رواية تحت الغطاء الأبيض الجزء الثاني للكاتبة مينار الفصل الخامس والأربعون

رواية تحت الغطاء الأبيض الجزء الثاني للكاتبة مينار الفصل الخامس والأربعون

رواية تحت الغطاء الأبيض الجزء الثاني للكاتبة مينار الفصل الخامس والأربعون

العُقَد التي يواجهونها جميعهم تضاعفت باللحظة التي أخبرتهم كورالينا بِكُل ما تعرفه و بعد أن رحلت عن غرفة فالين و شقيقته، تركت الملك و الأميرة في فوضى مِن الأفكار و خاصةً أنَّ ألترا، أحد أسياد القصر و المملكة، مُتلبس من قِبَل مُشعوذ شرير مِن عائلة سَحرة قديمة جداً عمرها ألاف السنين، قد وضعه غادان في نوم عميق قبل مئات السنين، يُدعى كوسفا.

كوسفا الذي أستيقظ مِن نومه الذي كانَ يجب أن يكون أبديًا لكي يستولي على مملكة شادونايت و العالم قريبًا إن لم يوقفوه بسرعة قبل فوات الأوان.
و هو مِن نسل الساحر كاغوا الذي يعيش معه في القصر و تعرف عليه صدفة خارج مملكته و لكي يحميه و يُبقيه بعيداً عن الأعيُن الفضولية و الشريرة، أخذه إلى مملكته و سمح له بالعيش فيها لكن ضمن حدود و شروط.

و أحد أهم شروط الملك فالين له، هو عدم مُمارسته لِلسحر الأسود المُحرم الذي اختفى مع اختفاء نسل أقوة عائلة سحرة في العالم.
ولكن الأن أتضح أنَّ كاغوا ليسَ الوحيد و أنَّ لديه قريب يحمل نفس الدماء التي تجري في عروقه.
تنهد فالين يُدَّلِك جانب رأسه و هو جالس على كنبة قريبة مِن نوافذ غرفته الكبيرة التي يُشاركها مع شقيقته فينار المتواجِدة على طرف السرير تُراقبه بِصمت.

كُنا في مشكلة مع الأتلانتيانز لِتظهر لنا مشكلة أكبر. تمتم فالين مع نفسه يرفع رأسه ينظُر إلى شقيقته.
ماذا يجول في بالك؟ سألته هي بِفضول ليَعود بِظهره على مقعده يُشاهد سماء الليل عبر النوافذ الطويلة تأخُذ مساحة كبيرة من الجدران.
يجب عليّ أستدعاء كاغوا إلى هنا حالاً. أجابها فالين يُحرِك رأسه نحوها يجدها متوسعة العينين.
كيف له أن يأتي حالاً؟ الطريق يحتاج أكثر من أسبوع.

بالنسبة له هو كَساحر، يحتاج لِيوم أو أثنين فقط.
شابكت فينار ذراعيها أمام صدرها ثم سألته
كيف سيَحدُث هذا؟
ارتسمت بسمة صغيرة على طرف شفتيه بعدها أجاب
هو مِن نسل كوسفا ألا تذكُرين؟ سوف أسمح له هذه المرة بأستعمال السحر الأسود لكي يصل بسرعة الينا و يُساعدنا بالورطة التي تدعى كوسفا.
لكن هذا خطير، عالمنا السحري له ردة فعل ضد السحر الأسود و ربما قد يتأذى كاغوا في عملية قدومه إلى هنا.

أومئ فالين مُدركًا لِذلك لكنه قال لها البسمة تَختفي
هو يعلم جيداً كيف يستخدم سحره لكن الأمر طارئ و نحنُ نحتاجه لعله يعرف أفضل منا عن كيفية إيقاف كوسفا و أستعمال كتاب غادان الذي بِفضله وضع كوسفا في نوم عميق و أيقظه كذلك.
هَمهَمت فينار قليلاً قبل أن تسأله تنهض على ساقيها
و كيف سوف ترسل أمر قدومه إلى شادونايت؟
هنا نظر فالين عليها لِلحظة طويلة جعلتها تتوتر في صمته لكنه في الأخِر فتح فمه ليُجيبها.

كورالينا هي مَن ستساعدنا بإيصال الأمر إليه.

عرف فالكين أنَّ هذه المملكة نهارها قصير لِلغاية ما يُقارب الخمسة ساعات فَحسب و ليس أكثر مِن ذلك لأنَّ في اليوم التالي رأى الشمس لِساعة قبل أن تغرُب مجدداً و تتبدل بِالقمر و نجومه الخيالية.

لهذا بعد تناول الغذاء مع فالين و باقي مجموعتهم لكون الأسياد مشغولين و لا يمكنهم الأجتماع معهم تجول لوحده مع وجود بلايز طبعًا في أرجاء القصر الجميل المُبهر ثم عاد إلى غرفته ليَجد كلُاً من ريزار و كانيلا ينتظرون عند بابه.
تبادل النظرات المُستغربة مع مرافقه الصغير قبل أن يأتي اليهم يبعد عباءته عن كتفيه ثم وضع يديه في جيوب بنطاله الأسود.

ما الذي تفعلونه هنا؟ سألهم فالكين يقف معهم ليَضع ريزار يداً على كتفه مبتسمًا بينما كانيلا هَزة مِن كتفيها تُبعِد خُصلات من شعرها المُمَوَج عن كتفها.
لاحظ فالكين بِذات اللحظة على أنَّ وجه كانيلا أحمر لِلغاية و عينيها لا تُقابل خاصته كما لو أنها مُحرجة من شيء ما.
عقد الأمير حواجبه بِتعجُب ثم نظَر لِصديقه الذي ما يزال يبتسم ينظُر لِكانيلا بِطرف عينه ثم يُعيدها عليه مجدداً.

أتينا لكي نرى إن ما كُنتَ على ما يرام لوحدك. قطع كلام ريزار حبل أفكاره لكن فالكين لم يعُد يفكر بِأمر تواجدهم هنا و إنما بالذي حدث معهما سراً و لا يخبروه بعد.
ماذا جرى؟ سألهم فالكين يضع عينيه على السفيرة التي تُحاول قدر الأمكان عدم النظر له أو لِأحدهما، تُبقي بصرها على الأرض و هي تلعب بِأطراف ملابسها.
لاحظ هذا أيضاً...

كانيلا لا ترتدي فستانًا بَل ملابس عِبارة عن بنطال و كنزة بيضاء لها مَشد بني اللون و فوقهم جميعهم رداء أزرق له قبعة كبيرة خلف ظهرها العلوي و مع جزمة سوداء تصل لِركبيتها.

تتساءل لماذا تحمر هكذا كالتي رأت رجُلاً عاري؟ قال ريزار له.
أومئ فالكين لِتتوتر كانيلا أكثر تهُز رأسها بِكِلتا الجهتين مع نفسها.
نعم هذا ما اتساءل عنه. رد عليه فالكين.
هذا لأنها رأت لكن أثنان منهما و ليس واحد.
هُنا رفعت كانيلا رأسها نحوَ ريزار بِسرعة و عينيها الجميلة مُتبحلقة كأنها تلقت صفعة على وجنتها و فالكين مِن الجهة الأخرى رمش عِدة مرات عليها قبل أن يسأل صديقه
ماذا؟ متى هذا و لماذا اصلاً؟

كان مِن دون قصد. اندفعت كانيلا مُنحنية الرأس ليَضحك ريزار.
كانت هي على وشك الخروج مِن غرفتها و إذ بها ترى رجلين مِن العُمال الخارجين لِلقصر لا يرتدون شيئًا ولكن اتضح أنَّ هنالك فئة مِن الشادونايتس لا يحبون وضع الملابس و التَستُر. أخبره ريزار يضحك مِن خلف يده مثلما فعل بلايز و إكسانا التي تُحاول كبت ضحكتها لكنها فشلت.

كانَ مِن دون قصد و مكان غرفتي قريب مِن غُرَفِهِم. رددت كانيلا تتحول وجنتيها لِلحمراء أكثر مما كانت عليه تجعل فالكين يبتسم لا إراديًا على منظرها الخجول.
رأينا كورالينا صدفة و أخبرتنا انهم نادراً ما يظهرون في القصر و مِن حَظ كانيلا، غادرت غرفتها و هُم في طريقهم إلى الخارج. قال ريزار و أثار القهقهة في حلقه.

حَظ عسر. تمتم بلايز ليرمقه فالكين بِنظرات قبل أن يسألهما مرة أخرى عن سبب تواجدهم هنا أمام غرفته لِيرُد ريزار عليه
أنا شخصيًا أتيتُ إلى هنا لكي أخبرك أنني ذاهب إلى المدينة و إن ما أردت مرافقتي.
رفع فالكين حواجبه عليه
ولمَ تريد الذهاب إليها و أنتَ تعرف كم انها خطيرة؟
سوف أكون حذراً و أشاهدها قليلاً ثم أعود بِسرعة فَهي لن تكون خطيرة إلا إذا أزعجنا شعبها.
لكن فالين حذرني بالذهاب اليها.

أختفت تعابير الإغاظة و المرح مِن على ملامح وجه ريزار لِتُصبح متفاجئة يُبعِد يده عن كتفه
حقًا؟ لم يُحذرنا بِهذا.
أشاح فالكين بِعينيه البنفسجية على البشرية بِسؤال صامت لِتُجيب هي
لم يتفوه بِحرف عن الأمر، لكن أظن انه حذرك أنت لأنكَ مَن تجُر بالباقي معك إلى مغامراتك.

