رواية تحت الغطاء الأبيض الجزء الثاني للكاتبة مينار الفصل الثاني والخمسون

رواية تحت الغطاء الأبيض الجزء الثاني للكاتبة مينار الفصل الثاني والخمسون

رواية تحت الغطاء الأبيض الجزء الثاني للكاتبة مينار الفصل الثاني والخمسون

عن ماذا تتكلم؟ أنا سألت كاستيل بِحيرة أعصِر مؤخرة الكرسي أكثر لأشعُر به أسفل قبضتي ينشعِر.

ابتسم كاستيل يُريح يده على مقبض سيفه على خصره، عينيه التي أمتلك مثلها تلمع
أعلم بأمر تركِك لِأسليرا، في نظري ذلك قرار طفولي و غير ناضج لكن لا بأس بإمكاننا حل المشكلة عن طريق وضعك على عرشها الذي تستحقه كما أستحقيته أنا.

رصَّيتُ بأسناني على بعضها بِشدة حتى الألم أخترقه بِنظراتي
أنا لن أجلس على عرش أسليرا لأنَّ أسليرا لها مَلِك مِن الأساس و قريبًا سيُصبح لديه وريث كما يجب و أنت لم تستحق العرش يومًا.

فجأة ضحك كاستيل بِصوت عالي يُرجِع رأسه إلى الخلف. على الضحكة، وقف وَبَر رقبتي بِقشعريرة لأعصِر الكرسي أكثر. و أخيراً ماتَت ضحكته بِبطء بعدها عَم صمت، البسمة لا تزال مُبسطة على شفتيه النحيلة.
دعنا نتناقش بالموضوع لاحقًا، بُني، فَلديّ عمل يجدُر بي أنهائه اليوم لكني أردتُ القدوم و رؤيتك و لو قليلاً قبل رحيلي.

القى هو نظرة قصيرة على كانيلا بسمته تتوَسع أكثر لأحس بِكانيلا ترتجِف على الكرسي تجعله يتحرك بِخفة أسفل قبضتي، أسمع نبضات قلبها تتزايد لِثانية ظننت أنه سوف يَكسِر عظام قفصها الصدري و يَخرُج.

في نظراته لها، شيء غريب لم أفهمه.

كأنه يقول لها شيئًا ما دون تحريك شفتيه و هي بالمُقابل تفهم كُل حرف. و كُل ما تفهمه يجعلها ترتجف مِن الخوف هكذا في مطرحها.

لديه شيء ضدها. شيء يجعلها تبقى على هذا الحال دون أن تتفوه بِكلمة و فقط في صمت لم يُعجبني و لم يطمئِن قلبي له.

هل تقابلا قبل الآن؟ ماذا حدث بينهما عندما كنتُ في الزنزانة لوحدي؟ ماذا فعلوا لها حتى تكون في هذه الحالة؟ هو أمر عجيب بالنسبة لي ولكن ربما سأعرفه فيما بعد.

عادَ بصري على الرجل السافل أجده يُراقبني بِعيون مُضَيّقة كأنه رأى كُل تفصيل باللحظة التي كنتُ أنظر على كانيلا. رأى كُل نَفَس، كُل رمشة جُفن و كُل فكرة دارت بِرأسي.

لم أشَبعه بِمعرفة المزيد مِن أفكاري، لِذلك ابقيتُ وجهي فارغًا و حدقتُ فيه بِعيون ثاقبة لِتتوسع بسمته أكثر.

التفَتَ هو نحوَ الباب ثم ذهب إليه لكي يَرحل لكني فتحتُ فمي أوقفه بِسؤال، فَلساني تفوه به مِن دون أن يتصرف عقلي
كيف عثرت عليّ؟

تجمدت خطواته أمام الباب، يديه خلف ظهره، ظهره العريض و طول قامته يُخفيان شكل الباب. استدار هو قليلاً بِجسده إليّ ينظُر لي.
لديّ طُرقي بالعثور على ما أريد أن أعثُر عليه، بُني، حتى لو كانَ تحت الأرض فإن أردت، سأخلقه أمامي.

هذا ليسَ بِجواب و توقف عن نَعتي بِذلك فأنا لستُ بأبن لك. أنا كانَ لديّ والدة فقط و هي رحلت بِسبب مَن تعمل معهُم.

استدار بالكامل وجهُه مُتحجر مثل قلبه على الرغم مِن أنني أشُك في أنَّ لديه قلبًا. هذا الرجل مِن المستحيل أن يكون جني بَل وحش بَري مِن الغابات بِهيئة جني، يتحرك و يتصرف مثلنا لكنه مِن الداخل أسود، لا يُفكِر إلاّ بالقتل و الدماء و شَن الحروب و الدمار.

علي ذِكر والدتي، رأيتُ لِجزء مِن الثانية ألَم على ملامحه لكنني رمشت و إذ بِذلك الألم ذهب كأنه لم يكُن موجوداً من البداية.

كيف دخلتوا فالينيا إذاً؟ و كيف عرفتم بِمُقابلتنا مع فيرنون و كيف حدث الانفجار؟ عُدتُ اسأله ما يجب معرفته لكي أجمع المعلومات منه و أعرف طُرقه لكي أحمي الممالك منه و مِن الذينَ يقودهم بِكُره و حقد في قلوبهم.

سحب هو نفسًا مِن أنفه ينفُخ صدره قبل أن يزفره بِخِفة و يُجيبني بِضجر في صوته
كثير التساؤل ألستَ كذلك؟

لم أبادرهُ الكلام و إنما حدقتُ به أنتظِر ما أوَد معرفته و هو بدى و كأنه قرأ أفكاري ليُدير مُقلتيه قبل أن يقول
لديّ رجال في كُل مكان، كل مملكة و كل مدينة. يُراقبون كُل شيء يحدث و يُرسِلون لي المُهم و بالنسبة للأنفجار فَدعنا نقول أنَّ فيرنون كانَ هدفًا منذُ زمن أردنا التخلُص منه بعد نشره عن الأتلانتيانز لمَن يعرفهم.

لماذا؟ ألم تكُن خطتكم الرئيسية نشر المعرفة عن أمثالكم؟

رفع هو حاجبيه الشقراء على ذلك كأنني بِطريقةٍ ما أهنته بِقولي لكنه أخبرني يُزمجِر بِغضب في طرف كلماته
الكثير مِن الفضول يقتُل صاحبه، بُني. و نعم، نريد نشر المعرفة عن أمثالنا لكن ليسَ بِتلكَ الطريقة، ليسَ مِن فَم هَجين لعين مثله.

تركتُ مؤخرة الكرسي لأشابك ذِراعايّ أمام صدري أضَيّق عيناي عليه. يبدو أنَّ لديه مشكلة مع الجنس الهَجين. نظراً لِلفظِه لِلاسم فَهو بِكُل تأكيد لديه شيء ما معه.

و كيف سيحدث ذلك؟ هل سوف تستمرون بِقتل الأبرياء لِنشر رسائلكم السخيفة؟ سألته بِسُخرية ارسُم بسمة جانبية على فمي.

ارتفعت زاوية مِن شفتيه يُماثلني بِالابتسام إلاّ أنَّ خاصته شريرة، ماكِرة و قذرة.
سوف نخوض نقاش طويل و كما تريده غداً، فَاليوم لديّ عمل كَما ذكرتُ مُسبقًا.

لم ينتظِر الرد مني بَل التفتَ يُعطيني ظهره لأناديه أنا أطلب أجوبة لكنه لم يُعرني الانتباه و غادر الغرفة. لحقتُ أنا به أهَروِل بِسيقان ضَعيفة ما زالت بالكاد تحملني.

لم ألحق بالباب لأنه أغلِق في وجهي أرتطم به. ضربتُ بِيديّ عليه عِدة مرات و بِقوة كبيرة حتى بدأت أطرافها تنخدِش مِن خشونة الباب و تنزف عليه، أدع لطخات مِن اللون الأحمر تُزينه قبل أن تَلتئِم الجروح بِسرعة.

ابتعدتُ عن الباب بعد فشلي بأخذ رد مِن أحدهم مِن الجهة الآخرى. ابتعدتُ عنه ألقي بِشتائم مُلونة قبل أن أرجِع خطوة و أركُل الباب بِقدمي لألتفِت بعدها يداي على خصري و أنفاسي ثائِرة، صدري يرتفع و يهبط بأستمرار.

سوف أقتله! سوف أدمرهُم. تَمتَمتُ بِهمس أحدق بالأرض أمسح ذقني بيدي الدموية.

فالكين.

لم أنظُر لِمَن ناداني لكوني ثائِر كَالبُركان الحي و أفكاري مُشوشة لا أقدر على الوقوف و فعل لا شيء بَل يجب التفكير و التفكير و إيجاد الحَل لكي أخرج من هنا بأمان و أصِل إلى فالينيا حتى أخبر فالين بِكُل شيء.

يجب أن أعرف أين هُنا، لعله عرينهم الحقيقي أو على الأقل مَخبأهم المؤقت و مع ذلك سيكون أنجاز و لو بسيط إن عرفنا موقعه.

أكملتُ المشيّ مِن اليمين لِليسار ذهبًا و إيابًا قبل أن أذكُر أمر النافذة التي تتواجد خلف كانيلا. ذهبتُ إليها فوراً ألقي نظرة مُتمعِنة عليها كُلها، أجِد أنَّ الزُجاج من نوع صعب كسره بِسهولة و خاصةً إذا لم يكُن لِلشخص قوة جسدية أو سحرية من الأساس.

وقفتُ على رؤوس أصابعي أنظُر للأسفل لكني لم أستطيع رؤية شيء و إنما فقط ظلام عدا نور القمر في الأعلى الذي يُضيء الغرفة و وجهي، يجعل معرفة موقعنا، صعب.

سُحقًا! لعنتُ تحت أنفاسي ابتعد عن النافذة استدير لِظهر كانيلا التي تجلس بِهدوء لا تتحرك ساكِنة.

