رواية تحت الغطاء الأبيض الجزء الثاني للكاتبة مينار الفصل الثاني والثلاثون
كيف لم أسمعه يأتي من خلفي؟
كان الذي دارَ في رأسي عندما استدرتُ الى الوراء لأجد السيد ويليو أمادين واضعاً يديه خلف ظهره و زاوية من شفتيه الداكِنة مرتفعة للأعلى بِشكلٍ بسيط.
هل فاجأتك؟ قال ويليو يحني ظهره باعتذار.
أخذتُ انا نفساً أحبسه قليلاً قبل أن يقف هو مستقيماً كما كان.
بعض الشيء. رددتُ عليه لتكبُر بسمته.
ماذا كنتَ تعني بأنها ليست فكرة جيدة؟
لم يجبني على الفور لأنه أنتظَر مغادرة أعضاء المجلس الى غُرَفِهم بعدها أشار لي لكي أمشي معه و انا فعلت.
إن لم أكُن مخطئ فأنتَ كنت ستظهر أمامهما و ربما تقتلهما، اليسَ كلامي صحيح؟
أردتُ الضحك على كلامه لكني كَبتُ رغبتي و طبعاً بلايز لم يُخفي سخريته لأنه ضحك بِفم مغلق و يده على فمه لأرمقه بِنظرات تجعله يسكُت.
ويليو رأى كل شيء لهذا أكمل هو لا ينتظر ردي.
لم تكُن ستستفاد شيئاً سمو الأمير. كلاهما لن يتراجعا حتى لو وقفت أمامهما و حاولت صدهم عن خططهم فكُل ما فكروا به أخَذ منهم ليس أياماً بل أشهر و انت إن لم تؤاخذني بِكلامي،
توقف هو لِلحظة قصيرة كي ينظُر لي بِطرف عينه اليُمنى
لن تقدر عليهم ابداً.
إذاً ما العمل؟ خُططهم سوف تُفسِد خططنا نحن و التي قد تُغَيّر الكثير في شادونايت و هذا العالم كله.
اومئ هو متفهماً لندخل نحنُ في منعطفاً يأخُذنا الى ردهة فيها درج لِلطابق العلوي و ردهة أخرى تصلنا الى غرفتي.
جميعنا مدركون للأمر سموك و لكن مَن يهم غيرنا نحن؟ على اية حال أعتقد أنَ أدلار لم يخبرك بأننا انا و هو نعلم جيداً عن خُطط المجلس منذُ فترة لكننا أبدّينا ردة فعل على الطاولة اليوم لكي لا يعرفوا.
حركتُ رأسي بِسرعة قسوة نحوى مَصعوق ليُعطيني غمزة بعينه الوحيدة و يُعَدل من رُقعة عينه السوداء كأنها زاحَت مع انها لم تتحرك من مطرحها.
أخمن أنَ سببكم سري؟ انا سألته معقد الحواجب ليهُز رأسه بِكلتا الجهتين.
بالنسبة لِلمجلس، نعم أما غير ذلك، فَلا سر سموك. حتى انني تكلمتُ مع جلالة الملك فالين قبل اجتماعنا على الطاولة و أخبرته بِكل شيء كي لا يتفاجأ و يُغَيّر من خططه بعدما يتكلم مع المجلس.
إذاً هذا كانَ سبب عدم وجوده من البداية الأن كل شيء منطقي و سهل فهمه و في الحقيقة لأكون صريحاً، تصرفه ذكي جداً و قد ساعد فالين و هذا ايضاً سبب كون فالين هادئ طوال الوقت.
في العادة، فالين الذي أعرفه كان سيُعارض و يغضب لكنه بدى مختلفاً جداً على الطاولة اليوم و كأنه غير مبالي و لا يؤثر عليه أيّ حرف قادم من المجلس.
يا لهم مِن أذكياء قد جعلوني أغضب على لا شيء.
و ريس؟ سألته أذكُر أنَ هنالك ملك أخَر قد تم أخفاء عنه خطط المجلس ضد شادونايت.
انه يعرف بالطبع، أحَد الحُراس الذينَ يعملون في إحدى الأبراج الخاصة بالمجلس، سمعهم قبل أسابيع يتحدثون سراً في غرفتهم الخاصة و لأنه مُخلصاً لِلجنرال أدلار، ذهب اليه و أخبره بِكل شيء.
و أدلار أتى اليكَ و أخبرك. انا أكملتُ عنه ليومئ مرة يوافقني كلامي.