ضَيّق فالكين عينيه عليها و خاصًة لأنها بدت تستهزأ به خلف تلكَ الكلمات لكنه لم يُعارض أو يُجادل لأنَ في الحقيقة معها حق. انه يجُر مَن معه إلى خطورة فضوله كل مرة و يندم عليها في الأخِر و مع ذلك في نهاية كل حادث يكتشفوا أمراً سريًا لم يكُن غيرهم قادر على أكتشافه.
كَمُشكلة الأتلانتيانز مثلاً، حقيقة وحش الكهف الذي يُدعى جيكال و وحش المكتبة، جي أوكس و الكُتب السحرية و غيرها من القصص.

و مع ذلك أنا أوَد رؤية المدينة عن قُرب بالإضافة، الأسياد الثلاثة أخبرونا انه مِن الأمن التجوال فيها. قال ريزار مُشابك ذراعيه أمام صدره ليُشقلب فالكين مقلتيه عليه.
و أنتَ صدقت كل شيء، هاه؟
هَزة ريزار كتفيه قائلاً
لا يهُم ما يقولونه، لكن والدي قال انها آمنة مرةً إن لم نقترب مِن الشادونايتس و لم نخبرهم مَن نكون أو نقف في طريقهم و نزعجهم بِفضولنا.

ظننتُ أنَّ والدك عاش رعبًا فيها. تساءلت كانيلا تذكره بِكلامها من قبل.
صحيح، لكنه لم يقل أنه لا يجب على مَن يذهب إلى هذه المملكة أنَّ يبقى مَحبوسًا في مكانه طوال الوقت.
لن تذهب وحدك. أخبره فالكين.
عَم صمت بينهم، جميعهم يحدقون بِفالكين كما لو انه شخص غريب يروه لأول مرة قبل أن يفتح هو فمه ينتبه على صمتهم
لأنني سوف أتي أيضاً، لديّ بعض الأسئلة التي أوَد معرفة الإجابة عليها هناك.

ظننتُ اننا لن نقترب مِن الشادونايتس. قالت له كانيلا مُستغربة ليومئ هو لها بِرأسه.
صحيح، لن نقترب، لكن سوف نراقب فقط.
و هكذا وافقوا جميعهم على كلامه ثم بدأو رحلتهم إلى مدينة الأشواك مِن دون أرسال خبر لِلملك و الأميرة أو لأية شخص مِن مجموعتهم لأنهم يعلمون أنَّ فالين و حتى فينار لن يوافقوا على ذهابهم ابداً، كما حذر فالين الأمير الذي لا يُنصِت بتاتًا.

حتى الحُراس لم يأتوا معهم لأنَّ لا عِلم لديهم بِرحليهم و أولهم توك و راث الذي لِسببٍ ما اختفى مع باقي الحَرس و لم يظهروا طوال اليوم.
يعتقد فالكين أنهم في منطقة خاصة بهم في القصر و انهم يظهرون فقط عندما يطلبهم فالين أو ربما هنالك سبب آخر لا يدري به بعد.
عدا شيء واحد يعتقد فالكين انه غريب...
لقد انتبه على تواجُد تحركات سريعة بين عرباتهم التي تعود لِمملكة فالينيا و التي أتوا بها.

تحرُكات بين الظلام قد شبهها بالتي رآها كذلك في طريقهم نحوَ شادونايت عندما كانوا في الغابات و بالأخَص بالمرة التي وقفوا فيها لكي يأخذوا أستراحة و من أجل التكلم عن القوانين التي يجب عليهم اتباعها فور وصولهم لِمملكة الظلام.
لم يُفكِر فالكين بالأمر مطولاً لِكون رحلتهم في عربة خاصة بالقصر إلى المدينة كانت تخطُف الأفكار و تُنسيهم ما يجب القلق عليه أو التفكير به مِن الأساس.

ربما يكون كل ما يراه من رسم خياله لكونه في مملكة مخيفة و مرعبة أو كابوس بِحد ذاته.

وصلوا مدينة الأشواك المُظلمة كَحال المملكة بأكملها ثم ترجلوا مِن العربة في وسط سوق شعبي لِمفاجأتهم يملأهُ الكثير من الناس و الأغلبية لم يُعيروهم انتباه يكملون يومهم.
رأو ثلاثتهم (و معهم مَخلوقات البيلادو) أنَّ الشادونايتس لا تعلوا وجوههم أية تعابير إلا البرودة القارسة كأنهم تماثيل متحركة ليس ألاّ.

و جميعهم مُخبئين أسفل كثير مِن طبقات الملابس و بعضهم يرتدون العباءات التي تُماثل ما يرتدونه هُم، لكنها إما سوداء أو رمادية، رديئة و قديمة و منها الجديد و الذي يبدو غالي الثمن.
لم يشعُر فالكين بالأمان على الإطلاق كما هو متوقع و لم يحب أية لحظة من وقوفه و مُشاهدته لهم لِهذا أشاح بِنظره على الأرض يُفَضِّل عدم النظَر لهم كما يجب فعله اصلاً.

أنا لستُ مرتاحة. تَمتَمت كانيلا بِنبرة منخفضة لكي يسمعوها ريزار و فالكين فقط.
سمو الأمير، هل توَد مني الأنتظار هنا؟ سأله سائق العربة و أحد حُراس القصر الذي لم يبتسم و لم يُحرِك مِن تعابير وجهه منذُ لحظة رؤيتهم له و عينيه الصفراء ليست ودودة ابداً.
هَزة فالكين رأسه له ثم أجابه
أنتَ أذهب و أسترح في آخِر الطريق و نحنُ عندما ننتهي سوف نأتي اليك من أجل العودة، لكن لا تبتعد كثيراً.

أومئ له السائق قبل أن يركَب العربة و يأخذها في عكس الطريق الذي أتوا منه ليَختفي بين باقي العربات و الأحصنة و حشد السوق بِشكل عام.
يذكرني بِسوق فالينيا، توقف ريزار لدقيقة طويلة عن تكملة جملته يُشاهد الحشد مِن أسفل قبعته التي تُغطي رأسه و الجزء العلوي من وجهه ثم تابع
لكنه مظلم، مخيف و خطير.
أخرج فالكين ضحكة من حلقه
لا أرى أية تشابه لكني أفهمكَ تمامًا صديقي العزيز.

ماذا سنفعل الأن؟ تساءلت إكسانا تبدو أكثرهم خوفًا تختبئ في قبعة كانيلا و بين شعرها الكثيف.
الأن، سوف نتجول و نرى المدينة التي يتكلم عنها الجميع بِهمسات منذُ أول ظهور هذه المملكة على الأرض. أجاب فالكين يأخُذ خطواته أولاً ليَحلق به الباقي يمشونَ جنبه.
السوق مُظلم صحيح لكن كله حياة لكون أهل المدينة فيه يتسوقون كما يفعل الجميع في أية مملكة لكن بِأقل ضجة و هدوء أكثر.

المتاجر على كِلتا الجهتين مِن الطريق المُبلط بالحجر المُبلل و القديم، هنالك بعض المناطق منه مفقودة أيّ مكسورة و توجد حُفَر كاد أن يتعثر بِسببها. توجد أيضاً على يمينهم و يسارهم، متاجر قماش، مجوهرات، ألبسة، أثاث، إلخ.

و كل شيء أسود أو بني غامق جداً، كل شيء مِن الخشب و الحجر و يوجد أيضاً عربات عليها خضار و فواكه، اكسسوارات و زينة لِلمنازل من تماثيل، فوانيس و حتى هنالك مرايا لِلبيع بأحجام و أشكال مختلفة.

يبدو كَسوق طبيعي جداً لكنه يعيش في ظلام الليل الأبدي. في غموضه و صمته العميق كَأنه في داخل بئر أو كهف، بِلا سقف مكشوف لِلسماء في الاعلى و النجوم التي تغمز بين لحظة و آخرى.
لم يدخلوا المتاجر لأنهم لم يتجرأوا بالتكلم مع صاحبيها لهذا ظلوا بعيدين عنها يُشاهدون ما بداخلها عبر النوافذ من بعيد.

دخلوا بعدها منتصف السوق الذي يعُجُه بِمَن يتسوق و يبحث عن ما يحتاجه لِنفسه و لمنزله و أصبحت الأن تُحيطهم عربات مُمدد عليها الاغراض لِلشراء.
و قد ظهرت فجأة مِن بعيد أصوات صُراخ لِمجموعة رجال ما لكن العجيب، انه لم يتوقف أحدهم في السوق لكي يرى السبب و ما الذي يحدث و هُم فعلوا المِثل، أكملوا طريقهم بِلا أكتراث و فقط تجاهل لِكل شيء كي يندمجوا بِشكلٍ أفضل مع الباقي هنا.

و بعدها بِفترة و طوال الطريق أحَس فالكين بأنَّ أحدٍ ما يراقبهم، بِعيون شخص ما عليهم و مع ذلك، بقية يتظاهر انه لا يشعُر بِشيء غريب، و لم يُخبر أصدقائه بالأمر لأنه ينتظِر الوقت المُناسب و لا يُريد أن يجذُب الانتباه عليهم بِذعرهم.

لهذا أنتظر و أنتظر بِنفس الوقت و بِسرية تامة، أخذ رفاقه إلى أماكن في السوق بعيدة أو لأخِره لكي يُمسك بِمَن يلحق بهم و يُراقبهم فَلعله مِن القصر نفسه، أو أحَد الحَرس مِن فالينيا و ربما ليسَ الأثنان بَل من الشادونايتس و يريد أذيتهم...

هو غير متأكد لكنه قرر التصرُف بِذكاء لكي يُبقي الموضوع ساكِن للأن على الأقل و بعيداً عن أعيُن و أذان أهل المدينة و بالأخص مَن في السوق لأنه مليء بِهم ولا يمكن إخفاء هذا عنهم.
إلى أين؟ أمسكت كانيلا طرف مِن أكمام عباءة فالكين تجعله ينظُر لها و هُم يأخذون منعطفًا يُخرجهم مِن السوق و يوصلهم إلى طريق و مكان فيه بيوت فقط تحيط بهم.

