رواية تحت الغطاء الأبيض الجزء الثاني للكاتبة مينار الفصل الرابع عشر

رواية تحت الغطاء الأبيض الجزء الثاني للكاتبة مينار الفصل الرابع عشر

رواية تحت الغطاء الأبيض الجزء الثاني للكاتبة مينار الفصل الرابع عشر

الحب...
ما هو الحب لِلبعض؟ إن سألتك الأن ما الذي يعنيه الحب، ماذا سَتقول عنه؟
حسناً انا سأقول انه شعور جميل كَيوم ربيع دافئ أو كَتفتُح الزهور و انه من أجمل المشاعر في العالم، فأنا أعلم ما هو لأنني أحب ابن عمي ريس و زوجته و كل مَن هُم من حولي يبادروني الشعور ذاته لهذا لدي فكرة عنه.

عندما كنتُ في السادسة عشر و في أول يوم لي في حفلة، ظلت فتاة أكبر مني بِسنتين تحدق بي و انا لأني كنتُ خجولاً لم أعرها الأنتباه بل أنظُر لها بِسرية لكون عينيها لم تُغادرني ابداً. و عندما لاحظت تاليا، أقترحت عَليّ الذهاب اليها و طلب يدها لِلرقص لكي أعرف ما تريده.
و فعلت.
أنصتُ لِلنصيحة و ذهبت الى الفتاة الجميلة. رقصتُ معها قليلاً حتى عرفت دليلاً، انها مُهتمة بي.

بعد رقصاتنا و ضحكاتنا أخذتني لِزاوية تتظاهر انها تريد التحدث معي و في لحظة كنتُ أضحك لأصبح في لحظة ثانية بوضع مُختلف.

تلكَ الفتاة سرقت قُبلتي الأولى التي لم أخطط لها أن تكون بتلك الطريقة، أحببتها، أعني القُبلة، لقد كانت قصيرة لكنها لطيفة جعلتني أعرف و لأول مرة ماذا يشعر المرء عند التقبيل و ما هو حتى. و بعد تلك القبلة و في الأيام الأخرى التي قابلتُ فيها تلكَ الفتاة باستمرار، أصبح بيننا شيئاً كالمودة و التفهم.

علاقة ربما؟ نعم شيء كَهذا فَهي ظلت تقول انها سوف تتزوج بي يوماً لأنها تُحبني و لا تقدر على النوم من دون التفكير بي و كلمات جعلتني مُحتاراً من أمري.
لماذا؟ حسناً لأنني و بِبساطة لم أبادِلها المشاعر.
لا اعلم لماذا لكني لم أحس بالذي تحسه، ليس لأنني لا اريد بَل فقط فراغ و انا معها، هذا كل شيء.

اكتشفتُ في الأخِر انها شهوة، ليس بطريقة مُنحرفة لكن مجرد أكتشاف لِلعلاقات و ما يُشابها بين المرأة و الرجل فَلقد كنتُ صغيراً لا أفهم بأمور كَتلك و لم أمتلك الجرأة لأخبار تاليا أو ريس عن ما يجري، لقد شعرتُ بالخجل.

استمر الأمر بيني و بين تلكَ الفتاة الى أن أخبرتني انها ستسافر و ستترك المدينة و هي تبكي تضع جبينها على صدري لكني بذلك الوقت حدقتُ بها بِلا مشاعر كما لو انني اسمعها تتكلم لأول مرة في حياتها و بنفس الوقت لم أحزن إلا على انها لن تكون موجودة معي و ليس لأنها ستتركني.
سألتني قبل رحيلها مرةً إن ما أحببتها يوماً و انا أومأتُ لها كي لا أجعلها مُحبطة فَفي الأخِر هي كانت تبكي و لم أرد زيادة ذلك عليها.

رأيتها تشع فرحاً لتُعانقي و تذهب بعيداً. رأت تاليا ما جرى و بِداخلها الشَك لتأتي اليّ في ليلة، الى غرفتي و انا اقرأ كتاباً قد نسيتُ بالكامل عن تلكَ الفتاة و ما شاركناه.
أو الذي لم نشاركه جيداً.
سألتني تاليا بِلطف و تفهم عن كل شيء و انا أجبتها بعدما فشلتُ بالكذب عليها و تخبئة الحقيقة، فَهي ذكية و قرأتني كما كنتُ اقرأ الكُتب.

لم تتفاجئ حقاً بالذي أخبرتها به و خاصةً عن كون الذي شعرته أتجاه تلك الفتاة المسكينة كان مُجرد شهوة.

أخبرتني تاليا انه أمر طبيعي، لِلرجال رغبة يولدون بها يجب عليهم التعلم بالتحكم بها، و هنالك رجال لا يرتبطون بالمَرء إلا من أجل أخماد نيران الشهوة لديهم كي لا يرتكبوا أخطاء مُضِرة. و منهم العكس، يرتبطون لأنهم يُحبون شعور بالحب و الاهتمام بالغير كما يهتم الغير لهم و هنالك انواع و انواع منهم يرتبط لِلعب و منهم يؤذي و الكثير الكثير.

سألتها انا عن ايهم أكون لأنني لم أبادل تلك الفتاة بالحب كما أدعت لتبتسم تاليا تمسح على شعري مُجيبة
انتَ النوع النادر، الذي لا يحب على الفور من دون سبب يَشُدك لِلوقوع في حب شخص لا تعرفه جيداً، انتَ شخص حذر يخاف على نفسه لأنكَ في اللحظة التي ستحبه فيها، سوف تنسى نفسك و تُفَضّل الأخَر عليك.

في تلكَ اللحظة لم أفهم حرفاً من ما تعنيه، كان لغزاً بالنسبة لي لأعيده و أكرره في دماغي لعلي أجد معناه. فتلك الكلمات واضحة و حرفية إلا انها ذات معنى كبير، خلف كلمات، كلمات أخرى.
منذُ ذلك الوقت و انا لم أقع بِحب امرأة أو فتاة و لم العب بِمشاعرهم كي لا يلعبوا بِخاصتي لكني دخلت في علاقات لأخماد تلك النيران فأنا رجل و خُلِقت بِتعقيدات يُمكن حلها بِمساعدة الجنس الثاني.

و مع ذلك لم أجرح فتاة يوماً و كنتُ دوماً صريحاً مهما كان الوضع بيننا.
لكن ليس كل شيء يتكرر أو يحدث مجدداً مع الجميع.
كانيلا مثلاً، لا اعتقد انني واقع بِحُبها فَهذا ليس منطقي انا بالكاد أعرف عنها شيء أو أثنين لكني أمتلك جزءً مني يريد التعرف عليها، مُعجب بها ليس إلا، لطالما كان هذا ما بداخلي.
انها كالصندوق ذو القفل الذي يُصعَب كَسرُه و يحتاج مفتاحه لكي يُفتح و تستطيع رؤية ما بداخله.

و من الطبيعي لِلمرء أن ينجذب لِلغامض و الغريب صحيح؟
و اليوم، الأن في مملكة سنويان و خاصةً في القصر الملكي في الحفلة التي أقاموها على شرفنا رأيتُ ما لم أتوقعه ابداً و عرفتُ ما لم أخمنه يوماً.
كانيلا مخطوبة من مُساعد الملك فالين الذي يُدعى مايكا، رجلاً بارد الشخصية كل ما يلفظه باليوم هي كلمة، جلالتك لملكه أو جملة قصيرة جداً تظنها كلمة موَحدة.

لا يوجد على وجهه الأسمر سوا ملامحه المُتحجرة، و في عينيه الخضراء لا شيء، كأنه يستخدمها لِلنظر فقط و هو في الحقيقة هذا واجبهم و نادراً ما يُحركهم. لم أراهُ يوماً يبتسم كأنه لا يعلم كيف.
لكن الأن، و كانيلا بين ذراعيه، رأيتُ شفتيه مَرفوعة للأعلى أسنانه التي لم أراها مِن قبل، تظهر بيضاء كَبياض الثلج مِن حولي.
غريب، أحسستُ بِضيق نَفَس لهذا تركتُ إكسانا و دخلتُ مع بلايز الصامت لِلقاعة.

و منذُ ذلك الحين و انا أقف مع ريزار الذي يتحدث مع فتاة و يضحك على كل ما تقوله. أحدق بالراقصين مُشابك الذراعين أمام صدري و متكئ على الجدار أحاول أن أفكر بأي شيء عدا الذي رأيته.
انهما جميلان معاً، سعيدان و يستحقان.
تلكَ الأفكار بقيت كالأعصار في رأسي، لا أعلم إن ما يجب عليّ أن أكون غاضباً لأخفاء كانيلا الأمر عني أم فرحاً لأنها في الحقيقة ليست وحيدة كما اعتقدت.
أتضح أن هنالك شخصاً يهتم لها في حياتها.

لقد سبق و أخبرتني مرةً عن ذلك بِطريقة غير مباشرة لكني لم أنتبه و الأن فهمت و عرفت مَن هو ذلك الشخص.
مضحكاً أنَ كل شيء كان واضحاً كَوضوح الشمس أمام عيناي إلا انني لم أراه.
فجأة رأيتُ كانيلا مع مايكا يداً بيد يدخلون القاعة ليبقوا مع مجموعة يبدو انهم يعرفونها من مكاني باستطاعتي رؤيتها تتنفس بِقوى و وجنتيها حمراء غيري قد يعتقد انها بِذلك الشكل بِسبب البرد خارجاً.

بعد ذلك حركت كانيلا رأسها في الأرجاء لتحط عينيها صِدفة عليّ، ابتسمت لي بدفء لكني لم أجدها بِنفسي لكي أعيدها، حاولتُ تحريك شفتاي لكن لا رد لتهبط بسمتها هي رافعة الحواجب كأنها تتساءل إن ما كل شيء على ما يرام.
هل انتَ على ما يرام؟ فجأة قاطعني سؤال ريزار من حبل افكاري و عن كانيلا لتعود أصوات الموسيقى إليّ و الى العالم و كل ما حولي.

نظرتُ له قليلاً أحاول تذكُر ما سألني عنه لأجده يهتز على ساقيه و لو نفختُ عليه سيقع.
ثمل.
بدوتَ شارد الذهن و لم تسمعني عندما سألتك. عاد هو يُبرر لي لأتنهد أخُذ كأسه من يده لكي أشربه انا.
بدأتُ أشعُر بالملل، هل تريد المغادرة؟
ابتسم هو ابتسامة نَعسانة ثم قال
عجيب، الأمير الذي يُحب الاختلاط بالأخرين وجد الحفلة مُملة؟
هذا ليس ما اريد سماعه ريزار.
بلع هو ريقه مُغمض العينين ليضع يداً على كتفي.

