رواية تحت الغطاء الأبيض الجزء الثاني للكاتبة مينار الفصل الحادي والأربعون

رواية تحت الغطاء الأبيض الجزء الثاني للكاتبة مينار الفصل الحادي والأربعون

رواية تحت الغطاء الأبيض الجزء الثاني للكاتبة مينار الفصل الحادي والأربعون

بعد أن عدتُ إلى غرفتي، وجدتُ ريزار ينتظرني و يبدو عليه الإحباط لأعرف جيداً لماذا يكون بِذلك الشكل لهذا أجلسته على كرسي ثم أخبرته بِكل ما جرى و هو أنصَت لي إلى أن انتهيتُ تماماً.
مِن ثم صرخ بِوجهي أني صديق غير وَفي و كاذب و ألقى بالمزيد من الكلام المُهين و بدوري، أنا أنصتُ له كما فعل إلى أن فقد أنفاسه ثم صمت يرمُقني بِنظرات مُخترقة لكن بعدها شربنا النبيذ إلى أن غرقنا في نوم عميق.

في الصباح التالي و عندما عدتُ إلى غرفتي لكي أخُذ حماماً و أتجهز لِلفطور أتى خادم مِن القصر ليُخبرني أنَّ تاليا طلبتني لِغرفها.
ذهبتُ بِقلق مُسرعاً إلى الغُرَف و معي بلايز. وقفتُ عند الباب ثم رفعتُ يدي مُتردداً قبل أن أطرُق عليه ثلاثة مرات أنتظر الرد.
مرت ثواني قصيرة ثم فتحت الباب جيانا خادمة تاليا لتومئ لي بِترحيب تبتعِد لكي أدخُل، أنا رددتُ لها التحية بإيماء رأسي أدخل الغرف.

أغلقت جيانا الباب لأجِد أمامي في وسط غرفة الجلوس، تاليا و هي جالسة في مُقدمة طاولة الطعام بيدها شوكة و بالأخرى سكينة تتناول مافي طبقها و النوافذ الكبيرة مُطلة على بحر لا نهاية له على يسارها، فيه حيواناته تسبح بِهدوء في الأرجاء.
رفعت تاليا رأسها عن طعامها لتنظُر إليّ ترسُم بسمة عريضة على شفتيها المُمتلئة.
أهلاً فالكين، تعال. هي قالت تُشير لي بِشوكتها على المقعد على يمينها.

ابتسمتُ لها بالمُقابل أخُذ خطواتي نحو الطاولة، بلايز حلق بِجناحيه الصغيرة يسبقني لتُرحب به هو أيضاً قبل أن يقِف على سطح الطاولة يحدق بِطبق الفواكه.
هل هناك مِن أمر طارئ لِتناديني في الصباح الباكر؟ سألتها أقف خلف المقعد أسنُد يداي عليه من دون أن أجلس.

وضعتُ تاليا ما بيديها بِخفة على طبقها لا تُصدر صوتاً ثم عادت بِظهرها على مقعدها تُريح نفسها، تضع يداً على بطنها الكبير بعدها نظرت لي مجدداً رافعة حواجبها عليّ
هل يجب أن يكون هنالك أمر طارئ كي أراكَ عزيزي فالكين؟
هززتُ رأسي لأجيبها
بالطبع لا، لكن قلقت لهذا سألتكِ.
أشارت لي بيدها مجدداً على المقعد قائلة
أجلس، أوَد التحدث معك عن ما جرى البارحة في قاعة العرش.

تحركتُ أنا مِن وراء المقعد لأجلس عليه و تاليا أخذت تفاحة حمراء لذيذة الشكل تلمع لأنعكاس نور الشمس القادم مِن الأعلى عليها، حتى تقطع منها قطعة بِسكينتها و تُعطيها لِبلايز لكونه لم يُبعِد عينيه عنها. بلايز أخذها منها بِعينين تلمع يشكُرها منحني الظهر ثم جلس متربع الساقين يتناولها.

لقد سمعتُ أنَّ لا حُكم عليك و أنَّ سيون و أوكتافيا أيَّدو تصرفك لِلغاية. بدأت تاليا تقطع مِن التفاحة قطعة آخرى لكي تقدمها لي لكني رفضتها أبادر
بالفعل، لقد واجهتُ صعوبة بالتصديق، لم أتوقع أن تكون ردة فعلهم غفورة مع أني مُخطئ.
لكنك لستَ مخطئ و إنما فعلت الصحيح و المناسب. أخذت قضمة من القطعة التي رفضتها منها لتمضغها و هي تُشاهد بلايز يتناول خاصته بِسعادة.
لقد ظننت انكِ عكس هذا الكلام تماماً.

أشاحت بِعينيها الرقيقة عليّ تبلع ما في فمها
هل قلتُ ذلك لك؟
هَززتُ بِرأسي مجيبًا بِ لا لتُكمِل هي
أنا لو كنتُ بِمطرحك، لفعلتُ المثل مِن دون تردُد، توقفت هي لِثانية حتى تُخرِج ضحكة ساخِرة مِن حلقها تحدق بِشيء ما في الغرفة كأنها تعود بِذكرياتها و هي تتابع
لا يمكنني لومك أو معارضة تصرفك ابداً، فالكين لأنني أذكُر كم كنتُ متهورة بِلا خوف عندما كنتُ في عمرك و أصغر حتى، عندما حَطت قدمي في هذا العالم.

ابتسمتُ أنا مع نفسي أتخيلها و تصرفاتها مع أنها حتى و هي في هذا السِن و قبل حملها، كانت مجنونة و شجاعة كثيراً لكن بالطبع متزنة و ذكية و مسؤولة.
كنتُ جريئة زيادة عن اللزوم أفعل ما أشاء لِوحدي و أخفي الكثير عن غيري، و فضولية، بِفضول ألقى بي إلى مشاكل ظننت أنَّ لا مَخرج منها.
عدتُ بِظهري على الكرسي أريح يداي على الطاولة أسمعها تكمل، بسمتها تختفي عن شفتيها.

لم أعُد في التاسعة عشر مِن عمري مع أنَّ شكلي علق في ذلك العمر لكن عقلي نضج و الحياة علمتني الكثير حتى أصبحتُ أفكر و أتصرف بِطرق مختلفة كي أتفادى ما خُضته في الماضي.
أومأتُ بِرأسي لها أزفر الهواء مِن فمي لأقول
أتفهم ما تعنينه، تاليا. و أرى مِن خلالك، قد أكون محق بِتصرفي لكن، لكن ما قلتُ لِريس،.

لم أقدر على أنهاء الجُملة لأني عُدتُ بِذاكرتي مجدداً إلى تلكَ اللحظة التي صرختُ عليه تلكَ الأشياء المُطاردة لِعقلي منذُ زمن و ندمت كثيراً. ريس لم يعُد ينظُر بِعيناي و يتجاهلني لِدرجة يتفادى التحدُث معي تماماً.
تقدمت تاليا بِجسدها على الطاولة تَمُد ذراعها لكي تضع يدها الدافئة و الناعمة فوق يدي، تُزَين وجهها الجميل بِبسمة صغيرة من أجلي قبل أن ترُد.

ما قلته البارحة كان قاسيًا جداً و ريس تأثر لِلغاية ليس لأنكَ صرختَ بوجهه أو غضبتَ على غضبه بَل لأنكَ كنتَ صادقًا بِكل كلمة، لهذا حزن و بالكاد استطاع النوم البارحة بعد انتهاء الحكم.
أحنيتُ رأسي أشعُر بِعار كبير لم أشعُر به في حياتي كلها لكن تاليا عصرت يدي بِلُطف قائلة.