يديها ما تزال مُقيدة خلف الكرسي لأذكُر أنني كالأحمق تركتها على حالها هكذا منذُ رحيل ذلك الرجل المُغفل. ذهبتُ إليها أجثو على ركبتايّ لكي أبدأ بِفَك وِثاقها.

لكنها فاجأتني عندما نادتني مرة ثالثة تدعني أتوقف عن فَكِها
لا تفعل،.

قطبتُ حواجبي بِتعجُب ثم نهضت و أتيتُ لأمامها أواجِهُها أقَرفِص عند ساقيها و أنا أنظُر لِوجهِها المتسخ بِالرماد، و أطراف شعرها مُلتصق على جبينها و رقبتها مِن تعرقها.

ما الخطب؟ سألتها أضَع يداي على مساند الكرسي.

تنهدت هي تُغمض عينيها لِلحظة قبل أن تفتحهم و تُقابلني بِهم، حُزن مَجهول السبب يَملأ ملامحها
أنصِت لِمَ سيقوله والدك لكَ، فالكين. سايرهُم و لا تُعارضهم أو تُسَبِب المشاكل معهم.

لِلحظة اعتقدت أنني فقدتُ حاسة سمَعي بعدما أغلقت هي فمها. لم أستوعب ما دخل أذُناي أرمِش عليها بِسرعة كالذي رأها لأول مرة، لكن عندما عُدتُ إلى الواقع سألتها بِبطء
ماذا تقولين؟

فقط أنصِت لهم، أرجوك.

رمشتُ عليها مرتين ثم سألتُ مجدداً
أنا لا أفهم سبب كلامك. لماذا تريدينَ مني فعل هذا؟ ألا تريدينَ الهَرب منهم؟ التخلص منهم؟ فَنحنُ سجينان عندهم؟

هَزت هي رأسها بِكِلتا الجهتين خُصلات مِن شعرها الطويل تنزلق مِن على كتفيها
ألا ترى الفُرصة بِمعرفة ما في عقولهم؟ مُخططاتهم؟ هذه فرصتنا الوحيد. بقائنا هنا فيه خير.

أغلقت فمها ليَعُم بعده تمامًا هدوء كبير بيننا في الغرفة. لا يُصدر أحدنا صوت عدا أصوات أنفاسنا و نبضات قلبينا، لكن قلبي نبضاته أسرع و أقوى و مُحتارة.
طريقة طلبك مني فعل ذلك فيها أمر ما، ألم تنتبهي؟

لم ترُد هي و بقيت صامتة تُحدق بي لأكمل أنا، تتبدل الحيرة بِغضب، وجدته يطفوا على سطح وجهي يُصبح بارد كَبرودة أصابع يداي
ماذا حدث لكِ عندما كنتُ بِمُفردي في الزنزانة؟

أشاحت بِنظرها مِن عليّ وهي تزفر الهواء من فمها
لا شيء.

كاذبة.
الهروب مِن مُقابلة عينايّ وحده حركة تقول العكس.

فَحاولتُ مرة آخرى معها أعصِر مساند الكرسي حتى تحولت مَفاصيلي لِلبيضاء
ماذا فعلوا لكِ؟ هل هَددوكِ؟

هُنا أعادت رأسها بِسرعة إليّ تحدق بي متفاجئة
ماذا؟ لا! لم يحدث أيًا مِن هذا القبيل.

إذاً لماذا تبدين متوترة؟

أنا لستُ متوترة.

كاذبة. كاذبة. كاذبة. كاذبة.
وجهها يصرُخ بِتلكَ الكلمة مراراً و تكراراً حتى بدأتُ أسمعها في رأسي.
عصرتُ المساند أكثر أشعُر بِها تتكسر بِبطء شديد تحت كَفايّ.

آوه حقًا؟ أنا سألتها أضَع بصري على كتفها الأيسَر العاري، مكان وجود وشمها الغبي.

إذاً لماذا مَزقوا هذا الجزء مِن ملابسك؟ بِسبب الوشم؟ لا تخبريني أنهم فعلوا ذلك لِلمُشاهدة بِفضول.

بقيت صامتة مِن جديد لأشعُر بِدمائي يتصاعد بِسرعة نحوَ وجهي و إثر ذلك، أضفتُ المزيد مِن الضغط على المساند لِتنكسِر بين يداي و تتطاير القطع من حولنا على الأرض. أخرجت هي صرخة مِن حلقها تُغطي وجهها بِكتفها.

لقد سأمتُ مِن أكاذيبك و ألاعيبك! صحتُ عليها أنهض على ساقاي أفرِد ذراعايّ في الهواء.

أنا لم أكذب عليكَ يومًا! بادرَت بالصياح قائلة، ترمُقني بِنظرات لم أرى مثلها موَجّهة عليّ ابداً.

علي ما يبدو أنَّ اليوم يوم سعدي. لقد تم إزاحة قناعها و رؤية وجهها الحقيقي.

أنتِ لا تخبريني بالحقيقة! تُخفين عني كل شيء و تتهربين كُلما سألتكِ و خاصةً عن ذلك الوشم اللعين. أشرتُ بيدي عليه لِتشهَق هي بِخفة متوسعة العينين.

لماذا تتحدث عن هذا الموضوع؟ لقد سبق و قُلت لك ألف مرة أنني سوف أخبرك بِكُل شيء عندما يكون كِلانا مُستعداً.

تقدمتُ خطوة نحوها أحني ظهري قليلاً لكي يُصبح مستوى وجهي مِن مستوى خاصتها قبل أن أصرخ مُستاء
و متى يكون هذا؟ بعد أسبوع؟ شهر؟ سنة؟ قرون و عقود؟

توقف عن الصُراخ، سوف يسمعوننا و لا تتحدث معي بتلكَ الطريقة!

إذاً أخبرني!

أحنَت رأسها تُخفي وجهها بِخُصلات شعرها المُعقدة ثم قالت بِنبرة مُنخفضة بالكاد سمعتها لو لم أمتلك حاسة سمع خارقة
ليسَ مِن شأنك، أنا أعرف متى.

من ماذا تخافين؟ منهم؟ أشرتُ على الباب.

لم تُجبني على ذلك و فَضّلت الصمت، كَعادتها لألعن مجدداً لا أكترث إن سمعني مَن يحرُس الباب أم لا.
تعامليني بالصمت، هاه؟

لا رد.
بدأتُ بِقَضم شفتي مِن الداخل عينايّ لا تبتعد مِن عليها نتبادل نظرات غاضبة بيننا.

أنتِ ما زلتِ تُخفين الكثير عني و أتعلمين ماذا؟ سألتها اضحك مع أنَّه لا يوجد ذرة مُزاح في نبرتي لأكمل
أنا لم أعُد أريد معرفة شيء، لم أعُد أريد كشف أكاذيبك تلك فَلقد نفذ صبري.

هذا الحديث خُضناه مِن قبل و كثيراً و كُل مرة يبدأ بِنفس الطريقة و ينتهي بِنفس النهاية و أنا مللت مِن هذا و فقدتُ الأهتمام.

التفتُ أعطيها ظهري لأني لم أعُد قادر على النظر إليها، لا أريد أن أفقد رباط جأشي معها فَهي مهما كان السبب، لا تستحق هذا التعامُل و غير ذلك هي أيضًا سجينة مثلي.

الله وحده يعلم ماذا أخبرونها قبل مَجيئها إلى هُنا و بِماذا هَددوها مِن الأصل لكي تُغلق فمها و تتصرف بِتلكَ الطريقة الغريبة.

و مع ذلك هنالك شعور بِداخلي، شعور يجذبني لِمعرفة أسرارها أو أكبرهم و هو ذلك الوشم على كتفها. مهما قلت أنني فقدتُ الأهتمام (كَما فعلتُ سابقًا) أعثر على نفسي فضولي أكثر.

لا أعلم كيف أصف الشعور جيداً لكنه كالحبل الرفيع، طرف منه مَربوط حولي و الطرف الآخَر يتم شده مِن قِبَل شيء ما، فضول؟ حيرة؟ رغبة ما؟ فأنا لا أدري، لم أعُد أدري شيئًا.

كانيلا قالت شيء ما مِن خلفي لكني لم اسمعه لأنني ركلتُ الباب أضرب عليه بِيداي بِقوة أصرُخ لِمَن يحرسونه حتى يفتحونه لكي يُخرِجوننا مِن هنا فأنا بدأتُ أشعر بِضيق كأنَّ الجُدران تضغط عليها مِن كل الجوانب و تجعل التنفُس صعب.

ضربتُ الباب بِقبضتايّ أستمر بِضربه إلى أن سمعتُ صوت القفل ليُفتح بعدها الباب يظهَر لي الذي يُدعى إزريال ذو العيون الناعسة.

أنتَ مُزعج بِحَق. تمتم هو متنهداً ليَظهر من جنبه المُقنع جُزء مِن شفتيه الظاهرة مرفوعة للأعلى بِبسمة خبيثة.

لم أكُن أعلم أنَّ الأمراء يتصرفون هكذا بِضجة و أزعاج.

شقلبتُ مُقلتاي عليهما لأفتح فمي كي ربما أنعتهُما بأسماء تَليق بهما و إذ بِيدين المُقنع تُمسِك بِي تسحبني إلى الخارج بينما إزريال ذهب إلى كانيلا يبدأ بِفَك وثاقها.

ماذا تفعلون؟ إلى أين تأخذوننا؟ سألتُ المُقنع الذي قيدني بِالسلاسل السحرية البغيضة.

إلى غرفتك طبعًا لكي تنال قِسطًا مِن الراحة و تتناول الطعام، الستَ جائعًا؟

ما الذي.

لم أكمل كلامي ليَسحبني هو مجدداً يده تعصِر ذراعي تقطع الدورة الدموية، في الممرات التي أخذوني فيها مِن قبل إلى أن وصلنا لِلباب ذو المقبض الحديدي، خلفه يوجد الدرج يقودنا إلى الأسفل.

