رواية تحت الغطاء الأبيض الجزء الثاني للكاتبة مينار الفصل الخمسون

رواية تحت الغطاء الأبيض الجزء الثاني للكاتبة مينار الفصل الخمسون

رواية تحت الغطاء الأبيض الجزء الثاني للكاتبة مينار الفصل الخمسون

في سياق حديثي مع بلايز عن ما جرى معنا ضِد الأشقاء سالفاتوري قبل عشرة أيام في قصر الظلام في شادونايت، أخبرني انه لم يرى ما رأيتُه بالضبط و إنما مُجرد ظِلال الأجساد الخاصة بِالشقيقان.

لم أفهم جيداً ما كانَ يعنيه تمامًا و هو أضطر أن يشرح لي أكثر قائلاً أنني عندما كنتُ أرى تاليا و ريساند في مدينة الأشواك، كانَ هو يرى ظلِال متحركة بين الضباب لكن من دون صوت.

و أنني عندما رأيتُ والدايّ في القصر، هو رأى مجدداً ظِلال تتحرك بِلا صوت يخرُج منها كذلك و أكدت لي كانيلا الأمر فور سؤالي لها ذات مرة عندما التقيتُ بِها صِدفة في مطبخ القصر ليلاً و هي تُعِد لِنَفسها شطيرة لكون الخدم ذلك في الوقت المتأخر يَغطون في نوم عميق.

شطيرة جوع الفَجر. هذا ما سمتُه و هي تُبَرِر لي سبب تناولها لِلطعام في وقت الجميع فيه يكونوا في أسِرَتِهِم.

هي أيضًا لم ترى إلا ظِلالاً تتحرك و مع ذلك فَهِمَت مِن تعابير وجهي و تَمتَمَتي لِلكلام أنني أرى أوهامًا رسموها الأشقاء في عقلي حتى يصلوا لِمُبتغاهم من دون أن انتبه.

تنويم.

كما يفعل فالين بِمَن يقع تحت تأثير إحدى قواه كَملك.

يجعل عقلك يتخيل أشياء موجودة في ذاكرتك. أشياء أنتَ خبأتها لِسبب ما في داخلك لأنكَ بِبساطة لا تريد تذكُرها.

أو فقط يُرسِل إلى رأسك ما يوجد في رأسه هو، كما لو أنكَ تعيش في دماغه و تُفَكِر بأفكاره و هذه القوة كانت تاليا ضَحية لها قبل قرنين (عشرون سنة) كما أخبرتني مرةً عن القصة.

و لماذا لم يقعوا كُلاً مِن كانيلا و بلايز أو مَن كانوا معي ذلك اليوم ضحايا لِقوة سالفاتوري؟

حسنًا، لأنني كنتُ هدفهم مِن الأساس و لم يهتموا لِإيقاع الآخرين في شباكهم بل ركزا عليّ أنا و مع ذلك، فشلوا.

في الجهة الآخرى مِن عودتنا إلى فالينيا بعد رحلة طويلة مُرهقة، كانَ قد حان عقاب جوينبِر و عقاب كل مَن كَسر كَلمة الملك و ذهب إلى مدينة الأشواك و من ضمنهم أنا طبعًا.

واجهنا فالين و فينار في قاعة العرش مع أنه كانَ بأمكانه صَفع العقاب بوجهنا في مكتبه الرئيسي، لكن لأنه فقط يُحِب التباهي بِكونه ملك و لكي يجعلنا نشعُر بِالعار أمام الجميع في القصر و حتى نُصبح طعامًا يمضغونه الخدم في ثرثرة بين بعضهم بأننا عصينا الأوامر و ها نحنُ نتلقى ما نستحقه، جعلنا نأتي إلى قاعة العرش يجعل العقاب عَلَني.

عقاب جونيبِر قرر فالين أن يكون العمل في حظيرة الخنازير لِمُدة عامين متتاليين مِن الصباح الباكِر إلى غياب الشمس و النوم في غرفة صغيرة لا تعتبر غرفة حقًا بل مستودع قريب من الحظيرة.

نعم، قد يكون العقاب سخيف لكنه حقًا سيء و لا أتمنى أن أكون بِمطرحها ابداً و تعابير وجهها عندما تلقت خبر العقاب مِن شفاه فالين، جعلني أحمد الله مليون مرة على أنني لم أكُن مكانها.

و هذا ليسَ كل شيء بل يوجد عقاب آخَر و هو مواجهة عائلتها أمامهم و أخبارهم بِسبب عقابها.

التالي هو ريزار.

عقابه كانَ العمل كَحارس في زنزانة القصر أو أسفل القصر المليئة بِالمُجرمين و المجانين لِعامين كذلك لأنَّ هذا مكان مَن يُعارض كلام الملك، مكانه أسفل الأرض.

عقابه لم يكُن بِذلك السوء لكن تعابير وجهه كانت كالذي يمتلك أسهالاً مُفرِط و يُحاول قدر الأمكان أمساك نفسه لأنَّ لا حمام قريب منه.

حاولتُ عدم الضحك عليه لكني فشلت و فالين لاحظ ذلك ليبتسم لي بِطريقة جعلتني أصمت بِسرعة و أبلع ريقي، طريقة تُخبرني أنَّ أفضل مفاجئة ستكون من نصيبي.
تحول حلقي لِجاف في ثواني.
التالي هي كانيلا مع الأسف و عقابها كانَ...

سر.

لم يُخبر أحد بِه و لا حتى كانيلا نفسها و أنا لم أطلب الموت القريب، لهذا أبقيتُ فمي مغلقًا أحدق بِفالين و فينار أنتظِر تبريراً منطقيًا لكتمهم عقابها.

ماذا سيكون؟ سيء؟ لا بأس به؟ مقبول؟ أين ستكون؟ لماذا لم يخبرونا به أصلاً؟ ما السبب؟
مئات الأسئلة دارت في رأسي مِن دون تلقي الإجابة و أتخيل أفكار كانيلا مشابهة و ربما ذاتها.

طبعًا هي لم تُعارض أو تفتح فمها و إنما أحَنت ظهرها متفهمة تحترم كلام ملكها و الأميرة، لا مجال لِلجدال أو محاولة معرفة الأمر.
إلى أن حانَ دوري.

فالين أخذ وقته كُله و هو ينظُر إليّ و على شفتيه أكبر بسمة خبيثة رأيتها في حياتي.

هذا اللعين!

عزيزي فالكين. صديقي فالكين. الأعز--
و ظل هكذا ينعتني بأسماء ظريفة مع أنني مُدرك أنه يموت ضحكًا بِداخله حتى فينار تضغط بِشفتيها على بعضها تُبقي وجهها ثابتًا بِلا مشاعر و هي تسمع شقيقها الأكبر يتكلم.

طبعًا هي كذلك تُشاركه بِضحكها الداخلي بِلا صوت أو شكل.
تلك الل.

كما ترى، عقابك أخَذ منا وقتًا طويل لكي نُقرِر ما يجب أن يكون و أنا كما رأيت مناسبًا لك و كما هو ح
تابع ثرثرته التي بِلا طعم و أهمية لِوقت فيه ظنت أنَّ الموت حقًا أفضل خيار لي مِن الوقوف هنا أمامهما يجلسان بِكل أريَحية و نحنُ واقفين منذُ ساعتين من دون حركة.

حتى تثاءبت عِدة مرات أشعُر بِنعاس و مَلل، أشاهده يُحَرِك يده في الهواء و هو يتكلم و يتكلم و يتكلم إلى أن رأت فينار أنَّ شقيقها زادها قليلاً بِحديثه.

--و كما كانَ الملك يقول، قاطعته هي تُصَفي حقلها تجذب انتباهنا و أخيراً بِما هو مُفيد، أكملت هي تُعَدِل مِن فستانها الأخضر و جلستها
قرر كِلانا، أنَّ عقابك سوف يكون العمل مع مايكا في مكتبه إلى أشعار آخر بالتوقف.

فجأة عَم صمت عميق جداً لم أعُد فيه أسمع نسمة الهواء التي تدخل إلى القاعة عبر النوافذ العملاقة، أو كلام فينار مع أنَّ شفتيها تتحرك و فقط بِنبضات قلبي واحدة تلوى الآخرى كأنها تنبض في رأسي و ليس صدري.

لاحظتُ نظرات فالين الشريرة و تلكَ البسمة التي لم تُغادر شفتيه منذُ البداية.
أنا سوف أقتله! سوف أقت.

أنتم تمزحون! أندفعتُ بِلا إرادة ألقي بِيداي في الهواء.

توقفت فينار عن التكلم ترمُش بِجفونها عليّ مندهشة و بسمة فالين أختفت بِبطء تُصبح ملامحه وجهه جادة جداً.

سمعتُ كانيلا تتنهد بِجواري و بِريزار هذه المرة يضحك بِصمت أرى بِطرف عيني كتفيه يهتزان و بلايز أخَذ فرصته بأخراج ضحكة مِن مؤخرة حلقه ساخراً لأتجاهلهُم جميعًا.

نمزح؟ تساءل فالين و لمَ سنمزح في موضوع كَهذا، فالكين؟ و أين السوء بالعمل مع مايكا في مكتبه طوال اليوم؟ الَم تكُن تطلب مني عملاً في القصر فور قدومك إلى فالينيا قبل أشهُر؟

أنتَ تعرف جيداً أين السوء بِالعمل مع مستشارك متحجر المشاعر و خصيصًا أنه خطيب المرأة التي أحبها، أو كان خطيبها و ربما ما يزال يمتلك مشاعر لها. أذكُر أنه كُلما تلاقت أعيُننا كان يرمُقني بِنظرات باردة تصرُخ بِ:
أبتعد عن كانيلا!