نحنُ معكَ بِكل خطوة خطوتها إلى هذا اليوم و سوف نبقى لأخِر يوم في حياتنا، لكن فور سماعنا كِلانا كلامك البارحة، أستيقظنا و أدركنا مشاعرك الحقيقة و السبب لِتركك المملكة من الأساس.
رفعتُ هنا رأسي أعلم أنَّ ما أحس به في قلبي و عقلي مُنعكسين على وجهي لأنَّ بسمتها تحولت لِلحزينة كأنها تحاول رفعها كي لا تقع و تستسلم لِشيء ما قد يكسرها.
تاليا دائمًا هكذا.

تتظاهر بالقوة مِن أجل الأخرين و هي الأن تفعل هذا كما كانت و ما تزال تفعل منذُ أن بدأت تَهتم بي بعد موت مُربيتي نومالي.
أنا لا أستحقها و أستحق ريس و اللقب الذي أحمله.
أنا لم أراهُ غاضبًا بِتلكَ الطريقة ابداً و كرهتُ نفسي جداً في تلكَ اللحظة و لم أقصد جرح مشاعركما يومًا. أخبرتها أحدق بِالأسماك عبر النوافذ الكبيرة.

ربتَت على يدي مرتين ثم سحبتها لكي تضعها على بطنها المُدور تبتسم لِبلايز الذي يتناول حبة عنب سوداء.
ريس و ما أدراكَ ما هو، أحياناً أقول انه هو الحامل و ليس أنا بسبب ردات فعله الدرامية حتى تيلار لم تعُد تتحمله و تتفادى التواجُد معه في نفس المكان كي تهرب من عضبه.

فجأة ضحكت جيانا مِن خلف سيدتها لِتُغلق فمها بيدها بِسرعة، أدركت فقدانها لِنفسها على كلام تاليا الساخر لِيُشاركها بلايز يَختنق بِالذي يأكله. ضربته تاليا على ظهره بِخفة تنقذه مِن الموت فأصبح وجهه مِن لون العنب الذي كانَ يأكله.
وجدتُ نفسي أقَهقِه بِصوت مُنخفض و أنا أمرِر أصابعي في خصلات شعري.

لا تُضايق نفسك بالتفكير في ما حصل البارحة، فالكين لأنك لن تستفيد من شيء عدا تَضَيع وقتك و العيش في ندم كل لحظة، لهذا أترك الماضي خلفك و عش في الحاضر و لِلمستقبل. قالت تاليا بعد أن تأكدت مِن تنفس بلايز تنظُر لي و زوايا شفتيها مرفوعة بِحق هذه المرة، عينيها تلمع كأنَّ النور يعيش فيها.
سأفعل. تَمتَمتُ أرُد لها البسمة لِتشير على الفطور بيد قائلة.

هل توَد تناول الفطور معي؟ أنا لن أقدر على مشاركتكم إياه في القاعة، التحرُك الزائد يؤلم. طَبطَبت على بطنها لأهُز مِن رأسي و أنهض، بلايز وقف على ساقيه الهلامية فاقداً لِتوازنه بسبب ما حدث معه قبل لحظات لكنه حلق بِجناحيه إلى كتفي و جلس عليه.
لا شكراً لكِ، أنتِ استمتعي فَلدي شيء عليّ فعله قبل وصولي لِلقاعة.
كما تشاء، سوف أراكَ لاحقًا فَلقد سمعت أننا جميعًا سوف نسافر بِنفس الوقت اليوم بعد الفطور.

رفعتُ حواجبي بِتعجُب على ذلك لأنَّ لا فكرة لديّ
لم أكن أعرف.
هذا لأنهم سوف يُخبرونك و مَن لا يعرفون على الفطور فَبقائنا هنا سيء.
أومأتُ بِتفهم أنظُر لِجيانا لِلحظة و هي بِرأسها أعطتني إيماء قبل أن ألتفِت و أتوجه نحو الباب.
وضعتُ يدي على المقبض البارد و إذ بِتاليا توقفني بِسؤال
هل هنالك امرأة في حياتك؟

استدرتُ إليها بِبطء أرمش عِدة مرات محتار من السؤال الذي خرج من لا شيء لكني أجبتها شبه صادق لكوني لن أتفوه بِحرف عن واحدة عالقة في عقلي
لا، لماذا تسألين؟
هَزت هي كتفيها تُجيب
مجرد فضول، لأنني لم أراكَ مع فتاة منذُ وقتٍ طويل.
لا وقت لديّ لكي أكون مع واحدة.
هل أنتَ متأكد؟
عقدتُ حواجبي لا أفهم اسئلتها لكني أجبتها
نعم، متأكد.

لا أعلم لماذا و ما السبب لكن لاحظتُ جيداً تغير تعابير وجهها الفضولية و المليئة بالشَك إلى شيء ما جعل من قلبي يَخفُق نبضة بِقلق فجأة عينيها غرقت بِدموع لا تنهمِر و كأنها مُترددة ترفُض السقوط منها.
تاليا؟ هل قلتُ شيئًا يُحزنك؟ تقدمتُ خطوة كبيرة إلى الغرفة لكنها رفعت كَف يدها توقفني بينما خادمتها ألتَفَت حول المقعد تُقَرفِص أمام ساقيها تسألها أيضاً ما الخطب.

مسحت تاليا دموعها بِأكمام فستانها تنشُق مِن أنفها لترُد عليّ و على خادمتها
لا شيء، أنا، بِسبب حملي تتقلب مشاعري فجأة.
نهضت جيانا بِسرعة لكي تُحضر لها منديلها مِن على طاولة السرير الجانبية و أنا تبادلتُ النظرات مع بلايز الذي بدى مثلي بالضبط، محتار و مستغرب.

أنا بخير فالكين، أنتَ اذهب و لا تتأخر على الفطور. تمتمت تاليا من بين شهقات كسرت مِن قلبي لأجزاء، تأخُذ المنديل مِن خادمتها لتنظُر لي جيانا و تهُز بِرأسها كأنها تُخبرني أن لا أضغط على تاليا أكثر.

أنا أومأت بِصمت متفهمًا ثم استأذنتُ أترك ملكتي لكي ترتاح مع أني لم أقتنع بِالذي أخبرتني به لكني لن اسأل الأن ربما لاحقًا أما في هذه اللحظة لديّ زيارة لِطبيب القصر و معي ريزار الذي ينتظرني عنده كما أتفقنا البارحة عندما زرته و غفوت في غرفته.

حسنًا أتفهم انكَ أمير و لديكَ حقوق كثيرة، لكن لا تَذُلني بقدومك متى شأت فأنا انتظُرك من--
لقد وصلت و هذا ما يهُم. قاطعتُ صديقي الثرثار عند وصولي إليه و هو يمشي ذهابًا و إيابًا أمام باب غرفة طبيب القصر.
نظَر لي ريزار بِعينه الوحيدة شفتيه مُضَيّقة على بعضها على شكل خط مستقيم لكنه لم يُعلق أو يرُد عليّ إلا بِتنهد قوي و رمقات منزعجة.

تقدمتُ أنا إلى الباب ثم طرقتُ عليه ثلاثة مرات لِننتظِر جميعنا الرد بِصبر. فُتِحَ الباب بعد ثواني ليَظهر لنا الطبيب نفسه. يضع نظاراته الدائرية، له شعر أبيض خفيف و لحية مُرتبة مع شارب يُذكرني بِشارب كاغوا لكنه لا يمتلك قدمين بل زعنفة طويلة رمادية.
أهلاً بكَ سمو الأمير. فتح الطبيب الباب على مصراعيه أكثر لكي أدخل و معي ريزار و بلايز الجالس على كتفي الأيمن.