مِن حُسن حظهم، رأى فالكين أنَّ المنطقة فارغة ليسَ فيها أحد و على ما يبدو أنَّ هذا الوقت، مُخصص لِلتسوق و الإنشغال و هذا جيد.
فقط تابعوا سيركم و لا تتفوهوا بِحرف. هَمس لها و لِريزار الذي ينظُر لِصديقه بِشَك لكنهما أومئوا له متفهمين يُكملون طريقهم مع الأمير بِصمت.

تحركت أذُنين فالكين فجأة لأنها التقطت أصوات أقدام قريبة مِن خلفهم و قد تكون لِلذي يُراقبهم لكنه لم يتوقف أو يقول كلمة بل أكمل سيره بشكلٍ طبيعي.
فالكين؟ همس بلايز في أذُنه متسائل لكن الأمير لم يرُد عليه و ركز على الطريق أمامه و على الأصوات التي اقتربت أكثر من خلفهم.

فجأة توقفوا ثلاثتهم عن المشي و في وسط الطريق الفارغ الذي ينيره ضوء القمر ثم و بِبطء شديد التفتَ فالكين إلى الخلف يرى خيال الشخص الذي يلحقهم في زقاق بين منزلين، الأنوار فيها مطفأة.

التفتَ الأخرين كذلك مِن دون أن يفهموا ما الذي يحدث و سبب تصرفات الأمير الغير منطقية. بِلطف و رِقة، أخَذ فالكين معصم كانيلا بينهما لترفع رأسها نحوه مُعقدة حواجبها لا يمكنها رؤية وجهُه لكونه مُغطى بِقبعة عباءته و بيده الأخرى أمسك بِمقدمة سيفه المُعلق على خصره.

فعل ما فعله لكي يُبقيها في أمان إن هجم ذلك الشخص عليهم مع انها تمتلك أسلحة و سريعة البديهة حتى انها مُقاتلة ماهرة لكنه لا يثق بالغريب و يَخاف أن يغدر بهم و يؤذيها أولاً لكونها بِلا قوة سحرية.
أظهِر نفسك يا مَن فشلت بِمُراقبتنا و اللحاق بنا. قال فالكين بِصوت مرتفع لكي يسمع مَن يختبئ ليتقدم ريزار مصعوق يضع يده هو أيضاً على سيفه مستعد لأية هجوم.

لم يُخرج الشخص أو يُصدر صوتً لترتفع زوايا شفاه فالكين تُشَكِل بسمة صغيرة بالكاد واضحة
هيا أخرج و لا تُضَيِّع وقتي.
مع مَن تتحدث فالكين؟ سأله ريزار لكن فالكين لم يُجبه بل ضَيّق عينيه على الزقاق الذي يختبئ به الشخص، يعصِر معصم كانيلا بِتحذير لتضع هي يدها على مقدمة سيفها بتأهُب قبل أن يقول فالكين
أنا أعلم أنكَ تلحق بنا منذُ فترة لهذا أنصحك بأظهار نفسك حالاً و إلا العواقب سوف تكون وخيمة.

لكن وقعتُ في العواقب الوخيمة مِن الأن، سموك. فجأة قال الشخص بِصوت أنثوي و مألوف لِلغاية.
توَسعت عيون فالكين بإدراك و عدم تصديق ثم ترك معصم كانيلا بعدها ذهبَ مُسرِعًا مع بلايز باتجاه الزقاق يدع رفاقه خلفه متجمدين في مطرحهم بِلا تحرك لا يستوعبون ما يجري.
دخل فالكين الزقاق و أختفى خلفه ليتبادل ريزار و كانيلا النظرات المحتارة بين بعضهم ثم أعادوا أعيُنهم على الزقاق ينتظرون بِصبر رجوع فالكين.

و بالفعل، خرج فالكين مِن الزقاق لا يرتدي قبعة العباءة الكبيرة و خلفه يسحب بِقوة و غضب يعلوا ملامحه، شخص ما مُغطى بِعباءة رمادية و وجهه مخفي أسفل قبعته، قصير القامة و حجمه صغير، أيّ حجم فتاة أو امرأة.
تبادلوا ريزار و كانيلا النظرات لِلمرة الثانية قبل أن يقف فالكين و معه الفتاة التي تُخرِج أصواتً متألمة من فمها لكون فالكين يُمسك بِمعصمها و يشد عليها.

أخبريني الآن ما الذي تفعلينه هنا في مملكة شادونايت؟ سأل فالكين الشخص و في نبرته حِدة تقطع الحديد و تُذيب نيران.
لم يتفوه الشخص بِحرف و ظل ساكتًا لِتسأل كانيلا بِفضول مِن الأمر
مَن هذا؟
أخرج فالكين ضحكة مُزيفة مِن حلقه ثم أجابها يخلع القبعة عن رأس الشخص لكي يروا وجهه
لمَ لا تسأليها هي، عزيزتي كانيلا؟

بالثانية التي خُلِعَت القبعة عن رأس الشخص، شهقت إكسانا بِقوة تُغطي فمها بيديها و كُلاً مِن ريزار و كانيلا تبحلقت أعيُنهم بِدهشة على رؤية جونيبِر ابنة المُزارع و أحَد عُمال القصر الملكي في فالينيا.
ابتسمت جونيبِر بِأحراج تُظهِر أسنانها بعدها رفعت يدها لهما لِتلوح قائلة
مرحبًا.
لكن رد فالكين على ذلك بِتصفية قوية لِحلقه جعل مِن وجهها ينكمش لتُرجِع يدها إلى جنبها تحدق بالأرض تشعُر بالعار.

ك-كيف أتيتِ إلى هنا؟ سألتها كانيلا لا تقدر على ترتيب أفكارها.
شابك فالكين ذراعيه العضلية أمام صدره ثم اتكئ على ساق أكثر مِن الأخرى
لقد سألتها ذات السؤال لكنها نسيت كيف تتكلم.

حركت جونيبِر رأسها باتجاه الأمير و على ملامحها الجميلة، ندم لم يتأثر به فالكين أو يشعُر بِسوء مِن أجلها لأنها فعلت شيء قد و بكل تأكيد يُعاقبها عليه فالين حين عودتهم سالمين إلى فالينيا و ربما قد يقتلها لِمُخالفتها القوانين و اللحاق بهم إلى هذه المملكة.
هل أكلَ القط لسانك؟ تحدثِ بِحق السماء! صاح فالكين بِنبرة منخفضة عليها لِتنتفض جونيبِر في مطرحها تعض على شفتها السُفلية توتراً.

انا حقًا اسفة فالكين، لكن غلبني الفضول عندما عرفت عن رحلتكم إلى شادونايت و أردت المجيء لكني علمت أنكم سوف ترفضونَ أخذي لهذا، لهذا ركبتُ في إحدى عربات الطعام الخاصة بكم. أخبرتهم إبنة المزارع ليُقهقه ريزار بِخفة يحُك رأسه.
هذه جُرأة كبيرة و ذكاء خارق.
تجاهلوه الجميع و أبقوا تركيزهم على التي تبدو و كأنها تتمنى لو تتمزق الأرض و تبلعها كاملاً كي تتهرب من هذا الموقف.

تنهدت كانيلا في الصمت الذي حَل عليهم ثم تقدمت خطوة نحوَ الفتاة تمسك بِذراعها بِلُطف تخلع قبعتها هي أيضاً لكي تنظُر لها جيداً.
هل عائلتك تعرف بِقدومك معنا؟
نظرت لها جونيبِر بِعينيها الخضراء ثم هَزة مِن رأسها تختلس نظرة خاطفة على الأمير الذي يرمُقها بِنظرات قاتلة قبل أن تجيبها.

لا، لم أخبرهم لكني لكي لا أجعلهم يقلقون على اختفائي، أخبرتهم أنني سوف أزور صديقة لي تعيش في قرية من القُرى التي تُحيط فالينيا و هُم وافقوا و لم يمانِعوا.
آوه حقًا؟ كذبتك هذه لن تبقى للأبد كذبة، فَسوف يعرفون بِمُجرد عودتنا و أهم مِن ذلك كيف ستواجهين الملك و الأميرة؟ سألها فالكين مُمسكًا بِذراعها بِشدة يجعلها تلتفِت اليه.

تحول العار و الندم على وجه جونيبِر لِذُعر و خوف في ثانية واحدة تتخيل ما سيحدث لها إن عرفت عائلتها لأنَّ هذا ما يُخفيها أكثر من معرفة الملك و الأميرة بِتواجُدها هنا سراً.
لا! سحبت هي ذراعها مِن قبضة كانيلا لكي تُمسك بِيدين فالكين و تكمل تترجاه
أرجوك لا تُخبر عائلي. أفعل ما يحلوا لك مع الملك و شقيقته لكن لا تخبروا عائلتي ابداً.
أنتِ تخافين من غضب عائلتك و ليس غضب الملك؟ سألها ريزار متفاجئ.

استدارت إليه جونيبِر ثم أجابته بِنبرة مُخيفة
أنتَ لا تعلم ماذا يمكن لِعائلتي فعله، فَهي أكثر رعبًا من أية ملك و وحش.
رفع فالكين حواجبه الداكِنة على ذلك لِتتدخل كانيلا قبل أن يفتح هو فمه
لن يحدث هذا، فالين لن يكون سعيداً بِها هنا و إن تعاقبت فَسوف تتأذى عائلتها و ربما قد يطردهم من القصر و يفقدون عملهم، فالكين.