هذا ما أردت الصراخ بِوجههما لكني لم أفعل بل وقفت مستقيمًا أغلق عيناي لِلحظة فيها أعيد رباط جأشي كي لا أرتكب خطأ أمام حرس القصر و الجميع، فَفي النهاية معهم حق.

ألا يوجد شيء آخر يمكنني فعله كَعِقاب؟ شيء ليسَ من مستوى أمير؟ سألتهما بِهدوء.

بالطبع لا. هذا قرارنا النهائي إن أعجبك أم لا. أجابتني فينار بِحِدة ليُضيف فالين
أصلاً لا يجدُر به أن يعجبك لهذا يُسمى بالعقاب.

أدرت مُقلتاي عليهما لكني أومأت مبتسمًا أقبل قدري بالعمل مع ذلك الرجل الذي لم يظهر اليوم في أي مكان، ربما يعمل في مكتبه الكئيب أو في المدينة.

و الأن أنا سأعلَق معه إلى أشعارٍ آخر منهما و أخمن أنه ليس قريبًا بتاتًا.
اللعنة عليّ!

- كانيلا -.

مرَ يومين آخرين بعد أن تلق جميعنا عقابه و في رأيي، عقاب فالكين كانَ الاسوأ.

هو حتى لم ينظُر لي عندما غادرنا القاعة ذلك اليوم و لم يرضى التحدُث معي بِحُجة انه ذاهب لِمُقابلة مايكا من أجل العمل معه.

تفهمت أنه مُحرَج و أنه يكره نفسه أكثر مِن أية مرة في حياته الأن بعد أن تم إذلاله أمامنا و أمام عُمال و حُراس القصر.

شعرتُ بِالسوء مِن أجله لكن بِنظري، العِقاب أفضل مِن أن يضعوه في مستوى لا يُناسبه كَأمير مملكة عظيمة كَأسليرا، لأن بِذلك الوقت سوف يكون أضحوكة، أما العمل مع مايكا، يبدو شيء بسيط فإنه عمل بِنظَر الجميع ليس أكثر من ذلك.

أو هذا ما اعتقدته.
أنا متأكدة أنه يَغلي كالقدر فوق النار و يكره كل ثانية يقضيها مع مايكا في المكتبة يعملان طوال الوقت.

من الجهة الأخرى أعلم بأنَّ مايكا يَشُك بِتصرُفات فالكين معي كثيراً، لم يُخبرني لكني شعرتُ بِذلك فأنا قضيت مع مايكا علاقة طويلة المَدة حتى أصبحتُ اقرأه بِسهولة بعض الأحيان كالكتاب الشبه مفتوح، عندما لا ينتبه أنه يُظهِر مشاعره لِلعلَن كأنه ينسى أنه يجب عليه أخفاء مشاعره كما يفعل كل يوم.

و هو ليسَ سعيداً بِتوافُقي مع الأمير و بِكوني قريبة منه أكثر مِن مُجرد أصدقاء لكنه لم يوقفني يومًا لكي يمنعني أو يوَبخني لأنَّ علاقتنا، انتهت و لا حق لديه.

أنا لم أعُد خطيبته، و هو لم يعُد خطيبي.
الخاتم الذي تقدم لي به قبل سنين، عاد إلى صاحبه فوراً. مع أنه عارض و قال لي بأن أبقيه لديّ لكني لم أقبل و أعطيته لِخادمتي دافني كي تعيده إليه.

لم أعُد قادرة على تحمُل علاقة مُزيفة لأكثر مِن ذلك و ليسَ لأنني قابلتُ فالكين و وقعتُ بِحبه بَل لأنني لم أعُد أحمِل الطاقة التي أبقتني معه طوال السنين فَبعد أن ماتَ حُبي لِمايكا، ماتَ آمل عيشي معه.

هذا ما يجب على العلاقات المُشابهة أن يصبح بها.

عندما يموت الحُب يموت كل معه مِن تفاهُم، مشاعر مُترابِطة، التوافق، السعادة و المزيد مِن الأشياء التي تبني الحب حجراً حجراً إلى أن يتحول لِقصر و يغدو حُبًا.

أن أكون زوجته شيء صعب تَخيُله بعد الأن مع أنني صبرت على ذلك الحلم صعب المنال منذُ سنين و سنين إلى بدء يتآكلني حية و يُدمرني. مايكا أصلاً لا يتخيلني زوجته لأنه يَخاف، لأنَّ هناكَ ما يمنعه و يوقِفُه.

يَخاف مِن ما حصل و مِن المستقبل الذي لن أكون قادرة فيه على إعطائه ما يتمناه مني.
المزيد مِن الحُب.
أنا سوف أفقد ذلك عندما يفوت الأوان و تُصبح لعنتي في نهايتها.
و غير ذلك، نَما شيء جديد أعظم بِداخلي.

قصر جديد أكبر و أجمل مِن أية قصور قد نَمت في حياتي. قصر بناه فالكين بِيديه، كلماته و نظراته و أحاسيسه لي كُلما كنتُ معه و كُلما تنفست الهواء الذي يتنفسه هو.

قصر مهما حاولتُ تدميره أتفاجأ بِكونه أقوة مِن قبل و أكثر صلابة كما لو أنَّ فالكين توقع ذلك و بنى جُدران خلف جُدران لكي يَحمي القصر الذي صنعه في قلبي.

مضحك كيف أفكر بِحُب قد ظننت أنه أقوى ما شعرتُ به منذُ أن تعرفت على مايكا لكن ها أنا الآن أتحدث عن حُب شخص آخَر بِشكل لم أوصِف فيه حُبي لِمايكا بِذات الطريقة يومًا.

لكن هذه الحقيقة. كي لا أكون كاذبة أو في حالة أنكار، لا يمكنني التصرُف أو التفكير بِوضوح و تركيز و أنا في حضور فالكين.

كما لو أنني أصبح تحت تأثير سحره بِلا إرادة. و أحلامه التي توقِظني بعض الأيام قلقًا عليه لا تُبعِدني أو تُبعِد شعور الأشتياق له ابداً.

مثلاً، قبل يومين في المساء أستيقظت مِن نومي من دون سابق إنذار بِسبب شيء ما في صدري تم سحبه ليوقظني. كأنما خيط مُلتَف حول قلبي و رئتاي تم سحبه من بعيد يُخبرني بأن أمر ما غير صحيح.

إكسانا قد خرجت مِن منزلها الصغير في منتصف الليل باللحظة التي سَمِعَت فيه صوت فتحي لِباب غرفتي حتى أغادر، تخبرني أنها ستأتي معي لكني رفضت و أخبرتها بأن تعود إلى نومها و أنني سوف أعود بِسرعة.

لم أكُن أعلم أن كلامي كانَ كذب في تلكَ اللحظة لأني حقًا كنتُ أخَطِط لِلعودة.

لأنني دخلت غرفة فالكين التي فَتح بابها بلايز يُشير بِيدها مذعور الوجه على سيده التي يُتَمتِم كلامًا في نومه و هالته التي في العادة تكون بسيطة و مَلكية، هذه المرة قوية، هائِجة كَأمواج البحر في يوم عاصف، مرتفعة جداً و مجنونة، ضربتني كاللكمة على الصدر.

دخلت أنا غرفته بِسرعة، ثم حاولتُ أيقاظه إلى أن فتح عينيه الجميلة بِنفسجية اللون كَلون سماء مملكة شادونايت الساحِرة إلاّ أن عينيه لم يكُن فيها لمعان أو نجوم و إنما خوف، حُزن و ألم.

و كما أفعل دائمًا، دخلتُ حمامه ثم أحضرتُ معي طبقًا فيه مياه دافئة و قطعة قماشة جافة لكي أمسح مِن عليه عرقه و أثناء عملي، كنتُ أساعده بالتحدُث عن ما رأه في حلمه لكي يُخرِج ما في قلبه المُحترق و عقله المحتار حتى يهدأ و يرتخي.

أحلامه غير مفهومة و هو بِنفسه لم يفهمها، لُغز عليه كبير يستفزه كُلما رأى شيئًا جديداً غير مُقنع أو منطقي فيهم. أنا سمعته و سمعته حتى انتهى و عاد يتنفس بانتظام مُستلقي على سريره بِصمت.

بلايز كانَ قد رافق كلب فالكين أيكس إلى الشُرفة و أغلقوا الباب خلفهم يُعطونا بعض الخصوصية لأني قبل ذلك، نهضت أخبر الأمير أن ينام و لا يُفكِر بالحلم، ليُمسِك هو بِمعصمي و يطلُب مني ما لم أتوقعه، لهذا أخَذ بلايز الإشارة بِتركنا لِوحدنا.

أبقي معي هذه المرة. كانت تلكَ الجُملة الصغيرة قد جعلت مِن قلبي يخُفق نبضة و يقفد نفسه لِثواني أحسستُ بها ساعات.

عينيه قد عادت لها الحياة في تلكَ اللحظة، تلمع، لونها فاتح جداً و رهيب بِشكل جميل لِلغاية أوقعني في سحره مرة آخرى.