همهمتُ انا قليلاً مع نفسي ثم بدأتُ أبحث عن المزيد من الأجوبة من هذا الرجل العبقري
ماذا يجول في رؤوسكم ويليو؟
وقفنا عند النوافذ العملاقة المفتوحة نشاهد القمر المضيء في أعلى السماء قبل أن يُجيبني هو
سوف ندعهم يفعلون ما يحلوا لهم لكي نمسك بهم بالجرم و يكون لدينا دليل قاطع حتى نطردهم من مناصبهم و القصر كله لأنهم بدأو يُشَكِلون خطراً علينا و على القصر.
رفعتُ حواجبي بِتعجب.
لقد ظننتُ انهم أفضل مجلس حروب في العالم و انهم من أنقذوا أسليرا من الحروب السابقة.
استدار إليّ ويليو يديه ما تزال خلف ظهره يُذَكِرني بِطريقة وقوف مايكا الدائمة لأتكئ انا على حافة النافذة و بلايز على كتفي.
هذا صحيح فَلا شَك بالأمر لكنهم كبروا في العمر و أصبحوا متعطشين لِلدمار و السيطرة و هذا ليس ما يريدونه الملوك ريساند و تاليا.
بِما انكم تعرفون انهم خونة و خطر على القصر، فَلما لا تطردوهم و تتخلصوا منهم، أفضل من انتظارهم للامساك بِدليل؟
ظهرت فراشة بيضاء اللون جميلة عليها بقع زرقاء فاقعة كأنها سائل سحري فيه نجوم، تطير نحونا بِما أنَ على حافة النافذة، تنمو زهور ذات رائحة جميلة لِلغاية. رفع ويليو أصبعه السبابة و أنتظرها الى أن حطت عليها تُرَفرف بِجناحيها الصغيران الى أن ثبتَت.
نظر لها ويليو بأعجاب يُراقبها تحرك قرون استشعارها قبل أن يُجيب على سؤالي
هنالك الكثير من الرجال و الحُراس و الوزراء الذينَ يدعمون المجلس و لا نعتقد انهم سوف يؤيّدون قرار طردهم بِسهولة لهذا لكي نختصر علينا العذاب في أثبات خطورتهم، قلنا أنَ هذه أحسن فرصة لفعل ذلك.
انهم يحتاجون دليلاً لكي يصدقوا.
اومئ مرة أخرى بِنعم يُنزِل أصبعه الى الزهور لكي تمشي الفراشة من أصبعه و تحُط فوق زهرة بتلاتها كبيرة.
هذه كانت فكرة الملك و موافقة الملكة و نحنُ ما علينا سوى الأنصات لهما. قال هو يُعيد عينه السوداء عليّ.
حلق بلايز مِن على كتفي الى مجموعة الزهور لكي يُشاهد الفراشة عن قُرب بينما انا استدرتُ نحوى القمر أرفع رأسي للأعلى مغمض العينين أدع من نسيم الربيع المذهل يغسل روحي بِهدوئه و برودته.
فتحتُ عيناي بعد تلكَ اللحظة و قلتُ لِويليو
أتمنى أنَ ما ستفعلونه لن يؤثر علينا عندما نصبح في مملكة شادونايت.
لن يحدث، انا أعدك بِهذا سموك لكن يجب عليكم أن تتجاهلوهم الى أن ينتهي وقتهم باللعب. اننا نصبر بِصعوبة من أجل أن تكون خطتنا متمكنة و صلبة.
اومأتُ له ثم أكملنا طريقنا في الردهة لأرى باب غرفتي في أخرها.
هل لديكم بُدلاء؟ سألته أضع يداي في جيوبي و صوت أقدامنا على البساط صدىً في كل مكان.
بالطبع.
ماذا عن الجنرال هودي؟
تنهد ويليو مِن أنفه يبدو أنَ الموضوع يضغط عليه و على الجميع بما أنَ الجنرال هودي كبير و له سمعة مشهورة في أسليرا و الكثير من الممالك الأخرى، فَلقد حارب بِجانب والد ريس و لم يترك القصر ابداً.
مع انه لم يكُن مِن مُعجبي ريس في بداية حكمه إلا انه قوياً و له أتباع كُثر و دَعم ريس بعدها كثيراً الى أن سمعتُ اليوم انه طريح الفراش.
و هذا سيء. فَهو لم يُدَرّب جنوداً مِن بعده و لم يُعَلِم أحداً طُرُقُه لكي يأخذ من بعده.
الملك ريساند يقول، إما أدلار مَن سيَحُل محله أو جنرال أخَر. أجابني ويليو يُخرجني مِن فقاعة أفكاري لأنظُر له مُستغرب.
جنرال أخر؟
نعم أخر لا نعلم بِشأنه و يبدو أنَ الملك وحده يعلم.
ماذا؟ منذُ متى و ريس لديه جنرال سري لا أحَد يعلم عنه؟
هَزة ويليو كتفيه لا يعرف الإجابة ليَعُم صمت بيننا الى أن وصلنا لِباب غرفتي.