الغرفة واسعة لكنها مَصنوعة مِن الخشب و تبدو كأي غرفة طبيب في أية قصر بِما انهم يُحبون أماكِن كَهذه، خاصة بهم فيها كل الأسرار و الدراسات التي يعملون عليها بِمفردهم.
هنالك طاولة مُربعة في وسط الغرفة، عليها الكثير من الأشياء، كالأوراق، كتب، أقلام و حبرها، توابل و أشياء متعلقة بِعملهم كما هو حال الطاولات الطويلة على كِلتا الجهتين مِن الغرفة الملتصقة بالجدران الحجرية.

توجد خزانات كذلك، فيها المزيد من الكتب الكبيرة القديمة، أما المكان مُضاء بِمصابيح برتقالية و بيضاء تُبعِد الظلام بِقدر الإمكان إلى زوايا لا تصلها الأنوار.

بحثت عيناي عن جُثة جئتُ من أجلها لكني لم أجدها.
كيف لي مساعدتكم، سموك؟ سألني الطبيب بعد أن أغلق الباب ثم تحرك لكي يقف مِن الجهة الأخرى لِلطاولة يُغلق كتاباً كان يقرأه.
لقد أتيتُ مِن أجل رؤية جثة الأتلانتي التي سمعت أنكَ سوف تُشرِحها لكي تدرسها.
رفع حواجبه المُبعثرة و الكثيفة لا يتوقع سؤالي لكنه ظل هادئ الوجه ليُخبرني صوته ضعيف مرتجف كَشكله
نعم، أنا لم ابدأ بها بعد و كنتُ سأفعل قبل قدومك بِقليل.

رأيتُ بِطرف عيني ريزار و معه بلايز الذي لم الحَظ تحركه، عند الطاولة التي على يميني ينظرون لِما عليها بِفضول لأعيد عيناي على الطبيب حتى اسأله
أين هو؟
رفع الطبيب يده المُجعدة ثم أشار على باب بِجانب الخزانة التي يقف عندها ريزار و معه بلايز على كتفه. باب شبه مَخفي بني مِن الخشب منحوت عليه حوت كبير على أمواج.

هل بإمكاني رؤيته؟ سألته ليومئ هو يتحرك مِن حول الطاولة نحوي لكي يقود الطريق و يفتح الباب مِن أجلي، يسمح لي بالدخول أولاً.
دخلتُ غرفة صغيرة جداً، فيها ثلاثة مَصابيح و منهم أثنين مُعلقين على الجدران التي على يميني و يساري و أسفل واحد منهم، طاولة مِن الحديد عليها أدوات طبية مثل السكاكين الصغيرة و النحيلة، مَلاقِط، كُرات قُطن و قارورات سوداء أو شفافة فيها محاليل غريبة الألوان.

أما في منتصف الغرفة سرير مُرتفع مُغطى بِغطاء أبيض و عليه جثة الأتلانتي ذو المخالب، فوقه يُنير جسده العاري مِن الأعلى و وجهه بِعينين مُغلقة، ثُريا من الحديد الأسود على شكل قفص و فيها المصباح الثالث.
الجُثة و لِدهشتي بِغشاء شفاف أزرق يُحيطه كله مِن الرأس حتى القدمين له صوت همهمة أشعر به في كياني.
سحر مرئي.

ما هذا الذي يُحيط الجثة؟ سألتُ الطبيب يقف مُقابلي مِن الجهة الثانية لِلسرير ينعكس ضوء الغشاء على وجهه يجعله أزرق.
هذا غشاء سحري يمتلكه كل طبيب يُزرَق بِقوات عِلاجية خاصة به أو بها، و هو قادر على حماية الجثة و ما لا يستطيع العيش لِفترة طويلة و يجعله يبقى كما هو لِوقت أطول. أجابني الطبيب باللحظة التي دخلوا فيها ريزار و بلايز إلى الغرفة يقفون بِجانبي.

توَسعت عيون ريزار و مرافقي لرؤيتهم ما أراه قبل أن التَفت لِلطبيب مرة أخرى أضع يداي في جيوب بنطالي.
هل سيأخذك وقتًا طويلاً لكي تنتهي مِن التشريح؟
لستُ أعلم، سموك لأني أحتاج الوقت حتى أفهَم الجسد و طريقة عمله و ما هو بالضبط، فأنا لم أرى شيئًا كَهذا إلا على الكُتب و رسومات.

هَمهَمتُ ألقي نظرة مُتمعِنة على جسد الرجُل شاحب اللون، شفتيه زرقاء كَلون الغشاء و يبدو مُخيفًا أكثر مِن ما كان عليه قبل موته، أرى لأول مرة ما على رقبته.
هنالك خطين رفيعين طويلين على شكل X، أذكُر أنهما مِن كانيلا و كيف بِشكلٍ أحترافي فعلت الحركة التي يتعلموها حراس فالينيا و كيف انها طريقة لإنهاء حياة شخص بِسرعة ذات تأثير قوي.

حركة لا يتعلمها إلا مُحاربين و حراس فالينيا و أنا تعلمتها في أيام مراهقتي عندما رأيتُ أحَد الحُراس يفعلها في وقت تدريبه و عشقتُ الحركة على الفور لأذهب و أطلب مِن ريس تعليمي إياه و لأنه لا يعرفها و لم يتعملها ابداً، أخذني إلى فالين و بنفسه هو علمني بِلا ملل و بِصبر كُلما أتيتُ لِلزيارة.
أصبحت ندبة.

ندبة بيضاء و مِن حولها لون أحمر مائل لِلوردي و في وسط الرقبة ندبة أخرى، كبيرة و عميقة، بِسبب سيفي الذي غرسته فيه و أنهيته لكي لا يتعذب في موته عندما أصابته كانيلا مع انه عدوي لكنه لا يستحق الموت خنقًا بِدمائه.

الندبة على شكل أكس ضربة قد قطعت شرايين حساسة لِلغاية تُدعى شرايين السباتية و هي إحدى الأوعية الدموية الرئيسية في الرقبة، حرك الطبيب أصبعه السبابة على جانب الرقبة مِن الأعلى للأسفل و طرف حرف الأكس مُمتد لها مكملاً
و التي تزوِد الجزء الأمامي مِن الدماغ و الرقبة و الوجه بالدم و قطعها يُسبِب الموت الأكيد. أبعد أصبعه عن الرقبة لكي ينقُر بها بِخفة على الرأس.

لا دماء يصل إلى هنا، يعني لا حياة و لا وقت لِلأنقاذ فَمَن تسبب بِضربة كهذه يكون محترف خطير.
شعرتُ بِريزار يحدق بِجانب وجهي لكني لم اعره انتباهي ثم أومأتُ مع نفسي مِن دون سبب أشاهد باقي الجثة أحاول عدم التفكير بأنَّ كانيلا قاتلة محترفة لأني ظننت العكس.
لا تحكُم على كتاب من غلافه، حرفيًا.
لاحقًا، كل شيء سوف يتضح قريبًا و سوف اسألها الكثير، لكن لا حقًا.

ظللتُ أردد هذه الكلمة في رأسي فَهذا كل ما يمكنني فعله لكي أكشف أسرارها التي تتعلق ليس بها فحسب، بل الجميع بِشكلٍ ما.
هل هنالك ما اكتشفته على الأقل أثناء دراستك لِلجثة قبل تشريحها؟ أنا سألت أشيح بِبصري عليه بدلاً من الجثة.
هَزة العجوز رأسه مُجيبًا
أعرف ما يعرفه الجميع لكني سوف ابدأ عملي بعد قليل و إن أكتشتفتُ أية شيء سوف أرسل لكَ خبراً.
شكراً لك.