أسفل الأرض مكان وجود الزنزانات القذرة ذات الرائحة الكريهة و مكان عيش الجرذان و الحشرات الصغيرة.

فتح المُقنع باب الزنزانة ذاتها التي كنتُ فيها مِن قبل ثم ألقاني على الأرض، وجهي ينغمِر في بركة المياه الصغيرة في وسط الزنزانة أبلع مياهها المقرفة.

لعنتُهم بِصوت مرتفع أنهض بِسرعة لكنهم أغلقوا الباب و هم يضحكون، ضحكاتهم تصبح صدى في الخارج. ضربتُ الباب و صحتُ عليهم لِفترة إلى أن شعرتُ بالأرهاق.

استدرتُ مستسلم أجِد صينية فولاذية أطرافها صَدِئة موجودة على طاولة بالقُرب مِن الجدار المواجِه لِلباب. لاحظت أنَّ السلاسل التي كانت مُعلقة بالسقف و كنتُ مُقيد بِها، غير موجودة بعد الأرض.

و هنالك الأن طاولة مع كرسي خشبي عتيق و سرير في زاوية الزنزانة لا يبدو مُريحًا ابداً و قد أعاني من ألام ظهر قريبًا بِسببه.

على الأقل له وسادة و غِطاء. تمتمتُ مع نفسي أتنهد أمَرِر أصابعي في شعري المتسخ و المُجعد.

أخذتُ خطواتي نحوَ الطاولة ثم جلستُ على الكرسي مِن دون لمس أية شيء مُقدم أمامي. حتى شكل الطعام يقتُل شهيتي رغم أنني أستطيع أكل بقرة كاملة في هذه اللحظة.

دفعتُ الصينية بعيداً عني أسكُب القليل مِن المياه مِن أبريق فولاذي في كأس فولاذي لأشرب و أروي عطشي على الأقل.

لم أكُن أعلم كم أنني عطشان إلا بعد أن انهيتُ كل الإبريق أضَع الكأس مِن دون أفلاته، أحدق به يتعرق. سمعتُ فجأة فتح الباب ورائي لألتفِت و أنهض بسرعة أرى أنَّ كانيلا مَن دخل قبل أن يتم أغلاقه مجدداً و يعُم الهدوء في المكان.

ماذا تفعلينَ هنا؟ تقدمتُ متساءلاً لِترفع رأسها تُمَرِر أناملها النحيلة في شعرها تزفر الهواء مِن فمها.

لستُ أدري، لم يُخبرونني بِأنني سأقضي الوقت هنا. هي أجابت تتجه إلى السرير لِتجلس على طرفه، أكواعها على ركبتيها و رأسها بين بيديها.

عدتُ أجلس على الكرسي احدق بِها قليلاً ثم أشحتُ بِنظري على الباب أبحث عن السلام و السكينة في وضع لا يسمح لِهذه الأشياء بالتواجُد في شخص عاجِز عن التصرف و الخروج من ورطة كبيرة.

أنا لم أكذب عليك. قطع كلام كانيلا الرقيق حبل أفكاري لتُصبح مجدداً مصدر الانتباه.

ماذا؟ أنا سألتها بِحيرة.

رفعت رأسها إليّ تُعقِد أصابعها بِبعضها بين ساقيها لتُعيد تبريرها
أنا لم أكذب عليكَ منذُ اليوم الأول الذي أتيتَ فيه إلى فالينيا. أنا فقط أخفيتُ الحقيقة لكني لم أكذب، أنا لستُ بِكاذبة، فالكين.

أرحتُ ظهري على الكرسي أفرِد ساقاي أنظُر لِلأرض القذرة، أجِد صعوبة بِلقاء تلكَ العينين فَهي تجعلني أشعُر بأشياء لم أكُن أعلم بِوجودها بِداخلي و غير ذلك، لها قوة، تأثير كبير عليّ فإذا نظرتُ لها أكثر مِن اللازم فقد يختفي غضبي و خيبة أملي بها.

لا يهُم، لم يعُد يُشغِل بالي، بَل المهم هو إيجاد طريقة لِلخروج مِن هنا و أخبار فالين بِكل شيء قبل فوات الأوان.

بِطرف عيني رأيتها تجلس مُستقيمة حواجبها مرفوعة.
ماذا يوجد في بالك؟

هنا تجرأت و وضعتُ مُقلتاي بِخاصتها التي لأول مرة، تبدو، كبيرة، كبيرة بِمعنى مُتعبة، أسفلها بِنفسجي و أزرق و ليسَ فيها ذلك اللمعان الجميل أو أية بريق و إنما مُطفئة، ظلمة تبدو سوداء أكثر مِن كونها عسلية اللون.

أبعدتُ نظري مرة أخرى.
أنا أفكر، سأجِد حلاً و سوف نُخرِج كِلانا مِن هنا أنا أعدكِ.

أرجوك كُن حذراً، هُم لديهم أعيُن في كل مكان.

أومأتُ بِتفهم ألعَب بأصابعي في حضني ليَعُم هدوء ثاني بيننا لا يتفوه أحدنا بِحرف إلى أن خلعت هي حذائها ثم صعدت على السرير، لكنها لم تنام بَل أسندت ظهرها و مؤخرة رأسها على الحائط، تَطوي ساقيها أسفلها، تغلق عينيها.

لا أصدق أنَّ والدك على قيد الحياة. همست هي مع نفسها لكني سمعتها لِهدوء الزنزانة كأننا الوحيدان في هذا العالم.

رفعتُ رأسي نحوها عاقِد لِحواجبي على ذِكر ذلك الرجل السافل
هو ليس والدي.

فتحت كانيلا عينيها بِبطء لكنها لم تنظُر لي قبل أن تقول
ريساند كانَ محقًا بِشكه عن الأمير الهارب و الذي اتضح أنه كاستيل لوماريل. هل تظُن، هل تظُن أنَّ أيكسا لم يقدر على قتله قبل سنين في الحرب؟

أحنيتُ ظهري على الطاولة ثم وضعتُ رأسي فوق يداي أنظُر لِطرف وجهها المثالي، أنفها المستقيم و طرفه المُرفوع للأعلى قليلاً يبدو كأنه منحوت مِن قِبَل فنان له خبرة لا يفهم بِها غيره.

غريب، لسببٍ ما، تذكرت في طفولتي أنه كانَ مُختلف الشكل حتى وجهها كله كانَ مختلف. لكن رُبما مُخيلتي تخدعني و تجعلني أتخيل أشياء.

هذا محتمل، أجبتها بِصوت رقيق شبه هامِس بعدما تذكرت انها سألتني سؤالاً
في النهاية كانوا أخوة و عائلة لِبعضهما قبل أن يَخون كاستيل أسليرا و يَغدُر بِمَن يُحبوه، لأنه لا يمتلك قلب ليُحبنا كِفاية، ليُحبني أنا و أمي كفاية.

هنا أدارت رأسي باتجاهي ترمِش عِدة مرات بِصمت ثم حركت يدها اليُسرى و طَبطَبت على المنطقة جنبها فوق السرير تضع بسمة صغيرة بالكاد واضحة على شفتيها المُمتلئة فاقدة لِلونها الوردي.

اللعنة! تبدو عطشانة و أنا شربت كل المياه التي لدينا. صفعتُ نفسي عقليًا ثم نهضت و ذهبت إلى السرير لأجل جنبها أماثل وضعيتها، كَتفي يُلامس كتفها الغير مكشوف، أشعُر بِبرودة جسمها الذي يجب أن يكون دافئ و لكن أمر طبيعي فالزنزانة باردة جداً.

ترددتُ بِلَف ذراعي حولها لكي ادفئها و خِفت انها لا توَد اللمس الآن لهذا أبقيتُ يداي لنفسي أحدق بالسقف الذي يَتساقط منه مياه غسلتُ وجهي بها قبل قليل عندما القوا بي على الأرض.

أنا متأكدة انه كانَ يُحبكم كثيراً، لكن الجشع و الأنانية التي في قلبه غلبت ذلك الحُب و جعلته يريد شيئًا ليسَ له. قالت كانيلا تكسر الصمت.

لا أعتقد انه يعرف ما هو الحُب أصلاً. لقد خانَ والدتي و خان الجميع حتى شقيقه الذي كانَ يجب عليه دعمه و الوقوف جانبه.

هَمهَمت هي ثم بادرت تومئ رأسها بِخِفة
تاليا، عندما كُنا نتحدث و قبل كُل ما حدث في الماضي بيننا، أخبرتني أنَّ قصة حب والداك جميلة و شهيرة في مملكة أسليرا مثلما كانت قصة حُب الملك أيكسا و الملكة دايانا والدان ريساند.

أخرجتُ ضحكة ساخِرة مِن حلقي على ذلك مع أنني أعرفها و و كانت مثل الآمل الصغير في داخلي بأنَّ والدي لم يكُن وحشًا طيلة حياته بَل رجلاً عاشقًا تزوج مِن المرأة التي يُحبها و جعلها أميرته مع أنها كانت تكرهُه في شبابها و لم تُحبه و كانت تتشاجر معه كُلما تقابلا إلى أن وقعت بِشباكه و غرقت بِعشق لم تكُن تعلم أنَّ نهايته بائِسة.

كانت على حَق بِكرهها له منذُ اليوم الأول و هو لم يستحق حُبها و لو ذرة.

ماذا عن والداكِ؟ حركتُ رأسي إليها أغَيّر الموضوع فأنا لا أوَد التحدُث عن الماضي و خاصةً أنني سوف أواجِه كاستيل بِكُل تلكَ الأسئلة التي تحوم في دماغي بِلا توقف.

قريبًا، سوف أعرف كل شيء قريبًا و سوف تنتهي الأسرار بِثمن عظيم.