أنا كنتُ سأرفُض و أخبره أنه مُتعب و يجب عليه أخَذ قسطًا من الراحة كما هو حالي لكن جسدي تصرف مِن تلقاء نفسه و قلبي سيَطر على عقلي، أحدق بِوجه خالي مِن التعابير إلى أن أومأتُ له موافقة أمشي مِن حول السرير إلى الجهة الآخرى.

قبل أن أصعَد عليه، خلعتُ ردائي الأبيض الذي عمله يكون أخفاء ملابس نومي الحريرية التي تُظهِر الكثير مِن الجلد و أماكِن عادةً تُخفيها الفتيات عن أعيُن الجميع لأنها خاصة بها فقط.

ولكن بِما أنَّ الغُرفة ظلمة لم أكترث للأمر بَل بعد خلعه وضعتُه على طرف السرير ثم تسلقتُ السرير بِبطء ألقي نظرة على فالكين الذي يُراقبني بِصمت بالكاد أرى ملامح وجهُه. فقط ألمح القليل منها بِفضل نور القمر عابر النوافذ و أبواب الشُرفة.

لم أتحكم بِأحمرار وجهي عندما تذكرت أنَّ حاسة البصر لديه حادة جداً كما هو حال جميع الجنيات في هذا العالم و واثقة مئة بالمئة أنه يرى كُل تفصيل بسيط على جسدي بالإضافة لِوجهي لكنه لم يُعَلِق أو يتفوه بِكلمة حتى ظننت لِلحظة انه عاد لِلنوم.

أسلتقيتُ على جانبي الأيمن أواجه فالكين المُستلقي على ظهره لكن وجهه باتجاهي ينظُر لي و أنا له.

عَم صمت بيننا طويل، فيه كِلانا نحدق بِبعض، لا أحد منها يقول كلمة، نسمع أصوات أنفاسنا و نبضات قلوبنا فَحسب كأنَّ غطاء كبير يغطينا كلانا عن العالم، نبقى بِمفردنا و لا أحد معنا فيه.

ليكسرهُ هو يلتفتِ إليّ يستلقي على جانبه كذلك، يُصبح وجهها أقرب مِن وجهي و جسده ليسَ بعيداً عن جسدي. إذا تحرك مرة واحدة لي فَصدره سوف يلتصق بِخاصتي.

كانيلا، همس هو باسمي كأنه يتذوقه على لسانه ليَرتعش جسدي بأكمله كأنه قبَّلهُ بِتلكَ الشفتين مِن دون أن يتحرك من مطرحه.

مَددتُ يدي بِلا تفكير نحوه، ألمس شعره بِطرف أصابعي أشعُر بِه ناعمة بِقدر نعومة القُماش الحريري و كثيف لأغمُر يدي أكثر به حتى أصبحت أصبح بأمكاني الامساك بِشعره في قبضة لكن بدلاً مِن ذلك، أكملتُ اللعب به بِخفة و رِقة ترتسم بسمة صغيرة على طرف شفتاي.

لطالما أردتُ فعل ذلك. تَمتَمتُ له مِن دون أن يصلني رد منه و ظللتُ على هذه الحالة ألعب بِشعره الجميل أشعُر بِعينيه تتحرك على وجهي بأكمله.

تمنيتُ بِشدة في تلكَ اللحظة أن أعرف بالذي يجول في خاطره. بِماذا يُفكِر و هو ينظُر إليّ؟ ماذا يرى؟ بِماذا يشعُر؟ هل هو مثلي حلق من السعادة، أم أنه ضائع بِدوامة لا يدري أين بدايتها و نهايتها عندما يكون معي في مكان مغلق و قريب إلى هذه الدرجة مني؟

أزحتُ نظري مِن على شعره لِوجهُه تتقابل مُقلتينا و هنا توقفت يدي عن التحرُك في شعره تتجمد بين خُصلاته السميكة السوداء مُندمجة بِظلام الغرفة و ربما أكثر سواداً.

أنتِ جميلة لِلغاية. كلماته التي خرجت فجأة مِن شفتيه جعلت من أنفاسي تعلق في حلقي لتَمُر دقائق قبل أن أذكُر فيها أنه يجب عليّ التنفس مجدداً.

كانَ قد نهض على مِرفَقيه بالفعل و أنا أفتح فمي لكي لا أعلم ماذا أقول بالمُقابل.
عندما وافقت على البقاء معه هذه الليلة، كنتُ قد خمنت أنَّ شيئًا قد تهربتُ منه كثيراً، سيَحدُث بيننا.

و كانَ تخميني في مَحله، فَهو أقترب مني بِبطء كأنه متردِد يظُن أنني سأمنعه ولكن لم أفعل ليَقترب أكثر تتلامَس شفتيه بِشفتاي كأنه يتأكد مجدداً من أنني لن أوقفه و أهرب منه.

شفتيه تُدَغدِغ خاصتي بِإغاظة، أنفاسه الدافئة تلامس أنفي. هو لكي يُغيظ أكثر، مَرَر شفتيه هذه المرة فوق شفتاي مِن دون الضغط عليها وإنما بِطريقة رقيقة كَلمسة الريشة على الجلد و هنا أستيقظتُ بِحَق، كما لو أنني كنتُ نائمة طوال حياتي و في هذه اللحظة أفقَت.

أغلقتُ أنا المسافة بيننا أقبِّلُه بِشدة، ألُف ذراعاي حول رقبته اسحبه إليّ يُصبح الجزء العُلوي مِن جسده فوقي.

توقف هو قليلاً يكسِر القُبلة الحميمية بيننا لكي ينظُر لي في العينين، أرى خاصته متوسعة، مندهِشة لكنه ابتسم، ابتسم ابتسامة لم أرى مثلها قادمة منه يومًا.

تلكَ البسمة التي أظهرت أسنانه اللؤلؤية و جعلت عينيه البنفسجية تبرُق بِبَريق أقوة مِن بَريق النجوم. أحسَستُ بِها تعصر قلبي إلى أن بدأ يقفز و يُرَفرِف كأجنحة الطيور.

طبعتُ ذات الابتسامة على شفاهي مِن أجله و هو رأها جيداً، عينيه تَحوم عليها إلى أن عاد رأسه ينزل هذه المرة لِلمَنطِقة بين كتفي و رقبتي، يُقبِّلها بِلُطف كما لو أنني زُجاج مَشعور، مِن المُمكن أن أنكسِر في أية ثانية.

تنقلت شفتيه الناعِمة و الدافِئة على المنطقة حتى إلى عظمة الترقوة لديّ يترُك أثر حرارته خلف كل قُبلة، فراشات مَعدتي تتضارب في داخلي مِن شدة الحماس و التوتر، شعرت و كأنني أحلق في أعالي السماء، نسمة الليل تُقبلني و ليس الأمير لأدرِك أنَّ ليلي هو فالكين نفسه.

هو النجوم التي لطالما أحببتُ مُشاهدتها في هدوء لوحدي عندما أرفع رأسي إلى السماء. القمر الذي يُنير طريقي عندما أكون ضائعة و وحيدة جداً. و نسمة الهواء التي تُنسيني أنَّ هنالك سوء في هذه الحياة، تبرد قلبي و تشغل عقلي عن كل شيء.

هو ليلي.
فالكين خاصتي و أميري على فرس ليسَ أبيض و إنما أسود.
كانَ فالكين في بداية طريق لِمُمارسة الحُب معي و إذ به يُخِرِج صوتً من مؤخرة حلقه تجعله يتوقف.
فتحتُ عيناي بِسرعة أمسكه مِن كتفيه ابعده عني بِقلق أحاول رؤية وجهه لكنه يُخفيه بِيده و خُصلات مِن شعره تُغطي الجزء العلوي منه.

ما الخطب؟ سألته أنهض جالسة لكنه هزَ رأسه لا يُجيب.

لعقتُ شفتاي المُتورمة أرفع شواطات كنزة نومي النحيلة على أكتفاي أغَطي ما ظهر مِن الجزء العُلوي لِجسدي ثم بطني وأفخاذي أعَدِل مِن وضعيتي و أنا اتأكد من أمره المُريب، فَالصوت الذي خرج منه بدى كأنه ظهر مِن ألم ما عميق.

أنا بخير لا تَخافي. رد عليّ لا يزال لا يدعني أنظُر إلى وجهه.

تنهدتُ أنا أبعد جزء مِن شعري المتلصق بِرقبتي قبل أن أمسك بِيديه و أبعدهم عنه رُغمًا عنه، أخُذ نظرة مُتمعِنة بِوجهه لا أرى شيئًا فيه أو خطب ما.

علي ما يبدو أنه مِن الداخل.

الحلم، ما يزال جسدك مُتعب بِسببه. أخبرته مُدرِكة للأمر ألاحِظ أنَّ يده اليُسرى موضوعة على جانب خصره، عضلات بطنه الستة تَشُد و ترتخي مراراً و تكراراً.

نعم، على ما أعتقد أنَّ جسدي ما يزال في حالة صدمة مِن الذي رأيته. وافَقني هو يَمسح وجهه مُنزعج يرفُض مُقابلة عيناي كأنه...

كأنه يشعُر بالخجل؟
ظهرت بسمة رقيقة على شفتاي أتفهم انه كانَ يوَد أن يُكمِل، أن يُعطيني ما رغبته و مع ذلك لم أتضايق أو أحزن. أخذتُ وجهه بِكِلتا يداي أرغمه على النظر لي أدعه يرى ما أشعُر به مِن دون اللفظ بِكلمات.