لم نتناول الفطور في القاعة الكبيرة و إنما في غرفة ذات هندسة رائعة و فريدة مِن نوعها. غرفة مِن الخشب مَحروق اللون، جدرانها و نوافذ على شكل حُفَر تُطِل على البحر و حديقة ما تُحيط المكان كما أنَّ في وسطها طاولة دائرية و حولها مقاعد مِن الجلد الفاتح و المريح، مُتصلة بِبعضها ليَجلس جميعنا بجانب الأخر.

هنالك بعض النباتات البحرية في الزاوية و حول المقاعد. فوقنا بالضبط ثريا جميلة ذات ضوء أبيض مُشِع لكوننا في أسفل القصر، لهذا يحتاج المكان نور قوي فَالشمس لا تصلنا إلى هنا.

علي جِهة جلس سيون و زوجته معًا و بجانبهم ريس و ريزار، لايتا و شقيقته نيفاري، أما أنا فالين، فينار، مايكا و كانيلا مقابلهم.
تناولنا الفطور في سكينة لطيفة، بين حين و آخَر يَفتَح أحدنا حديثًا يتعلق بِالأتلانتيانز و خطرهم عدا أوكتافيا التي ضجرت مِن هذه المواضيع لتتحدث عن رحلة عودتنا بعد الفطور إلى ممالكنا.

و على الشاي، قال فالين أنه حزين على المُغادرة لكن لدينا أمر مهم لكي نفعله فور عودتنا و لا يُمكن تأجيله لأنَّ أوكتافيا شبه ترجتنا لكي نبقى أكثر لكن لم يوافق فالين و شقيقته يعتذرون لها و لِسيون الذي أومئ بِتفهم لا يناقش الأمر.

أرسلوا لنا خبر في أية لحظة تواجِهون خطر مُشابه لِلذي خضناه هنا مع الأعداء. قال فالين لِسيون و ريس يبلع رشفة من شايه بالليمون و العسل الخاص بِالبحر، لونه أخضر لكن طعمه كَالعسل الطبيعي.
و أنتَ أيضاً، فالين. أنتم هدفهم الرئيسي بِما أنَّ فالكين معكم في فالينيا. أخبره سيون يومئ بِرأسه عليّ.
طَبطَب فالين بيده على ظهري ضاحِكًا و هو يقول له.

لا أعتقد أننا سوف نتأثر بأي هجوم منهم لأنَّ فالين لن يسمح لهم بِسهولة.
بالطبع.
ابتسمتُ أنا لِه و لِلملكة أدَعهُم يرون الشُكر الذي مازلتُ لن أتوقف عن قوله بِفمي إن كان أو بِعيناي و هما رأوا ذلك ليومئوا بِرؤوسهم صامتين.
بالمناسبة كانيلا، بدأت أوكتافيا تنظُر لِلبشرية التي وضعت فنجان شايها كي تنصِت لها
كيف تعلمتِ القتال؟

رمشت كانيلا عِدة مرات ليُحدق بها سيون بِفضول واضح على وجهه الوسيم كأنه نسية أمر قتلها لِذلك الأتلانتي و أنا فعلتُ المِثل لأني أردتُ سؤالها أولاً لكني أجَّلتُ الموضوع لكوني لم أراها إلا في هذه الغرفة منذُ تفرقُنا في غُرَف ريس و تاليا.
آوه، أنا في الواقع تعلمتُ القتال مع خاطبي، نظرت إلى مايكا ليومئ هو يؤكِد ذلك قبل أن تتابع كانيلا تلعب بِحمالة الفنجان و هي تحدق بِبخار الشاي يطفوا للأعلى و يختفي.

و أكملتُ تدريباتي مع كابتن الحرس الخاص بِفالينيا.
توَسعت عيون أوكتافيا الزرقاء ثم وضعتهم على زوجها حواجبها مُعقدة قليلاً
و أنتَ لا تسمح لي بأن أقترب مِن السيوف.
ضحكت نيفاري بِخفة مع نفسها بِنفس اللحظة تقابلت عينيه الناعِسة بِزوجته ثم أعطاها بسمة بالكاد واضحة قبل أن يفتح فمه لكي يقول على ما أظن، شيء ماكر لها لكن فجأة فُتِح باب الغرفة بِقوة على مصراعيه لترتَج الأشياء على الطاولة إثر القوة.

من خلفه ظهر أحَد خدم القصر له ساقين هذه المرة و وجهه الأزرق شاحِب لِلغاية بدى رمادي، عينيه الخضراء متوَسعة، لِلحظة ظننتها سوف تخرُج من مكانها و أنفاسه غير منتظمة و مرتفِعة.
جلالة الملك! صاح الخادم.
التفَت الجميع له لكن سيون مَن سأله عاقد حواجبه
ما الخطب؟
بلع هو ريقه ثم أتى إلى طاولتنا مُنحني الظهر و يديه على ركبتيه يُحاول سحب أنفاس و هو يُجيب
أختفت، لم يعُد لها وجود.

نهض سيون بِسرعة مِن على مقعده ليَفعل الجميع مثله مُحتارين لا يفهمون حرفًا و أولهم أنا فَهذا لا يبدو خير على الأطلاق، شعور قوي يملأني و يقول ما هو اسوأ.
ما الذي أختفى ايها الرجل؟ سأله سيون بِنفاذ صبر.
رفع الخادم ظهره يقف مستقيمًا ينظُر لِلجميع في العينين، فيها رُعب قبل أن يرد
جثة الأتلانتي، جلالتك، لقد تحولت إلى رماد.

وقفنا جميعنا في غرفة الطبيب الملكي و خاصةً في الغرفة الصغيرة و حول السرير الذي كانَ عليه الأتلانتي.
أما الآن، فكُل الذي نراه هو رماد أصفر اللون و لا شيء آخَر غيره.
كيف حدث هذا؟ أنا سألتُ الطبيب الذي يقف مواجهًا لي من الجهة الأخرى لِلسرير يبدو و كأنه مُستعد لِلأختباء في زاوية ظلمة و عدم الخروج منها طيلة حياته.
هَزة هو رأسه، شعره الأبيض مُبعثر كما لو انه مَرَر أصابعه فيه كثيراً.

لستُ أدري، سموك. مِن بعد رحليك كنتُ أجَهِز أغراض التشريح التي هناك، أشار بِعينيه على الطاولة التي خلفنا، عليها أدوات طبية بأشكالها وأنواعها المخيفة و الخطيرة ثم أكمل
و عندما التفتُ لِلجثة كي ابدء عملي، فجأة رأيتُ دخان يَخرُج منها و بِلمح البصر تفَتَت و أصبحت رماداً.
تقدم سيون إلى السرير أكثر ثم أخَذ قبضة صغيرة من الرماد يتفحصه بِتمعُن قائلاً
انه يُماثل الرماد الذي أخبروني عنه حراسي اليوم صباحًا.