أسف انا فقط أفَكِر العكس، انني استمتع بها و أوُد البقاء.
حسناً ابقى أما انا سأعود الى غرفتي.
أومئ لي هو يُحرك حواجبه بِطريقة مُسلية على المرأة التي معه لِتضحك و تضربه بِخفة على ذراعه.
شربتُ كل ما في الكأس ثم أعطيه فارغاً لأحَد الخدم قبل أن أخرج من القاعة مع بلايز على كتفي.
أخذتُ خطواتي بِبطء في الردهات الكبيرة يداي في جيوبي أحدق بِحذائي و انا أمشي ترجع تلكَ الأفكار الى رأسي لتلهيني عن الواقع.

شعرتُ بالعطش و انا في الطريق لأقف عند المطبخ، اطلب من أحد الخادمات أعطائي كأساً من المياه لتفعل.
شكرتُها على ذلك و عندما أردتُ الاستِدارة لكي أغادر وقعوا أطباق فوق خادمة لأنها أرتطمت بِخزنة مُهترئة و مع الأسف تأذَت هي لكن ليس كثيراً.
جُرِحَت في ذراعيها و عند جبينها و كَردة فعل ركضتُ انا لكي أساعدها قبل أن تدهَس على الزجاج بذلك الحذاء الرقيق كي لا تجرح نفسها أكثر.

مَر الكثير من الوقت فيه نسيتُ ما كان يجول في دماغي، جلستُ في المطبخ اتحدث مع الخادمات الى أن قررتُ انني حقاً مُتعب و يجب عَليّ العودة الى السرير.
في طريقي الى غرفتي رأيتُ الشُرفة ذاتها التي قابلتُ فيها كيجا ليلة أمس، و عندما تقدمت أكثر اليها رأيتُ كانيلا لوحدها مُتكئة على الدرابزين شعرها يتطاير خلفها بِستائر سوداء ناعِمة و فستاناً أزرق طويل بِأكمام تُخفي الكتفين و جزء صغير من الأذرع العُلية فقط.

فستانها راقي و جميل لِلغاية أعلم انه من هذه المملكة و ليس لها حقاً أو ربما قد يكون هدية من كيجا كما أهداني هذه الملابس التي انا فيها.
ما الذي تفعله؟ هَمس لي بلايز لأول مرة منذُ فترة في أذُني و انا أتقدم الى الشُرفة.
لا شيء، فقط سألقي التحية.
أخذتني ساقاي من تلقاء نفسها اليها لدي جزء فيني يتوق لكي يسألها اسئلة كثيرة تحتاج الإجابة و هذه الفرصة الأفضل بما أن خطيبها ليس معها.
اين هو على اية حال؟

ما الذي أحضركِ الى هنا؟ هذا ما قلته عندما وجدتُ نفسي متكئ على مَدخل الشُرفة مُشابك الذراعين أمام صدري.
التَفت هي متفاجئة تُخرج شهقة تضع يداً فوق صدرها
يا اللهي لقد أخفتني.
أعتذر لم اقصد إخافتك.
زفرت الهواء من فمها ترتخي ثم ابتسمت هي لي تُلَوِح لِبلايز أما إكسانا تقف على الحافة لا تُقابل عيناي. هل أحزنتها بِغضبي؟ تباً لم أكُن اريد فعل ذلك و بالذات لها.

هل تريد الأنضمام إليّ؟ أشار كانيلا لِجانبها لكني لم أتحرك ساكِناً.
لا شكراً، انا في الحقيقة أتيتُ لكي اسألكِ عن شيء يُثير فضولي.
رفعت هي حواجبها الداكنة عليّ.
و ما هو ذلك الشيء عجباً؟
لقد رأيتُكِ انتِ و مايكا معاً في الحديقة قبل قليل.
رمشت هي عليّ لأبتعد عن الجدار و أتقدم نحوها أقف جنبها.
لماذا لم تُخبرينني انكِ مخطوبة كانيلا؟
عادت تحدق بي بِتعجب كأنني أتكلم لغة لا تفهمها.
ماذا؟،.

لما أخفيتِ ذلك عني طوال الوقت؟
سموك انا ظننت انكَ تعرف فَلما سأخفي شيئاً كَهذا عنك؟ الم ترى الخاتم؟
رفعت هي يدها اليُمنى لأرى خاتماً بين مجموعة خواتم أخرى على أصابعها النحيلة، الماسياً حجره مُتوسط الحجم سكري اللون يلمع تحت نور القمر فوقنا.
هل تمزح معي؟، انه يبدو تماماً كَتلك الخواتم الأخرى لكني لم أخبرها بِذلك بل أخذتُ نفساً عميقاً بِصمت أملئ فيه صدري.

هذا ليس سبباً كانيلا، ما أدراني حتى فأنتِ لم تذكُري ذلك ابداً.
التفتُ الى منظَر المدينة أرَكِ يداي على الحافة لأسمع ضحكة صغيرة منها ليست مَرحة بل مُتفاجئة
سموك انتَ الأن تلومني؟
حركتُ رأسي بسرعة اليها أكبِت غضباً ليس لي الحق به.
لا لا انا أسف لم اقصد ما قلته انا فقط مُستاء لأنني عرفتُ لوحدي أعني طوال الوقت انتِ فيه معي لم انتبه صحيح لكن كانَ بأمكانك أخباري أو ذِكر الأمر على الأقل.

لم يخطر على بالي ابداً لأنني حقاً ظننت انكَ تعرف.
تلكَ اليد مَخفية دوماً فَكيف لي أن أعرف؟
نظرت هي على يدها التي الأن كما أخبرتها مخفية أسفل يدها اليسرى لتعض على شفتيها قبل أن ترفع رأسها نحوي
لماذا يهمك الأمر سموك، ما الذي سيُغير؟
ما الذي سيغير؟
اهتمامي بكِ منذُ البداية و التفكير بكِ كلما لم تكوني موجودة و عيناي التي تبحث عنكِ كلما غبتِ.
الكثير، سيغير الكثير. هذا ما تفوهتُ به لها.
ما الذي تعنيه سموك؟

زفرتُ الهواء من فمي بِقوى اُمَرِر أصابعي في شعري هذه الأسئلة حقاً مُزعجة.
ذلك التغزُل كله ماذا كان، أعني في رقصنا تصرفاتك معي ماذا كانت؟ كان كله مزحاً؟
الأن انا مَن ابدو سخيفاً بتوجيه تلكَ الأسئلة الطفولية لها لكني لم أقدر على منع نفسي، ذلك اللسان اللعين يتصرف من تلقاء نفسه. هل تأثرتُ و صدقتُ تصرفات كما أردتُ أن تكون حقاً؟
هل توَهمتُ بِنظراتها، تصرفاتها و كل ما تفعله معي؟

الرقص ليس مشكلة و لكن هنالك أشياء أخرى أم انا اتخيلها؟
ما الذي يحدث معي بِحق السماء؟ انا لا أتصرف هكذا، فما الذي تغير حقاً؟
توَسعت عينيها بِبطء شديد لكنها حاولت أخفاء ذلك بسرعة بِعقد حواجبها
سموك أرجوك لا تقل لي انكَ--
فقط أجيبِ على سؤالي لكي انتهي من الأمر فَحسب.
ا-انا كنتُ أتصرف معك كما أتصرف مع الجميع، هذا ما يفعلونه الأصدقاء، ألا يمكننا أن نكون أصدقاء؟

حدقتُ بها مطولاً لأبتسم نِصف ابتسامة لها و أهُز رأسي بِخفة
لا، لا يمكن أن نكون أصدقاء.

فتحت فمها لكي تتفوه بِكلام ما لكني التفتُ بمطرحي و غادرت بسرعة العن نفسي مليون مرة في جميع اللغات التي أعرفها و تمنيتُ لو قفزتُ من على الشُرفة أفضل لي من أحراج نفسي أمامها.
و ما الذي قلته الأن؟
لو لم أؤذي في حياتي امرأة بِكلامي فَهذه هي المرة التي فعلتُ فيها. هذه ضريبة مَن يُعجب بِالشخص الخطاء.
لكن هل حقاً كل اللوم عَليّ وحدي؟

لستُ أدري لأني دخلتُ الغرفة و أغلقتُ الباب ورائي أمسح وجهي مراراً و تكراراً الى أن بدأ جلدي يحرقني من كثرة حكه و المسح عليه.

هل كنتَ حقاً تعني ما قلته لها؟ سألني بلايز يَطير أمام وجهي لأنظُر له بِلا إجابة قبل أن اتنهد مُنحني الرأس أدخل غرفتي أكثر لأجلس فوق السرير.
ربما.
كانَ كل ما قلته.

-كانيلا-
ما الذي حدث قبل قليل؟
كيف كُنا نتكلم و نبتسم لتُصبح الأجواء بيننا مُختلفة.
و انا اعتقدت انه يعرف بأمر مايكا لأنني سمعتُ منه انهما تحدثا عن الموضوع بِوجود فالين.
تنهدتُ انا أفتح باب غرفتي الكبيرة التي لم أظن أن الملك كيجا سوف يُعطيني مثلها بأثاثها المريح و الراقي حتى يوجد بيانو أبيض براق و مُرصع بالذهب عند النوافذ الكبيرة التي تأخُذ نِصف مساحة الجدران.

جلستُ على طرف سريري أشعر بِحيرة من أمري و لا افهم تصرف فالكين المُفاجئ و ما الذي كانَ يَعينه انه لا يمكننا أن نكون أصدقاء؟
هل أخطأتُ بِحقه أو بِتصرفاتي معه من دون أدراك؟ أو ربما...
سيدتي هل انتِ بخير؟ رفعتُ رأسي للأعلى على إكسانا.
هل قلتُ له شيئاً أزعجه؟
حدقت هي بي لا تدري مثلي تماماً لكن عينيها توَسعت بأدراك ما لِتطير قليلاً إليّ تترك مساحة بيننا قبل أن تسأل
هل تظنين، هل تظنين انه يمتلك ما--.

لا! أوقفتها قبل أن تُكمل.
لا تتفوهي بالهُراء إكسانا هذا ليس مُمكناً.
أعتذر سيدتي.
تنهدتُ لِلمرة التي لم أعُد أعدها لأنظر على يميني، مكان تواجد شُرفتي بأبوابها الزجاجية المُغلقة. لم أستطع إلا بالتساؤل عن شيء، فَهل، هل ما تعنيه إكسانا قد يكون حقيقي؟
لا لا هذا مستحيل هو ليس هكذا و انا...