لدينا كل الوقت في الدنيا، إن لم يكُن اليوم فَغداً و إن لم يكُن غداً فَبعده و بعد بعده. قلتُ له أقَبِّل جبينه لأضع بعدها جبيني عليه.

لكني أردت أن تكون هذه الليلة مُمَيزة. همس هو لِنفسه لكني أومأتُ رأسي أقَبِّل هذه المرة عينيه ثم أنفُه، وجنتيه، أسفل أذُنيه المُدَببة بعدها تمركزت على شفتيه.

انها مُميزة بالفعل بالنسبة إليّ. أخبرته أدَع وجهُه، أحدق به قليلاً أشرب ملامحه و طريقة جلسته على السرير و نظراته لي.

دعنا الأن ننام، فَغداً سيَكون يوم طويل. قلتُ بِإيجابية ليومئ هو يُمسِك بِيدي لكي يُقَبِّل داخلها مُغمض لِعينيه.

ستبقين معي؟ سؤاله جعلني أرفع حواجبي مع أنَّ إجابتي واضحة وضوح الشمس، لأومئ له بعدها أستلقيتُ بِبطء على جانبي ليَفعل هو المِثل لا يُفلِت يدي ابداً يضعها بيننا.

سأكون معك حتى الصباح. أنا وعدته هامسة.

حتى الصباح؟

لم أفهم لماذا سأل أو ما يَعنيه خلف السؤال لكني أومأت له بِخِفة و صمت لا أبعِد عيناي عنه.

هو اقترب مني ثم احتواني بين ذراعيه، يَلُفها حول خصري لأغمُر وجهي في رقبته أسحب نفساً منه أملأ فيه رائحته مِن المطر و الليل، أجعل من دفء جسده يغطيني كالغطاء على جلدي.

هنا، هنا الأمان الذي أشتقتُ لِلشعور به مِن سنين قد نسيتُ فيها ما معنى الأمان و السعادة الحقيقية.

حتى عندما كنتُ أنام بين أذرُع مايكا، لم أكُن أشعُر بِهذين الشيئين ابداً، لم أكُن بين أذرُع أنتمي لها و صاحبها لم يكُن ينتمي لي بَل كنتُ ضائِعة فيها، مُحتارة و بِسبب ذلك كنتُ أبقى و أنتظِر و أنتظِر فرج ما لم أكُن أعرف أنه موجود قريب مني لكنه بعيد بِذات الوقت.

كنتُ قد أخطأت بِمشاعر أعطيتها لِمايكا على أنها حُب لكني لم أكُن مُدركة أنه بِسبب حُزني، تعاستي و ألمي، توهمت بِتلكَ المشاعر على أنها حُب بينما هي في الحقيقة كانَ عَجز، يأس، آمَل و تَمسُك بِشيء لم أراه لكني أردته، احتجته.

رفعتُ رأسي نحوَ فالكين أعثُر عليه مُغمض عينيه، أنفاسُه هادئة تضرب جبيني تُحَرِك خُصلات مُتمردة مِن شعري مُستريحة على طرف جبيني.
لقد نام بِهذه السرعة؟

ابتسمت مع نفسي أعيد غمر وجهي في رقبته أفكِر بأنَّ هذا الأمير شديد الوسامة، شاب لم يرى الكثير من الحياة بعد و ما يزال يتعلم منها إلا أنه شجاع و جسور و ذكي يكون، زوجي.

ليسَ زوج كَالرجُل الذي يُصبح عليه عندما يتزوج بأمرأة، لا و ليسَ حبيبي أو عشيقي و إنما زوج روحي و نِصفي الأخَر و هذا لا يتعلق بِوشمي أو ما تم لعني به بِسبب الماضي.

ليسَ عشيقي، لكن زوجي و هو لا يعرف بِذلك.

أنتِ ضائِعة مجدداً في أفكارك. كَسر صوت كريسيدا القادم مِن ورائي و هي تدخُل عربتها، شرودي بِذكرياتي.

زفرتُ نفس مِن فمي أرخي كتفاي المَشدودان أنظُر على إكسانا التي تجلس على طرف طبق فنجان الشاي الأبيض و هي تتناول قطعة من بسكويتة بالليمون.

منظرها مِن دون جناحيها ما يزال صعب عليّ الأعتياد عليه.

فور عودتنا إلى فالينيا فَحصها طبيب فالين الخاص لكنه لم يقدر على إنقاذها لأنَّ ما فعلوه بِها كانَ قد أثَّر على أعصاب أكتافها و جعلها شبه ميتة هذا يعني لا يمكنها حمل جناحين بعد الأن فَهي بالكاد تحمل ذراعيها.

لهذا بِمُوافقة منها، تم قطعهما مِن أجل تَخفيف الحِمل على ما تبقى مِن أعصاب على قيد الحياة في ظهرها لكي تُساعدها على تحريك ذراعيها بِطريقة سالمة.

لا يُمكن وَصف الألم و الحُزن في وجه إيكسانا بعد أن تم قطع جناحيها. كانَ وجهها مَخطوف اللون لأيام، لا تأكُل و بالكاد تشرَب شيئًا بِمُساعدة مِن بلايز حتى التحدُث كانَ نادر معها.

و مع الوقت بدأت هي أن تعتاد و تعود إلى طبيعتها و الشُكر لِبلايز، فَبقائه معها كل يوم حَسَن مِن صحتها و نفسيتها إلى أن قبلت الذهاب معي إلى كُل مكان تجلس على كتفي، تُرافقني أينما ذهبت.

لاحظت إكسانا تحديقي بِها لترفع رأسها نحوي و تبتسم ابتسامة واسِعة تجعل من عينيها تَختفي بِطريقة لطيفة لِلغاية.

عُدتِ بالشرود مجدداً. أعادني صوت كريسيدا لِلمرة الثانية مِن ضياعي بِأفكاري و هي تجلس مُقابلي في مقعدها خلف طاولتها في عربتها.

لقعتُ شفتاي أرفع رأسي أنظُر لها
أعتذر، أنا فقط، الكثير يحدُث منذُ عودتنا مِن شادونايت و لا أستطيع مواكبة ما يجري.

هَمهَمت هي مُضَيّقة لِعينيها تُشابك أصابعها بِبعضها فوق الطاولة.
و هل جأتِ إلى هنا مِن أجل الفَضفَضة؟

هَززتُ مِن رأسي مُجيبة بِ لا أخُذ فنجان الشاي الدافئ لكي أشرب منه رشفة قبل أن أقول
في الحقيقة مَجيئي إليكِ لِسببٍ آخر.

هنا رفعت الساحرة كريسيدا حاجبًا أسود للأعلى تجعلني أرى شكلها الحقيقي هذه المرة و ليسَ شكل شخص مختلف يُماثل مشاعري كما تفعل عادةً
أخمن أنَّ السبب يتعلق بِوشمك.

لم يكُن سؤالاً لكني أومأتُ لها أعيد الفنجان فوق الطبق، أنظُر لها بِتردُد مِن دون لفظ كلمة.

ألقَت بِذقنها نحوَ كتفي الأيسَر تطلُب رؤية الوشم و لكوني أرتدي فستانًا بِلا أكمام و فوقه لحاف أسود يُغطي أكتافي العارية، أبعدته حتى تراه بِشكل واضح.

تعابير وجهها لم تتغير منِ الباردة و عيونها الخضراء ظلت ناعِسة لكنها تنظُر بِتمعُن على وشم الوردة الكبير و فيها مجموعة أشواك صغيرة تُحيطها.

لقد توقعتُ أنَّ الوقت حان. قالت كريسيدا تقترِب بِجسدها أكثر مِن الطاولة تأخُذ نظرة أفضل على الوشم الشبه مُكتَمِل.

البارحة و أنا نائمة، أستيقظتُ في ألم قد جعلني أصرُخ بِفَم مغلق كي لا أوقِظ النائمين و خاصًة من قادر على سماعي في آخِر ردهة القصر.
فالكين.

لم أكُن أستوعِب سبب الألم إلى أن نهضت مِن على سريري و رأيتُ كتفي في المرآة يَخرُج منه شُعاع أبيض ناصِع. الوشم كانَ يتحرك أو بالأحرى يكتمِل، أصبح لِلوردة ذات الثلاثة عشَر بتلة، بتلة إضافية حتى أصبحوا أربعة عشر بتلة.

أين المشكلة في ذلك؟

حسنًا، الأمر الذي أقلقني حتى العظم هو، لكي تكتمل الوردة، يجب أن يكون لها خمسة عشر بتلات و الأن تبقى واحدة فقط و إن أكتملت...

هل تنظمتِ على أخذ الدواء الذي أعطيتكِ إياه مِن قبل؟ كريسيدا سألت ترجع بِظهرها على الكرسي تُشيح بِعينيها عليّ لأعيد أنا وضع الوشاح على أكتافي أخفي الوشم.

النظَر له يُسَبِب لي التوتر والخوف.

نعم، كل يوم كما أخبرتني إلى أن انتهى.

و مع ذلك هو لن يوقِف الوشم مِن الأكتمال و إنما يُخَفِف ألمك. تَمتَمت كريسيدا مع نفسها تنقُر بأصابعها على الطاولة.