ضَيّقتُ عيناي على ذلك ليُكمل هو يدع مافي يده و ينظُر لي
عندما عادوا مِن البحث عن جثة الأتلانتي الثاني، أخبروني أنهم لم يعثروا على شيء في أسفل المنحدر و عمق البحر لأنهم يعتقدون أنَّ الأسماك أكلة لِلحوم و العظام أنقضت على الجثة ومع ذلك ذكروا أنهم وجدو فقط تُراب غريب أصفر اللون.
تعتقد أنَّ جثته تحولت لِنفس الرماد؟

أومئ هو بِ نعم ليتقدم ريس يديه في جيوب بنطاله يُحدق بالرماد و كأنه بِتلك الطريقة سوف يرى الحقيقة، لكن كانيلا التي تقف بين فالين و مايكا مشابكَ ذراعيها مَن فتح فمها لتُضيف بِثقة
لابُد من إنها تعويذة أخرى تُبقيهم مَحميين مِن أيادي الفضوليين عن جنسهم و قواتهم.
هنا أدار الجميع رؤوسهم عليها لكنها نظرت لي فقط ألاحِظ قساوة وجهها الناعم و الذي نادراً ما يُصبح هكذا.

لديّ شيء تأكدتُ منه قبل موت الرجُلان ذلك اليوم و هو باختصار أنهم تحت تأثير تعويذة عُقدة اللسان التي منعتهم مِن أخبارنا عن هوية قائدهم و ما يُخفيه عن العالم.
تعويذة عقدة اللسان؟ تَمتَمت نيفاري بِاستغراب تنظُر لي ثم لِكانيلا.
أومئ ريس رأسه، شعره الأسود مائل لِلأزرق مِن شدة سواده يُغطي جزء من جبينه ليُضيف
تعويذة خاصة بالساحرات و المشعوذين فقط.

الأن أنتم تقولون أنَّ الأتلانتيانز لديهم سحرة و مشعوذين؟ تساءلت أوكتافيا تمسك بِذراع زوجها العضلية لتلتصق به كأنه مكانها الأمِن مِن كل ما هو خطير كَهذه المعلومات التي تَظهر فجأة و تُعلمنا دروس أسوأ مِن التي سبقتها.

في أيام عيش مملكة سوليس، كانوا أهلها و خصيصًا العائلة الملكية، يستعينون بالسحرة و غيرهم لكي يُساعدوهم في أمور عديدة هُم غير قادرين على حلها و مِن ضمنهم خلق السلاسل ذات الهالة البنفسجية التي تقتل سحر الجنيات حتى يحموا أنفسهم من جنسنا في ذلك الوقت.

هذا يعني أننا لا نواجه أهل سوليس فَحسب بَل سحرة أقوياء. قال فالين يضع يديه على حافة السرير ليَتكئ بِهما يرمُق الرماد الأصفر بِغضب شديد، أعلم أنه يتخيل جميع الأتلانتيانز رماداً.
قد يكون أحتمال لكن ليس قوي، فَمِنَ المُمكن انهم فقط يستعينون بِتعويذات السحرة و ليسَ لأنهم معًا. ريس أخبره متنهداً.
بِكِلتا الحالتين يجب علينا أن نكون متأهبين من كل شيء. قال لايتا ملك كاداري.

بالطبع، و أنتم بالذات لكونكم عائدين إلى مملكاتكم اليوم. قال لهم سيون يُمسك بِيد زوجته و ذراعه الأخرى حول خصرها النحيل يقربها منه.
جميعنا في خطر، إن كُنا في ممالكنا أم على الطُرقات الطويلة و القصيرة. الأتلانتيانز في كل مكان و كل زاوية يعرفون مُخططاتنا و ماذا سنفعل في أعمالنا البسيطة منها كذلك.

أحسستُ بِجبال مِن المسؤولية تضغط على صدري و تمنعني من التنفس و أيادي حول رقبتي، فكدتُ أن ألمس رقبتي كي اتأكد من أنهم غير حقيقين لكني لم أفعل، فأول خطوة لِلخضوغ لِلخوف، هي الاعتراف به.
و أيضاً لدينا مسألة أرسال رجالنا إلى جبال العسل لكي نبحث عن أثر لِأهل سوليس لكن، كيف و متى بالضبط؟ ليست لدي أية فكرة و مع ذلك تجرأتُ على سؤال الملوك التي في الغرفة حتى أنتهي مِن التفكير بِهذا الأمر.

سؤالي لا يتعلق في هذا الموضوع، لكني اتساءل متى و كيف سوف ترسلون رجالكم إلى جبال العسل؟
حدقت بي كل العيون أنتبه أنني قاطعتُ نقاشًا ما بين الملوك لم أكُن أسمعه بِسبب أفكاري العشوائية.
مِن الأفضل أن نرسلهم بسرعة كي لا نُضَيّع الكثير من الوقت، لهذا بعد أربعة أيام؟ أقترح فالين لِريس و سيون ليومئوا موافقين بِصمت.

لكن كيف سوف نرسلهم؟ بالتحليق و على الأقدام أو الأحصنة سوف يأخُذ وقتًا طويل لِلغاية. قالت فينار تضع خصلات من شعرها الأشقر خلف أذُن تصفعنا بالواقع ليَزفُر شقيقها الهواء مِن فمه يديه على خصره، ضائع و مستاء.
الغريفين، فجأة قالت كانيلا بِتردُد لتُصبح مَصدر الانتباه بِسبب لفظها لاسم القديم.

ماذا؟ سألها سيون مُتعجب، لتُصَفي هي حلقها ترطب شفتيها ثم تقدمت خطوة واحدة للأمام تواجِه الملوك و من بينهم ريس الذي حدق بِالرماد على السرير بدلاً منها
مخلوقات الغريفين، مَخلوقات سريعة و ذكية و تعرف هذا العالم و طبيعته جيداً و هي الوحيدة القادرة على أخذ رجالكم في وقت أقل إلى جبال العسل.
من أين تعرفينَ بهم؟ سألها لايتا عينيه متوسعة قليلاً.

ابتسمت كانيلا لأذكُر جيداً مِن أين تعرف قبل أن تُجيبه بِصوت ثابت
أبن الملك تيريان، آناس لديه واحد منهم، و أنا متأكدة أنه يعرف عن المزيد لكنه خائف مِن أخبار أحَد لكي يَحميهم بِما انهم نادرين لهذا تكلموا مع تيريان عنهم لعله يُساعدكم و أبنه باستخدام المخلوقات.

لقد مرت قرون طويلة منذُ آخِر مرة سمعتُ عن هذه المخلوقات العظيمة، هَمس فالين ما زال لا يُصدق ما يسمعه لأعطي أنا بسمة سرية لِكانيلا على عقلها العبقري قبل أن أضيف
اوافقها الرأيّ، الغريفين مَخلوقات قوية كذلك و لا مَثيل لها و مناسبة أكثر من الأحصنة لكي يصلوا المُحاربين إلى هدفهم أسرع.
أومئوا جميعهم موافقين أيضاً، ليَقف فالين في وسط الغرفة قريب من السرير ثم أخبرنا يأخُذ القرار النهائي.

بِما أننا جميعنا وافقنا على نفس القرار، أنا سوف أتواصل مع تيريان عن المخلوقات و إذا تم الأمر سنرسِل مُحاربينا بأسرع وقت إلى جبال العسل و هم يمتطون الغريفين.
كانت ابتسامات الجميع تَكفي لِخلق آمل ظننا أنَّ لا وجود له.

ودعنا أهل القصر، العروس و العريس اللذان مع الأسف لم يستمتعان بِحفل زفافهم بِفضل ما حصل و المملكة صاحبة الجمال الخيالي ثم عدنا إلى البر و الطريق الطويل نحوَ فالينيا أما باقي العربات التي ليست لنا أكملت في طريق آخَر إلى أسليرا.