نظرت هي لي بِتفاجئ مِن السؤال الذي خرج مِن لا شيء لِترتسم بسمة كبيرة لكن حزينة على وجهها قد كسرت قطعة من قلبي على منظرها.

والدي لم يُحب والدتي كما في الروايات الرومانسية أو كَقِصَص الملوك و الملِكات هنا لأنَّ زواجهما لم يكُن عن حُب بل مُخطط له أو إن أصح التعبير، تقليدي.

رفعتُ حواجبي مُندهش مِن ذلك، مع أني سمعتُ عن الزواج التقليدي مِن صديقي ريزار و هو سمع ذلك من والده لكونه تاجر بين العالمين و على أنه شائِع جداً في عالم البشر.

هُنا في عالمي، لا يوجد شيء كَهذا ابداً إلاّ إذا كانَ بين اُمراء و ملوك مِن أجل مصالح الممالك أو شخصية لكن بين الشعوب؟ لم يحدث من قبل.

و كيف هي علاقتهُما؟ هل لديكِ أخوة و أخوات؟ سألتها أرجِع لِلحديث لتومئ هي مرة واحدة تضحك بِخِفة كالتي تذكُر أشكال أفراد عائلتها و اشتياقها لهم، تراهُم يقفون أمامها و يبتسمون لها كما تفعل هي لهم.

والدي يحترم والدتي جداً و يُحبها كَزوجة له و أم لأولاده فقط، لم يُعاملها يومًا بِسوء أو يتفوه بِكلمة قذرة أمامها لكنه لا يقضي الكثير مِن الوقت معها لأنه تاجِر يُسافر كثيراً و نادراً ما يبقى في المنزل أكثر مِن شهر.

و والدتي تعمل كأم في المنزل طوال الوقت لِأولادها الخمسة، أنا أكبرهم فَنحنُ ثلاثة أولاد و أبنتين، البنت لها توأم لذا هي قريبة منه أكثر مني كَشقيقة وحيدة لها.

ألم تكوني مُقربة من أحدهم؟

هَزَت رأسها بِكِلتا الجهتين تُختفي بسمتها الكبيرة عن شفتيها رويداً رويداً، تتذكر شيء ما قبل أن تُكمل
لا، هُم كانوا أطفالاً صِغار لكن تاليا كانت المُقربة لديّ، كانت الوحيدة التي تُعاملني على كالشقيقة الحقيقية مع أنها كانت تمتلك واحدة لكنهم أيضًا لم يكونا مُقربين من بعضهما.

نعم، صوفيا. تاليا أخبرتني عن شقيقتها مرة منذُ زمن و عن شقيقها الأكبر الذي نسيتُ اسمه.

قَهَقهَت كانيلا بِخِفة مِن جانبي تَرجِع بسمة ناعِمة على شفتيها تُغطي على ذلك الحُزن الذي رأيته منذُ لحظات
ليام، اسمه كانَ ليام و كنتُ مُعجبة به بالسِر، فَهو كانَ وسيمًا جداً و لطيفًا معي، كانَ يجعلني أضحك دائمًا.

نظرتُ لها متوسع العينين لِتتقابل عيناي بِخاصتها قبل أن تضحك مجدداً تفهم دهشتي
كانَ أكبر مني بِكثير و شعرتُ بالأحراج مِن أخباره أو حتى أخبار تاليا فَهو شقيقها و قد يبدو الأمر غريبًا إذا قلتُ لها أنني معجبة بِشقيقك لهذا أخفيتُ الأمر عنهما كلاهُما إلى أن،.

لم تُكمل جملتها لأني عرفت ما نهايتها.
إلى أن تم قتله و قتل كُل عائلة تاليا أمام عينيها على أيادي لوثر آزايّ حارس البوابة بين العالمين لأنهم خرقوا الكثير مِن القوانين التي وضِعَت لحماية عالم البشر من عالم الجنيات، لِينجوا فَرد واحد مِن تلكَ العائلة المسكينة و تُصبح بعدها ملِكة قوية لِمملكة عظيمة الجميع يَهابُها حتى عند سماع اسمها فَحسب.

أذكُر أنَّ ريس حاول كثيراً تَغيير هذا القانون السيء لكي يَحمي البشر مِن الموت كما حدث لِعائلة تاليا لكن لا فائِدة، القانون قديم جداً من المستحيل تغييرُه.

فالكين. تَمتَم كانيلا مِن جانبي لأنظُر لها بِتعجُب.

امسكت هي يدي تضعها على حضنها ثم أمالت رأسها تسنده على كتفي. فتحتُ فمي لكي اسألها ما الأمر ليَمنعني شيء سقط على يدي من التفوه بِسؤالي، شيء سائل ودافئ.

أشحتُ بِعناي على يدي المُتمسكة بِيدها الصغيرة لأجد دمعة تنزلق مِن يدي و إلى بنطالي لِتنضم لها دمعة آخرى ليسَ لها صوت و آخرى و آخرى حتى شعرتُ بِجسدها يرتجف و كتفيها تهتز بِصمت.

تركتُ يدها ثم لفَفتها حول خصرها أقربها مني أغمُر وجهها بِصدري و فمي على شعرها.
يومًا ما، سوف تريهم. سوف نَخرُج مِن هنا بخير، ننقذ هذا العالم مِن شر كاستيل و رجاله و ننتهي مِن كل المشاكل و خاصةً مشكلة ذلك الوشم.

فالكين،.

لا بأس، أنا متفهم. عندما تكوني مستعدة لأخباري ستَجديني مُستعد كذلك لأية شيء.

لم تتفوه بِعد ذلك بِحرف و ظلت تبكي بِحرقة إلى أن غطت في نوم بين ذراعي و أنا بقيتُ مُستيقظًا أمسح على شعرها بِلُطف أقبِّله أسحب نفسًا من شعرها قبل أن أحدق بالباب أرمقه بِنظرات لو كانت نيراني على قيد الحياة، لو كنتُ أشعُر بها تناديني بِداخلي لأحرقتُ ذلك الباب السخيف و مَن يقف خلفه، لكنتُ أحرقتُ هذا المكان حتى أصبح رماداً.

و معه ذلك الرجُل الخبيث الذي يُدعى كاستيل.

في اليوم التالي، أو هذا ما أخمن أنه، استيقظتُ أنا و كانيلا بِنفس الوضعية على السرير عنقي تؤلمني بِشدة لكون رأسها كانَ على صدري طوال الوقت و رأسي مثني على جنبي يُلامس الجدار حتى لا أزعجها في نومها إن تحركت.

ليست أفضل طريقة لِلنوم فَلهذا نستلقي على ظهورنا وقت النوم.

أخذونا المُقنع و إزريال بعد تناول الفطور (الذي لم أقدر أنا و كانيلا على انهائه بِسبب طعمه المُقزز) مِن الزنزانة و إلى الغرفة في الطابق العلوي فوق الأرض ليضعونا فيها مِن دون لفظ كلمة و يُغادروا يحبسونا بِداخلها بِلا تبرير.

هذه المرة وجدنا مكتب في وسط الغرفة و خلفه النافذة أرى السماء زرقاء قافية و بعض الغيوم البيضاء تبدو كالقطن، حتى الشمس ساطعة، نورها يضيء الغرفة، عليه بعض الأشياء مثل:.

تماثيل صغيرة لِجنيات قديمة مِن الأساطير تحمل سيوف أو تركَب أحصنة بأجنحة ضخمة. و على زاوية المكتب أبريق ماء يبدو بارد مع ثلاثة كؤوس فارغة لكنها لم تكُن لِلماء و إنما لِأبريق نبيذ الأوكسارا بِجانب أبريق الماء و أمام المكتب كُرسيان إضافيان بِغنى عن الكرسي خلف المكتب.

ما الذي سيَحدُث؟ تساءلت كانيلا تحدق بالمكتب معقدة لِحواجبها.

و كأنَّ كاستيل سمع سؤالها، فجأة دخل الغرفة بِلا سابق أنذار مِن دون النظَر لِكلينا، شعره القصير مُسَرَح لِلخلف بعض مِن الخُصلات الشقراء تتدلى على جبينه، يرتدي سترة سوداء فَضفاضة مع بنطال بني و جزمة سوداء تصل لِركبيته.

لا سيف هذه المرة على خصره لكنه يحمل سكينة طويلة تبدو أخطر من السيف.

جلس هو خلف المكتب يسكُب النبيذ في الثلاثة كؤوس، يضع أثنان أمام الكراسي المُقابل لِلطاولة ثم أخَذ الثالث لِنفسه.

تبادلتُ أنا و كانيلا النظرات المُستغربة ليَقطع هو ذلك بِتصفية حلقه بِصوت مرتفع يجذُب انتباهنا من بعضنا.
لمَ لا تجلسون؟ الوقوف لِفترة طويلة متعبة، لا؟

شقلبتُ أنا مُقلتاي بينما كانيلا استمعت له و جلست على يسار المكتب بِحذر كأنها تجلس على زجاج تخاف أن تكسره.
تحركت عيون-ي كاستيل عليّ ليُشير بيده على الكرسي الفارغ بِجوار كانيلا.

لم أنصِت له لكني تقدمت على الكرسي و امسكتُ بِه اتكئ عليه. هو رفع حواجبه لكنه تنهد يَرجِع بِظهره على الكرسي يُفَضِّل أن لا يُجادلني بالأمر.

هذا ما اريده.

حسنًا بِما انكُما هنا لِنبدء بِ.

كيف نجوت مِن الموت؟ كيف تعيش إلى هذا اليوم في الخفاء إلى أن قررت الظهور مجدداً لِلعالم الذي نسية وجودك كما يجب؟ لم أدعهُ يكمل كلامه لأندفع بِتلكَ الأسئلة عليه أجعل فمه يظل مفتوحًا في منتصف جملته.