انه شخصاً أحتاج صداقته و لا اريد خسارته بِسبب تصرفاتي الغير لائقة معه أو التي جعلته غاضباً لدرجة أن يستاء مني و يخبرني انه لا يريد أن يكون صديقاً لي.
نهضتُ لكي أذهب الى الخزانة حتى اُبَدِل ملابسي و إذ بِألم فظيع في كتفي الأيسر يوقفني و يُعيدني لِسريري. أخرجتُ أنيناً من حلقي أضع يدي على مكان الألم ألعَن تحت أنفاسي.

سيدتي ما المشكلة؟ صاحت إكسانا تطير الى كتفي لأهَسهِس من بين أسناني على النبض، أعلم ما المشكلة.
ابعدتُ بِحذر الوِشاح الجزء من فستاني عن كتفي الذي عليه وَشم أسود يبدأ من الأعلى عند القليل من عظمة الترقوة و الى القليل من ذراعي العُلية. أسود على شكل وردة كبيرة و واحدة غير مُكتملة و الأن هذا الوشم يُشِع باللون الأصفر و تلكَ الوردة الغير مُكتملة تتمدد لتكتمل.

حاولتُ أكبات الصرخة من الخروج لكنه ألم لا يُحتمل و كأنَ أحداً ما يحرقني بالفحم المُشتعل. كان هذا الوشم بِلا تفاصيل عندما تلقيته و كل فترة يَكبر على ذراعي فَهذا ما يأتيني منه الأن.
بعد مدة قصيرة مِن المُعاناة توَقف الألم و توقفتُ عن حبس أنفاسي كي لا أصرخ، تركتُ كتفي ثم أخرجتُ زفيراً طويلاً أحمد الله على انتهائه.

اعتقد انه حان وقت زيارتها صحيح؟ سألتني إكسانا تبدو مُرتخية فَهي تشهد دوماً على الذي يحصل من دون أن يكون لديها خيار سوى المشاهدة و عدم التحرك لِلمساعدة، لأنه لا يوجد ما يُساعدني.
نعم، انتِ محقة، سوف أزورها فور عودتنا الى فالينيا.

أومأت هي بِتفهم لأقف و أتوَجه نحوى الحمام فالعرق الذي يملأني بلل جزء من فستاني و على اية حال يجب عليّ أرتداء ما هو خفيف فَهذا الذي عليّ ثقيل الوزن و مُزعج بعض الشيء عند الحركة.

لم أعُد أسمع أصوات الموسيقى القادمة من الحفلة أو أحاديث الحضور و ضحكاتهم المُرتفعة كالصدى إليّ و لكن الهدوء.

السكينة الجميلة و أصوات حشرات الليل في هذا المساء الجميل البارد. لففتُ حول أكتافي وشاحاً أخراً من القطن أدفئ فيه جسدي ضد البرد القارس هنا. انا مُعتادة على فصل الشتاء منذُ أن كنتُ في عالم البشر ولكن بعد أن بدأتُ بالعيش في فالينينا نسيتُ ما هو البرد الى أن تعرفتُ على هذه المملكة الساحِرة.

حسناً لستُ مِن مُعجبي الثلج و مع ذلك انها مملكة رائعة و تستحق الزيارة لكن ليس العيش فيها فَهذا شبه مستحيل بالنسبة لي، فأنا اُفَضّل الدفء كَما هو في فصل الربيع.

انني أقف الأن في الشُرفة التي خارج غرفتي، التي فيها تركني فالكين ضائِعة أحدق بالفراغ اسأل نفسي إن ما كنتُ السبب حقاً وراء غضبه أم انه كان غاضباً من البداية ليُفرغه بي. مررتُ أصابعي بين خصلات شعري المنسدل أحرك عيناي للأسفل على الحديقة الفارغة الخاصة بالقصر و التي يَحرسها الحرس الملكي من دون أن يتحركوا ساكنين.
تماثيل حية.

انه منتصف الليل و انا لم أشعُر بالنعاس لأنه ما يزال ذلك النبض يُذكرني بالألم على كتفي فوَجدتُ النوم الأن لا فائدة منه لهذا وقفتُ هنا في نفس المكان منذُ فترة، أسمع الهدوء فقط لأنَ جميع مَن في القصر نائم.
حتى إكسانا المسكينة اضطُرَت على مرافقتي و الأن هي تجلس على حافة الشُرفة ساقيها للأسفل تحركهم بِتسلية تُشاهد ما أشاهده.

كنتُ في الواقع أأمل زيارة مايكا لي في الغرفة كما وعدني ولكنه لم يظهر لهذا استسلمت لِلصبر و خرجت لكي أستنشق بعض الهواء المنعش، لقد توَقعتُ عدم ظهوره فَهذه عادة من عاداته، لا يأتي عندما يوعدني و يأتي عندما لا يوعدني.
هل بردتِ؟ تريدين العودة الى الغرفة؟ سألتُ إكسانا بِقلق لأنها تظل تَفُرك ذراعيها بيديها لترفع رأسها نحوي و تبتسم.
لا انا بخير سيدتي فقط النسمة تُقشعِر من جسدي كلما ظهرت.
حسناً.

فجأة سمعتُ صوت أنين قوي قادم من الردهة خلفي لألتفت بسرعة عليها بينما إكسانا طارت الى جانبي.
هل سمعتِ هذا؟ انا سألت.
نعم.
توقف الصوت لِلحظة قصيرة قبل أن يعود مجدداً. ما هذا؟
تقدمتُ بضع خطوات الى داخل الردهة المُضاءة بِالشمع لأنظر على يساري، جِهة قدوم الصوت منه. لا، ليس هذا مرة أخرى. هذه الجهة التي ذهبهَ اليها فالكين. على ما أظن أنَ في أخِرها غرفته.

رجع الصوت أقوي من سابقه لأتبادل النظرات مع إكسانا أفَكِر إن ما يجب عليّ الذهاب أم لا. فَهو أصلاً لا يعرف انني أعرف عن الذي يحدث معه ليلاً أثناء نومه فَهل أخبره بلايز؟
لا اعتقد ذلك لأنه وَعدني بالصمت كما وعدته أن لا أذكُر كل ما رأيته أول مرة.

ولكن هذه المرة ليس كَسابقها، أحسستُ بِشهقاته ليس إثر المُعاناة كما كان لكن شيء أخر مختلف كأنه يرى شيئاً يجعله حزيناً فأنا أعلم تلك الشهقات و ما خلفها، أحِس بها.

لم أنتظِر مِن أحد بالظهور و مساعدته بل ركضتُ لوحدي نحوى الصوت و على الفور رأيتُ باباً أبيضاً بالواجِهة من خلفه صوت فالكين قادم. أردتُ الطرق عليه و لكن بلايز سبقني كما لو انه سمعنا قادمين و مِن دون أن يلفظ بِكلمة دخلتُ على الفور أرى فالكين مُمَدَد فوق سريره.

الغطاء على الجزء السُفلي من جسده المُتعرق يديه على شكل قبضات في السرير لو انه تحرك بِقوى سوف يُمزقه و الذي صدمني ليس هذا فَحسب بل بكائه و لفظه لِأسم ما بِنبرة هامِسة.
ليس سيء كالسابق لكن هل بأمكانك مساعدته؟ سألني بلايز لأومئ لستُ أدري ما يجدر ي فعله حقاً ثم تحركت نحوى النائم.
جلستُ على طرف السرير بعدها قربتُ رأسي منه أكثر حتى أسمع ما يقوله، فَشفتيه تتحرك بِبطء إلا لسانه يلفظ الاسم مراراً و تكراراً.

كلما تفوه به كلما زادت دموعه بالتساقط و جسده بالارتجاف.
بلعتُ ريقي أخاف أن المسه أجعله يهيج و مِن حرارة جسده المرتفعة. لِمفاجأتي عندما لمستُ كتفه لم أجده يشتعل كالسابق بل دافئ فقط أو زيادة عن اللزوم ليس إلا.
سمو الأمير. همستُ له ابعد يدي عنه لكنه لم ينصت و ظل يغلق عينيه بِشدة و قبضاته تشُد غطاء السرير.
أ-أمي؟
تجمدتُ في مطرحي أرمش عليه. هل دعاني بِ-بِ-بِأمي؟
انه يحلم بها. تَمَتم بلايز مِن جنبي.

السيدة أغاثا؟
لقد أخبرتني عنها تاليا من قبل لكني لم اقابلها ابداً لأنه عندما وصلتُ الى هذا العالم كانت هي متوفية لاغتيال الشادونايت لها في الغابات عندما كانت مع الملك ريس و تذكرتُ أنَ فالكين كان في الحقيقة معها ايضاً.
و مِن حُسن حظه انه لم يراها تَموت.
أمسكتُ يده بيدي ليَعصرها قبل أن يدرك انني لن أؤذيه.
أمي، همس هو يفتح عينيه رويداً رويداً.
لِلحظة ظننت انه أستيقظ ولكن تفوه بِشيئاً جعلني أرى العكس.

انتِ هنا؟
يتخيلني والدته هذا يعني انه لا يزال يحلم لهذا ما الذي يجب على الشخص مثلي فعله في موقف كَهذا؟ لستُ أعلم إن ما كانَ القرار الأصح لكني فعلتُ الذي وجدته افضل له هو.
نعم، هنا. أجبته بِرقة لترتسم بسمة صغيرة على شفتيه، تلك العينين الأرجوانية تبرق مِن الدموع المتجمعة عليها.
أرجوكِ لا تتركيني،
عصرتُ يديه بِخاصتي.
لن أتركك ابداً.
انه يؤلم، قال هو ينشق و دموعه تتساقط على وَجنتيه.
ما الذي يؤلمك؟

لم يُجبني على الفور بل ظل صامتاً لِثواني قبل أن يُجيب
فقدانك، انا أشتاق لكِ لِلغاية.
عضتُ على شفتي السُفلية كي لا أبكي لأبتسم له ايضاً ارفع يدي لأمسح على وجنته و تلكَ الدموع.
و انا أشتاق لكَ.
هل سَتظلين معي؟
أخذتُ يده الأخرى المُكَوَرة في الغطاء أرى كتفيه ترتخي و جسده يتوقف عن الرجف.
نعم، سأظل معكَ دائماً.
هل تَعديني؟
حدق هو بي بِتلك العينين الناعِسة بِطريقة جعلت من لساني يلفظ الوعد مِن تلقاء نفسه.