حركت جونيبِر رأسها إليها تنظُر لها بِشُكر وامتنان على ذلك لتبتسم لها كانيلا لكن فالكين لم يقتنع و لم تُعجبه الفكرة ليأخُذ يديه مِن يدين جوينبِر و هو يزفر الهواء مِن فمه يُمَرِر أصابعه في شعره الأسود الذي له لمعة زرقاء كُلما ضربه ضوء ما مِن شدة سواده.

فالين سوف يغضب جداً إن علم بالأمر لكنه لن يحرِم عائلتها مِن مصدر رزقهم بِسبب أفعال ابنتهم الطفولية. أخبرهم فالكين يرمُق جونيبِر بالمزيد من النظرات الحارق لِتُشيح هي بِعينيها على الأرض خجلاً منه.
ثم حدق بِها مُدرك لِشيء قد تكرر مرتين منذُ بدأهم بالرحلة إلى شادونايت و حتى قبل مغادرتهم القصر لكي يزوروا المدينة ليسأل إبنة المزارع بانزعاج.

أنتِ المُسَبِب لِلتحركات بين العربات، صحيح؟ مرةً عندما كُنا على الطريق و في المرة الثانية في ساحة القصر قبل قدومنا إلى المدينة.
أومأت جونيبِر تؤكِد كلامه بِصمت لِيزفر هو كمية كبيرة مِن الهواء من فمه يرفع رأسه لِلأعلى.
أنا لا أصدق تصرفاتك جونيبِر.
أعتذر مجدداً لكم جميعًا، لكني لطالما أردتُ زيارة هذه المملكة و لم تكُن عائلتي أو أية شخص سيوافق على ذلك لِهذا عندما سنحت لي الفرصة، أخذتها من دون تردد.

و ألقيتِ بِنا جميعنا في خطر تواجدك الغير مسموح معنا. بادر ريزار مبتسمًا لِتشقلب كانيلا مُقلتيها تتجاهل الاثنان اللذان يتذمران قبل أن تنظُر لِلفتاة المسكينة التي تشعر بالسوء الواضح كَوضوح الشمس حتى تُخبرها
نحنُ لسنا في خطر أو مِن هذا القبيل طالما لا أحد يعلم بِوجودك هنا من الأساس، لهذا سوف تعودين معنا بِسر كما أتيتِ بِسر و أنتهى النقاش.
منذُ متى تأخذين القرار بِتواجدي؟ سألها فالكين مُضَيّق عينيه.

ابتسمت هي له بِبراءة ثم أجابته
منذُ هذه اللحظة.
لم أكُن أعلم أنكِ لطيفة لِهذه الدرجة، أنسة هاندسين بالإضافة، نحنُ في خطر. أخبرتها جونيبِر لِترفع السفيرة حواجبها البُنية عليها، تصبح الفتاة مركز أنتباه الجميع المُحتارين.
ما الذي تعنينه؟ سألتها كانيلا.
حَكَّت جونيبِر رأسها مِن الخلف تُصدر صوتً بدى ضحكة المُزيفة قبل أن تُجيب.

عندما كنتُ خلفكم أثناء تجوالكم في السوق، سرق طفل أحَد الشادونايتس سواري الذي أهداني إياه والدي في يوم ميلادي الثامن عشر و مِن حُسن حظي أستطعتُ أستعادته بِنفسي.
توقفت جونيبِر عن الكلام ليَعم صمت بينهم فيه الحيرة تنمو أكثر كَجذع شجرة صغيرة ليتقدم فالكين يتقرب منها يجعلها غير مرتاحة لكي يسألها بِصرامة
كيف أستعدتِ السوار؟

بلعت هي ريقها تنظُر له ليرى التوتر حقيقي يعيش في عينيها الخضراء الكبيرة ليبدأ بِوضع احتمالات لكنها أجابته قبل أن يُقرر أيها ما جرى و أنقذ سوارها
الطفل أخبر والده بِكذبة ليَتضح أنه أبن سيد هنا و كانوا يلحقون بي و الأن هم يبحثون عني.

أحَس فالكين أنه تم لكمه على وجهه بِقوة إلى أن فقد الأحساس بِوجهه بالكامل و معدته بِدأت تتقلب بِداخله حتى لم يعُد يذكُر كيف يفتح فمه و يستخدم لسانه حتى يمسح بها أرضية هذا المكان التي لِلدهشة، نظيفة لكنها مبللة بِمياه مطر؟ مَصدر المياه غير معروف لكونهم لم يرو مطراً متساقط منذُ قدومهم.

أنتِ تمزحين، أرجوكِ قولي أنكِ تمزحين. أخبرها بلايز بِرُعب لكنها لم تتفوه بِحرف و كانيلا مِن الجهة الأخرى ظلت تحدق بِفالكين تنتظر ردة فعله التي لم تخرج بعد.

لقد أضللتهم لهذا لا تقلقوا لكن أنصحكم بالعودة إلى القصر كي نتفادى رؤيتهم لنا. كسرت جونيبِر الصمت تُحاول تخفيف مِن الأجواء بِمُزاح و طبعًا فشلت مُحاولتها لأنَّ فالكين بدأ بِأطلاق نيران مُشتعلة عليها بِعينيه حتى أنَّ رفاقه أحسوا بِحرارة تصل إليهم منه.
فالكين، أهدئ. همست له كانيلا تدع جونيبِر لكي تقف جنبه يدها على ذراعه التي بالفعل دافئة زيادة عن اللزوم مع انه لا يرتدي طبقات كثيرة من الملابس.

أنتِ، بدأ فالكين يرفع يديه يُحركهم نحوَ رقبتها كأنه سوف يخنقها.
سوف أقتلكِ قبلهم! صاح عليها مندفعًا نحوها لكن صوت تَحرُك ما في الزقاق ذاته الذي أحضر جونيبِر منه أوقفه و جعل الجميع يستديرون باتجاهه بعدها وقبل أن يأخُذ نفسًا لكي يستوعب ما جرى، بدأت أصوات صُراخ و أقدام مُسرعة و قريبة تأتي مِن الجهة التي أتوا منها إلى هذه المنطقة.

الأصوات تتحدث و تصرخ لكن بِلغة هو متأكد انها خاصة بالشادونايتس ليَشيح بِعينيه على جونيبِر يجدها تنظُر بِاتجاه الأصوات و على ملامحها خوف.
كيف عثروا عليّ؟ تساءلت هي مع نفسها ليلعن هو تحت أنفاسه يبحث عن كانيلا التي تقف خلفه مِن أجل أن يمسك بِيدها كَردة فعل.

سوف أحاسبكِ لاحقًا، أما الآن، فالكين قال لِجونيبِر ثم نظَر بِعيون كل شخص منهم بعدها تأكد أنَّ إكسانا و بلايز معهم مُتعلقين بِملابسهم قبل أن كلامه لهم
اهربوا!

ركضوا جميعهم بأسرع ما يُمكن لِأرجلهم الجنية أن تركُض عدا كانيلا التي أضطر فالكين أن يُخَفِف من ركضه لكي تكون بِجانبه و لا تقع مع انه فكر مراراً و تكراراً بِحملها و الركض بها.
لكنه لم يفعل و أكملوا جريهم و خلفهم مجموعة مِن الشادونايتس الذينَ يصرخون عليهم بِعضب لكي يتوقفوا.

شعر فالكين أنَّ هذه اللحظة تُشابه اللحظة التي تعرف فيها على جوينبِر في سوق فالينيا عندما خدعها بائع التفاح و سرق منها نقودها و لأنه أحمق، قرر مُساعدتها ليَقع كِلاهُما في ورطة خرجوا منها بِصعوبة أما الأن...

هذه اللحظة مختلفة كُليًا، ليسَ لأنهم يركضون في سوق و خلفهم رجال من المدينة بَل لأنهم يفعلون هذا في وسط شادونايت و خصيصًا مدينتها الرئيسية و خلفهم ليسوا مجرد رجال، آوه لا لا، إنهم أناس لا يعرفون الرحمة و سحرهم أسود مثل قلوبهم.
وصلوا لآخِر الطريق الذي فيه مَفرقين، واحِد يُخمن أنه يأخذهم إلى طريق غيره مُشابه لِلذي هُم فيه بينما الثاني يأخذهم إلى طرف المدينة.

ما العمل؟ سأل ريزار بِقلق ينظُر من طريق لآخَر ينتظر كلام فالكين.
حرك فالكين رأسه لِلوراء يرى خمسة شادونايتس.
ثلاثة منهم شُبان و أثنان أكبر منهم في السِن، واحد منهم بِبطن كبيرة مُدوَرة و الآخر يرتدي مئزرة بيضاء مُلطخ عليها بالون الأحمر و بيده اليُمنى يحمل أكبر سكينة قد رأها في حياته.
لحام؟
ما الذي يفعله هذا الرجل معهم؟

انه صديقه والد الطفل. تَمتَمت جوينبِر لِفالكين كأنها قرأت أفكاره ليَرمقها بِنظرة جعلتها تغلق فمها و تنظُر للأرض يُذَكِرُها انها في ورطة أكبر من هذه إن نجوا من الشادونايتس.
كيف تعرفين؟ سألتها كانيلا لِتهُز جونيبِر كتفيها لا تُجيب.
سوف نفترق، اثنان بأثنان. أخبرهم فالكين يرجع لِلموضوع الأساسي قبل وصول الشادونايتس الذينَ يحوم مِن حولهم دخان أسود مائل لِلرصاصي يعلم جيداً أنه مِن سحرهم المُظلم.