أعادت بصرها عليّ مرة آخرى ثم سألتني
ماذا عن الأمير؟ لَم تَحُلي الأمر بعد؟

لم أجبها على الفور أشعُر بِوجنتاي تَحمر خجلاً فَهي تعرف بأمره لأني أخبرتها سابقًا و لِمُفاجأتي هي لم تتفاجئ مِن أنَّ فالكين هو نصفي الآخر و أنه مُنقذي من تعاستي الأبدية.

صمتك يتكلم و يقول، أنكِ لم تفكري حتى بأعطائه الحقيقة. قالت كريسيدا رافعة لِحواجبها.

لا أريد منه أن يتعاطف معي أو يشعُر بالأسف أتجاهي فَهذا لن ينفع كما أنني لا أريد منه أن يُجبِر نفسه مساعدتي لأنه إن فعل، لن أستفيد ابداً و لن يكون هنالكَ تأثير على الوشم أطلاقًا.

إذاً ستنتظري أن يعترف بِحبه لكِ؟ و قد يكون هذا بعيداً بِما أنكِ تتهربين منه و تُخفين الكثير عنه. عائلة لوماريل ليَست مُتعاوِنة جداً مع مَن يُخفي سِراً يتعلق بهم و كونكِ نِصف فالكين لوماريل الآخَر، أمر يتعلق بِه و بِشدة.

لم أبادِرها و لم أنظُر لها حتى و إنما تنهدت الصَعداء أنظُر لِسقف العربة أطلب من الإله أن يُساعدني لأجد الحل.
فأنا حقًا لم أعُد أعلم ما هو الأصَح.

ألن يكون أسهل، قطع ذراعي مِن حيث يتواجد الوشم؟ تساءلت أنا ساخِرة أنظُر على كتفي لتُخرِج كريسيدا ضحكة خفيفة تنهض مِن على مقعدها تذهب إلى الرفوف على يميني، عليها زجاجات شفافة فيها أشياء مُقززة.

مثل الأظافر، الشعر، عيون وحوش و بعضها أخمن أنها تعود لِجنيات و بشر، أسنان قديمة سوداء و غيرها مِن أشياء تستعملها الساحرات لِعمل سحرها و شعوذاتها.

إن كنتِ تريدين التخلُص منه بِشكل نهائي، عزيزتي كانيلا فيَجب عليكِ قطع رأسك. أخبرتني هي تحمل قارورة فيها سائِل لزج فيه قِطَع تبدو كَالجلد جعلت معدتي تنقلب.

لقد سبق و حاولتُ فعل ذلك عِدة مرات، لكن فشلت. أجبتها أضحك لتنظُر لي إكسانا بِقلق تَقطُب حاجبيها البرتقاليين.

أعطيتها بسمة حزينة قبل أن أهمس لها
لن يحدث مجدداً، أنا أعدك.

ارتخت أكتافها بِذلك تُكمِل تناولها لِبسكويتها بينما كريسيدا عادت إلى مقعدها مواجِهة لي، تحمل القارورة نفسها و مِن دُرج الطاولة أخرجت جرة صغيرة سوداء اللون بأربعة أرجل، تضعها بيننا.

كنتُ حمقاء، في أيام سوداء. لن أعيد الكَرى. قلتُ لِنفسي أشاهد سكب الساحرة لِمُحتوى القارورة في الجرة ثم أخذت مِن الدُرج ذاته صندوق بِحجم أصبع اليَد منه تُخرِج وَبر رمادي اللون لِحيوان ما لكي تضعه في الجرة.

انكمش وجهي بِقرف لكني لم أعَلِق.

كل ما يمكنكِ فعله هو الصَبر، كانيلا. الصَبر كل ما تملكينه لكي تعيشي أو فقط عدم الأكتراث فَلن تنتهي حياتك إن لم تعودي تَشعُري بِشيء يُدعى الحُب.
كسرت كريسيدا الصمت بيننا تمزُج الأشياء التي سكبتها في الجرة بِملعقة خشبية ليبدأ دُخان أبيض بالصعود منها يتجه نحوَ النافذة الصغيرة يسع رأسي فيها فقط، على يساري.

منها أرى مجموعة ساحِرات يافِعات منهن البشع و جميل المظهر، يجلسن حول موقد النار يتحدثن و يضحكن مع بعضهن.

أرجعت عيناي على الساحرة التي أمامي مشغولة بِعملها الغريب لِتتقابل بِعينيها الخضراء أجدها تُشاهدني بِصمت و يدها تُحرِك المزيج في الجرة.

أنتِ تظُنين العيش بِلا حُب سهل؟ أن تفقدي القُدرة على معرفة ما هو، سهل؟ الحياة مِن دونه لا شيء، كريسيدا. أخبرتها بِضيق في صدري يرفع مِن غَصة حبستُها بِداخلي منذُ بداية حديثنا.

أخرجت هي ضحكة صغيرة تتوقف عن مَزج الخليط بِلا رائحة لِترفع أصبعها السبابة و تدخلها في الجرة ثم رفعتها و عليها المزيد أخضر اللون يَسيل بِبطء شديد على جلدها قبل أن تُقربه من فمها و تلعقه.

أحسستُ بِرغبة في التقيؤ، أكَوِر يدي في حضني على شكل قبضة لِتَغرُز أظافري في جلدي، أمنع نفسي مِن أخراج مافي بطني مِن فطور على طاولتها و في عربتها الضَيّقة.

ابتسمت هي على ردة فعلي ثم مسحت أصبعها، لِتُخرِج قارورة فارغة مِن الدُرج ذاته حتى تسكُب السائل فيها. أنا أبعدتُ عيناي أحدق بِيداي المُستريحة على حضني بدلاً مِن ذلك المزيج مقرف الشكل.

بالطبع يُمكنكِ العيش مِن دون حُب. أنظري إليّ على سبيل المِثال، أنا لم أقع بِحُب رجل في حياتي كُلها و ها أنا حية أرزق و سعيدة بِنفسي. قالت كريسيدا بعد أن انتهت مِن عملها تُغلِق القارورة تُبعِد الجرة مِن بيننا لكي تنظُر لي جيداً.

ألقيتُ نظرة خاطِفة على القارورة اتساءل ما غرض الذي بِداخلها مع أنني أعرف أنها لي، دواء ربما قبل أن أرد عليها
أنتِ لم تدعي مِن أية رجل يقترب منك؟ ابداً؟

هزَت هي رأسها ابتسامتها الماكِرة تعود تُقَرِب مني القارورة حتى أصبحت أمامي تمامًا
بلى، و مع الكثير مِن الرجال لكن ليسَ بِغرض الحُب و العشق و فهمك كِفاية.

اومأت لها مرة أتفهم جيداً ما تقصده لكن إجابتها أو مُحاولة وضع نفسها كَمِثال لم يعجبني أو يقنعني.
لماذا أنتِ ضِد الحُب؟ أعني لكِ كامل القُدرة على الشعور به بينما أنا--.

أغرب ما في الحُب عزيزتي، هو أنكِ تَجدي نفسك في الشخص و تفقدي نفسك معه، تُصبحي قوية به، و أضَعف ما تكوني أمامه، و نفس الشخص الذي تَشكلت فيه تناقضاتك، لهُ القُدرة على تعميرك و تدميرك إن شاء.

عادت هي على مقعدها مُشابكة لِذراعيها أمام صدرها تُتابِع
لمَ عليّ الأستسلام لِلحُب و الوقع في ظلامه بينما بأمكاني العيش مِن دونه في سلام؟

رمشتُ عليه ألف مرة في ثانية و ربما ظللت أحدق بِها كالتي فقدت حاسة السمع لِمُدة فيها الصمت أصبح كالصراخ لأذُناي.

منصدمة مِن كلامها و كم انها بِطريقةٍ ما مُحقة بعض الشيء و فهمت كذلك أنها كانت ضحية لِلحُب مِن قبل مع أنها قالت العكس قبل قليل، عن كونها لم تقع في الحُب ابداً.

هل، هل هذه الساحرة كذبت عليّ أم أنها تفوهت بِذلك الكلام بِسبب قصة ما قد شَهِدَت عليها أو سمعتها مِن شخص متألمِ كان هو الضحية لِظلام الحُب؟

كانت أمي تُخبرني، أنه إذا أردتَ أن تعيش سعيداً، فَلا تُحَلِل كل شيء و لا تُفَسِر كل شيء و لا تُدَقِق بِكُل شيء و تَجاهل كثيراً فإن الذينََ حللو الألماس وجدوا أصله فحمًا. أخبرتها بِنبرة هادئة جداً ليَحين دورها هي بِالنظَر إليّ بِغرابة كأنها تراني لأول مرة، لأكمل أنا أنهض مِن على مقعدي أحمِل إكسانا أضعها على كتفي الأيمن مِن دون أبعاد نظري عن كريسيدا.

الحب يكون جميلاً عندما تعرف حدوده، و يكون سيء إن فكرت به على هذا النحو و فقدت السيطرة عليه، فَلو حدثتني عن الحُب لَقلت لكي كم انه يحول الشخص مِن العَدم إلى الوجود و كيف يُعيد رئتيه و ملامِحَهُ و ضحكته و شعوره بالرغبة في الحياة أكثر،.

أخذتُ أنا القارورة التي أعتقد انها لي و لكي أداوِم عليها كما فعلت مع الدواء الأول. توجهتُ نحوَ الباب أفتحهُ قليلاً لكني لم أغادر بَل التفتُ إليها بِجسدي ثم أكملت
الحُب شيء أقرب لِنفخ الروح.