كانَ توديعي لِتاليا، مُحزن جداً، هي ذرفت الدموع و جعلتني أفعل مثلها لأسمع قَهقَهات فالين المُزعِجة التي ظللتُ أسمعها إلى حين رؤيتنا لأسوار فالينيا الضخمة و دخولنا لِلقصر الذي أصبح، منزلي.
و بالنسبة لي و لِريس، لقد تصالحتُ معه و أعتذرتُ له مِئة مرة إلى أن ابتسم لي قليلاً يخبرني بالتوقف ثم عانقني يقول انه سوف يراني قريبًا و انه متفهم لِكل ما أخبرته به حتى لو كانَ قاسيًا و مؤلمًا.

شخصيًا لم أصدقه حتى مع تلكَ البسمة المُزيفة من خلفها كلام لم يلفظه بعد، لكني أومأتُ له على أية حال بعدها تمنيتُ له الأمان على الطريق مع باقي مجموعته و أنني سوف أكون معهم في يوم ولادة تاليا الذي لم يكُن يأتي.

فور دخولنا لِلقصر و وضع أقدامنا على أرضية البهو الكبير و الواسع المبلط اللامع، فتح فالين ذراعيه في الهواء ثم استدار قليلاً حول نفسه ينظُر لِكل منطقة و جِهة في قصره الحبيب أسنانه البيضاء ظاهرة بِبسمة عريضة.
أهلاً بي في منزلي. ردَد هو يغمِز لِشقيقته التي شقلبت مُقلتيها تُتَمتم مع نفسها
يا إلهي خلصني من ملك الدراما.

سمعها ملك الربيع ثم ضحك عليها ليُصبح صوته صدى في الأرجاء يجعل من بعض الخدم و الخادمات يتجمعون لكي يُشاهدوه و على وجوههم بسمات.
أكملوا الباقي طريقهم إلى غُرفهم لا يكترثون لِلذي يُظهِر أشتياقه لِقصره كأنه لم يراه منذُ سنين إلاًّ أنا بلايز.
بقينا معه نشاهده مِن بعيد نبتسم و نسخَر على شكله بِهمسات بين بعضنا قبل أن أقرر كَسر معنوياته و أذَكِره الحقيقية المُرَ.

أنتَ تعلم أنَّ هنالك رحلة أخرى تنتظرنا إلى مملكة شادونايت.
توقف فالين عن النظَر لِجدران و أعمِدة قصره الجميل لكي يَحُط بِبصره عليّ أنا و بسمته العريضة تختفي بِبطء
أنتَ شخص لعين.
أعلم، لكن هذا شيء لا يمكن الهرب منه مع الأسف و هنالك أرواح الكثير على المِحَك، فالين.
شابك هو ذراعيه القوية أمام صدره ليقول
لنناقش الموضوع على طاولة الفطور غداً، فأذهب لكي ترتاح قليلاً مع الباقي لأنَّ العمل سيبدأ بعد الفطور.

تطرُدني، جلالة الملك؟
أكيد.
ضحكتُ على ذلك أومئ متفهمًا ثم أشرتُ له بيدي لكي يُرافقني الطريق و هو أومئ رأسه بالمقابل يصعد الدرج الطويل الذي يأخُذنا إلى الردهات المألوفة التي فيها غُرَف كثيرة و مكتظة بالخدم المشغولين و درج أخرها يوصلنا إلى طابق غُرَف نومنا الخاصة.
جسديًا و فكريًا و روحيًا، كل شيء يؤلم كأنني كنتُ في ساحة حرب و عدتُ منها بعد أشهر قتال فيه نقصان طعام و ماء و راحة.
عجيب...

مع أنَّ السفر لا يؤثر بي لِهذه الدرجة لكني أخمن أنَّ قلقي و تفكيري المُستمر بِكل شيء يجعلني في هذه الحالة الغير اعتيادية.
و في الثانية التي فتحتُ فيها باب غرفتي الأبيض و دخلتها، قفز عليّ كلبي أيكس ليَلعق وجهي و ينبح مرحبًا بي في المنزل.

ربتُ عليه ثم أعطيته بعض القُبلات الممتنة بالترحيب اللطيف بعدها توَجَّهتُ إلى حمامي و أخذتُ حمام دافئًا في الحوض لِساعة؟ ساعتين؟ فأنا لا أدري لكوني غفوت فيه. أيقظني بلايز من نومي في الحوض الذي تحوَلت مياهُه لِلباردة حتى أرتدي ملابس نومي و أنام على سريري الأفضل على الأطلاق.
فَجسدي لا يُريحه إلا هذا السرير، لقد أعتدتُ عليه أكثر مِن سريري الذي نمت عليه لسنين في أسليرا.
منزل...

هل هذا حقًا منزلي؟ أم لأنه فقط أمِن و مختلف و أشعر بِحرية و الحياة نفسها فيه؟
لم أبحث عن الجواب الذي ما زلتُ أحفر و أحفر في الأعماق لأجله لانَّ النوم الأن بِرأس صافي يكون، حلم.

مشيتُ بيد أحمل سيفي الذي منه يَسيل دماء قرمزي و مِن حولي تقع قطرات ماء مِن ملابسي أسفل درعي و درعي نفسه المُبلل بِمياه المطر الغزيرة التي و للأن تملأ مملكتي.
صوت الرعد يَهُب في السماء يجعل مِن دمائي تتجمد أكثر من ما هي عليه لكني أكملتُ طريقي، نبضات قلبي أقوى مِن الرعد خارج قصري و أنفاسي أسمعها قاسية كَحَد السيف الذي أحمله بالكاد فوق الأرضية.

أصوات صراخ مع هتاف رجالي و شعب مملكتي تعلو السماء تصل لِلغيوم و ما بعدها على النصر.
النصر في الحرب التي دامت لِسنين و الأن...
جلالتك؟ توقفوا خدمي على طرف البهو في القصر يُحدقون بي مُنصدمين فأعلم أنَّ شكلي ليس شكل ملك قد أنتصر على الأعداء.
شعري الطويل الأسود يصل لِأسفل أكتافي مبلل يلتصق بِوجهي و رقبتي و درعي الفولاذي المتسخ بالطين و بالدماء الذي ليس لي.

جلالة الملك؟ تجمدوا المزيد مِن الخدم يشاهدون ملكهم هنا لأنهم يتوقعون بقائي مع رجالي، المُحاربين الذينَ لم يستسلموا ضِد شادونايت، أبداً.
لكني لم أقدر، لا يمكنني البقاء والاحتفال معهم في المدينة، مدينة القمر الأبيض.
جلالة الملك! صاح مِن خلفي صوت أعرفه جيداً، ضخم و عميق لم يرتجف يومًا و ظل قويًا، لأتوقف عن المشي لا أتحرك ساكنًا طرف سيفي يلامس الأرض عند جزمتي.

أتى صاحب الصوت يقف أمامي تمامًا مُعقد حواجبه الكثيفة، بشرته السمراء أيضاً متسخة بِدماء الأعداء مع انه مبلل إلا أنها لم تنظف.
الدماء التي عليّ...
لماذا تركتَ المدينة؟ سألني الجنرال هودي يُريح يده على مقدمة سيفه المعلق على خصره.
سيفه الذي أهديته إياه عندما عينته جنرال لِجيشي و منذُ حين و هو لا يستعمل إلا هذا السيف.

أشحتُ بِنظري عليه أرفع رأسي قليلاً للأعلى لكونه أطول مني بِبضع سنتيمترات وجهي خالي من التعابير
أنا متعب و لا وقت لديّ للأحتفال، جنرال.
لكن يجب على الملك المنتصر و قائدهم العظيم أن يكون معهم في يومهم الكبير.
لم أتفوه بِحرف لكني بقيتُ مُحدقًا به أجده متحمس و سعيد و هذا شيء نادر لِلغاية فَهو بالكاد يبتسم لكن اليوم...
يوم نصرنا فَلِما لا أشعر مثله؟
خائن!
كاذب!
تستحق الموت!