أعدك عزيزتي فالكين.
أحبكِ جداً أمي.
ابتسمتُ له مُترددة قبل أن أرد
و انا أحبكَ ايضاً فالكين.
كَبرتُ بسمته تُظهِر بعض الأسنان البيضاء قبل أن تبدأ عينيه بالانغلاق يعود لِلنوم. انه مُنكسر، يجد قطعة من قلبه مفقودة والدته تمتلكها و لا غيرها يملئه.

الأم لها مكانة خاصَ في جميع قلوب أولادها مهما كانت هي. لطيفة، رقيقة، مهتمة أو شريرة، و العكس تماماً فَهي في النهاية أُم و الطفل يحتاجها و بالنسبة لِفالكين لقد تربى من دونها، لديه ذكريات بسيطة عنها ليتعلق بها و تختفي فجأة من حياته.
انا أشعُر به، لقد تركتُ عائلتي و لا أعرف عنهم شيء منذُ سنين.

بعد أن عاد فالكين لِلنوم و الراحة تركتُ يديه لأرى حضني مُبلل. وضعتُ يداي على وجهي أجِد نفسي أبكي. تنهدتُ بِخفة أمسح الدموع و ابعد تلك الذكريات فَهي لن تضعني إلا في حزن كنتُ و ما زلتُ أهرب منه. ذنب يأكُلني حية كل يوم.
طلبتُ من بلايز إعطائي بعض المناشف لكي أنَظِف العرق عن الأمير ليذهب مُسرعاً و يعود بها أما انا لقد جهزتُ طبقاً بِمياه دافئة.

غطستُ قطعة جافة فيها ثم بدأتُ أغسل العرق عن وجهه، رقبته و صدره و كل جلد مَكشوف. من الجيد أنَ العرق لم يبلل بنطاله أو أغطية سريره انا أخمن أنَ هذه المرة افضل من غيرها كما أخبرني بلايز.
و انا أنَشِف الماء من على الأمير بِقطعة جافة ناعِمة كَسر بلايز الصمت قائلاً
شكراً لكِ سيدتي لو لم تكوني هنا لما كنتُ أعرف سيحدث له.
ما الذي يراه بالضبط؟ هل لديكَ فكرة؟

رأيته بِطرف عيني يتردد بالرد لأتوقف عن تجفيف رقبة الأمير و أنظُر له
لا بأس لا تخبرني ولكن هل تعرف إن ما هنالك سبب؟
هذه قدرة يَمتلكها و لا يقدر على التحكم بها جيداً.
أومأتُ بِتفهم أعود لأكمال عملي قبل أن يَستيقظ الأمير و يراني في غرفته، أعلم بالذي يخوضه في هذه الليلة و ربما غيرها و المزيد من التفاصيل لا تَخُصني بِشأن ما سمعته.
الفضول يقتل صاحبه.

هل لها عِلاج؟ رأيتُ انني انتهيت و الأمير النائم أنفاسه منتظمة و ساكِنة.
ابتسمت لأنه يبدو كالطفل الصغير في نومه.
لا اعتقد هو حتى لم يُخبرني كثيراً عنها.
ربما لا يوجد علاج. أقترحت إكسانا تقف على لوح السرير فوق رأسه فالكين.

حسناً انا عملي انتهى هنا أرجوا أن تُبقي ما جرى سراً بلايز فَلا أعتقد انه سيُسَر بمعرفة ما أعرفه عنه. نهضت على ساقاي أخُذ المناشف و طبق الماء ليومئ بلايز لي قبل أن أدخل الحمام اُرَتِب كل شيء كما كان.
بعد أن تأكدت أنَ كل شيء عاد لوضعه السابق غادرتُ غرفة فالكين و الى غرفتي عُدت لأغلق الباب و أتجه نحوى سرير لأني الأن أشعُر بالأرزاق الشديد كأنني كنتُ أركض لأميال بلا توقف.

و مايكا لم يأتي بعدها لأغط في نوم عميق.

في الصباح التالي و بعد أن تناولنا جميعنا الفطور على نفس الطاولة و فالكين ظل يتجاهلني لا يُقابل عيناي مهما حاولت جذب انتباهه، أخبرنا كيجا انه و قبل رحيلنا عن سنويان، سوف يرسلنا الى مدينة الزجاج مع كُلاً من إينارا و نيرِكس كَمُرافقين بما انه لا يقدر على ترك قصره.

وافقنا جميعنا و سعدنا جداً و أولهم انا لأني حقاً تمنيتُ التجوال فيها لِجمالها الفريد و فضولي الكبير لمعرفة ما فيها، شعرتُ بالرضى على الخبر.
لهذا بعد الفطور على الفور عُدتُ الى غرفتي لكي ارتدي ما يناسب الرحلة الصغيرة و الحماس يملأني مثل إكسانا لأنَ كِلانا لدينا نفس الأمنية و تحققت.

أخترت فستاناً أبيض اللون طويل بأكمام كاملة. انا دوماً ارتدي الذي يمتلك أكماماً أو وشاح خاص به لكي أخفي ذلك الوشم بالإضافة أجواء هذه المملكة لا تسمح لِلكثير من الجلد بالظهور.
فوق الفستان ارتديتُ معطفاً طويل أسود مِن الصوف الرمادي حتى لا أتجمد باللحظة التي أغادر فيها القصر.

و انا اُسَرِح شعري الذي فضلته منسدل على صدري طُرِقَ باب الغرفة لأضع الفرشاة على التسريحة و أذهب اليه كي أفتحه.
لِدهشتي رأيتُ مايكا يقف أمامي و ذلك الوجه المُتحجر لا يتغير، انه وجهُه و انا بنفسي أعتدتُ على خلاء المشاعر و التعابير منه والسبب مِن الأسباب الكثيرة التي تجعل الجميع يبتعدون عنه خوفاً و تفاديه بسبب برودته إلا انا، لأنني أعرف شخصيته الحقيقية خلف ذلك الوجه.

هل تجهزتِ؟ سألني هو لأشير على فستاني.
انتهيت.
لقد أتيتُ كي أوصلكِ الى العربة فقط.
قلبتُ ملامح وجهي من المتحمسة لِلحزينة، أذكُر انه لن يأتي لأنَ فالين رفض القدوم معنا.
الن تُغير رأيك لو طلبتُ منك الانضمام الينا؟ أمسكتُ يده الباردة أترجاه بِعيناي.
لكنه لم يتحرك ساكِناً و إنما أخرج زفيراً من فمه يغمض عينيه لِثانية.
انا حقاً أسف كانيلا لكن يجب عَليّ البقاء مع جلالته.
نعم بالطبع.
الملك أبدى مني.

تركتُ يده أتكئ على الباب بدلاً مِن ذلك.
لا مشكلة، بأمكاني الذهاب من دونك فَهُم ينتظرونني في الأسفل.
هل حزنتِ؟ أعادَ خصلة من شعري خلف أذُني ملامحه ترتخي من التحجر.
لا، لكني أردتكَ أن تشاركني الرحلة.
سيَكونوا الباقي معكِ.
لكني اريدكَ انت.
انتَ مُحق.

وضعتُ أفضل بسمة لدي مِن أجله، البسمة التي يُصدقها و تجعل كل شيء على ما يرام و على الفور ظهرت بسمة جانبية على شفتيه بالكاد واضحة لو لم أكُن قريبة منه كِفاية لأراها.
حسناً، أستمتعي و أشتري ما تشائين. أخبرني هو يأخُذ خطوة لِلخلف لأومئ له بِ حسناً قبل أن يغادر و أغلق الباب ورائه.
استدرتُ الى إكسانا المنتظرة على أحَر من الجمر لأصَفق بيداي لا أدع من خيبة الأمل تدمر حماسنا.
هيا بنا لنذهب.

رفعت إكسانا يديها بِسعادة في الهواء تطير بسرعة إليّ لأفتح الباب مجدداً، أخُذ نظرة أخيرة في أرجاء الغرفة اتأكد انني لم أنسى شيئاً بعدها خرجت و أغلقته خلفنا.

في العربة التي أشاركها مع إينارا نظرتُ عبر النافِذة على المدينة التي دخلناها الأن و على ما فيها مِن منازل زجاجية و متاجر مضاءة بالألوان، كثير مَن يدخلها و يخرج منها محملين بالأغراض حتى رأيت متجر ليس مثل غيره، فيه أطفال كثيرة و هو ملون بِألوان، لذيذة؟
يبدو متجر حلوة.

أعدتُ عيناي على الطريق أرى دببة قُطبية بيضاء صغيرة و كبيرة تمشي مع صاحبها، أو عربات تقودها حيوانات الأيل ذات القرون العملاقة و التي تبدو خطيرة.
أغلبية الجنيات هنا بِشعر أبيض و بشرة فاتحة جداً ولكن هنالك من يمتلك الشعر الأشقر أو الداكن، نادر بعض الشيء لكن موجود.

توقفت العربات عند مجموعة متاجر لنترجل منها كلنا يضربنا الهواء المُجمِد يجعل من جسدي يقشعر. أغلقتُ الرداء أكثر على نفسي. كل نَفَس يخرج مني على شكل دخان أبيض لشدة البرد و الثلج.
رأيتُ الباقي يتقدمون الينا انا و إينارا ابتسامات عريضة على وجوههم كلها إلا فالكين الذي ينظُر من حوله يديه في جيوبه.
مَن أتى اليوم في الرحلة هُم الجميع عدا فالين و مايكا فقط و معهم نيرِكس كي يُرافقونا و يُساعدونا.

تقابلت عيناي بِعيون فالكين لأبتسم له إلا انه حرك عينيه بسرعة بعيداً عني يتظاهر بالتحدث مع ريزار صديقه.
نعم، ما زال مُستاء مني لسبب لا أفهمه.
لم أكُن أعلم أنَ ذلك سيحزنني كثيراً أو لتلك الدرجة لكني تجاهلتُ الأمر للأن لكي أتبع الشقيقان يدلونا على طريق الى متجر سحري معروف يُحبون الذهاب اليه لكي يشترون الأثاث لِلقصر الملكي.

تعجبتُ من ذلك لكنا تبعناهم على اية حال. وقفنا أمام متجر زجاجي كبير من خلال جُدرانه رأيتُ بعض الزبائن متجمعة لِلشراء.
ما هذا المتجر؟ تساءل ريزار مع نفسه ينظُر بِدهشة على المتجر.
أدخُل لتكتشف. أجابه نيرِكس و هو يفتح الباب حتى ندخل خلفه.