رمشَ هو عَليّ عِدة مرات ثم أغلق فمه يُضَيّق عينيه عليّ.
من غير الأحترام قطع كلام مَن هو أكبر منك، فالكين.

أخرجتُ ضحكة مُستهزأة مِن حلقي أشابك ذراعايّ على صدري.
لا أحتاج مِن شخص مثلك، تعليمي الأحترام. لقد تعلمتُ مِن أمي أحترام أنتَ تحتاجه.

ضرب قبضته الكبيرة بِقوة على الطاولة يَجعل كانيلا تنتفض و أعضائي من الداخل أنتفضت معها لكني لم أظهِر ذلك له بَل ظللت ثابت في مكاني لا أتحرك ساكنًا.
لا تتخطى حدودك معي لأني أمسِك أعصابي، فالكين و لا اريد فقدانها عليك.

لم أتفوه بِحرف أكمل رمقي له بِنظرات قاتلة. مسح وجهُه بِنفاذ صبر ثم أخذ رشفة كبيرة مِن الأوكسارا.
أيكسا لم يقتلني لأنه شعر بالشفقة اللعينة عليّ، أتضح أنَّ قلب المالك البارد الذي لا يعرف الرحمة، ليِّن و ضعيف غير لائق لِحُكم مملكة، لكنه أصابني في منطقة كادت أن تقتلني حتى تمكنت من الهروب والالتجاء لِ.

الشادونايتس؟ قاطعته مجدداً لِألاحظ عضلات فكه تشُد و ترتخي كأنه يرص على أسنانه.

أنا ابتسمت بِمُكر.
كاستيل: صفر، فالكين: اثنان.

نعم و لا. لكن في الآخِر تم أخذي لِلأتلانتيانز بعدما عثرتُ عليهم أو هُم مَن عثرو عليّ مِن أجل الانتقام المشترك بيننا مِن الممالك التي أنهتهُم و قتلت ملوكهم و بني جنسهم و دمرو سوليس.

سوليس، مملكتهم في جبال العسل و التي لدينا جنود ومقاتلين من فالينيا و أريزو متوجهين إليها مِن أجل معرفة إن ما كانوا الأتلانتيانز و هذا الرجُل يختبئون هناك، لكن ها أنا هُنا، أمام قائدهم و ربما في عرينهم.

إذاً هذا يعني أننا في جبال العسل؟
كيف وصلنا إلى هنا بِهذه السرعة إذا كانَ تخميني صحيحًا؟
التنقُل الأني؟ هذا مُمكن فَهذه القوة شائعة عند أهل سوليس و الشادونايتس.

لقد تأخرت كثيراً فالين، كما هي عادتك.

فكرتُ بِذلك ابتسم مع نفسي أتخيل ردة فعل فالين لو عرف أنني مع قائد أعدائنا و خاصةً أنه يكون الأمير الهارب الذي يعتقد العالم بأسره أنه ميت و أنه والديّ.

ماذا فعلت أيكسا؟ بِفعلت تلكَ و بِسبب رحمتك، تركتَ مُجرمًا مريضًا يجول عالمنا لكي يرميه إلى الدمار.

لقد أعتنوا بي إلى أن تعافيت و بدأتُ بالعمل معهم، نُخطط لِحرب سوف تُعيد حقهم مِن مَن أخذوه و لكي يُصبح لديهم مملكة مجدداً لكن ليست مُخبئة بل بيننا، مملكة سابعة.

توسعت عيناي بِصُعق أرى كانيلا بِمقدعها شاحبة أكثر مِما هي عليه مِن قلة المياه و الطعام و النوم ولكن هذه المرة مِن الصدمة، فمها يُفتح و يُغلق لكنها قررت إغلاقه بدلاً من قول شيء يُعَبِر عن شعورها.

ما خطبها؟ ليسَ مِن عادتها الصمت هكذا و إنما التكلم والإقناع فَهي ذكية بالحديث، لقد وضعها فالين سفيرة لِهذا السبب بالتحديد.

مملكة سابعة؟ أنتَ مجنون، هذا مستحيل! أندفعتُ قائلاً أعصِر مؤخرة الكرسي بِشدة.

أخَذ كاستيل رشفة أخرى مِن نبيذه يدفع الكأسين الأخرين نحوي على الطاولة و نحوَ كانيلا. أردتُ الصُراخ عليه على أنَّ البشر لا يمكنهم شُرب الأوكسارا فَهو كالسُم لهُم لكني لم أفعل بَل راقبتُ تصرفاته الحقيرة.

كانيلا رفعت رأسها لِوالدي تحدق بالكأس ثم به و هو دفعه أكثر كما لو انه يُجبرها على شربه لأفتح أنا فمي و أخبره بِغضب يَغلي في صوتي
هي لا تشرب هذا الشيء فَهي بشرية!

توقف هو مِن دفع الكأس ثم نظَر لِكانيلا و ابتسم تلكَ الابتسامة التي تُخبئ شيء ما يعرفه هو. شيء خاص بها هو مدركًا به.
هذا السافل!

هل أنتَ متأكد مِن ذلك؟ سألني هو يَرجِع على الكرسي يُحرِك الأوكسارا في كأسه بِحركات دائرية عينيه عليّ.

عن ماذا تتحدث؟ انا سألت بِحيرة أكَوِر يداي على جانبي حتى غرزت أظافري بِجلدي.

لم يُجبني لكنه أشاحَ بِعينيه التي أكرهها لكوني أمتلك مثلها نحوَ كانيلا، بسمته تتوَسع أكثر و كانيلا حركت رأسها على يسارها تحدق بِشيء ما بدلاً منه.

مثير للاهتمام. تمتم كاستيل يَشرب من نبيذه.

لِماذا تفعل هذا؟ كانَ سؤالي كافي بِجعله يُبعِد تلكَ النظرات عن كانيلا ليَضعها عليّ، تتحول إلى الجادة و الضجرة.

لأنكَ أنتَ مَن تستحق العرش و ليسَ ذلك الطفل الذي يُدعى ريساند.

أردتُ البَصق في وجهُه و أخباره العكس لكنه أكمل هو لا يسمح لي
أنا كانَ يجب عليّ أن أكون الملك و والدتك كانَ يجب أن تكون الملكة وليس تلكَ الهجينة دايانا، نِصف بشرية و نِصف جنية. ضحك هو على ذلك كأنها نكتة فكاهية.

البشر لا يجب أن يحكموا ممالك جنيات، فَهذا سخيف و غير موجود في كتابنا. يجدُر بِهِم حُكم ممالكهم الضعيفة فَهُم بالكاد يقدرون على تحمل المسؤولية.

لكنه لا يمنع ذلك. أنا عارضته.

تجاهل هو كلامي ثم تابع المَهزلة قائلاً
المملكة مِن حَقي و حقك، فالكين لكن حدث ما حدث و أصبح الأمر من الماضي لهذا أنا تركتُ منصبي كَأمير و ذهبت إلى مَن سيُساعدني و يدعمني في أستعادة ما يرجِع إلينا، بُني.

حان دوري بالضحك و السُخرية منه لأنه حقًا حقًا يَضغط على أعصاب حساسة بِهذا الكلام، أعصاب حاولتُ و ما زلتُ أحاول كبتها مِن الأنفجار و قتله هُنا في هذه اللحظة حتى لو لم أمتلك قوايّ، فَهذه الطاولة أو الكرسي في عنقه تكفي بِقتله.

تعاون معي، بُني، كُن بِجانبي لكي نستعيد المملكة و نجعلها أقوى و أعظَم من أية مرة، سوف نصنع التاريخ و سوف يَهابُنا الجميع و لن يجرؤ أحَد على تخطينا أو الوقوف بِوجهنا مُجدداً.

تقدمتُ أنا مِن المكتب، أخذتُ كأسي و كأس كانيلا الممتلئين بالأوكسارا ثم ألقيتُ بِهما على الجِدار خلفه لينكسرو و يتجزأو إلى قطع صغيرة تتطاير في كل مكان، ينتشر السائل الأخضر على الجدار لينزلق بعدها بِبطء إلى الأرض.

نظرات كاستيل لي كانت مَليئة بالغضب وجهُه أحمر و يده الفارغة تتكوَر على شكل قبضة، مَفاصله تتحول لِلبيضاء.

أحلَم بِتعاوني معك-أو أتعلم ماذا؟ ركلتُ الكرسي مِن أمامي ثم وضعتُ يداي على الطاولة أنحني إليه إلى أن أصبح وجهي قريب مِن وجهه لا تحلُم به لأنه لن يتحقق و لو على جثتي.

سمعتُ كانيلا تُتَمتِم كلامًا هامسًا مِن جنبي لم أفهمُهم و لا أهتم له لأنني ابتعدتُ عن المكتب ثم توَجهتُ إلى الباب لأطرق عليه بِقوة أنادي مَن يحرسه من الجهة الآخرى.

و بعد ثواني، فُتِحَ الباب ليَظهر لي إزريال عينيه الناعِسة تُحدق بي لا أعلم بِماذا يشعُر أو يُفكِر لكنني أخمن أنه منزعج جداً، ليَسأل هو يكسر نظراتنا يضعها على قائده
سيدي؟

بقيتُ أواجِه إزريال الذي يبدو أول أتلانتي شبه مُسالم إلا أنني أشُك بِهذا قبل أن اسمع كاستيل يُخبره بِصوت عميق يُشبه صوت أسَد على وشك الهجوم على فريسته
خُذه إلى زنزانته و لا تُعطيه طعامًا إلى أن أمركُم بِذلك.

أومئ إزريال له ثم أمسَك بِذراعي و أخذني لِلخارج لأذكُر أنني تركتُ كانيلا. لعنتُ نفسي ألف مرة على غبائي. كُرهي و حقدي لِذلك الرجُل أعماني في تلكَ اللحظة.