لماذا تُحبينه كل هذا الحُب و أنتي تعلمينَ أنه لن يكون لكِ؟ فَهل ستعيشين كئيبة و تعيسة طوال حياتك بِسببه؟ سؤالها جعلني أتجمد بِصدمة و حيرة لِلحظة إلى أن فهمت ما تعنيه و بِمَن تقصد.

ارتسمت بسمة حقيقية على شفتاي قلبي ينبُض بِسرعة على التفكير بِه مع أنَّ الإجابة واضِحة بالنسبة إليّ و سهلة و سريعة موجودة على طرف لساني كل يوم منذُ أن أصبح الحُب أجمل بِعيناي و أكثر واقعية مِن أية شيء في حياتي معه.

لِماذا تتنفسين و أنتِ تعلمين أنكِ ستموتين؟

لم أنتظِر منها الجواب لأني عبرتُ الباب و أغلقته خلفي. أنا كدتُ أن أقسم، على أنني سمعتُ كريسيدا تضحك مِن كُل قلبها مِن داخل عربتها.

ليس ضحكة مُستهزئة و إنما مُدرِكة و مُنبهِرة.

- فالكين -.

صفع فالين ورقة كبيرة أمامي على طاولة مكتبه بعد أن تم استدعائي إليه من عملي مع مايكا الذي إن قضيتُ المزيد مِن الوقت فيه، فَسوف أنفجر كالبركان الحي، أنشُر غضبي على شكل حَُمم في كل مكان.

أقسم أنَّ الرجل متحجر المشاعر يخترقني بِنظراته كُلما أدرتُ رأسي و أنا أعمل أو أعطيه ظهري.
أعلم مشكلته لكن ماذا عليّ فعله؟ الأعتذار له على أن كانيلا و أنا بيننا شيء؟

بِشيء أعني حُب مِن طرفي على الأقل إن لم يكُن من طرفها فَلا بأس أنا سأقبل بأية شيء تعطيني إياه المهم أن تكون بِجواري و سعيدة هذا أهَم من المُهم نفسه.

حتى انه بالكاد يتكلم معي، اسأله سؤال و إذ به يتحول لِصَنم. أحاول تَخفيف من الأجواء الثقيلة بيننا و إذ به يرحَل مِن المكتب بِحُجة كَحاجتهُ لِلمرحاض أو أحضار بعض الطعام و الشاي (مع انه يستطيع طلب ذلك مِن الخادمات التي تأتي إلينا بين حين و آخر حتى يتأكدوا من جميع احتياجاتنا).

اللعنة هو أحيانًا لا يعتبرني موجوداً عندما يَحين موعد عملنا معًا، يُصبح في فقاعته و عالمه الخاص خلف مكتبه و فقط يُعطيني ما يجب عليّ قراءته و مَلأه لكي نُعطيه لِلزوراء أو فالين.

و عندما أتى طلب فالين لي بالذهاب إلى مكتبه أردتُ الضحك و القفز بِفرحة لكوني سأترُك ذلك المَكتب المشؤوم كئيب المَظهر كَصاحبه و لو لِفترة قصيرة مِن اليوم فَعِقابي لا يُعرَف متى سيَنتهي بِما أنه لا تاريخ انتهاء صلاحية له و الشُكر لِحقارة فالين.

ما هذا؟ سألتُ فالين و هو يجلس خلف مكتبه يَزفُر كمية كبيرة من الهواء أشير على الورقة التي صفعها أمامي و أرعَب بلايز لكونه يجلس على طرف الطاولة.

عاد الملك بِظهره على مقعده يفرُك جبينه كأنَّ صُداع قد بدأ بالتشَكُل لديه.
تقرير كامل عن وجود جُثَث جديدة لِفلاحين مِن كِلا الجنسين على أطراف فالينيا.

رمشتُ عِدة مرات على الورقة قبل أن أخذها و أقرأها كامِلةً ليسَ مرة واحدة و مرتين، بَل ثلاث، التفاصيل تُجلِب لي الصداع الذي يُعاني منه فالين الآن.

تم إيجاد خمسة جُثث هذه المرة، ثلاثة لِرجال و اثنين لِنساء. جُثث الرجال بأعضاء مفقودة وجدوها بعد ساعات من بحث بين أوراق الشجر المتساقطة أما جثث النساء...

شعرتُ بِمعدتي تدور و تقفز كما لو أنَّ بِداخلها أمواج بحر، ترتفع و تهبط بِقوة تُحطِم كل شيء. لم أقدر على إكمال القراءة أبعد الورقة عن وجهي، فَتفاصيل الجُثَث التي وجدوها ليسَت شيئًا أستمتع بِقراءته.

أنهم لن يتوقفوا إلى أن يصلوا لِمُرادهم، فالين. ما العمل؟ سألته أعيد وضع الورقة إلى مكانها.

نظَرَ هو لي مِن دون أن يُجيب لِفترة ظننت فيها أنه لن يتفوه بِحرَف لكنه تنهد مجدداً ثم قال
تناقشتُ الموضوع مع فينار و الوزراء و اتخذنا القرار الأصَح لِلمملكة.

و ما هو؟

مِن جديد لم يُجبني على الفور كأنه يُفَكِر بِه كثيراً قبل التفوه بِه لعلهُ حتى بعد اتخاذهم لِقرار ما يزال غير واثق منه.
سوف نُغلق المملكة إلى أن تُصبح مشكلة الأتلانتيانز من الماضي.

رفعتُ حواجبي عليه مُتعجب
ماذا يعني هذا؟ سوف توقف السماح بالدخول إليها و الخروج منها؟

اومئ هو لأستمر أنا مُتسائِل
و ماذا عن التِجارة؟ هذا سوف يؤثر عليها بِشكل مُخيف و سيء.

لا خيار لنا، فالكين. الأمر خارج عن سيطرتنا و سيطرتي أنا بالذات. حتى مع تواجُد الحُراس حول المملكة و بِداخلها، لم نقدر على منع قتلهم لِشعبي و هذا اسوأ من أية شيء آخر.

رجعتُ على مقعدي أشابِك ذراعاي أمام صدري أحدق بالأرض بِتفكير أمَرِر لساني على أسناني قبل أن أطرق به قائلاً مِن دون النظَر لِلملك
متى سوف يَحين هذا الإغلاق الكامل؟

أخذ هو الورقة مِن أمامي يُعيد قرأتها كأنه يفعل ذلك لأول مرة و هو يُرَدِد
لقد مَر شهر منذُ عودتنا مِن شادونايت لهذا هذه المشكلة حُلَت. و بالنسبة لِلمشكلة الأكبر و لكي أتفادى المزيد مِن الضحايا البريئة التي لا ذَنب لها بأي ما يحدث معنا، الأغلاق سوف يبدأ غداً، توقف هو يتقدم على الطاولة يضع ذراعيه عليها مُشابك لأصابعه يَقطُب حاجبيه الشقراء.

و اليوم أو بعد ساعة مِن الآن، سوف يتم إعلان هذا الخبر على كامل المملكة.

ألم تُفَكِر بِأحتمال اعتراض شعبك لِهذا القرار الصعب؟

أومئ هو مجيبًا بِ نعم يُمَرِر أصابعه في شعره يُحدق بالسقف
بلى، و مع ذلك لا خيار أفضل مِن هذا، فالكين. الأمر مُعقد كثيراً و لا أريد تعقيده أكثر.

و هل أنتَ مستعد لِمواجهة مشاكل فوق مشاكل؟ فالين أنتَ تعلم أنَّ هذا القرار حقًا سيء و أنا لا أشعر بِراحة و شعوري لا يخطئ ابداً.

تقابلت عينيه الملونة بِخاصتي و ظلت على هذا النحو لِفترة فيها عقدتُ حواجبي أنتظِر منه الإجابة ألاحظ أنه شَرِد و لم يَعُد في هذا العالم لكن بعدها عاد إلى الواقع يَحُط بِبَصَرِه على الورقة التي أمامه، يرمُقها بِنظرات حارقة.
أعلم، فالكين، أعلم و أنا مُستعد لِكل ما يجب عَليّ مواجَهَتُه.

نهضتُ أنا مِن دون الأنتظار منه أن يُخبرني بالرحيل و العودة إلى عملي ليَنهض بلايز كذلك يَطير بِجناحيه الصغيرة إلى كتفي الأيسر لكي يقف عليه و أنا أقول
حسنًا، أنتَ الأدرى لكن أعلم أنني سوف أكون معك بِكُل خطوة إلى أن تنتهي الأزمة و نقضي على الأتلانتيانز.

نظَر لي فالين لِلحظة ثم ابتسم ابتسامة لا تصل لِعينيه لكنه مُمَتن. أنا أعطيته ظهري ثم توَجهتُ نحوَ الباب و خرجت أتركه لوحده كي يُفَكِر و يُهدئ من أعصابه التالفة فَلا يمكنني تخيل نفسي مكانه.

ضغط عظيم قد يكسِر مِن الأكتاف و يجعل النوم مُستحيل ليلاً و الطعام رماداً على اللسان.
ليل...

لا إراديًا وجدتُ نفسي ابتسم على ذِكرة لم تُغادر رأسي منذُ أن حدثت.

قبل أسبوع، أخذتُ المرأة التي أعشقها بين ذراعاي و نمت في سكينة وجدتها معها هي فقط في حياتي كُلها و المستمرة إلى هذا اليوم.