لكل سر، سبب في كونه سراً سمو الأمير و انا متأكد انكَ انت تُخفي أسراراً لأسباب كثيرة.
حدقتُ به لِلحظة بدت طويلة الى أن أحنى هو ظهره احترامًا بعدها أخذ خطوة الى الخلف و أخبرني
تحدث مع الملك فالين و خُذ منه أفكار و ما شاركته اليوم قبل الاجتماع لعل كِلاكُما تساعدان بعضكما البعض بِتأليف سيناريو جيد ضِد المجلس في الاجتماع القادم و في شادونايت.
سأفعل ذلك، شكراً لكَ ويليو على أخباري.
هَزة هو رأسه و ابتسم أكثر قائلاً
هذه مهمتي سموك، نحنُ لا نريد حربً بعدما تخلصنا من واحدة و نريد السلام بين جميع الممالك فَمُشاركتي هذه المعلومات سوف تكون سداً لِهذه الحرب.
هذا ما أتمناه ايضاً.
أخذ بضع خطوات أخرى الى الخلف و قبل أن يستدير و يُغادر قال
سوف أراكَ قريباً في مملكة البحار.
و غادر ليأخُذ مني دقيقة كاملة كي أستوعب ما أخبرني به. رمشتُ عِدة مرات أصَفّي عقلي ثم نظرتُ لِبلايز الذي ما يزال يحدق بِمكان تواجد ويليو سابقاً.
هل كان يعني في حفل الزفاف الذي لم نتلقى دعوته؟ تساءل بلايز مع نفسه بِصوت مسموع لأفتح انا باب غرفتي و يستقبلني إيكس بِلسانه خارج من فمه.
قَرفصتُ انا لمستواه و رَبتُ على رأسه ثم حَككتُ خلف أذُنيه.
ربما. كان كل الذي قلته قبل أن أغلق الباب و أتجهز لِنومي أفكِر بِكلام ويليو و بالذي يجب عليّ التحدث عنه مع فالين غداً صباحاً.
وجدني النوم و لمُفاجأتي، بِسرعة.
أنفاسي متقطعة و نبضات قلبي الهائجة أسمعها بِشكلٍ واضح كأنها في رأسي و كل مكان من جسدي.
أركض و أركض بِكل ما أوتيت من سرعة و انا أصرخ لِلطبيب الذي معي بأن يسرع فلا وقت لدينا لنُضيعه.
طبيب؟
مهلاً لحظة...
انا في حلم مجدداً؟
من انا؟ نظرتُ على نفسي لأجد انني ارتدي درع و على رأسي خوذة و خصري سيفاً حاد و كبير. ألقيتُ نظرة على جانبي أرى رجلاً عجوز بِلحية بيضاء قصيرة يرتدي قبعة لها ذيل و رداء طويل لونه زيتي خاص بالأطباء.
هذا الرجل أعرفه جيداً، طبيب ملكي في قصر أسليرا.
هيا أسرع ايها العجوز! صحتُ انا له بِصوت ليس صوتي، ثخين و قوي و نحنُ نركض في ردهات القصر الى أن وصلنا لأسفله و خارجه نعبُر من خلال الأبواب العملاقة الى الساحة الرئيسية التي و لسببٍ ما يَعُجها الكثير من الخدم، الحرس و أشخاص أخرين لا أعرفهم.
أمامنا تماماً عربات ملكية كثيرة و عند العربة التي في الوسط، فضية اللون مُرصعة بالألماس و الياقوت الأحمر، يبرق أسفل أشعة الشمس الحارقة، وقف جلالة الملك ريساند منكمش الجسد و معه خطيبَتي جيانا و خادمة الملكة تاليا الشخصية، وجهها قلق و خائف و في عيونها دموع.
انه هنا! صِحتُ ليس لأحد مُحَدَد أمسك بِذراع الطبيب لينظروا الجميع اليّ و خاصةً ريس.
وجهه شاحب لِلغاية و في عينيه نيران مشتعلة، يديه مُكَوَرة على شكل قبضات تجعل مفاصله بيضاء تُظهِر عظامه أسفل جلده و ملابسه...
مُغطاة بِدماء قرمزي و هنالك البعض منه على رقبته و وجهه حتى شعره الذي دوماً ما يكون مُرتباً، الأن مُبعثر كما لو انه مَرَر أصابعه فيه مراراً و تكراراً.
لم أراه في هذه الحالة منذُ زمنٍ طويل. انه وحش على وَشك تدمير كل ما يقترب من الشخص الذي في العربة.
أفتحوا الباب! صاح هو على الحرس الملكي لَينفتح باب العربة و تخرج منه أولاً مخلوقة خشبية قصيرة، تيلار.