ماذا عن كانيلا؟ أنا سألت الأتلانتي قبل أن يأتي المُقنع و ينضَم إلينا يُمسك مِن ذراعي الثانية كأني سأطير بعيداً عنهم و أختفي مع الهواء مع أنني أنتظِر هذه اللحظة كثيراً، لحظة رجوع قواي السحرية و الجسدية إليّ لكي حقًا أطير و أرحل من هنا.

القائد يوَد التحدُث معها قليلاً، سوف تراها لا تَخَف. أجابني المُقنع مبتسمًا لأبدء بالتحرُك بين قبضاتهم أحاول أن التَفِت نحوَ الباب أنادي باسم كانيلا لكني تلقيتُ ضربة على مؤخرة عنقي جعلتني أرى ظلامًا قبل أن أعرف ما جرى لي.

لقد فقدتُ وعي.

لا أعلم كم يوم مَر و أنا في الزنزانة لِوحدي.

لم أعُد أرى كانيلا منذُ أن فقدتُ وعي قبل يومين؟ ثلاث؟ أسبوع؟ لستُ أدري لأنه لا نافذة في الزنزانة و لم يأتي المُقنع أو إزريال لأخذي إلى كاستيل لِكي يحاول ملء رأسي بِترهاته عن عالم أفضل و بِكون العرش من حقي و حقه.

بدأتُ أقلق على كانيلا لاختفائها و بدأتُ أقلق مِن الوضع الذي أنا فيه. لا تقدُم و لا تأخُر، لا أخبار عن العالم كأنني أعيش في واحد مختلف عنه.
كأنني بِمُفردي فيه.

جسدي عادت له الطاقة و القوة حتى هنالك دَغدغة تُصيبني في أطراف أصابعي مِن أستيقاظ سحري مِن نومه و معدتي الفارغة تفعل المِثل، منذُ أيام لكن مع إضافة كَقلة الطعام و العيش على الماء فقط.

حاولتُ أستدعاء أية قوة مِن قواي الثلاثة لكن مع الأسف لم تُجبني و لو ذرة منها لكني ظللتُ سعيداً أنها بِداخلي حية و لم تَمُت كما ظننت بِسبب تلكَ السلاسل السحرية اللعينة.

ما زلتُ أمتلكها و هنالك معها آمَل و لو صغير بالخروج مِن هُنا و الانتهاء من هذا الكابوس المزعج الطويل.

ولكن اليوم يوم حَظي، لأنه فُتِح الباب و أنا أستريح على السرير ذراعي تُغطي عيناي لأنهَض بِبطء على أكواعي أنظُر لِمَن دَمر قيلولتي القصيرة مع أنني لا أحتاجها فَالملل يقتُلني كُل ثانية مِن فعل لا شيء.

التمرين لِتقوية عضلات جسدي كانت تُشغلني لِفترة لكنها تُتعِبني جداً لِكون معدتي ليسَ فيها إلا قِطع خُبز قديم و قاسي كما لو أنه حجر و مياه، فَهذا عقابي الذي طالت مُدته بِسبب وقاحتي مع والديّ اللطيف.

دخَل المُقنع إلى الزنزانة أرى إزريال يقف عند الباب مُشابك لِذراعيه ينظُر لي بِضَجر و برودة كَعادته لكن المُقنع الذي تعملت أنَّ اسمه لوكي (اسم لا يليق بِشخصيته و شكله) على وجهُه بسمة عريضة، عينيه تلمع بِشيء ليسَ جيد لم أرتح له بتاتًا.

منذُ متى أرتحتُ لأيًا مِن هذه المخلوقات أصلاً؟

كدتُ أن أضحك على هذه الفكرة لكني منعتُ نفسي أرفع حاجبًا على الرجل.
ماذا الآن؟

وقف أمام السرير أنتبه انه يحمل السلاسل اللعينة في يديه الاثنتين المُغطاة بِقفازاته التي لا يخلعها ابداً كَما النصف قناع على نِصف وجهه. هالة السلاسل البنفسجية المائلة لِلسوداء تَحوم مِن حولها كالدخان مِن دون نار.

رفعتُ نظري على وجهِه ألعن تحتَ أنفاسي فأنا لم أصدق أنَّ قواي عادت و ها أنا مجدداً سوف أدَع مِن تلكَ السلاسِل تلمسني مِن جديد حتى تُعيدها إلى نومها أو على الأرجح إلى سُبات أبدي.

هل هذه ضرورية؟ أنا سألته ليبتسم هو أكثر يُظهِر أسنان مثالية بيضاء بأنياب مُدَببة حادة كابتسامة ذئب مُفترس.

نُخمِن أنَّ قواك عادت لِهذا نحتاج أن نأخُذ حذرنا، سمو الأمير.

تنهدتُ أنا أجلس على طرف السرير لكي أرتدي جزمتي المُتسِخة بالطين الجاف و مَخدوشة كثيراً قد تظُنها قديمة مِن أسواق المُستعمل، كَملابسي و أنا كُلي أصلاً، لأني أحتاج حمامًا بِفُقاعات فوراً و هذا غير متوفر.

يبدو أنَّ لِتأثير السلاسل مُدة، هاه؟ أنا تساءلت أقِف على ساقاي أواجِهُه، ألقي نظرة لِإزريال مِن فوق كتفه العريض.

أومئ هو مَرتين لأمُد يداي نحوه حتى يُقيدها بِالسلاسل. هَسهَستُ مِن بين أسناني على قوتها التي غرزت بِجلدي أشعُر بها تتدفَق لِجسدي إلى صدري تضع قواي في نومها الذي استيقظت منه قبل يومين.

تبًا!

كَم؟ سألتُ أستفسِر أكثر بعدما انتهى مِن تقيدي لينظُر لي مُستغرب كأنه لم يفهم سؤالي لكنه استوعبه في النهاية ليُمسكني مِن ذراعي اليُسرى و يدفعني نحوَ الباب من دون رد.

تبًا!

مِن الصعب أخذ معلومات عن أية شيء منه أو مِن ذلكَ اللعين مُتحجر المشاعر و الوجه. يُذَكرني بأحدهم لا أريد تذكُره.

خرجنا مِن الزنزانة يُمسِكانني مِن ذراعاي أصبح بينهما و نحنُ نمشي في المَمرات بين زنزانة و آخرى لا يوجد فيها كائن حي عدا الجِرذان و الحشرات التي كانت رفقتي الوحيدة.

لم أشعُر بِإهانة كَهذه مِن قبل في حياتي كُلها و هذه اسوأ مِن اية مرة أهِنتُ بِها إن كانَ مِن قِبَل ريس في الماضي أو فالين أو مِن أية شيء يُمكِن ذِكره.

إلى أين ستأخذوني؟ سألتهم املأ الصمت بيننا لأنني حقًا بدأتُ أغلي كَقَدر الماء على النار.

إلى أين تظُن بِرأيك؟ بادر لوكي يُحَرِك رأسه إليّ، تلكَ البسمة لا تنمَسِح مِن على شفتيه لأشقلب مُقلتاي عليه أغلق فمي و أقرِر عدم فتحه مجدداً معهم، مع أنني ترددتُ بِسؤالهم عن كانيلا، لكن أعلم أنهم لن يُجيبوني كما هو حالهم دومًا.

صعدنا الدرج إلى الطابق الذي يُخرجنا مِن تحت الأرض ثم أكملنا طريقنا في الممرات إلى أن أدخلوني لِذات الغرفة التي فيها هذه المرة فقط كانيلا تقف في وسطها ظهرها لي، ذراعيها مُلتفة حول نفسها تُشاهد القمر العملاق في أعالي السماء عبر النافذة.

نوره الأبيض مَصدر الإنارة الأقوى في المكان مع أنه على كُل جدار توجد نيران مشتعلة على عصيان خشبية كبيرة.
لا وجود لِلمكتب أو أية مقاعد لِلجلوس عليها.
غريب.

كانيلا؟ ناديتها لكنها لم تلتَفِت مع انها سمعتني بعدما تم غلق الباب و تركنا لوحدنا، أخمِن أنَّ والديّ قادم على الطريق كَما يفعل في كل مرة.

كانيلا هل أنتِ بخير؟ سألتها مرة آخرى أتقدم خطوة نحوها يداي أمام بطني لا تزال مُقيدة بِالسلاسل التي أقاتل سحرها الأسود بِكُل ما يُمكنني حتى أمنعها من أخذ قوايّ بِسرعة مني بعدما استعدتُها.

لم أرى القمر بِهذا الحجم مِن قبل. تَمتَمت كانيلا تستدير بِبطء باتجاهي لأرى عينيها تلمع بِدموع تتجمع فيها و تسقُط على وجنتيها واحدة تلوى الآخرى.

عقدتُ حواجبي بِقلق و خوف عليها ثم تقدمت أكثر نحوها حتى أصبح بيننا مسافة شَعرة، أشعُر بِحرارة جسدها و أشتم رائحة الياسمين مِن شعرها حتى و هي في حالة مِن الفوضى لا تزال رائحتها المُميزة عالقة بِها.

مدَدتُ يدايّ المُقيدة نحوها ثم بأصبعي السبابة، أبعدتُ خُصلات شعرها مِن على جانب وجهَها لِخلف أذُنها المُدورة ثم مسحتُ الدموع التي انهمرت، أحِس بِها حارة على أصبعي.

لماذا تبكين؟ أنا تعجبتُ أمسك بِذقنها لأرفع رأسها لكي تنظُر لي.

طرف أنفها الصغير أحمَر كَالمنطقة حول عينيها مِن بُكائها و شفتيها المُمتلئة كرزية جداً، أشحتُ بصري مِن عليهم.

فالكين، يجب عليّ أخبارك بِشيء مُهم لِلغاية. قالت هي تمسح دموعها بِنفسها، تُبعِد يدي بِلُطف مِن على ذقنها تجعلني مُحتارة مِن تصرفاتها أكثر.

ما هو؟

شيء أخفيته عنكَ لِمُدة لأنني، كنتُ خائفة لكن أعتقد أنه الوقت المناسب لِكي تعرف.