انه متجر سحري كما وصفه الشقيقان. من الداخل ليس زجاجي و إنما من الخشب، أرضية جدران و رفوف عليها أشياء مُختلفة. كتب، زينة، عصيان، بلورات و تماثيل بأشكال متنوعة مصنوعة من الزجاج أو الخشب و المزيد.
علي اليسار عند الرفوف يوجد درج خشبي يصل لِلطابق الثاني و عندما نظرتُ للأعلى رأيتُ تماثيل بأجنحة تطير و تحمل كُتب و غيرها عصى بِريش تَطير خلفها تنشُر بريق يلمع كالنجوم الصغيرة.
ما الذي يجري بِحق السماء؟

نظروا علينا بعض الزبائن بِفضول لكنهم عادو بسرعة لما كانوا يفعلونه.
تحركتُ على اليمين لأقف أمام مجموعة رفوف عليها بلورات منها مُضيئة تُظهِر رسومات ما و عندما أقربتُ أكثر منها لاحظتُ انها ليست رسومات َبل ما يجري خارج المتجر كأنها عيون و انا أنظُر من خلالها.

هذا رائع جداً! قال ريزار من جانبي مُمسكاً بيده تمثالاً متحركاً على شكل عصفور لكنه لا يقدر على الطيران لأنَ قدميه الصغيرة مُلتصقة بِمنصته و معه وقف فالكين يضحك على ردة فعل صديقه.
فجأة تبدلت تعابير وجهه بِلحظة الى المنزعجة عاقد حواجبه يحدق بالرف، رفعتُ حواجبي على ذلك لأشيح بِنظري للأِسفل كما فعل على ساقه اليُسرى نرى مَن يزعج هو في الحقيقة دُب أبيض صغير بِفرو كالقُطن مُتَمسك بِساقه يُعانقها.

توسعت عيناي لا أصدق كم انه الطف شيء رأيته في حياتي كلها وكم أردتُ حمله و مُعانقه للأبد لكن لم أستطع لأنَ فالكين حمله بيديه و رفعه لمستوى وجهه.
ما الذي تفعله ايها الصغير؟ سأله فالكين مُبتسماً.
الدُب لم يجيبه طبعاً فَهو لا يتكلم لكنه مَد كفيه المُدورة نحوه كأنه يريد مُعانقة الأمير لكن من دون اية سابق انذار عطس الدب بِقوى على وجهه ليُغلق هو عينيه إثر ذلك و لُعاب الدب يسيل من على وجهِه بِبطء الى رقبته.

ظهرت ضحكات عالية مِن مَن معنا على شكله ليدع فالكين الدُب من يديه بِلطف على الأرض يلعن بِنبرة هامسة. تقدمتُ انا بنفس الوقت أخرج منديلاً حتى أعطيه اياه. حدق هو به لِلحظة.
تفضل سمو الأمير. قال نيرِكس يَمُد منديله ايضاً له ليرفض هو خاصتي و يأخُذ الأخَر.

لا أعلم إن ما كان ذلك واضحاً لكني أحسستُ بابتسامتي تهبط مُتكسرة لأعيد المنديل لنفسي أرى إكسانا تطير إليّ تقف على كتفي هي رأت ما حدث ولكنها لم تلفظ حرفاً.
جيد لأنني لستُ بِمزاج لِلتحدث.

قررتُ الابتعاد و الذهاب الى الجهة الأخرى من المتجر لأقف أمام رفوف أخرى عليها الكثير من الكتب بِعنوان أغرب من الثاني منها تتكلم عن تاريخ مملكة سنويان و منها فقط عن السحر الأبيض و تأثيره و هنالك عن التشريح للأجساد أو عن أسباب تلون السماء في كل فَصل و الى أخره.

مررتُ أصابعي عليها أجدها نظيفة و لا توجد ذرة غبار عليها يبدو أنَ صاحب المتجر يهتم بها جيداً. و انا أمشي خطوة صغيرة وراء الأخرى بِجانب الرفوف أتمعن بِالكتب سمعتُ أحدهم ينزل من على الدرج أمامي لأشيح بنظري مِن على الكتب.

وجدتُ رجلاً ما يقع من على الدرج و لا ينزل كما ظننت، بقية يتدحرج على الدرج جعلني أشعر بِألم بدلاً منه الى أن وصل متدحرجاً لنهايته ليقف بسرعة مُستقيماً يُعَدِل من نظاراته التي بطريقةٍ ما لم تنكسر.
مرحباً ايها الغُرباء، ما الذي تريدون شرائه؟ قال هو مبتسماً لتأتيني رغبة بالضحك بِشدة عليه يتصرف كما لو انه لم يقع أمام كل مَن في المتجر.

انه رجلاً ليس كبيراً في السن بل بدا شاباً في الثلاثينيات من عمره لو كان بشرياً لكني أعلم انه أكبر من ذلك بكثير. بِشعر أشقر فاتح جداً و ليس وطويلاً لِلغاية مربوط و لديه أنف منحرف عن المستقيم بعض الشيء و عيونه خضراء جميلة كَلون السُترة التي يرتديها.
في الحقيقة نحنُ هنا لكي نُشاهد فقط. رد عليه فالكين.
نظر البائع على فالكين بِعيون مُضَيّقة لكن أشاحهم عَليّ انا، ينتبه لوجودي أمامه.

آوه، بشرية؟ لقد مرت فترة طويلة منذُ أخِر مرة رأيتُ فيها جنسكم في متجري.
رفعتُ حواجبي للأعلى لأسأل
لماذا؟
لأنَ أحد الدُبب عَض أصابع بشري و أكلها.
حدقتُ به البلهاء ليبتسم بلُطف مرةً أخرى يتظاهر أنَ لا شيء حدث و كأن كلامه ليس مُرعباً. سمعتُ ريزار يضحك بِنبرة منخفضة من خلفي و لا إرادياً تحركت عيناي على الدُب الذي عطس على وجه فالكين اُغَيّر رأي عن ظرافته و كوني اريد مُعناقه.
لا تحكم على الكتاب من غلافه.

عاد انتباهه على فالكين يُضَيّق تلكَ العينين الخضراء الصغيرة ليتقدم خطوة بعيداً عن الدرج يُعَدِل من نظارته من جديد.
انتَ تبدو مألوفاً.
لا لا ابدو، فأنا مُجرد رجل زائر. أخبره فالكين يحاول أخفاء ذعره لأبتسم أغطي فمي على شكله.
ذهب البائع اليه يقف مواجهاً له ثم أمسك بوجه فالكين يتفحصه، يُحركه من اليمين لِليسار للأعلى و الأسفل انه قصير القامة بالنسبة لفالكين لهذا وقف على رؤوس أصابعه.

انتَ حقاً وسيم لكن هنالك أشياء في تلكَ العنين.
أراد نيرِكس و ريزار ابعاد يدين البائع عن الأمير لكن فالكين سبقهم و ابعدهم بِطريقة لطيفة.
ما خطب عيناي؟
فيها شيء عميق، تُخفيه، سراً تُخفيه.
اليسَ جميعنا نمتلك أسراراً نُخفيها؟
نظر له البائع قليلاً يُفَكِر بِكلامه ليُهَمهِم هو يضع يديه على خصره النحيل
صحيح انتَ محق، أعتذر سيدي على أزعاجك لكنني أدرس السحر الذي يقرأ الشخص و يبدو انني فاشِل لا أصلح بِذلك بعد.

ذهب البائع الى الرفوف يبحث عن شيء ما و الجميع ينظُر له منتظرين، فجأة لم يَعُد لكل مَن في المتجر اهمية بَل البائع نفسه.
انه غريب الأطوار.
أخرج و أخيراً غطاءً أسود اللون و عليه بعض الخطوط المائلة المُتراقصة باللون الفضي ليفرده بوجه فالكين كي يراه.
هذا الغطاء، لا مَثيل له، انه سحري يجعل مَن يُغطي نفسه به لا يفكر بِشيء بل يستريح و يَغُط في نوم عميق خالي من الكوابيس و الاحلام المزعجة فَما رأيك سيدي؟

أخَذ فالكين يتمعن بالغطاء يبدو انه حقاً يفكر به لكنه هَزة رأسه يَشكُر البائع على أقتراحه ليقلب البائع شفتيه للأسفل يُعيد الغطاء الى مكانه.
كان يجب أن يأخذه ربما قد يساعده بالنوم ليلاً من دون تلك الكوابيس التي تؤلمه في نومه.

أكمل البائع مُحاولاته المضحكة بِجعلنا نشتري الأشياء من عنده و في الحقيقة نجح عِدة مرات مع الذي لم يُقاومه كما قاومه فالكين طوال الوقت و لسببٍ ما ظل يستهدفه الى أن أشترى كتاباً عن أسباب تلون السماء في الفصول.
الكتاب الذي أعجبني و أردتُ شرائه لكن مع الأسف لم يكُن هنالك نسخة أخرى منه لهذا أشتريتُ تماثيل جميلة من أجل غرفتي و غرفة مايكا مع انني مُدركة انه لا يهتم كثيراً بأمور كَهذه.

و أشتريتُ صندوقاً موسيقياً وردي اللون فأنا أحِب الصناديق الموسيقية كانت لدي مجموعة منها عندما كنتُ طفلة صغيرة و لستُ أدري إن ما كانت موجودة الى الان أم تخلصت أمي منها.
هل أمي ما زالت على قيد الحياة؟ ماذا عن أخوتي ماذا حدث لهم؟
هذه الأسئلة لطالما طاردتني في يَقظتي و نومي حتى تُلقي بي لِلحزن و الرغبة بِرؤيتهم و لو لمرة، لكن صعب.
صعب جداً العودة الى عالمي الحقيقي.

لدي سبب يمنعني لا أحِب تذكره أو التكلم عنه ابداً.
غادرنا المتجر السحري و البائع غريب الاطوار لنكمل طريقنا في الطريق بين المتاجر و المنازل التي تبدو دافئة جداً اللَوِح للأطفال التي تركض و تلعب فأنها تُذكرني بِالأطفال التي كنتُ العب معهم في قريتي في عالم البشر.

توقفي! يكفي ذكريات!
صاح صوتٌ عَليّ في رأسي لأركز على الطريق و مَن معي نتمشى و نتوقف بين حين و أخَر عند متاجر مُختلفة بعضها عن الطعام الشهيرة بالمدينة و بعضها عن الأزياء و هناك حانات أخذنا منها مشروبات ساخنة ندفئ فيها أيادينا و أجسادنا.

