و ربما سأفهم سبب الاشتياق الذي يُشغلني الأن و قد يظل على هذه الحالة الى لحظة وصولنا.
ما الذي يحدث لي؟
هذا ليست من عاداتي ابداً فَبَعد أن شُفيت مِن مرضي المفاجئ، أصبحت لدي أفكار ومشاعر لم أكُن أعلم انني أخبأها بِداخلي أو أحبسها كالسجين كي لا تهرب وتضعني في دوامة لا نهاية لها.
دوامة قد تُغَيّر حياتي وتجعلها شيئًا لا اريد الحلم به.