حسنًا، نحنُ سوف نأخُذ هذا الطريق و أنتم الثاني. أقترح ريزار للآخرين ليومئوا له موافقين قبل أن يذهب فالكين و معه كانيلا، بلايز و إكسانا في الطريق الأيمَن الذي يقودهم إلى الطريق ذاته بين المنازل و الحانات و المتاجر الصغيرة المغلقة.
ريزار و جوينبِر أخذوا الطريق الذي يقودهم إلى طرف المدينة، مكان مفتوح أكثر و أكبر.
هكذا، تفرقوا جميعهم ليتفرقوا مَن يحلقون بهم كذلك.

الشُبان الثلاثة خلف فالكين و كانيلا أما الرجل والد الطفل و صديقه اللحام، خلف ريزار و صاحبة المشاكل.
خلفنا الثلاثة، فالكين. قالت كانيلا لِلذي معها كي تُنبِهُه مع أنه يعلم لكنه أومئ على اية حال يدخُل بين المنازل و الحانات على الأقل لكي يُضَيّعهم عنهم لكنهم سريعين أيضاً و يعرفون كل حجر، طريق و زقاق في هذه المدينة و هُم لا.

مِن هُنا! أشارت إكسانا على طريق في الجهة اليُسرى، فيه أحجار كبيرة مُكدسة فوق بعضها ليَدخلوا هُم الطريق و قبل أن يتابعوا، أفلت فالكين يد كانيلا ثم أخذ الأحجار يلقي بها عليهم و مِن حسن حظه أصاب أثنان منهما ليقعوا على مؤخرتهم.
ولكنهم استعادوا قوتهم ثم نهضوا بينما الثالث منهم أكمل لا يتوقف ليُمسك فالكين بِكانيلا مجدداً ثم يعودوا لِلركض بأسرع ما يمكن بعيداً عنهم.

لن تهربوا بِسهولة! صاح أحدهم مِن الوراء ليَسمع فالكين كل شيء قبل حدوثه و لأنه سريع البديهة، دفع كانيلا على جانب الطريق ثم التفت إلى الخلف مادد يده اليُسرى أمامه لِتَخرُج نيران منها تَصُد الظلام الذي كادَ أن يُصيبهم.
ظلام الشاب الثالث ذو الشعر الرمادي القصير، الذي لم يُصاب.
ابتسم الشاب بعد أن مَنعَت نيران فالكين ظلامه ثم قال له و رفاقه يقفوا جنبه ليُصبح هو بينهما.

من أية مملكة أنتم؟ فَلقد سمعتُ بِزيارة أحدهم مِن مملكة ما لِقصر الظلام.
و ما شأنك أنت؟ نحنُ لا نريد المشاكل لهذا لا تُطل و أرحل. أخبره فالكين يرى بِطرف عينه أنَّ كانيلا تقف مُستعدة لِهجوم آخر لكنها بعيدة عنه.
إن هجموا عليها بِسحرهم فَلن يستطيع مساعدتها أو حمايتها. أراد أن يخبرها بالاقتراب إليه لكنه لم يجرؤ حتى لا يُظهِر لِهم انها مهمة بالنسبة له لأنهم إن لاحظوا ذلك، فَسوف تصبح هدفهم الأول.

أنتم ارحلوا إلى مملكتكم، قدومكم إلى هنا ليس بِخير ابداً. رد عليه الشاب نفسه يرفع يده قليلاً على جانبه لِتتشكل كرة مِن الظلام فوق كفه، تتحرك حول نفسها.
آوه صدقني، سوف نعود قريبًا لا تقلق.
ضحك الشاب كأنه سمعَ نكتة فكاهية
أنتم مَن يجب عليهم القلق، حرك عينيه البنية على يسار فالكين يرى كانيلا لِتكبر بسمته أكثر تُظهِر أسنان بيضاء حادة الأنياب.

أشتم رائحة غريبة منكِ، أغلق عينيه ثم سحب نفسًا من أنفه يصدر صوتً قويًا بعدها فتحهم يُكمل
رائحة بشر، أنتِ بشرية إذاً.
مَدَّ فالكين يده مِن خلفه بِطلب صامت لِكانيلا حتى تأتي اليه و تُمسك بها لكنها لم تراها لكونها لم تزيح نظرها عن الشُبان أما إكسانا رأتها لتُخبر سيدتها بِأذُنها عنها حتى تُدرك و هي أومأت لها بِخفة تأخُذ خطوة ليست واضحة نحوه.

أين تلكَ الفتاة الحقيرة؟ سألهم الشاب تتحول تعابير وجهه مِن الماكرة لِلغاضبة بِلمح البصر.
عن أية فتاة تتحدث؟ تساءل فالكين كاذبًا لِتقترب كانيلا منه أكثر لا تُبعِد عينيها عن الثلاثة.
أنتَ تعلم جيداً عن مَن أتحدث، الفتاة التي كانت معكم، التي أذت ابن عمي الصغير. أنتم سافلين و مُتكبرين تنظرون لِنا من أسفل أنوفكم و تظنون أننا حمقى.

هي لم تؤذي نملة، ألم تُعَلِموا أطفالكم عدم الكذب و سرقة ممتلكات الأخرين هنا؟
إذاً تعرف عن مَن أتحدث.
أغلق فالكين فمه ولم يرُد عليه ليقول الذي يقف على يمين الشاب بِأستفزاز
لِهذا نحنُ نكره أهل الممالك الاخرى، يكذبون و يلعبون على الجميع لكي يهربوا و يؤلفوا مشاكل لكون ما يملكونه لا يكفي.
هذا ما نقوله نحنُ عنهم. همس بلايز لِسيده.
بلايز محق.

جميع الممالك تقول نفس الشيء عن مملكة شادونايت لكن لم يكُن لديهم علم أنَّ الشادونايتس يحملون فكرة مُماثلة عن باقي الممالك، لهذا يعيشون في حروب طويلة بينَ بعضهم ولا وجود لِلسلام مهما حاولوا خلقه.
هُم يظنون أنهم مَظلومين و الضحاية و الممالك الستة الباقية تظُن ذات الشيء.

يجدُر بنا إلقاء القبض عليهم و أخذهم إلى سيدنا، إيداهو قبل أن يهربوا فَهو يحاول الهائنا بِكلامه الفارغ. قال الذي لديه ندبة على وجهه بالذات في وسط وجنته اليُسرى لِلشاب بالشعر الرمادي الذي يدعى إيداهو.
و بسرعة، على ما يبدو أنَّ سيدنا أمسك بأصدقائهم الحمقى. أضاف الثاني ذو الشعر الاسود و فيه خصلات حمراء داكِنة مِن لون الدم، له عين حمراء و عين سوداء.

دعى فالكين الله، أنَّ تَخمين ذلك الشاب خطئ لأنه لا يستطيع تخيل ما سيحدث لهم إن أمسكوا بهم حقًا، فَهُم وحوش على شكل جنيات حتى الأتلانتيانز أرحم منهم بِمئة مرة.
كانيلا. هَمس فالكين لها ما يزال يَمُد يده لكي تأخذها و هي أقترب أكثر و أكثر.
الشاب الذي له عيون مُختلفة الألوان، لاحَظ تحركاتها نحَو فالكين، ليبتسم لها رافع اليَد حتى يُطلق ظلامه نحوها إلا أنَّ فالكين كانَ أسرع.

فقز هو متشقلب في الهواء أمامها و مِن يديه أطلق نيران تصُد الظلام في اللحظة الأخيرة ليقف هو مواجهًا لها على ساقيها يُمسك بِيدها ثم عاد لِلركض إلى أن ماتَت نيرانه في الهواء ليَظهر لِلشُبان أنهما قد ركضا هربًا منهم و أصبحا بعيدان.
اللعنة عليكما! صاح إيداهو يُشير لمن معه باللحاق بهما.

في اللحظة ذاتها و في مكان مُختلف لكنه قريب، كانَ فالين ملك مملكة الربيع و كورالينا يتحدثان مع رجل عن أرسال طلب الساحر كاغوا إلى المملكة.
الرجل الغريب يرتدي عباءة طويلة سوداء قديمة يُخفي وجهه بِقبعتها في زاوية مُظلمة مِن المدينة لا يصلها أحد.
الرسالة. أمَرَ الرجل ذو الصوت الثخين و المُخيف منحني الظهر، فالين بأعطائه الرسالة.

أختلس فالين نظرة سريعة على كورالينا التي هي أيضاً مثله ترتدي عباءة تُخفي نفسها بها، يجدها تومئ له على أنَّ هذا الرجل يمكن الوثوق به.
قبل ساعتين تقريبًا ذهب فالين إلى غُرفة كورالينا ثم سألها عن أسرع طريقة لإرسال رسالة طارئة لأية مملكة بعيدة أو قريبة و هي فوراً و بِسرية تامة، أخذته لِوحده مع حارسه الشخصي و الأقوى طبعًا الذي يقف بِحراسه خلفهما، إلى مدينة الأشواك و إلى هذا الرجل غريب الأطوار.

أخبرته أنه أسرع مَن يُمكنه إيصال أية شيء لِلمملكة التي يتمناها مِن الستة و هو لم يكُن لديه خيار سوى الوثوق بها و القدوم معها شخصيًا إلى المدينة.
انه يحتاج تواجُد كاغوا معه لأنه الوحيد القادر على مساعدتهم بِموضوع ألترا أو الساحر الذي يتلبسه، كوسفا.
أخرج فالين الرسالة مِن جيب سترته ثم أعطاها له يرى أنَّ يَد الرجل مُجعدة مثل يد رجل عجوز بأظافر طويلة جداً جعلت مِن وجهه ينكمش قرفًا.