لم نلحظ أنَ الشمس غابت و انا المدينة أصبحت مُضيئة بألوانها السحرية المُعلقة على أبواب المنازل و على واجِهة المتاجر حتى رأيتُ بعيداً شجرة عملاقة مُغطاة بالثلج و من حولها انوار سحرية تزينها و في أعلاها نجمة ذهبية.
هذه سَتكون وجهتنا بعد قليل.
واو ما هذا المتجر؟ توقفنا على صوت إكسانا و يدها المُشيرة على متجر الحلوة الذي كان على قائمتي للأماكن التي أوَد زيارتها قبل عودتنا.

هل توَدون الدخول اليه لبعض الوقت؟ سألتنا إينارا.
أومئوا الجميع بالموافقة لتبتسم هي و تأخُذنا اليه.
دخلناه من دون توقُع الكثير إلا إكسانا التي طارت تتركني الى الداخل تطير في الأعالي بِفرح مُفرط.
المتجر بألوان الحلوة اللذيذة، أحمر، أبيض، بني بأنواعه و الألوان الزاهية فكُل شيء مِن مَنظره تريد فقط قضمه و أكله.

المكان يعُج بالأطفال و آبائهم يخبروهم عن ما الذي يُمكن شرائه و ما الذي لا يمكن أو يشاهدوهم يأكلون الحلوة و يلعبون مع الأقزام التي ترتدي ملابس مُخططة بالأحمر و الأخضر و يرتدون قبعات حمراء فيها أجراس.
واو هذا مذهل. تَمتَمت فينار تأخُذ مِن يَد قزم قطعة سكر خضراء بِنفس الوقت أحسستُ بأحدٍ ما يسحب فستاني بِرقة لأنظُر للأسفل أرى قزم ثاني يبتسم لي.

آوه أهلاً انت. قلتُ له أحني ظهره اليه ليرفع يده و يُعطيني ما فيها.
انها عصى الحلوة الشهيرة في فصل الشتاء باللونين الأحمر و الأبيض. انا أعرفها جيداً حتى في عالم البشر يأكلونها كثيراً في وقت الاحتفال بِفصل الشتاء، انها حلوة لذيذة لِلغاية أحببتها جداً في طفولتي.
شكراً لك. أومئ هو لي ثم التفت و عاد الى عمله و مساعدة الزبائن.

لعقتُ العصى مرة أستطعم تماماً ما توقعت. انها بطعم الفراولة و الحليب من أفضل الحلوة على الأطلاق و كلما لعقتها كلما صغر حجمها الى أن أصبح بأمكانك قضمها و أكلها.

أخذتُ وقتي بِتناولها و الاستمتاع بكل ما حولي من حلويات و بسكويت. الجدران بيضاء عليها مُعلقة حلويات من كل الأنواع الأرضية لامعة كالمرايا من نفس لون الجدران لكن عليها بساط أحمر قرمزي هنالك ايضاً درج حلزوني في وسط المتجر بُني و لسببٍ ما تفوح رائحة الشوكولا بالبندق منه.

باستطاعتكِ أخذ قضمه فَلن أقول لِصاحب المتجر. فجأة همس أحدهم بِأذُني لألتفِت مَذعورة الى الخلف أجِد رجلاً نحيل البنية يرتدي من نفس ملابس الأقزام و نفس القبعة الحمراء عليها الجرس الذهبي في نهايتها.
هذا ليس بِقزماً بل رجلاً طويل القامة حواجبه بيضاء و بشرته حنطية يضع شوارب مُزيفة سوداء و يمتلك عيون زرقاء فاتحة جداً بدت كَلون الزُجاج الأزرق المَصنوع منه المتجر و كل ما في المدينة.

أعتذر على إخافتك سيدتي، لقد رأيتكِ تنظُرين على الدرج و لعابك يسيل. قال هو و يديه خلف ظهره مُنحني الظهر قليلاً كي يصل لمستوى وجهي.
وضعتُ لا إرادياً يدي على فمي اتأكد ليَضحك هو بِخفة يُعيد رأسه لِلوراء
انا كنتُ أمزح.
ابتسمتُ بأحراج على ذلك.
لقد قلتَ انه باستطاعتي أخذ قضمه، ما الذي تعنيه بِكلامك؟
كل ما ترينه في المتجر من أكبر الأشياء لأصغرها مصنوع من الحلوى. أشار هو بيديه من حولنا مُبرراً.

نظرتُ جيداً على الأشياء من اللوحات المُعلقة على الجدران، الثريا فوق على السقف السجاد الذي الأن لاحظت انه خيوط مِن السكر و حتى الرفوف التي تبدو مصنوعة من البسكويت فَهنالك في الحقيقة طفل قد أخَذ قضمه كبيرة من رف ليركض والده و يسحبه كي لا يكمل أكله و يوقع ما عليه.
آوه...
هذا مبهر، مَن صاحب المتجر؟ انا سألته أرجع انتباهي عليه.

في مكتبه يعمل و انا أبنه، أدعى يوهان. أنحنى لي بِنُبل لأومئ له مُمسكة بِطرف فستاني أنحني قليلاً.
و انا أدعى كانيلا تشرفت.
الشرف لي سيدتي، هل توَدين المُساعدة بأختيار شيء؟ فأنا أعرف أطيب الأنواع التي نبيعها و أجودها.

همهمتُ بِتفكير أتمعن بالكثير مِن الحلوى، انا لستُ مِن مُحبي السكر و ما هو مشابهه لكني أشتهي أحياناً أو عندما يُقدَم لي أكله فَلا أمانع و الأن هذه فرصتي بما انني حرفياً في متجر يملئه السكر.
حطت عيناي على حلوة القُطن موضوعة في صندوق زجاجي مُغطاة.

أهاااا حلوى القُطن، يا له من أختيار شائع و لكن جيد جداً، تفضلي معي. تحرك يوهان لألحق به أرى إكسانا بِطرف عيني تتناول الشوكولا و معها بلايز يضحكان على قزم تَعثر بِقطعة سُكر ذائِبة.
هَززتُ رأسي لا أصدق انهما بالغين. توقف يوهان عند حلوى القطن الملونة و انا مواجهة له ليُشير هو على جميع الأنواع يسألني بالاختيار.

انها مصنوعة من أجوَد أنواع السكر في المملكة بالإضافة انها سحرية أيّ انكِ لا تتناولينها و تذوب بسرعة في فمك بل تأخُذ وقتها و قد تَشبعي منها على الفور ليبقى لديك المزيد لِلاحقاً.
هل جميع الحلويات هنا سحرية؟
لا، هنالك الطبيعي ولكن نحنُ معروفين بالسحر الذي نستعمله لِصنعها و طبعاً لا يوجد ما يؤذي فيها إلا إذا أكثرتِ.

أومأتُ بِتفهم أتقدم خطوة لكي أنظُر بشكل افضل على الحلوى لأن جميعها تبدو لذيذة لِلغاية و واجهتُ صعوبة بالأختيار.
ساعدني؟ قلتُ انا لِيوهان ليبتسم بسمة عريضة و يأتي الى جانبي.

رفع أصبعه السبابة على أول نوع ثم أخبرني
هذه هنا التي باللون الوردي التقليدية و هي بطعم لبن الأيل المَخلوط ببعض من فاكهة الروزا (خاصة بهذا العالم وردية اللون و طعمها مثل طعم المِشمِش).

حرك أصبعه على النوع الثاني يتابع
و هذه باللون الأزرق بِطعم التوت و هذه التي باللون الاخضر، بِطعم الأوكسارا و هي فقط لِلبالغين طبعاً و تلكَ باللون الأرجواني بِطعم العنب الأسود و أخيراً هذه باللون الاحمر بطعم الفراولة و منها بطعم الرُمان.

نظرتُ عليها جميعها لأنَ جميعها تبدو حقاً حقاً لذيذة فتحتُ فمي حتى أخبره بِقراري الأخير ليُخرج صوت إينارا من خلفي يُقاطعني
خُذي منها جميعها لِمملكة فالينيا فَهناك لا يبيعون منها.
وقفت بِجانبي تنظُر على الحلوى لأجد كلامها في الواقع محق. لهذا طلبتُ مِن يوهان أعطائي قطع كبيرة من كل نوع من دون نوع الأوكسارا فَهذا المشروب الكحولي قاتل لِلبشر.

لاحظتُ بِطرف عيني و انا أنتظِر يوهان توضيب الحلوى لي، انه يحمل طفلاً بيديه يرفع للأعلى لكي يصل لِحلوى ما بعيدة بينما والدين الطفل خلف فالكين يشجعون ابنهم لكي يصل لها.

لم يُفلح فالكين بِرفع الطفل أكثر لهذا حذر الطفل بأن يتمسك به جيداً و يستعد و بعد ذلك قفز فالكين بِقوى في الهواء ليَصل الطفل لِما يريده و يأخُذه بسرعة قبل أن يعود فالكين على الأرض. صفقوا والدين الطفل بِسعادة مع بعض الزبائن الذينَ يشاهدون مثلي و أطفالهم.
أنزل فالكين الطفل على الأرض ليُخبره أن لا يأكل الحلوى كلها بأنٍ واحد و أن يحذر ليبتسم له الطفل ذو الأسنان المفقودة و يومئ شاكِراً له.

عثرتُ على نفسي ابتسم بِشدة على ذلك و على تعامل فالكين للأطفال فأنه حقاً يحب مساعدة الجميع.
تفضلي سيدتي. أعادني كلام يوهان من فقاعة أفكاري لأستدير اليه أرى صندوقاً فيه الحلوى القطنية.

شكراً لك. قلتُ له و هو يُغلق الصندوق بِمفاتح و يُعطيني إياه بعدما دفعتُ له الثمن. أعطيتُ الصندوق لِحارسي راث كي يحمله انه الحارس الذي وضع لي مايكا كي يحميني مع انني قلت له اني لستُ بِحاجة لِحارس، على أية حال بعد أن قضينا المزيد من الوقت في المتجر غادرناه نعود لِلطريق.
تجولنا مجدداً في متاجر أخرى الى أن عثرتُ على متجر داكِن من الداخل ولكن بأمكاني رؤية ما فيه لكونه مُضاء بِنور الشموع.

توقفتُ مع إكسانا أحدق به ثم نظرتُ على لافتته أرى مكتوب عليها عراف
هممم هذا مُثير للأهتمام.
هل تريدين الدخول، المتجر ليس فقط لرؤيتك مستقبل و ما هو مشابه، بل فيه الكثير من الأشياء الجميلة التي لا تمتلكها المتاجر هنا. أخبرتني إينارا لأنظُر لها لا أعلم إن ما يجب الدخل أم لا، لأنَ الباقي يريدون الاكمال الى الشجرة الكبيرة في وسط المدينة.