لم أنَم هكذا منذُ الأزَل، لا كوابيس، لا أحلام و لا مُعاناة و إنما سعادة، اطمئنان و آمَل و نوع مِن أنواع الجمال الذي لا يوصَف، الذي يجعلك فقط توَد الأبتسامة و الضحك، الرقص و القفز و الركض لأميال و أميال في حقول زهور و بين الأشجار.

وجودها معي في نفس الغرفة و على نفس السرير مِن دون أن يحدث أية شيء بيننا (مع أنه كاد أن يحدث إلا أنَّ الألم ما بعد كوابيسي اللعينة منعت ذلك) كانَ كل شيء بالنسبة إليّ.

الشعور بِها و سماع صوت أنفاسها و نبضات قلبها الجميلة و هي نائمة كانَ نعيم، جنة لم أكُن أعلم أنَّ لها وجود في هذا العالم.

و عندما أستيقظت قبلها صباحًا، كانت ما تزال نائمة كالملائكة. وجهها الفاتن، بريء و طفولي أثناء نومها.

كأنها شخص آخَر، شخص لم أراهُ مِن قبل و مختلف عن كانيلا التي ترتدي أقنِعة مُختلفة كل يوم مع أشخاص مختلفين لكي تخفي حقيقتها.

لكنها لم تَعُد تفعل ذلك، ليسَ معي.

بقيتُ أشاهدها أسنُد رأسي على يَد مِن دون ملل. أتمعن بِتفاصيل وجهها التي لم أجرؤ التمعن بِها هكذا عن قُرب حتى لا أحرِج نفسي أمامها أو أبدو لها كالمُختل عقليًا أو أسوأ، مُنحرف. و بِما أنَّ ذلك الصباح كان فُرصة كبيرة تَعرُض نفسها لي، أخذتها.

أنفها الصغير المَرفوع بِخفة، بشرتها الحنطية الخالية من الشوائب المائلة لِلسمراء بعض الشيء، شفتيها المُمتلئة الوردية ناعمة كالقطن على شكل قلب صغير، شفتها السُفلية أكبر مِن العُلية، رموشها الطويلة الكثيفة مُلتوية، حواجبها المُرتبة الداكِنة مِن لون شعرها الناعم المموج.

أذُنيها البشرية الفريدة، التي لمستها بأطراف أصابعي أحفظ شكلها عن غيب، كل هذه الأشياء شديدة الجمال و خاطِفة للأنفاس فَلا أعلم كم مرة علقت أنفاسي في حلقي و أنا أشاهدها بِصمت أخاف أن أوقِظها لكنها أستيقظت بِبطء و على شفتيها اللذيذة بسمة تجعل العالم بأسره يضحك.

كنتُ قد حزنت لأنها ستُغادر و حاولتُ أبقائها معي و لو لِدقيقة آخرى إلاّ أنها أعطتني قُبلات كثيرة ساحِرة و منومة على الشفتين قبل أن تقول أنها تأخرت على عمل ما لم أعرف ما هو و هي رفضت أخباري عنه قائلة إنه عقابها السري.

عقاب سري لعين قد دَمر صباحي (ليسَ حقًا).
لهذا تركتني مُستلقي على السرير لوحدي أحدق بالسقف و أتذكَر كل ما حدث تلكَ الليلة.

تبدو كالمجنون و أنتَ تبتسم هكذا لِوحدك. فجأة أعادني كلام بلايز الساخِر مِن عالمي مع كانيلا لأرمقه بِنظرات أدفعه عن كتفي.

أصمت.

هَمهَم هو يطير بِجانب رأسي أعلم جيداً أنه يُحاول تخمين السبب الذي جعلني أبتسم هكذا إلى أن وجد ما يبحث عنه يُفَرقِع بِأصابعه ضاحكًا
يجب على كانيلا الأنتقال إلى غرفتك لأنها تُحَوِل مِن نفسك المُهترئة العابِسة، إلى جني لطيف أليف.

أشحتُ بِمُقلتاي عليه لأمُد يدي بسرعة نحوه كي ألتقطه و أنا أقول مِن بين أسناني
سوف أريك نفسي المُهترئة العابِسة أيها الصعلوك!

هرب هو من قبضتي يُقَهقِه كالأطفال المُزعجين يديه على فمه، يَطير بعيداً عني إلى آخِر الردهة و هو يُحَرِك حواجبه بِطريقة مُستفزة.

سوف تندم و لن تستطيع الهرب مني إلى الأبد أيتها الحشرة! صحت له أضع يداي في جيوب بنطالي لأسمعه يُقَهقِه بِصوت أعلى يجعل مَجموعة مِن الخدم المارين من جواري يضحكون مِن خلف أياديهم لكونهم سمعوا حديثنا الذي فيه مودة و لطافة.

ها! مودة و لطافة في مؤخرتي.

بعد ثلاثة أيام بالضبط، و أنا أغادر غُرفتي مع بلايز أمشي في الردهة مُتجهًا في طريق الذي سيأخذني إلى خارج القصر لكي أزور جونيبِر في حظيرة الخنازير أشعُر بالأسف عليها و مُرافقتها ستكون مُمتعة أنا أحب التحدث معها في الحقيقية، رأيتُ فجأة خادم يركُض نحوي بأسرع ما يُمكن و وجهه، ليسَ ساراً ابداً.

عرفت مِن الذُعر و الرُعب في عينيه أنَّ هنالك مشكلة، لا بل ورطة.

سمو الأمير! صاحَ هو يقف أمامي يضع يديه على ركبتيه منحني الظهر يلتقط أنفاسه.

ما الأمر؟ سألته بِقلق و هو فتح فمه ثم أغلقه يبلع ريقه يلفُظ كلمات مقطعة و هو يلهث بأنفاسه لأنتظره بِنفاذ صبر إلى أن وقف مُستقيمًا وجهُه أحمر متعرق الجبين.

م-مملكة فالينيا، انها في، في حالة ف-فوضى عارمة و جلالته، غاضب جداً و طلب حضورك.

تبادلتُ النظرات مع بلايز ثم أومأت لِلخادم حتى أخبره بأن يقود الطريق لأتبعه بِسرعة و علامات التوتر واضحة على ملامحي.
لقد عرفت أن هذا ما سيَحدُث و حدث بِسرعة.

عرفت أن قرار أغلاق المملكة نتيجته لن تكون في صالحنا.

أخذني الخادم إلى قاعة العرش التي منها قبل أن أخطو بِداخلها، سمعت صراخ و صياح و أشياء ترتطم بالأرض و تنكسر.

توقف الخادم عند الأبواب التي يحرُسها حارسين يبدوان قلقين من الأصوات القادمة مِن الداخل. شكرتُ أنا الخادم أمره بالصمت و المغادرة.

هو أومئ مُنحني الظهر و بِلمح البصر، تركني و ذهب من دون النظر إلى الوراء لأدخُل أنا أجِد أولاً أن أثاث القاعة الفخمة، في كل مكان. في كل مكان يعني ليس في مكانه بالضبط و إنما مُبعثَر و مُحطم.

مقاعد الطاولة الكبيرة القريبة مِن النوافذ التي تأخُذ مساحة الجِدار المواجِهة لِلأبواب العملاقة، منها مُحطم و قطعها في مؤخرة القاعة حتى رأيت إحدى النوافذ مَنشعِرة.

تماثيل صغيرة شكلها كَالجنيات، رؤوسها أسفل الطاولة و فوقها و أخمن أنها السبب في تكسير جزء من النافذة.
أوراق و أوراق كثيرةً مُبعثَرة في وسط القاعة منها المُمزق و منها فقط مُكدَس فوق بعضه على الأرض.

أزحتُ عيناي على يساري أرى فالين عند أسفل الدرج الذي يقود لِلعرش، يصرُخ فائِر الغضب، يديه على خصره يمشي ذهابًا و إيابًا بين فينار التي تقف على يمينه عاقدة لِحواجبها تُحاول تَهدئة شقيقها و على طرف الأدراج على اليسار وقف مايكا كالعادة، بِلا مشاعر على وجهه الأسمر.

و على يسار فالين وقفت كانيلا مع إكسانا على كتفها، يديها أمام معدتها تحدق بالأرض لِتشعر هي بِقدومي ترفع من عينيها البنية عليّ.

هزت هي بِرأسها بِكِلتا الجهتين و أنا تقدمت نحوهم إلى أن أصبحت بينهما أواجِه الملك المُشتعل، لا يبدو أنه سيكون على ما يرام قريبًا.

كيف لهم أن يفعلوا هذا بِنا و نحنُ نحاول حمايتهم؟ أنا حقًا لا أفهم تصرفهم! صاح فالكين يُكمِل مشيه مِن اليمين لِليسار ينظُر للأرض يداً على فمه.

يمكن القول أنّ لون وجهُه شبه أزرق كما لو انه يَكبُت الغضب الحقيقي يمنعه من الخروج و تدمير القصر أو المملكة بأكملها.

ماذا حدث في المدينة؟ سألت لا أحَد بالتحديد ليتوقف فجأة فالين ينظُر لي ألاحظ عينيه تضيء تَعكِس نيرانه لكنه لم يُكن مَن أجابني و إنما فينار.