أخذ الرجل الرسالة يتفحصها مِن الخارج بعدها قال لهما
سوف تصل في غضون يوم، لكن هل ستنتظر رداً من الشخص الذي توَد أن تصله الرسالة؟
لا، فقط إرسالها.
إذاً لا مشكلة و لا تأخير.
كيف أعلم أنها لن تقع بين أيادي غير مرغوبة؟

لم يجبه الرجل على الفور بَل رفع رأسه قليلاً نحوه و مع ذلك فالين لم يرى شيئًا من وجهه، لكونه في ظلام قبعة عباءته و مع ذلك المنظر مُخيف جعل مِن جسده يقشعر بأكمله فَهو شخصيًا لا يُحِب التعامُل مع أشخاص غُرباء مثل هذا الرجل لأنه لا يثق بهم و يعرف بِخداعهم و غدرهم.

هوجا ذكي، لن يقدر أحدٌ من أية عالم بالاقتراب منه و أخذ ما يحمله في مخالبه. إن ما زلتَ متردد وخائف فَخُذ رسالتك و أرسلها بِنفسك أيها الملك. فجأة أجابه الرجل لكن ما جعله مَصعوق ليست الإجابة بل معرفته على أنه ملك مع أنه أبقى هويته مَخفية طوال الوقت.
نظَر فالكين إلى كورالينا عاقد الحواجب ليسألها
هل أخبرتيه؟
هَزت هي رأسها خُصلاتها الذهبية تهتز لكن الرجل العجوز مَن رد عليه.

هوجا يُخبرني بِكُل شيء يحدث في هذه المملكة ايها الملك، و لا شأن لِلمرأة فَلا تكُن أعمى و ركز جيداً.
مَن هذا هوجا الذي تُكرِر ذكره؟ سأله فالين بِتعجب ليُخرج الرجل العجوز ضحكة خفيفة ضعيفة من حلقه فيها بَحة.
مرة أخرى لم يُجبه على الفور و إنما مدَّ ذراعه إلى الأعلى كما لو انه يستدعي شيء أو أحدٍ ما ثم و مِن دون سابق أنذار، ظهر صفير نسر مِن بعيد و بالفعل، أتى نسر يحلق بِسرعة الريح باتجاههم.

ظن فالين انه لن يتوقف و انه سوف يطير اليهم و يقتلهم بِذلك المنقار الأصفر و الأسود و المَخالب الحادة لكنه بِثانية هبط بِجناحيه ذات الريش البني على ذراع الرجل العجوز يرمش بِعينيه الصفراء القاتلة عِدة مرات عليهم كأنه يحاول التعرُف على كل شخص غريب مع سيده.
بلع فالكين ريقه.

انه يكره هذه المخلوقات، لم يحب شكلها أو نظراتها يومًا و دائمًا ما تفادى الأقتراب منها أو لمسها و الأن هو يواجِه واحدة منها أقرب مِن أية وقت في حياته الثلاثمئة و ستون.
هوجا، يكون طائره الرسول. همست كورالينا لِلملك ليومئ لها مُدركًا للأمر من قبل أن تُجيبه على فضوله السابق.

انه ليس رسولي فَحسب، بل سلاحي و رفيقي فَهو أكثر ولاءً مِن جميع مَن يسكنون هذه الأرض و في العوالم كُلها و يمكنني الوثوق به بِحياتي كلها. أخبرهم العجوز يمسح على رأس النسر الذي يراقبهم بِتلكَ العينين كَحَد السيوف على خصورهم.
كانَ فالين يوَد أن يخبره أنَّ أية رامي سهام ماهِر يقدر على اصطياد النسر و أخذ ما يحمله بِسهولة لكنه لم يتفوه بِكلمة و فَضَّل البقاء صامت.

هو لم يكتب شيء مهم لِكاغوا في الرسالة و كل محتواها يكون عن أهمية تواجده في مملكة شادونايت بأسرع وقت مُمكن و ليسَ أكثر من ذلك.
علق الرجل العجوز الرسالة بِساق النسر عن طريق لَف حبل صغير أحمر اللون حولها بأحكام ثم و مِن دون أية تردُد أطلق النسر لأعالي السماء ليَطير بِسرعة فائقة يصبح حجمه أصغر و أصغر إلى أن أختفى في سماء الليل الحالكة.

ما هو ثمن خدمتك؟ سأله فالين يَمُد يده لِورائه لكي يُعطيه الحارس صرة مال صغيرة لونها خمري إلا أنَّ الرجل العجوز رفع يده رافضًا لِلمال قبل أن يصل إليه.
أنا لن أخذ المال منك، جلالة الملك.
رمش فالين عليه مرتين بِحيرة ثم نظر لِكورالينا التي تبدو محتارة مثله قبل أن يسألها
ألم تقولي أنه يأخُذ المال مقابل عمله؟
هذا ما يفعله دومًا. أجابته تنظُر لِلرجل بِقسوة.

توقف عن سؤال المرأة و أنا موجود معكما و غير ذلك أنا مَن أحَدِد ما أخذه بالمُقابل يا سادة و هذه المرة لديّ طلب خاص. قال العجوز يُحرك يده في الهواء بِخفة.
ما هو؟ تساءل الملك.
أريد سماح منك بالدخول إلى مملكة فالينيا و لو لمرة واحدة.
لم يقُل فالين حرف بل ظل يحدق به متفاجئ من طلبه لِتتقدم كورالينا و تخبره
أطلب أية شيء آخر، بإمكاننا أعطائك ضعف ما كُنا سنعطيكَ إياه من مال.

نظرت كورالينا مِن فوق كتفها على فالين تجده بِفم مفتوح لِترسل له نظرات تخبره أن يدعمها بِكلامها و هو أومئ لِلرجل يغلق فمه ليفتحه مجدداً قائلاً
نعم نعم الضعف، لديّ أكثر مِن ما تتخيله.
أنا أعلم بِهذا أيها الملك، لكني لا أحتاج المال بل أذن بِدخول مملكتك العظيمة. قال له العجوز.

أختر شيء آخر و كفاكَ تطلُب مستحيل، أنتَ تعلم المشكلة التي نحنُ بها فَلا تزد عليها. رددت كورالينا لا يُعجبها الأمر بتاتًا ليُهز العجوز رأسه من أسفل قبعته.
هذا أو أعيد هوجا من رحلته و الرسالة معه.
أمسك فالين ذراع كواليا العُلية الدافئة و الصغيرة مقارنةً بِحجم يده ثم سحبها بِلُطف اليه و هو يُخبر العجوز باستسلام فَلا وقت ليُضيعه
حسنًا، أنا موافق لكن مرة واحدة، دخولية واحدة لا غير و تحت المراقبة.

تخاف على مملكتك من رجل عجوز عاجزمثلي؟ سأله العجوز بِنبرة ضاحكة.
عقد فالين حواجبه الشقراء ثم بِصوته الملكي أجابه يضغط على ذراع كورالينا بِتحذير لكي لا تُعارض كلامه
لا أحد يُخيف مملكتي و لو كان هنالك منك عشرة، لكني لا أثق بك.
هَمهَم العجوز مع نفسه
جيد، أحترم شجاعتك سيد الربيع لكن دخول المملكة لأول مرة هو هدفي.
ما الذي تع--.

لم يكمل فالين جملته لأنه مِن الجهة الاخرى لِلشارع المظلم الذي يقفون فيه لوحدهم، سمع أصوات صياح لِرجال ليرى هو و كورالينا بعدها شيء ضئيل الحجم يطير بِسرعة بِجناحين صغيرة مِن اليمين لِليسار قبل أن يختفي و خلفه فوراً رأى فالكين و معه كانيلا يركضون بِنفس الطريق عباءاتهم تتطاير من خلفهم و بعد ذلك بِلحظات قصيرة ظهر ثلاثة شُبان مِن الشادونايتس يلحقوا بهم و هم يصرخون عليهم.

رمش فالين على الطريق الذي أصبح فارغ ثم تبادل النظرات الضائعة مع كورالينا، بيبدون و كأنهما رأوا وحوش تُطارد بعضها في ظلام المدينة.
هل رأيتِ ما رأيته؟ تساءل فالين لتومئ هي له بِرأسها.
و بِشكلٍ جيد.
من جانبهم، ضحك الرجل العجوز بِصوته العميق كما لو انه سمع أفضل نكتة على الإطلاق و عندما أدارو رؤوسهم لكي ينظروا له، لم يجدو شيئًا لأنه أختفى و ضحكاته تركَت أثرها في مطرحه الفارغ كَالصدى.

أحياناً يتساءل فالكين كيف تحدُث هذه المشاكل معه و لماذا؟
لكن يتعرف على أنه هو مَن تتبعه المشاكل كل مرة و انه هو مُجرد ضحية لها لكن هذه الأشياء تجذبه فيَجد نفسه واقع في حُفرة كبيرة و غامضة لها مَخارج إلاّ أنه يرفُض الهروب قبل أكتشاف مُسببها و غموضه كله.

مغامرات، هذا ما كانَ يبحث عنه منذُ بداية رحلته خارج أسليرا و ليسَ الجلوس و العمل في القصر و الأستماع لِمشاكل و مُعاناة الغير طوال الوقت كَعمل ريس و تاليا و كَعمل فالين و فينار.

تابع فالكين ركضه مع كانيلا لا يُفلِت يدها ابداً و خلفهم الثلاثة في الطريق العريض إلى الأن تساءل لماذا لا يوجد ولا كائن معهم يشهدون على ما يجري كأنَّ العالم كله في السوق، لكنه لم يكمل التفكير لأنه مشغول بالهروب من الشادونايتس قبل أن يمسكوا بهم مع انه قادر على قتلهم بِلمح البصر إلا أنه لا يوَد فتح باب آخر عليه فالورطة التي هو بها تكفيه.