لا تقلقي بأمكاننا مُقابلتهم لاحقاً. قالت هي كأنها قرأت افكاري أو بالأحرى لأنني ظللت أنظُر من المتجر بعدها لِلذين ينتظرون.
دعينا ندخُل سيدتي. قالت إكسانا لأومئ انا لهما.

ذهبت إينارا اليهم أولاً حتى تخبرهم اننا سوف ندخل قليلاً بعد ذلك بالفعل أصبحنا في المتجر. انه عتم هنالك شموع كبيرة فوق بعض الرفوف التي عليها مُصطفة عِدة كُتب تبدو قديمة جداً و بلورات بأحجام و أشكال و ايضاً أشياء غريبة لم أفهم ما هي بالضبط.

منها سلاسِل من الأعشاب أو النباتات و منها عليها كريستالات ملونة و بِطاقات سميكة عليها رسومات و كلمات بِلغة لا أعرفها، الأرضية عليها بساط أزرق داكِن عليه القليل من الغُبار على اليسار يوجد درج أصدر صوت عندما صعدوا عليه بعض الزبائن.
و بِجانب الدرج الخشبي، رأيتُ مكتب فارغ و هناك المكان عتم أكثر من غيره و خلفه توجد ستارة حمراء تُغطي ما يوجد ورائها.

لاحظتُ أنَ المكان أصبح هادئ، توجد أصوات همس قادمة من الطابق الثاني فَحسب.
سوف أذهب الى الطابق الثاني، توَدين المُرافقة؟ سألتني إينارا لأهُز رأسي أخبرها انني سوف ابقى هنا لكي أشاهد الأشياء أولاً لتوافق و تصعد الدرج تتركني لوحدي مع إكسانا التي طارت لأعلى الرفوف تشهق على شيء ما رأته.

أكملتُ انا بنفسي المِس بلورات جميلة و الكُتب عن السحر و كل ما يتعلق به. لستُ مهتمة بتاتاً بالسحر و لم اقرأ إلا كتاباً نصحني عنه الملك فالين مرةً لكي يكون لدي و لو القليل معرفة عنه.

فأنا أعيش في عالم سحري لهذا يجب عليّ دراسته و كل ما قد يُفيدني و يؤذيني لكني لم أقدر فهنالك الكثير من التفاصيل المملة التي لم أتحملها لِلنهاية و منها مُخيف لِلغاية جعلني اتوقف و القي بالكتاب بعيداً عني أو أرجعه لِلمكتبة.

علي إحدى الرفوف رأيتُ بلورة على شكل ريشة بيضاء و هي الوحيدة بهذا الشكل الجميل لأخُذ خطواتي اليها و اقف عندها. أملتُ رأسي على جنب أتمعن بِشكلها، هنالك تفاصيل دقيقة عليها و بدت كأنها حقيقية لو لم ينعكس لهب الشموع عليها لتجعلها تلمع.
مددتُ يدي حتى المسها و إذ بِصوت مَنعني قائل
لو كنتُ مَطرحكِ لما لمستها.

التفتُ بسرعة الى الوراء أشهق بِقوى لأقابل رجلاً ظهر من خلف الستارة وراء المكتب، يرتدي رداءً رمادي طويل و حول خصره يوجد حبل أصفر بِشرة حنطية مُتعبة و شعر رمادي يصل لِكتفيه كبير في السن.
ولكن الذي أدهشني و جعلني مُحتارة هي عينيه.
انها بِلا بؤبؤ، بيضاء بالكامل.
هل هو كَفيف؟ و كيف عرف بِوجودي؟
ربما أصدرتُ صوتً ليسمعه، فالكفيف لديه حاسة سمع قوية.

أعتذر لم أكُن أعلم انها خطيرة. قلتُ له أخذت خطوة مبتعدة عن الرف لتأتي إكسانا الى جانب رأسي تحدق بالرجل.
ليست خطيرة، و إنما قد تجعلكِ ترين ما لا تريدن رؤيته. أخبرني مبتسماً ليذهب الى كرسي المكتب الفارغ و يجلس عليه.
تفضلي و أجلسي يا انسة. أشار هو على الكرسي مُقابله لأبلع ريقي و أظل في مطرحي.
يبدو انه العراف، لسببٍ ما شكله و هالته توحي لي بأنه العراف و صاحب المتجر.

ل-لا شكراً لكَ انا لا اريد أن يتم قرأة مُستقبلي لي.
و مَن أخبركِ انني سأقرأ مُستقبلك؟

لم أشعر بِخوف منه بل فضول لهذا تقدمتُ الى الطاولة و جلستُ على الكرسي مُقابله تماماً وجهاً لوجه.
ابتسم هو أكثر عينيه البيضاء تنبُت التوتر بداخلي كالتي تحدق بِروحي و ليست فقط كَفيفة لا ترى.
أردتُ سؤاله إن ما كان حقاً كَفيف لكن سؤالي قد يُعتبر وقحاً له لهذا ابقيتُ فمي مُغلقاً و نظرت لما فعله تالياً.

وضع كفوف يديه الاثنتين فوق الطاولة و رفعها قليلاً لأرى فجأة صندوق صغير خشبي. لقد ظهر مِن العدم، بالطبع، سحر.
واو. همست إكسانا منبهرة لأهَش هِش لها كي لا تُخرج صوتً.
لديكِ كائن البيلادو كَمُرافق. لم يسألني العراف و لِغبائي أومأتُ له لأذكُر انه لا يرى.
نعم انها تُرافقني منذُ سنوات.
هذا جيد.
فتح الصندوق يُخرج منه أحجار كريمة ملونة يضعها بِجانب بعضها بيننا ثم أغلق الصندوق ليَختفي كما ظهر في الهواء.

أختاري حجراً من العشرة، واحِداً يَشدكِ عند النظر اليه. حرك يديه فوق الأحجار كلها مرة واحدة قبل أن يعُم الصمت بيننا.
حركتُ عيناي على كل حجر أنتظِر واحد منهم أن يناديني لكي اختاره و بالفعل هذا ما حدث عندما حطت مُقلتاي على حجر أسود سواده حالك لِلغاية كأنه حفرة عميقة لكن بداخل الحجر زهرة وردية اللون وبداخلها لون أصفر.
يبدو انكِ وجدتيه. قال العراف لأرفع رأسي عليه لِلحظة قبل أن يمُد يده لي مُكملاً.

أعطيني إياه.
أخذتُ الحجر بيدي أديره بين أصابعي ثم أعطيته إياه ليفعل هو المثل يحركه بين أصابعه يتحسسه.
لقد اخترتِ الحجر الأسود، الذي يختاره الكثير مَن هُم مثلكِ.
رمشتُ عليه ثلاث مرات لا أستوعب تشبيه أشخاص بي من دون أن يعرفني حتى لكني تركتُ الأمر و ركزتُ على وجهه و تلكَ العينين البيضاء التي لا أكُف عن النظر اليها بين حين و أخَر.
مخيفة و غريبة جداً.

معناه مختلف و على حسب الشخص الذي يختاره لكني سأخبرك بالذي أعتقده، قال هو لا يزال يتحسس الحجر بيد واحدة.
الحجر الأسود يكون حياتك انتِ، ربما يكون شيئاً سيئاً أو جيداً على حسب ما ترينه ولكنه داكِن، فيه جزء داكِن كما لون هذا الحجر بالضبط و كما ترين بداخل الحجر توجد زهرة صغيرة، هذه الزهرة هي انتِ،
توقف هو لِلحظة كما توقفت أصابعه عن التحرك ليضع الحجر فوق على الطاولة أمامي مكملاً.

انتِ الزهرة المُحاطة بكل ذلك الظلام.
ما هو الظلام؟
شخص ما، ولكن كما ذكرت من قبل قد لا يكون سيئاً فَهل لديكِ شخص، هل انتِ مرتبطة؟
حركتُ يدي التي فيها الخاتم الذي وضعه مايكا على أصبعي عندما وافقتُ على الزواج منه.
نعم في الحقيقة انا مَخطوبة.
كَبُرت بسمة العراف بعدها قال
توقعت هذا و أتمنى لكما السعادة.
تعتقد أنَ خاطبي هو الظلام؟
أمسك الحجر مجدداً ليتابع قرأتي و ليس مُستقبلي فَهذا ما انتبهت له.

ليس تحديداً لكنه قد لا يكون هو بالذات و ربما انتِ الظلام و تلك الوردة شخص ما في حياتك، قد لا تعرفيه أو تخافي أن تعرفيه.

حدقتُ به كالبلهاء أو كالذي لا يتحدث نفس اللغة ليكمل هو شرحه الغامض
انتِ مَن تُحددي ذلك و لستُ انا، لأنني فقط وسيلة لفتح أعيُنك على الموضوع.
وضع الحجر من يده لأتبادل انا النظرات مع إكسانا الجالسة فوق كتفي تراقبه بِعيون حادة، عندما أعدتُ عيناي على الطاولة رأيتُ أنَ الاحجار أختفت و بدلاً منها توجد أغراض مختلفة صغيرة مكانها.

الأن اختاري شيئاً واحِداً من بين هذه الأغراض العشرة. حرك كف يده فوق الاغراض لأبدأ بالنظر لها كلها.
هنالك غصن شجرة، ورقة شجر، قَشة سكرية اللون، كريستالة، قطعة قماشة مُمزقة و غيرها.
لكن حطت عيناي على شيئين بينها كلها، على وردة بيضاء ذبلة و قطعة حبل مُعقد بِبعضه على شكل دائرة بيضوية.
أحسستُ بِضيق نفس فَلم لرؤيتها لها، ولم أقدر على الاختيار بينهما، كل واحد يجذبني أكثر من الثاني.

لقد علقتِ بين أثنين. قال العراف يقطع تَحديقي بهما.
نعم.
بين الوردة و الحبل.
صدمت عندما تفوه بالكلمتين فَكيف عرف إذا كانَ كَفيفاً؟
لقد ظننت انكَ كَفيف.
أخرج هو ضحكة هادئة من حلقه.
انا كفيف و لا أرى شيئاً صدقيني لكن حفظت الأشياء و مِن كثرة قدوم الزبائن إليّ عرفتُ كيف يُفكرون و ماذا يختارون و مِن السهل قرأتكم فأنا عراف.
ولكني لستُ متأكدة أيهما اختار.
بأمكان هذه المرة أن تكون استثناءً، لا مشكلة.

مَد كف يده لي حتى أعطيه الشيئين لأفعل ما طلبه مني و انتظر منه اخباري المزيد عن عالمي و شخصيتي لأنني وجدته صادقاً.
لا أعلم كيف، لكن لدي جزء بداخلي يصدقه و ينتظر أكثر لِلمعرفة.
سأبدأ بالوردة البيضاء، رفعها هو قليلاً يتحسسها بأصابعه قبل أن يُكمل.