وضعتُ يدي على وجنتها أطلُب منها النظَر إليّ لكنها رفضت و أخذت خطوة واحدة إلى الخلف توَسِع المسافة بيننا.
أريدك أنَّ تعلم أنني لطالما أردتُ أخبارك و لم أرد يومًا اخفائه عنك لكني أضطررت.

عن ماذا تتكلمين كانيلا؟ أنتِ تقلقينَني.

عَم صمت بيننا فيه فقط شهقاتها الصغيرة و أستنشاقها مِن أنفها قبل أن تتقابل عينيها البُنية بِخاصتي و تفتح فمها لكي تُجيب و إذ بالباب يُفتح يجعلها تنظُر لِمَن فتحه بِقوة، يُدَمِر اللحظة التي كنتُ سأعرف فيها سراً مِن أسراراها.

شتمتُ مَن قطعنا بِصوت مُرتفع ثم استردتُ و طبعًا! أجِد العظيم كاستيل لوماريل يدخُل الغرفة مِن دون إغلاق الباب، أرى كذلك كُلاً مِن إزريال و لوكي يقفان عند الباب ظهورهم لنا يَحرسان المكان.

ماذا تريد! صحتُ على والديّ الذي يرتدي ملابس ثمينة و أنيقة و على خصره سيفه، يديه خلف ظهره يقف مستقيمًا و شعره الذهبي مُبعثر بعض الشيء، أسفل عينيه هالات سوداء تجعلها متعبة كما لو أنه لم ينم ابداً.

يبدو أنَّ عقابك لم يُحَسِن مِن ألفاظك معي، أيها الفتى. قال هو بِغضب، عينيه تخترقني لكني لم أهتم و وقفتُ شامخًا أرد له ذات النظرات.

تنهد هو يُغمِض عينيه لِفترة كأنه يُهدئ مِن روعه قبل أن يفتحها مجدداً. الآن يبدو ساكِن يوافِق السلام. لِثانية ظننت انه رجل لطيف كَبائع الحلوة الذي كان يزور القصر في أسليرا عندما كنتُ طفلاً حتى أشتري بعض الحلوة كَمُكافئة من تاليا على حضروي لِدروس الرقص أو أية دروس لم أحبها.

لكنه مُجرد قِناع و أنا أعرف الوجه الحقيقي الذي يختبئ خلفه.

يجب عليكَ فعل ما هو اسوأ مِن قطع الطعام عني. أخبرته ساخِراً ليبتسم هو ابتسامة مُزيفة.

و هل أثناء ذلك، فكرت بِكلامي عن التعاون و بقائك معي ليسَ فقط كَأمير و ملك مستقبلي و إنما، كأبني أيضًا.

لا لم أفكِر، لأنني لا أريد أن أصبح ملكًا أو أبنًا لِرجُل قاتل أبرياء، مُفتعل حروب و خائن لِمملكته.

مع أنَّ يديه خلف ظهره إلاّ أنني خمنت أنه يُكَوِرها على شكل قبضات لكون عضلات ذراعيه تَشُد إثر الحركة فَمَلابسه ضَيّقة على جسده بعض الشيء كما لو أنه يفتخر بِشكله حتى بعد عُمر طويل فيه لم يَعُد شابًا أو رجلاً بَل عجوز يجب عليه أن يكون تحت التراب مع باقي أجدادي.

يا لكَ مِن شاب أحمق. أنا أعرض عليكَ فرصة لم تسنح لِأحد غيرك مِن قبل، فرصة سوف تَجعلكَ ملك عظيم و أنتَ تُلقي بِها بِتَهور؟ زَمجر بِغضب، وجنته اليُسرى ارتجفت مرة.

اردتُ مشابكة ذراعايّ لكني لم أقدر، تلكَ القيود تضغط على معصمايّ بِشدة تجعل تحريكم أو تفريقَهُم عن بعضهم، مستحيل.

أنا. لن. أتعاون. معكَ. ابداً، ايها الخائن الجبان. أخبرته من بين أسناني أريد الانتهاء مِن هذا الهُراء لأني أفَضِّل البقاء في الزنزانة مع الجرذان على أن أكون معه أخوض هذا النقاش مجدداً.

هَمهَم هو يتقدم خطوة نحونا يومئ بِرأسه بضع مرات عينيه لا تُغادرني.

ماذا إن عرضتُ عليكَ فرصة أن تكون ملكًا مع الامرأة التي تُحبها، توقف هو لكي يُلقي بِذقنه على كانيلا التي تقف خلفي ثم تابع
حتى تجعلها تعيش حياة لا تحلُم بِها أعلى مقامًا. أن أجعلكَ ملكًا لِمملكة فيها ستكون هي ملكتك كما هي رفيقة روحك و نصفك الآخَر.

سمعتُ فجأة، كانيلا تَشهق مِن ورائي بِتفاجُئ و أنا شعرتُ بِكامل الدماء تتجمد في عروقي و بِقلبي يقع في معدتي على آخِر جملتين تفوه بِها هذا الرجُل.

رمشتُ عليه عِدة مرات لا أفهم ما يَعنيه، تعابير السُخرية به بدأت تتلاشى شيئًا فَشيء من على ملامحي إلى أن تعمقت في كلامه كي أجِد معناه الأصلي، أو لكي على الأقل أستوعب حقيقة كنتُ أشُك بِها لكني كنتُ خائف مِن أن أكون على حق.

و هذا اللعين السافل، أكَد على شكي.
كانيلا، كانيلا تكون رفيقة روحي.

- كانيلا -.

لا لا لا لا لا لا!

هذه ليست الطريقة التي أردتُ فيها أخبار فالكين بالحقيقة.

و بِكُل تأكيد ليسَ مِن والده الذي ألتقى به منذُ، حتى المُدة التي قضيناها هنا في هذا المكان المجهول، غير معروفة.

امسكتُ بِشعري مَصعوقة مِن الحقيقية، أشُدُه حتى الألم. الحقيقة التي انزلقت من لسان كاستيل عن قصد مع أننا اتفقنا أنه لن يُخبره بِحرف عن الموضوع، لقد وعدني و كسر وعده.

كاستيل في المرات التي كنتُ فيها لوحدي في زنزانتي أو في مكتبه بعدما يأخذو رجاله فالكين، كانَ يسألني اسئلة عن أبنه، اسئلة طبيعية جداً مثل:
ماذا يُحب؟ ما لونه المفضل؟ ماذا يكره؟ ما هو الشيء المُفضل لديه؟ مَن هو أعَز شخص له؟ ماذا أكون بالنسبة له؟ ماذا كانَ هدفه مِن مغادرة أسليرا و قدومه إلى فالينيا؟ ماذا و ماذا و ماذا و ماذا.

إلى أنَّ فاجأني بِكلام لم أكُن أعلم انه يعرف به.

علي أنني رفيقة روحه و نصفه الآخر، على أنني لستُ بشرية و إنما شيء مُختلف كليًا. كيف عرف بِكُل هذا؟ لم يُخبرني و فقط ضَحك عليّ.

لكنه قال بعدها أنه علم تأكَد بعدما رأى ذلك الوشم على كتفي الأيسَر بعدما لاحظو رجاله القليل منه عندما خلعوا مِن عني ردائي لِينزلق كُم قميصي عن كتفي و يَروه. و لأنهم فضوليين كما أخبروني المُغفلين، امسكوا بِكُم القميص و مزقوه لكي يأخذوا نظرة متمعنة به.

و أنه شيء رأى مثله على أحدهم مِن قبل، ليسَ مرة واحدة بِل عِدة مرات.

هذا يعني أني لستُ الشخص الوحيد الذي يَخوض هذه اللعنة في حياتها لكني بالنسبة له، أكون أنا أول بشرية أو هذا ما كنتُ عليه قبل الوشم.

تَرجيته، جثوتُ على ركبتاي أمامه لكي يُبقي الحقيقة سراً إلى أن أفشيه أنا لِفالكين، لكن على طريقتي و مِن فمي و ليسَ مِن فَم أحَد آخَر و بالذات ليسَ من فَم والده الذي يَمقته و لا يستطيع النظَر له مِن دون رؤية الحقد في عينيه.

و الأن، تدمر كل شيء بِسببه.

ظهرت بسمة عريضة ماكِرة كالثعلب على شفاه كاستيل عندما أخبره بالحقيقة و فالكين فقط تجمد و لم يَعُد يتحرك. لِلحظة أعتقدت أنه تمثال أو أنه فقد وعيه لكنه بِطريقةٍ ما لا يزال يقف على ساقيه.

هذا كانَ إلى أن بدأ جسده يرتَجِف و كاستيل هَزة رأسه بِكِلتا الجهتين يطرُق بِلسانه على أسنانه.
آوه لا، ألَم تكُن تعلم بِذلك؟ و أنا ظننت انكَ تعرف.

التفت كاستيل إليّ لأبعِد يداي عن شعري أشعُر بِرغبة كبيرة بالصُراخ و البكاء و أكثر ما أرغب به هو، وضع يداي حول عنقه و خنقه حتى يتوقف عن التنفس.

لماذا؟ همستُ له بِنبرة مُرتجِفة ليَمسح على لحيته مُضَيّق لِعينيه.

لماذا ماذا بالضبط، أنسة هاندسين؟

لماذا أخبرته؟ لقد وعدتني أنكَ لن تفعل! صرختُ عليه بِكُل ما أتيت من صوت ليتألم بعدها حلقي كما لو أنني مَررتُ سكينة عليه من الداخل.

هزَ هو كتفيه يضع يديه في جيوب بنطاله الأسود قائلاً
لقد أطلتِ بأخفاء السِر عنه و هو يستحق معرفته لأنه يَخصه هو كذلك.

أنا مَن أقرر متى يجب أن يعرف و ليسَ أنتَ!