مِن هنا! صاح بلايز يُشير على مدخل ثاني ضَيّق قليلاً و مظلم كثيراً.
هموا هُم بِدخوله و إذ بِالشاب ذو الندبة على وجهه يَخرُج منه مبتسم كالثعلب الماكر و فوق كفوف يديه كُرات من الظلام و الكوابيس.
تجمدت خطوات فالكين و كانيلا معًا يحدقون به مندهشين مِن خروجه المفاجئ مع انه كانَ خلفهم مع الباقي.

عادوا هُم خطوات إلى الوراء لكي يهربوا منه لكن الأثنين الباقين وقفوا في طريقهم يضحكون عليهما و مِن حولهم دُخان أسود يتحرك كالخيوط الطويلة كأنها حية تمتد أكثر و أكثر نحوهما.
أصبح كِلاهُما في الوسط، بين الذي يُغلق الطريق الوحيد لِلهروب و الطريق الذي أتوا منه.

تباً! ما العمل الأن؟ سألت كانيلا تنظُر في جميع الجهات تُحاول العثور على مَخرج لكن كل الذي عثرت عليه هي جدران و منازل.
لا تخافي و أبقي معي. اخبرها فالكين يبتسم لها بِرقة مع أنَّ بداخله زلزال من الأفكار التي تعصِف به من أجل أن يُخرجهم مِن هذا المأزق الذي وضعتهم به جونيبِر.

بدأ هو بِوضع احتمالات و توقعات في كل حركة سوف يتخذها ضدهم لكي لا يؤذي مَن معه أو يؤذيهم هُم مع أنهم يستحقون الأذى و هو متأكد انهم لن يدعوهم يعيشوا إن أمسكوا بهم.
إن أمسكوا بنا.
كرر فالكين هذه الجملة مع نفسه.
إلى أين أيتها الفئران؟ هل تَم حبسكِ في القفص؟ سَخِر منهم إيداهو ليضحك الآخرين عليهما.
لا تكونوا واثقين من أنفسكم لِهذه الدرجة إن شئت. قال فالكين غير خائف.

رفع إيداهو حواجبه الرمادية كأنه لم يصدق سماع هذه الجُملة مِن الشخص الذي تم حبسه
تتكلم كما لو انكَ لستُ في موقف مُحرج و خطير، نحنُ ثلاثة، أشار هو على من معه ثم أكمل
و أنتما أثنان أو لنقول واحد فَتلكَ البشرية ضعيفة و مُثيرة لِلشفقة لن تقدر على خطو خطوة واحدة ضدنا قبل أن تموت بِسخافة.

رصَّى فالكين بأسنان على بعضها لكنه لم يُظهِر غضبه أو أياً مِن ما يشعُر به لهم و إنما أبقى بسمة صغيرة على شفتيه تجعلهم هُم يَغلوا كالقدر على النار.
لو تعلمون مع مَن تتحدثون لِكنتم غيرتم رأيكم فوراً. أخبرهم الأمير بِثقة رافع الرأس لينظروا الثلاثة بين بعضهم و يضحكوا مجدداً.

شقلب فالكين مُقلتيه يلاحظ أقتراب دخانهم الأسود نحوهم بِبطء، تتراقص و تتمايل كأمواج البحر، ليرجع هو خطوة إلى الوراء يأخُذ معه كانيلا التي تراقب الدخان بِقلق كَمرافقتها الصغيرة على كتفها.
و مَن تكون أنت؟ أبن سيد كبير؟ ملك؟ أم أمير؟ سأله إيداهو بِغيظ لِتتوسع بسمة فالكين أكثر تجعل الاثنان اللذان يقفان أمامهم يتوقفوا عن الضحك و السخرية يحدقون به بِتعجب من تلكَ البسمة الكبيرة.

أنتم في عداد الموت حتى لو كنتَ آلِهة! صاحَ إيداهو يُشير بأصبعه السبابة عليه بِوعد.
تعالوا لكي نرى. تحداهم فالكين يترك يد كانيلا و هو يسحب سيفه من حمالته.
أخذ أول خطوة للأمام لِتصبح كانيلا خلفه و معها سيفها، ظهرها على ظهره هي ضِد صاحب الندبة و فالكين ضد إيداهو و رفيقه ذو العيون الملونة.

لكنه لم يستطع التحرُك أكثر لأنَّ الدخان الأسود وصلهم بِكثرة و سرعة لم يلحق هو بها. الدخان أصبح يُحيطهم كَالضباب، يُعميهم و لا يسمح لهم بِرؤية ما يُحيطهم كأنهم في عالم آخر كله ظلام.
كانيلا! أين أنتِ؟ صاح فالكين لها يَمُد ذراعه الفارغة لكي يصل إليها لكن ما وصل له هو المزيد مِن الدخان، لم يعُد يراها أو يسمع بِها ليبدأ بالذُعر، أنفاسه تتسارع نبضاته في أذُنيه و عينيه تبحث و تبحث.

أنا أيضاً لا أراها. أخبره بلايز يبقى قريب منه.
كانيل-- قال فالكين لكن تم قطعه عندما خرج فجأة ذو العيون السوداء و الحمراء مِن قلب الدخان و سيفه مرفوع جاهز لكي يقتله.
فالكين بِسرعة تصرف و صَد الضربة بِسيفه قبل أن يُصيبه في صدره.

أبتعد الشاب عنه يُدَوِر سيفه بيده كالمُحترفين و هو يدور مِن حول فالكين بِبطء، كما يفعل الذئب قبل أن ينَقَض على ضحيته لكن الشاب لم يكُن يعرف أنَّ الضحية يكون هو و ليس الأمير الذي يقف ثابتًا بِتركيز.

سوف تموت بِشكلٍ بارد و مؤلم لِلغاية ايها المغرور. تَمتَم الشاب قبل أن يهجُم عليه ليلتَفِت فالكين مُبتعِداً عنه يُصبح خلفه و لمُفاجأته، الشاب جيد بالقتال لأنه الَتفَتَ يَصُد ضربته مِن خلفه ظهره ثم بيده الأخرى ألقى بِكُرة ظلام عليه.
فالكين صدها بِكُرة مِن نيرانه ليَهجُم عليه الشاب مُجدداً يُصَوِب سيفه على رقبته.

تفادى فالكين الضربة منحني الظهر يَمُد ساقه اليُسرى للأمام ما يزال منحني الظهر و بيده التي تحمل السيف غرزه في معدته يشعُر به يقطع لحم و يكسر عظم و دماء الشاب السوداء بدأت تنزف بِكثرة على سيفه و الأرض.
أخرج فالكين سيفه منه ثم دفعه بِقدمه ليقع على ظهره يُفلِت سيفه من قبضته.
و كنتَ تقول؟ سأله فالكين يقف فوقه و قدمه على المنطقة التي تم غرز سيفه فيها.

صرخ الشاب مِن الألم و دمائه تُغادر فمه. تَسيل على رقبته و جانب وجهه. لم يكُن يومًا ليعتاد على منظر الدماء الأسود مهما رأه مراراً و تكراراً، شكله مختلف، أثقل و أكثر سوادً من أية شيء رآهُ في حياته، بإمكانه رؤية أنعكاسه عليه.
شعر بِرغبة بالتقيؤ لكنه أمسك نفسه و سأله يُبعِد قدمه عن جرحه
أين هي كانيلا؟
مَن كانيلا؟ سأل الشاب و هو يتأوه من ألمه.
البشرية التي كانت معي!

أخرج الشاب ضحكة مِن حلقه لتُصبح سُعال شديد يُخرِج المزيد مِن الدماء
لستُ أدري، ربما بين أيادي الأخرين تُعاني و تترجاهم الرحمة.
ارتجفت عين فالكين ليرفع سيفه في الهواء ثم بِحركة واحدة و سريعة، مَرره على رقبته ليَقطع جلده و لحمه و عروقه يجعله يموت خنقًا بِدمائه التي يُغرغِرها في حلقه.
فالكين. فجأة ظهر همس بأسمه مِن مكانٍ ما لم يعرف أين بالضبط.

استدار فالكين لِورائه يبحث عن مصدر الصوت لكنه لم يرى إلا دخان رصاصي في كل مكان.
هل سمعتَ هذا؟ بلايز سأل سيده ليومئ الأمير بِ نعم.
أنا هُنا. عاد الصوت الهامس مجدداً من الجهة المقابلة له.
انتبه أنَّ الصوت ذُكوري و ليسَ أنثوي هذا يعني انه ليست كانيلا و إنما شخص آخر و الغريب في الأمر أنَّ الصوت مألوف جداً.
لقد سمعه كثيراً، كانَّ بالأحرى يسمعه كل يوم منذُ أن كانَ صغيراً.

تعالَ إليّ، فالكين. كَرر الصوت المألوف ليتقدم فالكين نحوه بِبطء و حذر يُمسِك سيفه بأحكام يبحث بِعينيه البنفسجية في كل جهة يخاف أن تكون خدعة لكن الصوت...
قريب، يعرفه جيداً و لا أحَد آخر لديه مثله.
أنا هنا، تعال بِسرعة. قال الصوت مِن جديد يبدو أقرب و أقرب ليذهب هو إليه عينيه مُضَيّقة كأنه إن فعل هذا سوف يرى بِشكل أفضل في الضباب الأسود المائل لِلرصاصي الذي يُهَسهِس عليه و يهمس له عن كوابيسه.

تعال إليّ، همس الصوت المألوف ليبلع فالكين ريقه الجاف كَرمال الصحراء و نبضات قلبه تتسارع أكثر حتى الألم.
ر، ريس؟ نادى فالكين يبدأ بِرؤية ظل شخص ما يقف أمامه بينهما ثلاثة أمتار.
تحرك الظل في الضباب كأنه يستدير اليه لكنه لم يتحرك أكثر من ذلك. الظل طويل القامة، بِأكتاف عريضة و جسد مُثالي، يبدو و كأنه يضع يديه في جيوب بنطاله كما يفعل ريس دائمًا.
لكن هذا مستحيل. هَمس بلايز لِلأمير عينيه متوسعة.