هذه الوردة لها ايضاً أكثر مِن معنى، أحدهما جميل و الأخَر لا. كما ترين انها جميلة و قد تُعبر عن كل ما هو مثلها في الحياة و الشخصية إلا أنَ الجزء الاهَم انها، وردة ميتة.

بلعتُ ريقي لا أتفوه بِكلمة في الصمت الذي ظل هو فيه يتحسس الوردة.
موجودة، تجذب أعيُن و قلوب الجميع لكنها ميتة لا حياة لها مهما حاولتِ أسقائها الماء و الاهتمام بها فَلا روح لها.
كوَرتُ يداي على شكل قبضات أسفل الطاولة ذلك الضيق في صدري يَكبُر و أنفاسي تتقطع في حلقي كما لو أنَ هنالك يداً حول رقبتي تخنقي بِبطء.

أمسك الحبل بيده الثانية يتحسسه ايضاً لبعض الوقت بدا كأنه لن يتحدث ابداً و انا في الحقيقة لا أوَد سماع القادم بل أغلاق أذُناي و الهروب، ذلك الحبل لا يبعث الراحة لقلبي و إنما كل ما أخافه يُعيد لي ذكريات لا اريدها.

أما الحبل، فَله معنى واحد سأتركه لكِ. وضع الحبل على الطاولة بيننا شعرتُ بِخفة في رأسي لا، بل دوار بسيط لكني جلستُ على الكرسي جيداً أخُذ نفساً عميقاً من أنفي أحبسه لثانية بعدها أزفره حتى أنَظِم نبضات قلبي الهائجة و ابعد التوتر عني فَهذا ليس الوقت لِجسدي بأن يتصرف بتلكَ الطريقة.

حرك يديه مجدداً فوق الاغراض لتختفي و تظهر من أسفل كف يده مجموعة بطاقات كحلية اللون مُكدسة فوق بعضها البعض و عليها رسمة شمس و كواكب و مِن حولها نجوم.
وضع بِطاقة بِجانب الثانية و هكذا الى أن انتهى بهم العشرة بِجانب بعضهم صَفاً واحد.
جميعها الأن مَقلوبة لا يُمكن رؤيتها.
لأن اختاري ورقة واحدة هذه المرة لا استثناء بأختيار اثنيتن. أخبرني العراف ضاحكاً.
لكن لا أستطيع رؤيتها.

و هذا المطلوب، فقط أسحبِ ما يجذبك روحياً.
لستُ أعلم ما يعنيه بِ يجذبني روحياً لكني تمعنتُ بهم جميعاً.
جذبتني على الفور رابع بطاقة مِن على يساري لأخذها و أعطيها لِلعراف كما طلب.
فتحها هو أمامي كي أراها لتظهر ايضاً بسمة عريضة على شفتيه النحيلة و الجافة.
بطاقة الميزان. قال العراف يتصفحها بيديه.

صحيح، لأنه عندما وضعها بيننا رأيتُ امرأة بِشعر قصير ترتدي فستاناً طويل أبيض من لونها لأنها تمثال في البطاقة تحمل بيدها اليُمنى شمس و بيدها اليُسرى القمر و على عينيها شيء يُغطيهم.
مع انه لا وجود لِلميزان في البطاقة على الأطلاق إلا انني فهمتُ معناها.

كما ترين هذه البطاقة مميزة جداً، المرأة تحمل بيديها الشمس و القمر و هذا واضح المعنى لكن، ما لم تنتبهي عليه و هو أنَ بداخل الشمس شيء أسود صغير بينما القمر فيه ضوء أصفر صغير.
نقر هو بأصبع عليه لأقترب من الطاولة أتمعن بالذي أخبرني عنه لأجده مُحق هنالك نور أسود بداخل الشمس كما للِقمر فيه نور أصفر أو برتقالي.
ما الذي يعنيه هذا؟ انا سألته بِتعجب.

انتِ المرأة التي تحملهما بيديها لديكِ نور في حياتك كَتلك الشمس لكن فيها ظلام كَتلك النقطة السوداء و القمر هو الظلام الذي فيه نور و هي تلكَ النقطة الصفراء.
أمسكتُ بالبطاقة أحدق بالمرأة ذات العينين المُغطاة و ما في يديها الاثنتين.
انا.

لكنكِ لا تقدرين على الاختيار، كلاهما تريدينه في حياتك لكن في النهاية يجب عليكِ اختيار أحدهما فأيهما ستختارين؟ الشيء الجميل الذي فيه ما يؤذيكِ؟ أم الشيء الأخَر الذي فيه شيء يُسعدك لكنه مُحاط بِظلام؟ سألني هو بِنبرة مُنخفضة جسده متقدم من الطاولة لأشيح بِنظري عليه أنظُر في عينيه البيضاء.
شيء جميل فيه ما يؤذيني أم ما هو عكسه لكن بِشيء يُسعدني؟
ايهما اختار؟
و اين انا الأن؟

أخَذ العراف البطاقة من على الطاولة ليَضعها في يداي و يُغلقهم عليها.
ابقيها معكِ.
لماذا؟
لعلكِ تحتاجينها يوماً ما.
فتحتُ فمي لكي اسأله المزيد فَهنالك أشياء أخفاها و فضّل عدم الأفصاح عنها لكن صوت نزول إينارا من على الدرج قطعني لأدير رأسي نحوها و هي تتمتم أنَ المكان جميل لكنه مُخيف و انها لا تحب دخول أماكن كَهذه من دون شقيقها. أعدتُ رأسي الى مكان العراف لأجد كرسيه فارغ و الستارة تتحرك.

لقد غادر و ترك معي بطاقة الميزان.

مشيتُ مع الجميع في طُرقات المدينة الخيالية الى أن وصلنا أولاً لِمكان فيه تجتمع الدببة القطبية لِلنوم و تناول الطعام و معها حيوانات الأيل.
توقفنا عندهم لكي نرتاح من المشي و نُطعم الحيوانات اللطيفة لأذكُر عندما رأيتُ الدببة كلام صاحب المتجر السحري لأبتعد عنها و افضل أطعام و التربيت على رؤوس الأيل الهادئة التي فقط تأكُل.

انها تحب أن تحُكي لها خلف أذُنيها فَهكذا سوف تحبك أكثر. أخبرني فجأة فالكين و هو يحك خلف أذنان أيل يقف بِجانبي.
نظرتُ اليه مصدومة من كونه يتكلم معي.
الم تعُد مستاءً مني؟ سألته أحُك خلف أذُن الأيل ليتقدم إليّ أكثر يبدو سعيداً بِحق.
هل كنتِ تظنين اني مُستاء منك طوال الوقت؟
الستَ كذلك؟ فأنتَ لا تقابل عيناي و ترفض التكلم معي.

ابتسم هو ابتسامة لا تصل لعينيه ليتوقف عن حَك الأيل ثم أستدار لي كاملاً يضع يديه في جيوب بنطاله.
انا، انا لم أكُن اقصد أحزانك بِتصرفي. انا مستاء من نفسي و ليس انتِ و عندما أكون هكذا أصبح بارداً و قد أحزن البعض لكن ليس عن قصد.
لم أصدقه، لقد سمعتُ شيئاً في صوته غير صادق يقول العكس لكني لم أتفوه بِما في عقلي بَل أومأتُ له بِصمت أكمل اطعام الأن الأيل بعض الجزر.

ماذا عن الذي قلته لي في الشُرفة البارحة، هل كان عن قصد؟
أحسستُ بِعينيه الحادة عليّ و مع ذلك لم التَفت لأنظُر له.
أعتذر إن ما جعلتكِ مُحتارة.
إذاً نحنُ أصدقاء؟
تركتُ الأيل أضع كامل انتباهي عليه.
ابتسم مجدداً سمة جانبية تُظهر أسنانه المرتبة بعدها أومئ هو لأبتسم مثله وجهه السعيد جعلني سعيدة من الداخل؟ أمسكتُ الرداء حتى أغلقه على نفسي أكثر كي لا يصلني البرد على المناطق المَكشوفة من جسدي.

جيد. كان كل الذي قلته له قبل أن نسمع نيرِكس يخبرنا بأنه حان وقت الذهاب الى الشجرة إن أردنا العودة باكراً الى القصر.
و سوياً انا و فالكين تحركنا اليهم نُكمل طريقنا نحوى الشجرة العملاقة المُضاءة بجميع الألوان البراقة من الأحمر، الأزرق، الأخضر و الأبيض.
في النهاية اليوم لم ينتهي بِسوء كما ظننت و لن أعود الى مملكة فالينيا و بيني و بين الأمير حزن أو استياء.
لأنه لا شيء لِنحزن و نتجاهل بعضنا بِسببه.
صحيح؟

و انا في العربة عائدون الى القصر الملكي، حدقتُ بالبطاقة بين يداي، على المرأة التي تحمل الشمس و القمر. كلام ذلك العراف الغريب يتكرر في رأسي الى أن أصبح صدى أسمعه بِصوتي و ليس صوته.
ايهما سأختار؟
الجيد من الخارج و فيه السيء من الداخل، أم السيء من الخارج و الجيد من الداخل؟
هذا الكلام أشعر به في عظامي و يجمد دمائي في عروقي كما لو انه حقاً مصيري، يكون بين يداي.

ما هذا الذي معكِ؟ سألتني إينارا تجعلني أرفع رأسي لأنظُر لها.
آوه أمممم انها، بطاقة أعطاني إياها العراف.
أبعدت عينيها عن البطاقة لِتنظر عبر النافذة تُمرر أناملها في شعرها الأبيض.
سأعطيكِ نصيحة من ذهب، لا تصدقي كل ما قاله ذلك العراف، لأنَ جميعهم مجانين يتفوهون بالهراء و يُضَيّعون أوقاتنا بِتفاهات غير حقيقية عن المستقبل و قرأت الشخصيات و الروح أو شيء من هذا القبيل.

رمشتُ عليها عدة مرات بِلا وجود تعابير على وجهي ثم أشحتُ عيناي الى البطاقة لأتنهد و أضعها على جنب، سأبقيها معي ولكن لن أدعها تغزوا أفكاري.
لن أدعها.
لعلكِ تحتاجينها يوماً ما.
سمعتُ صوت العراف يعيد قول تلك الجملة في عقلي.

الفصل التالي
بعد 19 ساعة و 44 دقيقة.
جميع الفصول
روايات الكاتب