هذه الأشياء، صرختُها أنا قبل ساعات قليلة من الأنتصار.
هل أنتَ بخير، جلالتك؟ أعادني سؤال هودي من أفكاري لأومئ بِرأسي أمشي مِن جانبه متجهًا إلى غرفتي و أنا أقول له
أذهب اليهم و أبقى معهم بدلاً عني، سوف أراكَ قريبًا.
و هكذا أكملتُ طريقي بين الخدم مُتبحلقين العيون و فاتحين الأفواه لكني لم أعرهم انتباهي و أكملت طريقي في الردهات التي بدت ضبابية الشكل لي.

السيف ثقيل بِقبضتي و مع ذلك لم أفلته، لن أفلته ابداً.
وصلتُ إلى باب غُرفي مُترَدِد بالدخول إليها مع أني مُدركًا أنَّ هنالك مَن ينتظرني في الجهة الأخرى. من ينتظرني منذُ أيام و لم يَمُل يومًا بأرسال رسائل لكي تطمئن عني و تتأكد من أنني على قيد الحياة.

نظرتُ إلى الحارسان اللذان يحرُسان باب الغُرَف، وجوههم حجرية و ثابتة كل الذي فعلوه عند رؤيتي هو الإيماء بِرؤوسهم و العودة إلى التحديق بالأفق بِلا رَف جفن.
وضعتُ يدي على مقبض الباب الدافئ مقارنةً بِيدي المثلجة َفلقد بقيتُ أسفل المطر البارد لأيام بِما أنها لم تتوقف الأمطار عن الهطول و كأنها تريد غسل كل شيء.
غسل ما هو خطأ على أرضها.
دماء، أشلاء، صرخات و بكاء.
كل شيء خطأ.
خائن!
كاذب!
أنتَ تستحق الموت!

تنهدتُ مُغلقًا عيناي لكني فتحتهم و معهم الباب ثم دخلت أغلقه خلفي بِخفة لا أصدِر صوتً لأن ها هي.
مَن ينتظُرني، تجلس على طرف السرير تُغني لحناً جميلاً بِصوتها الناعم الرقيق لِلشاب النائم الذي حتى و هو ناضِج بدى صغيراً، مُراهقًا بالنسبة لي لكن مرضه، مرضه يجعله يغوص في نوم طويل.

مرض لم نعلم مِن أين أتى و لماذا هكذا و فجأة لكنه سوف يُشفى، وَلدي سوف يُشفى و يحكم معي و يومًا ما سوف يجلس على عرشي و يكون أقوى مني و أفضل مَن في سلالتي و بِجانبه ملكته و أولاده.
أسوَد الشعر، أبيض البشرة أعلم أنَّ عينيه كَعيون التي تُغني له مع أنه لا يسمعها لكنها لم تتوقف ابداً من أجله، دائمًا يخبرها انه يحب صوتها و هي منذُ حين تغني له.

شعرها الأشقر ذهبي الخصلات حريري و طويل يُلامس فِراش السرير و رموشها الذهبية ملتوية للأعلى جاذبة لِلنظر هي كل ما حدقتُ به.
لو بحثت في كل الأرض عن امرأة بِجمالها، لما عثرت على واحدة مثلها ابداً.
لقد تَحديتُ العالم كله مِن أجلها و فزتُ بها مع انها لا تُشبهني، ليست مِن جنسي فَهي نصف بشرية و نصف جنية إلًّا أنها كل ما تمنيت و كل ما أحلم به.

زوجتي، ملكتي و قوتي، دايانا و التي رزقتُ منها طفل جميل مثلها بعد سنين مُحاولة، فَهذا الشاب النائم في هدوء و سكينة و الذي حارب معي يكون كنزاً لي، لكنه ذهب قويًا و عادَ شبه ميتً.
أيكسا؟ فجأة ظهرت زوجة شقيقي أغاثا مِن غرفة آخرى و هي تحمل طفل نائم صغير مُلتَف بأغطية بيضاء في يديها و على وجهها علامات القلق، عينيها الخضراء منتفخة من كثرة البكاء.

لم تتوقف يومًا عن البكاء، منذُ أن أكتشفت الخيانة التي دمرت من هذه المملكة، كل يوم كنتُ أسمع شهقاتها حتى مِن غرفتها أثناء نومي و الأن لا تبدو أفضل، حتى شعرها الداكن بدى فاقداً لِصحته و لمعانه كَوَجهها.
هذه الأمرأة شابة لكنها تبدو بِسبب حزنها الكبير، امرأة كبيرة في السن.
هنا توقفت دايانا عن الغناء ترفع رأسها لكي تُقابل عيوني السوداء، عيونها الفضية التي لم أرى مثلها في حياتي.

نهضت هي بِبطء على ساقيها لا تصدق انها لم تسمع دخولي، فستانها بِلون قلب الموز يمتد للأرض مثالي على جسدها المثالي و القلق مرتسِم على ملامح وجهها الفاتنة.
لقد عُدت. هَمست هي بِنبرة ضعيفة ثم ركضت إليّ ذراعيها مَفرودة لتلُفها حول رقبتي بِعناق قوي تَغُمر وجهها في رقبتي.

لقد عُدت. هَمست مجدداً تُقربني أكثر منها لألف ذراعي الفارغة حول خصرها أشتم رائحة شعرها مِن الفراولة، أشعُر بِجسدها الدافئ و يدفئ مِن جلدي المكشوف المتجمد برداً.
أيكسا، ما الذي حدث؟ سألتني زوجة شقيقي بعد أن ابتعدت دايانا عني تمسك وجهي بيدها الصغيرة تتفحصني لكونها تخاف أن يكون الدماء الذي على وجهي مِن جرح مني.
لكنه ليس لي.

لم أخبرها بِهذا بَل فَضّلتُ الصمت حتى على سؤال أغاثا و هي تضع أبنها ذو الشعر الأسود لا يتخطى عمره الأسابيع، على الطرف الأخَر مِن السرير بالقُرب من ريس لتبحث عيناي عن خادمتها و المقاتلة المحترفة التي تركتها معها لكي تحميها في غيابي.
أين هيندا؟ سألتُ دايانا أنظُر في كل مكان مِن الغُرف.
انها تُحضِر الطعام لنا مع الخادمة الأخرى في المطبخ. أجابتني دايانا تمسح على وجنتي، تبتسم لي لكي تُطمئن قلبي.

أيكسا، ما الذي حدث؟ عادت أغاثا تسألني و هي تتقدم نحونا تلعب بِظفرها أعلم بِتوترها فَهو يطفو في الهواء إلينا، تترك مسافة بيننا كأنها لا تقبل التقرب أكثر لكونها أحست بِشيء غريب.
قلبها يُخبرها و يقلقها لكنها تريد التأكُد.
أشحتُ بِنظري عليها قبل أن أبتعد عن زوجتي و أذهب إلى مكتبي كي أجلس خلفه، أضع مِن يدي السيف أجعله يتكئ على ساق الطاولة.

رجعتُ بِظهري على الكرسي اتنهد بِشدة فما زلتُ مُرهقًا، ارتدائي لِلدرع ثقل إضافي لم يعُد بأمكاني تحمله أكثر مع الذي سوف أخبرها إياه.
لقد انتهى، لقد قتلته. خرجت مني هذه الكلمات بِصعوبة كدتُ أن أختنق بها.
عَم هدوء في الغرف حتى أصوات الهِتاف الممزوج بِالرعد و المطر على النوافذ لم أعُد أسمعه.