هزَ كتفيه مُجدداً لا يُبالي لأكَوِر يداي على شكل قبضات إلى أن شعرتُ بِأظافري تغرز جلدي و بِسائل دافئ يسيل منها.

نظرتُ إلى فالكين الذي لم يتفوه بِحرف أو يتحرك مِن مطرحه. أخذتُ خطوة نحوه ثم مَددتُ يدي ترتجف كما لو أنَّ زلزال يعيش فيها لكي المسه لكنه فجأة استدار إليّ بِسرعة كبيرة، وجهُه أكثر بياضًا مِن الثلج لكن عينيه فيها نيران مُشتعلة، حارقة و مُحبطة جداً.

هل كلامه صحيح؟ سألني هو بِضُعف نبرة لأقابل عينيه، دموعي تنهمر كالشَلال على وجنتايّ لكني لم أجيبه فَلم أجِد صوتي و لساني عجز عن التحرُك، ثقيل كما لو أنَّ هنالك صخرة فوقه.

لقد قُلت، هل كلامه صحيح كانيلا! صرخ عَليّ، يَصِل ألمه و أنكساره إلى كياني يقطع قلبي إلى أجزاء لا أعلم إن ما يُمكن أعادتها كَسابق عهدها بعد هذا اليوم.

أنا لا أرى إلاّ الغضب، الألم و خيبة الآمل بي في عينيه الجميلة. لا شي من فالكين الذي أعرفه و كأنه شخص مُختلف ينظُر إليّ، شخص لا أعرفه و هو مُحق بِكُل ما يشعُر به.

نعم، لقد كنتُ أشُك بِالأمر منذُ فترة و تأكدت بعدما زُرنا القرية في مملكة أريزو قبل أشهُر.

عندما حَكى كبير القرية عن قِصة رفيق الروح و منذُ أن سمعتُ القصة، علقت في ذُهني و كُلما نظرتُ إلى فالكين كنتُ أشعُر بِكُل ما حدث في القصة، كنتُ أشعُر بِذلك الفراغ العميق الذي مِن المستحيل ملأه بِحُب رجل آخَر لكوني أمتلك رفيق روح و هو الوحيد القادر على أغراق ذلك الفراغ بِصدقه و حبه.

فَهو النِصف الآخَر الذي يفتقده، جسدك، روحك، قلبك حتى عقلك و كُل ما فيك.

لهذا لمساته كانت كالنعيم على جلدي، قُبلاته كالحُلم الذي لم أوَد يومًا الأستيقاظ منه و كلماته التي علقت في عقلي و لم تُغادره مِن الصباح حتى المساء.

و الأن كل شيء على وشك الانهيار و ربما أنهار و انتهى.

حدق بي فالكين لِفترة أحسَستُ بِها ساعات كما لو أنَّ الزمن علق و لم يَعُد يجري لكنه بعدها كسر التحديق ثم التَفَت إلى والده الخبيث الذي يُراقبنا بِصمت.
كيف عرفت عن الأمر؟

نظَر كاستيل بيني و بين فالكين إلى أن حَط تلكَ العينين على أبنه ليُجيبه
عجبًا مِن أين أنتَ حصلتَ على قُدرتك بِرؤية و معرفة الذي لا يمكن رؤيته و معرفته؟

كانت الإجابة لغُز لم أفهمه مِن البداية لكني استوعبته بِذات الثانية التي استوعب فالكين كلامه.
قوى رؤية الماضي التي يمتلكها فالكين.
رؤية الأحلام التي تُبقيه مستيقظًا كل ليل و ضحاه.

تلكَ القوة ورثها عن والده، فَهو عرف بالأمر مِن قبل أن يرى الوشم إذاً و الله وحدهُ الذي يعلم ماذا رأى هذا الرجُل في أحلامه طوال السنين إلى يومنا هذا.

هل رأيت؟ في النهاية أنا والدك و أنتَ أبني، مِن لحمي و دمي لهذا يجب عليكَ البقاء معي و مُساعدتي بُني، لكي نُعيد هذا العالم إلى سابق عهده. إلى ما كانَ عليه و أفضل حتى. قال كاستيل بِرِقة لأبنه يقترب منه قليلاً يمُد يده إليه.

لم يتفوه فالكين بِكلمة، و لم يأخُذ يَد والده ليَعُم صمت بيننا فيه ظل كاستيل مادِداً يده لأبنه، ينتظِرمنه أن يأخذها بِصبر.

صوت أنفاسي الهائِجة و نبضات قلبي المتسارعة في رأسي، رقبتي و صدري كانَ يُلهيني مِن رؤية ما على ملامح فالكين أو التفكير بالذي قد يشعُر به في هذه اللحظة.

أنا متأكدة أنه ضائع، حزين، مُحبط، غاضب و قد ينفجر بأية لحظة.

و كما لو انه قرأ أفكاري عادَ خطوة إلى الوراء يبتعِد عن والده ليَقف بِجانبي يديه المُقيدة تتحرك أمام بطنه كأنه يُقاتل شيئًا خَفيًا لا يُمكن رؤيته لكي يُحَرِر نفسه.

لا أعلم إن ما كنتُ أتخيل أشياء بِسبب الصدمة أو أنني فقط جُنِنت لكني أحسستُ بِحرارة عالية في الغرفة، و خاصةً مِن الجِهة اليُسرى، الجهة التي يقف فيها فالكين ثم بدأتُ بِسماع هَمهَمة مِن جسده لأنظُر نحوَه قبل أن يفتح فمه و يكسر الصمت.

الطريقة الوحيد التي ستجعلني بِها أتعاون معك أو أن أصبح أبنك، هي قتلي كاستيل، توقف هو يضحك كالمُختل بِنبرة مُرتفعة يُرجِع رأسه إلى الوراء، جعل مَن يَحرُسان الباب يلتفتوا نحونا متعجبين.

حتى جُثتي لن تعترف بِكَ كأب لي فَمَن يخون مرة، يخون عشرة بعدها، هذه كانت جُملة والدتي التي كَررتها لي قبل النوم بِجانبي في سرير كان يجب أن تكون أنتَ فيه معها! صاحَ فالكين عليه فجأة أنكسرت السلاسل التي حول يديه كالزُجاج، قطعها تتطاير في كل مكان ثم بدأت هالة بنفسجية تُشبه هالة السلاسل لكنها أغمق تبدو كالنار تَطوف و تحوم حول جسده بِبطء، تُخرِج ذات الهَمهَمة.

حرارته عالية جداً اعتقدت انه سوف يَحرِق المكان بِها ليَرجِع كاسيتل مُتفاجئ إلى الوراء يتعثر بِحذائه و يقع على الأرض مُتَسِع العينين، يفتح فمه و يغلقه كثيراً من دون أخراج كلمات، كالسمكة خارج البحر.

ركضوا رجاله إليه لكي يُساعدوه على الوقوف لكن أياديه تجمدت على ذراعيه يُحدقون بِفالكين وجوهَهُم مَخطوفة اللون لأنَّ عيون فالكين لم تَعُد بنفسجية بل سوداء و كبيرة.

حتى البياض الذي كانَ فيها أختفى لم يَعُد له وجود، أنيابه نَمت و نَمت إلى أن أصبحت طويلة و حادة جداً، أظافره طالت و أصبحت مَخالب سوداء كل ما ستلمسه، ستمزقه تقطعه لأشلاء.

نهض كاستيل بِمُساعدت رجاله ثم أخرَج سيفه مِن حمالته و ركض نحوَ أبنه يصرُخ باسمه، لكن فالكين صرخ مجدداً بِقوة جعلني أضَع يداي على أذُناي لكي أحميها مِن الصوت القادر على تدمير طبلات الأذُنين و سَحق الدماغ. خرجت قوة مَرئية هوائية مِن فالكين ألقَت بِوالده و رجاله على الجدار و الأرض يمنعهم مِن الاقتراب منه.

صرختُ أنا رُعبًا عندما أمسك بي فالكين يَحملني. يضع يداً قَد مَزقت القليل من ملابسي بِسبب أظافره أسفل ركبتاي و بالأخرى خلف ظهري ثم و مِن دون سابق أنذار، ركض بي باتجاه النافذة الكبيرة و قفز عليها لِألُف ذراعايّ حول عنقه و أخبئ وجهي بِرقبته أخرِج صرخة ثانية.

تَكسَر زُجاج النافذة السَميك و أصبحنا نقع و نقع و نقع إلى الهاوية، الهواء من حولنا يُحَرِك شعري بِقسوى أشعُر بِمعدتي تتقلب و نحنُ نسقط إلى المجهول.

لكن هذا لم يستمِر، لأننا توقفنا فجأة عن السقوط و بدأنا بالارتفاع بِسُرعة، أسمع صوت أجنحة تُرَفرِف مِن خلف فالكين.

بدأتُ أنا بِحذر إبعاد رأسي عن رقبة فالكين لأنظُر مِن فوق كتفه أعثُر على جناحين كبيرين سوداء اللون، ريشها ناعِم و لامع، يعكِس ضوء القمر يُصبح فيها بياض منه.

بلعتُ ريقي حلقي الجاف يؤلم كُلما بلعت مِن كثرة الصُراخ. أشحتُ بِعيناي ألقي نظرة على فالكين الذي ما يزال يمتلك ذات الأنياب الحادة، أحِس بِأظافره تَغرِز بِجلدي و هو يحملني.

تلكَ العينين السوداء الحالِكة لا يُعرَف أين تحدق. يُقال أنَّ العين نافِذة الروح، نافِذة إلى روح تَكشِف مَشاعر دفينة كُنا نريد إخفاءها و بِسبب هذه العيون، لم أقدر على معرفة ما يجول في خاطره.

مشاعره مُغلقة، عَتمة، ظلمة، سوداء كَسواد الليل و أكثر.
و أنا السبب بِذلك.

الفصل التالي
بعد 12 ساعة و 17 دقيقة.
جميع الفصول
روايات الكاتب