أقترب فالكين أكثر منه حتى أصبح هنالك مترين بينهما.
ريس؟ نادى فالكين مجدداً يقف في مطرحه.
لقد خيبتَ ظني بك، فالكين. قال الظل بِصوت ريس ليخفُق قلبه نبضة على مدى شبه الصوت بِصوت ريس كأنه حقًا هو
ما الذي تفعله هنا؟ تساءل فالكين عاقد لِحواجبه الرفيعة.

تحرك الظل بِخِفة نحوه ليبدأ شكله بالوضوح في الضباب الحالك ويظهر منه شخص يرتدي ملابس سوداء بالكامل كما هي عادته، له بشرة شاحبة و شعر أسود مِن سواد هذا العالم، خُصلات منه هربت مِن مكانها المرتب لتمسح جبينه الخالي مِن الشوائب كَوجهه الوسيم و عينين حادة مسحوبة فضية نادرة أثنان في هذا العالم من يمتلكها.

ريساند ملك أسليرا و والدته دايانا الراحلة، أعظم ملكة في تاريخ أسليرا لتأخذ هذا اللقب، تاليا من بعدها.
لم يعُد فالكين يشعُر بِقلبه ينبض أصلاً و الدماء التي في عروقه تجمدت لم تعُد تدفئ جسده بينما فَم بلايز فُتِح على مصراعيه و ربما وقع على الأرض (لو كانَ مُمكنًا) حدق كلاهما بِريس يقف مواجِهًا لهما، وجهه لا تعابير عليه كما هو حاله الطبيعي.

ر-ريس؟ قال فالكين يوقِع السيف مِن قبضته ليرتطم بالأرض يصدر صريراً عالي.
نعم أنا، ظننتَ أنكَ لن تراني مِن بعد لقائنا في مملكة البحار؟ أخبره الملك بارد الشخصية ليفتح فالكين فمه مُحاوِلاً التفوه بِكلمة لكن لسانه تعقد ليُغلق فمه و يفتح مجدداً و مع ذلك، لا كلام غادر منه.
لو تعلم كم أنني و تاليا خائبين الظن بك حتى لو قلنا العكس. قال ريس يأخُذ خطوة صغيرة باتجاهه.
كيف أتيتَ إلى هنا؟ متى أتيت أصلاً؟

ارتفعت حواجب ريس بِتعجب
أنا هنا منذُ زمن، أنا في كل مكان.
بدأ ريس بالتحرُك من حول فالكين عينيه الفضية الصارمة لا تدعه.
لماذا أنتَ في شادونايت؟ سأله فالكين محتار.
هل يهم لمَ أنا هنا؟ أم أنني أحتاجك في مملكتي و قصري كما تحتاجك تاليا، هي حزينة جداً و أنت هنا لا تكترث لها أو لي.
هذا غير صحيح، أنا أكترث لكما كلاكما أكثر من أية شيء في العا.

إذاً لماذا تركتَ المملكة؟ أنا لم أفهم هذا ابداً، لقد تركتَ كل شيء خلفك لكي تحل مشاكل مملكة لا تتعلق بها ذرة.
أحنى فالكين رأسه على الأرض يذكُر مدى حزنهما و خيبة أملهم عندما غادر المملكة، لكنه أعتقد انهما نسيا الأمر و تفهما قراره لأنَّ هذا ما قالته تاليا عندما كانَ معها في مملكة البحار.
أنا خائب الظن بكَ فالكين، كنتُ أعتقد أنَّ لديّ سند ليتضح العكس تماماً. ردد ريس يمشي من حوله على شكل دائرة.

ضَيّق بلايز عينيه بِشَك في أمر تواجُد ريس هنا من البداية لكنه لم يتفوه بِحرف و ظل يراقب ريس عن كثب يعلم أنّ هنالك خطب ما.
أنا خائب الظن بك و كثيراً. كَرر ريس الجملة يقف مواجهه من جديد.
و أنا أيضاً. فجأة ظهر صوت أنثوي كذلك مألوف جداً يعرف أكثر مِن صوته هو ليرفع فالكين رأسه للأعلى يرى مِن بين الضباب ظِل آخر يتحرك نحوهم.

ظل أقصر قامة و ناعِم الشكل، بِشعر طويل و على ما يبدو أنه يرتدي فستان لِتظهر تاليا مِن الضباب بطنها ما يزال كبير و يديها تستريح عليه لكن وجهها الحزين ما جعله فالكين منصدم.
عينيها منتفخة و أنفها أحمر لِلغاية كأنها كانت تبكي لأيام بِلا توقف.
تاليا؟ همس فالكين مع نفسه لتقف هي جنب ريس بِصمت.
أنتَ خيبة أمل كبيرة، أخبره ريس، تلكَ العينين الفضية تصبح مرعبة، تلمع و تبرق حتى في الظلام.

أنتَ أكبر خطأ حدث في هذا العالم، في تاريخ أسليرا كلها. تابع ريس يُخرِج يده اليُمنى من جيبه ليلاحظ فالكين أنَّ فيها دماء أحمر يَسيل بِقطرات مستمرة على الأرض و على حذائه الأسود اللامع.
رفع فالكين مِن بصره على تاليا، يَجِد أنَّ عيونها لا تدمع دموع شفافة بل دماء يسيل على وجنتيها الوردية يُكمل لِرقبتها و ياقة فستانها الجميل و هنالك دموع تنقط على بطنها المدور.
علي طفلها.

أنتَ السبب. همست تاليا تُكَوِر يدها المُستريحة على بطنها على شكل قبضة.
تبحلقت عيون فالكين بِصدمة لا يفهم ما الذي يحدث، عقله لا يستوعب ما يراه.
ما، ماذا فعلت؟ صاح فالكين على ريساند مندفعًا.
فالكين. نادى بلايز سيده بِتحذير لكن الأمير تجاهله.
لستُ أنا مَن فعل هذا، أجابه ريس مُبتسمًا بِشكل شرير جعل فالكين يتجمد مستغرب.
أنتَ مَن فعل. تابع ريس مُشيراً بأصبع الدامي عليه.

فالكين هذا ليس حقيقي، هذا مِن رسم مُخيلتك. قال بلايز له يشُد على شعره لكي يجذب انتباهه.

فالكين لم ينصت لأنه في صدمة، لم يعُد يعلم ما الحقيقي و ما الكذب فكُل ما يراه يبدو حقيقي لِلغاية. شكل ريس، شكل تاليا الدقيق من بشرة حنطية خالية من الشوائب لِعينيها العسلية المائلة لِلخضراء و شعرها من لون العسل الفاتح و الدماء الذي يُنَقِط على الأرض مِن حولهما، حتى رائحته تصله تجعل من وجهه ينكمش و صدره يرتفع و يهبط بِسرعة.

فالكين لا تصدق ما تراه، هذا الضباب يجعلك ترى مَخاوفك. ردد بلايز بِحدة نبرة يشُد مجدداً على خُصلة من شعر الأمير لكي على الأقل ينظُر له و ليسَ على الملك المبتسم بِشَر في تلكَ العينين و الملكة التي تبكي دماءً.
ارحلوا مِن هنا! أنتما لستما حقيقيان! صرخ بلايز عليهما ليتجاهلانه و يكملان لوم فالكين و اللعب بِعقله.

كنتُ قد تقبلتُ رحيلك في البداية، لكن بعدها، لم أعُد كذلك فأنتَ تُسبِب مشاكل كبيرة جداً قد حذرتك منها مِن قبل و ها أنتَ تتجاهل كلامي كما كنتَ تفعل، فالكين. قال ريس ينظُر على تاليا الصامتة تبكي دماء قد ملأ فساتنها و خاصةً بطنها يُشَكِل بقعة قد كانت وردية لتتحول لِحمراء.
تحولت تعابير فالكين الغير مُستوعبة إلى المُتعجبة، يرمِش عِدة مرات على الملك أمامه لأنه قال كلاماً لا صِحة له.

فَهو يذكُر العكس تماماً.
ريس لم يكُن متقبِلاً لِفكرة تركِه أسليرا على الإطلاق، ولم يُخبره إلا هذا بِشكل متكرر و حتى عندما رأه في مملكة البحار، ظل نفس قراره و مشاعره عن رحيله، مع انه أخبره بأنهُ يتفهم كل ما فعله و سبب عيشه في فالينيا.
هذا ليسَ حقيقي. تَمتَم هو مع نفسه ينظُر لِجزمته ثم على بلايز الذي أومئ بِرأسه يوافقه الرأيّ.
انهم مِن وحي الخيال. أضاف بلايز له.

أنتَ عار علينا فالكين. قالت تاليا تجذب انتباهه.
أنتما لستما حقيقيان، أنتما لعبة الضباب الخاصة بالشادونايتس.
رفع ريس حواجبه عليه لكنه لم يُعلق أو يتفوه بِالمزيد مِن الكلام كما أنَّ عيون تاليا الدامية توسعت بِدهشة.
أنتما قاطعه فجأة صُراخ قوي قد جعله يحرك رأسه على يساره مكان ظهور مصدر و الصوت الذي لا يعود إلا لِشخص واحد...
كانيلا.

أعاد فالكين رأسه نحوَ ريس و تاليا ليَعثُر على ضباب أسود في أماكنهم الفارغة.

الفصل التالي
بعد 12 ساعة و 25 دقيقة.
جميع الفصول
روايات الكاتب