أتَت دايانا باتجاهي لكي تقف بِجانب الكرسي الذي أجلس عليه تضع يديها على أكتافي تضغطها بِلُطف كأنها تُخبرني بِتفهمها لِلحمل الكبير الذي عليّ، و أنَّ الهدوء الذي حل علينا، سيء، سيء جداً.
جيد، كسرت أغاثا الصمت يديها على جنبها لكن على شكل قبضات مشدودة، أستطيع رؤية مفاصلها تتحول لِلبيضاء قبل أن تتابع
لقد أستحق ما هو اسوأ، الخائن يستحق الجحيم.

لا تقولي هذا، أغاثا. تمتمت دايانا بِحُزن على كلام هذه المرأة التي أصبحت كارهة و عاجزة بِسبب خيانة زوجها.
زوجها، شقيقي و أبن لِطفل لن يقدر على النمو بِجانبه، بِجانب والد كانَ يجب أن يكون شهمًا و حاكم عادل معي وليسَ ضدي، كانَ يجب أن يكون قدوة له.

هَزت أغاثا رأسها تعَض على شفتيها، ألاحظ الدموع المتجمعة في عينيها لكنها لم تدعها تنهمر، أغمضت عينيها بِشدة ثم فتحتهم بِلا وجود لِتلك الدموع التي تتحدث بِصوت عالي.
لا اريد زوجًا مثله و لا والد لِطفلي الذي سوف أربيه بعيداً عن ظلمه و خيانته، أفَضِّل أن أكون وحيدة بدلاً من أن أكون مع شخص مثله، حركت عينيها المتألمة إليّ ثم قالت
شكراً لك.

ثم مشت إلى السرير لتأخُذ فالكين الصغير بعدها غادرت غرفنا مِن دون كلمة أخرى.
مع أنَّ هذه الجملة القصيرة المتألفة من كلمتين خرجت و علقت في الهواء بيننا إلا أنها لم تخرج من قلبها، و لم تقصدها على الأطلاق.
أغاثا أحبت زوجها جداً لكنه لم يُحبها مثلها بتاتًا و فَضَّل أنانيته و كبريائه و جشعه عليها و على طفلها، علينا جميعنا لكي يضع يده بيد العدو.
سمعتُ ملكتي تُخرِج هواءً قويًا مِن فمها و هي تقف بِجانبي.

مسكينة أغاثا، و الأن سوف تعيش في عار زوجها إلى الأبد و طفلها سوف يكبُر في ظلمه و ظِلاله.
وضعتُ أنا يدي اليُمنى فوق يدها التي على كتفي أحدق بالباب الذي خرجت منه زوجة شقيقي أعلم أنها ستعود لِلغرَق في دموعها و ندمها على كل شيء إلا طفلها الذي تعشقه و ليسَ لها غيره في هذه الدنيا.

فالكين لن يكبر كَوالده لأنَّ أغاثا سوف تتأكد مِن تربيته على عكس ما كان عليه كاستيل. أخبرتُ دايانا أنهض مِن على الكرسي ألتفت لِها ممسكًا يديها البيضاء بِخاصتي السمراء و الملطخة بالطين، أسفل أظافري دماء جاف.
أنكمش وجهي على المنظر لكنها غطته بِيديها لا تهتم لأية شيء عدا أنا كما تفعل دومًا.

أومأت هي تُزَين شفتيها الممتلئة الزهرية بِبسمة صغيرة و أنا شربتُ هذا المنظر اخزنُه في ذاكرتي فَلا أحَد سواها يَملأ قلبي بالراحة، الأمان و السعادة.
أكيد، لكنه قد يكبُر كارهًا لِمنصبه فالماضي بعض الأحيان يؤثر على المستقبل بِشكل كبير و على مَن سيكبر فيه حتى لو لم يكُن مُلام أو له يد به. قالت دايانا تختفي بسمتها.

أخاف أن يأتي هذا اليوم علينا جميعنا و أولهم هو، أشرتُ بِعيوني على ريساند النائم بِصمت لِتهُز رأسها لا توافقني الكلام
ريس شخص مسؤول و يعرف منصبه جيداً و ما يكون مستقبله حتى لو كره كونه أميراً و وريث العرش لكنه لن يضع كل شيء خلفه بل سيَضع المملكة كَأولية له كما أنتَ فعلت و ما زلتُ تفعل.

حركتُ عيناي بِصعوبة مِن عليها لأحطهم على ريس، شعرتُ بِرهبة غريبة أعمَت على ما في صدري مِن مشاعر أخرى. لطالما غمرني هذا الأحساس كلما نظرتُ اليه.
كأنه يمتلك شيئًا بداخله يحدق بي، يسمعني و ينتظِر فرصة ما لكي يخُرج لكني لم افهم لماذا لديّ هذا الشعور، فَبعد أن تواجه ريساند مع غادان لم يعُد كما كان.

لقد أصيب بِشدة بِقوة ظلامه و منذُ حين و هو يمرَض و لا يكون نفسه عندما يكون مستقيظًا لكنه أكثر سلاماً و هو نائم.
انه بخير، لا تقلق عليه. حبيبي ريس قوي و شجاع و مهما وقع، ينهض بِنفسه أقوة مِن قبل. قالت دايانا تقرأ أفكاري لأنظُر لها معقد حواجبي أجعلها تنظُر لي متعجبة مِن تعابيري.

تركتُ أنا يديها التي أشتقتُ لها مِن الأن ثم توَجَّهتُ نحو السرير لأجلس عليه لا أكترث أنني متسخ، بِجانب أبني الكبير. رجل، لقد أصبح رجلاً بسرعة و قبل مَن هُم في عمره.
مسحتُ بيد لا أعلم كيف هي ثابتة، على شعره الناعم أكثر سواداً من شعري فَهو و نائم، يُشبهني بشكل كبير عدا أنه لا يملك شعر طويل كَخاصتي و لكن عندما يستيقظ يُشبه والدته، جميل و لُطيف.

أيكسا؟ هل هنالك أمر لم تخبرنا به؟ سألتني دايانا تتقدم إليّ تجثوا على ركبتيه عندي، يديها على أفخاذي.
لكني لم أنظُر لها.
كيف لي أن أخبرها أصلاً؟ فأنا لم أخبر أغاثا بعد، لم أقدر على أخبارها.
كيف؟
أكملتُ مسح شعر ريساند ألاحِظ انه متعرق و ساخِن لأبعد يدي عنه أما عيناي فَظلت على وجهه.
قل ما الخطب. أخبرتني دايانا تضغط على فخذاي لكي تجذب انتباهي إليها.

لم أستطع، دايانا، تفهوتُ لها و لأول مرة منذُ سنين طويلة يأتيني شعور البُكاء و الضعف.
توَسعت عينيها أعلم انها تذكُر هي أيضاً أنَّ آخِر مرة بكيتُ فيها كانت في يوم ولادتها لِريساند لهذا عاد القلق على ملامحها الأجمل لتجلس جنبي على السرير تُمسِك بِوجهي لكي أنظُر لها
عزيزي، ماذا تقصد؟
هَززتُ رأسي عِدة مرات منحني الرأس
لقد حاولت لكني ترددت و لم أقدر على فعلها.
عن من تتحدث؟

هنا رفعتُ رأسي لها أقابل عينيها النادرة كَعيون ريساند ثم أجبتها أدمِر مِن بعدها الطمأنينة لأضَع بدلاً منها رُعب سوف يدوم و يدوم و الله وحده يعلم متى سينتهي
كاستيل، لم أستطع قتله، دايانا.

الفصل التالي
بعد 20 ساعة و 43 دقيقة.
جميع الفصول
روايات الكاتب