التُجار، بِسبب الأغلاق، عملهم توقف و يقولون أنَّ بضاعتهم مِن طعام و بذور و مَحصول سوف يتدمر لأنَّ لها وقت فيه يجب عليهم أيصاله لِلممالك الآخرى و أستقبال غيرها بالمُقابل ولكن كل شيء توقف و لم يعُد هنالك عمل و لن يكون هنالك طعام إن أستمر الحال لفترة غير معروفة بِما أننا لم نُعطي وقتًا نُحدِد فيه فتح المملكة مجدداً.

بالإضافة لِلقُرى التي منها يَحصلونَ على بذورهم و محَصولهم و بالمُقابل هم يوفرون لهم اللازم الذي لا وجود له عندهم كما هو في المدينة.

و لا تنسوا أنَّ بعضًا مِن أهل المملكة، على طريقهم نحوَ فالينيا و منهم عالق في الممالك الآخرى غير قادرين على العودة إلى عائلاتهم، نسائهم و أطفالهم. أضافت كانيلا بِحُزن تَعَض على شفتها السُفلية.

أشحت بِنظري مِن عليها لأضعه على الملك الصامت.

هنالك تمرُد و أعتراض في المدينة، أنه جماعي لكن يوجد له رأس يتحكم بهم و يُعطيهم الأوامر. تدخل مايكا بالمعلومة ليُصبح مركز الأهتمام قبل أن أقول أنا أذكُر شيئًا مُماثلاً
ذات المشكلة التي واجهناها في مملكة كاداري قبل أشهر، تُعيد كرتها عندنا.

أومأت فينار توافقني الكلام ليُدير فالين رأسه يتنهد بِأحباط يُغلق عينيه ممسكًا بِشعره.
اللعنة! المشاكل لن تنتهي إلى أن أنتهي أنا يومًا من الأيام.

تقدمت فينار إليه تضع يدها على ذراعه لتُخبره بِرِقة
لا تقل هذا، فالين. لكل مشكلة حَل و أنتَ دائمًا تجد الحلول مهما كانت مستحيلة.

يوجد حل طبعًا، وصلني خبر من أحد جواسيسي أنه تم إيجاد الرأس المُدبر لكن موقعه يتغير كل فترة لهذا سيَصعُب إيقافه. أخبرتنا كانيلا تجذُب الانتباه لها الآن تقابل عيون الملك التي لمعت بِآمل و تفائُل.

مَن هو؟ فالين سألها يُمسكها مِن كتفيها لترمُش هي متفاجئة من تصرفه قبل أن ترجع جادة و تُجيبه
لستُ متأكدة، يُقال انه يُدعى فيرنون لِنكتشف أنه مُجرد لقب لكي يَحمي نفسه و هو هجين لهذا البشر و الجنيات ينصتون إليه و يثِقون بِكلامه، و يقال أيضًا أنه كانَ مِن حُراس المملكة، لكنه تقاعد قبل ثلاثون سنة.

أخَذ فالين يُفكر و يُفكر يدع أكتاف السفير يوعد خطوتين إلى الوراء لِجانب شقيقته
يوجد الكثير من رجالي الذينَ تقاعدوا قبل ثلاثين سنة، مِن المستحيل معرفة هويته في وقت قصير.

ألم تقولي أنه هجين؟ فينار سألت كانيلا لتومئ البشرية لها تؤكد ذلك.

فالين، ألتفَتَت الأميرة إلى أخاها تتابع كلامها
أذكُر أنه كانَ لدينا ثلاثة مِن الجنس الهجين، أثنان منهم تقاعدوا و الثالث ما يزال لدينا يعمل مع الجنرال.

حدق هو بِها قليلاً قبل أن يستوعب ما أخبرته به
نعم صحيح.

جلالة الملك، تقدمت كانيلا نحوهما لتُكمِل عاقدة حاجبيها
دعوني أرسل جواسيسي بِهذه المعلومات لكي يجِدوه بِشكل أسرع و أدق.

ابتسمت فينار تُعجبها الفكرة بينما أنا صدمت مِن فكرة أنَّ كانيلا مِن الأصل لها جواسيس.
منذُ متى لها جواسيس لا أعرف عنهم؟ و لماذا من الأساس؟
هذا مُحير لِلغاية و غريب.

هذه المرأة كل يوم تفاجئني بِشيء جديد يُخرجني من عقلي.

لا! قال فالين يجعل الجميع يصمُت ثم بعد أن أخَذ صمت مَن في القاعة أشار بِذقنه على كانيلا وجهُه أشكُر الآله، لم يعُد أزرق اللون مِن شدة غضبه بل عاد طبيعيًا و صارم.

وجه ملكي بِحَق.

سوف أعينكِ مسؤولة عن الموضوع، أريد منكِ إيجاد ذلك الأحمق المَدعو بِفيرنون و أيقافه عن عملية التمرُد و تحريض شعبي ضدي.

و إن لم يُنصِت؟ أنا سألته أضَع جميع الاحتمالات لأنَّ العمل مع أشخاص مثل فيرنون مرهِق، فأنا خُضت تلكَ التجربة من قبل في مملكة كاداري.

وضع فالين مُقلتيه المُلونة عليّ لِمُدة أحسستُ بها بِثُقل بصره قبل أن يُجيبني هو بِنبرة عميقة أجشة هامسة
إذاً قتله سوف يكون الأنسَب فَلن أصمُت و أدع حمقى مثله يقفون في وجهي، فأنا الملك!

لفظ بأخِر كلمتين بِقوة صوت كدتُ أن أقسم أنَّ القاعة و حتى القصر أرتج رهبة.

قتله لن ينهي المشكلة و إنما سيجعلها طويلة المدى. أنا عارضته ألقي بِذراعاي في الهواء.

بِغمضة عين و بِحركة حتى عيناي لم تلحقها، أصبح فالين يقف أمامي مباشرةً ليُمسك بِياقة سترتي يُقربني منه أرى رجُلاً يواجهني، رجلاً متوحشًا
لن ألعب دور الملك الجبان و أهرب أو أجثوا لِمَن سيَقف في طريقي فإن أضطُرِرتِ، فالكين، سوف اقتلهم جميعهم لكي أحمي الباقي مِن الجنون.

و أنا لديّ بعض الرِجال الذينَ أعرفهم في المدينة، بأمكاني التعاون معهم لكي يجدوه بأقرب وقت. قلتُ له أضيف لِلجُرح ضِمادة لكي يُغلق بِشكل أسرع لا أبعد عيناي عن الملك.

أومئ فالين موافقًا على اقتراحي بينما فينار ابتسمت لي بعدما تركني شقيقها.

كانيلا، متى سوف تُرسلين جواسيسك؟ فينار سألتها تستدير إليها.

اليوم، كُلما كان العمل أبكَر كُلما أنتهى أسرع و أنا بِنفسي سوف أذهب إلى المدينة و مُقابلة فيرنون.

علي ذلك، فتحتُ فمي لكي أضيف اقتراح آخَر و بِنفس الوقت مايكا قال مثلي يُصبح صوتنا مُوَحد
و أوَد أن أرافق كانيلا في المهمة!

عَم صمت ثقيل في القاعة الجميع ينظُر لي ثم لِمايكا الذي لأول مرة رأيتُ على ملامحه الثلجية، صَدمة، عينيه الخضراء تُقابلني لأضَيّق خاصتي عليه أشعُر بِكانيلا تتحرك في مطرحها بِعدم ارتياحية.

سُحقًا! هذا محرج.

صَفى فالين حلقه يُغطي على الصمت الغليظ يمسح ذقنه انتباهه يتنقل بيني و بين مايكا إلى أن حَط على مستشاره
أمممم مايكا، أنتَ أبقى في القصر لأنَّ لديكَ عمل معي لا يُمكن تأجيلُه و أنتَ فالكين، ألقى ذقنه نحوي مُستمر بِكلامه
أذهب مع كانيلا و كُن المُشرف أو على الأقل جوزان مِن العيون الإضافية لها عندما تُقابلوا فيرنون.

كما تشاء، فالين. قلتُ له، بِطرف عيني ألاحِظ كانيلا تُخرِج زفيراً هامِسًا من فمها عينيها مُغلقة.

بعد ذلك تفرقنا جميعنا خارج القاعة عدا فالين و مايكا بقوا فيها يتناقشون عن المزيد مِن العمل و مشكلة المدينة. أنا لحقت بِكانيلا و الشَك مرسوم على وجهي، أوقفها عن مشيها ألمس مرفقها بِخفة.
جواسيس؟

سؤالي جعلها تستدير إليّ تنظُر مِن اليمين لِليسار في الردهة تتأكد مِن عدم وجود أحد لكي ينصت قبل أن تقول
هذا جديد عليّ صدقني، أنهم جزء مِن عقابي السري.

رفعتُ حواجبي بِاستغراب لتُخرِج هي ضحكة من حلقها تُطُبطِب على صدري ليَخطُف قلبي نبضة إثر اللمسة. تجاهلتها أنا أركز عليها
هل تكترثين بأخباري عن هذا العقاب السري اللعين؟

هَزت كتفيها ثم أكملت مشيها من دون الرد لأتنهد أنا مُستاء ألحَق بِها. حسنًا، على العقاب السري أن ينتظِر لأنَّ عمل في المدينة علينا الأهتمام به ينتظرنا بِفارغ الصبر.
و نهاية الأتلانتيانز قريبة جداً، فأنا أشعُر بِذلك و شعوري دومًا على حَق.

الفصل التالي
بعد 12 ساعة و 47 دقيقة.
جميع الفصول
روايات الكاتب