فستانها مِن لون العشب لكن أغمق عليه بعض دماء و يديها مغطاة بهم، أشارت لِلحرس بِيديها الصغيرة لكي يدخلوا العربة و يُخرِجوا الشخص الذي فيها و سبب أحضاري لِلطبيب الملكي.
بعد لحظة قصيرة أخرجوا الحَرَس الملكة تاليا، فاقِدة لِلوعي وجهها أبيض جداً يُماثِل لون الغيوم في السماء و مِن فمها يخرج الدماء.
ملابسها كلها تسبح بِدمائها لا تتحرك كأنها ميتة، جسد بلا روح.
أقترب ريس منها لكني ذهبتُ و أمسكتُ بِذراعه ابعدُه عنها ليرمقني بِنظراته القاتلة يَهُب الخوف فيني إلا انه أدرك انني ابعدُه كي يتدخل الطبيب و يتفحصها.
ما الذي حدث؟ انا سألت الملك الغاضب لكنه لم يجبني بل ظلت عينيه على تاليا و على الأيادي المُمسِكة بها و التي تتفحصها من دون رمش جفن.
لقد فَعلَت شيئاً متهوراً أحمقاً سوف تندم عليه عندما تستيقظ. تيلار مَن أجابت بِصوتها الصغير كَصوت الأطفال لأنظُر الى الأسفل عند ساقاي أجدها تهُز بِرأسها.
خائبة الظن.
لدي فكرة عن المكان الذي كانوا فيه و مع مَن لكن ما الذي حدث؟
ليست لدي اية فكرة.
استدار الينا الطبيب بعدما انتهى مِن فحصها ثم وَجّه كلامه لِلملك الصامت ذو العيون الحادة و القاطِعة كالسيف الذي على خصره.
جلالتك، انا، انا لا أدري كيف--.
أختصِر! قاطعه ريس بِقوة صوت قادم من بين أسنانه و عيونه متوسعة، ليَبلع الطبيب ريقه و يومئ.
لقد فقدته و خَسِرت الكثير من الدماء، يجب علينا نقلها لِلداخل على الفور.
أرتجفت يدين ريس بِشدة و بدت عيونه و كأنها تدمع لكنه هَزة رأسه بِخفة ثم رفع أحداها و أشار ريس لِلحَرَس بِنقل تاليا ليُنصتوا بسرعة و يأخذوها الى داخل القصر.
لحق الجميع بها الى داخل القصر و انا معهم لأجِد جيانا عند جدار قريب من الدرج، يدها على فمها تحاول كَبت بكائها بالكاد تمشي.
ذهبتُ انا اليها مُسرعاً و أمسكتُ بِذراعها أدعها تتكئ عليّ.
رفعت رأسها لكي تنظُر لي و الدموع تنهمر من تلكَ العينين الأجمل على الأطلاق.
ماذا حدث؟ سألتها بِرقة لتُعانقني بِقوة و تبكي بِحرقة بِصمت، جسدها يرتجف بين ذراعاي و شهقاتها كل ما أسمعه، تَهُز من كياني.
لقد خسرته أدلار، خسرته من أجلها، ضحت به بِسببها. قالت جيانا بين شهقاتها لأعقد حواجبي و أبعدها عني بِلطف كي أنظر لوجهها الجميل و تلكَ العيون الكبيرة الخضراء.
كيف؟ لماذا؟
هزت رأسها و أجابت تمسح دموعها
كريسيدا و لكي تنقذها.
توَسعت عيوني بِشدة الى حَد الألم ثم أخذتُ بيدها و ركضتُ الى غرف ريس و تاليا و هناك رأيتُ عند الباب أغلبية الخدم و الحُراس يقفون يحدقون بالباب المغلق ينتظِرون خبراً من الداخل عن حالة الملكة.
ابتعدوا. انا قلتُ لهم حتى يفتحوا مجالاً لي و لِجيانا.
سمعتُ بكاءً و همسات كثيرة بين الجميع يسألون عن حال تاليا و ما حدث و عن الغموض و عن الذي فقدته أو شيئاً من هذا القبيل، لكن لا أجوبة مفهومة و موَضحة لأنَ السر يكمُن مع الملكة فقط.
وقفتُ انا و جيانا أمام الباب ثم طرقته مع أنَ الحَرَس منعوني إلا انني عاندت و انتظرت رداً و لمُفاجأتي مَن فتح الباب كانت تيلار لتَسمح لي و لِجيانا بالدخول.
فور أغلاق لِجيانا الباب، ضربتني رائحة الدماء القوية و هدوء الغُرَف مع أنَ أبواب الشرفة الكبيرة مفتوحة إلا أنَ لا نسمة تدخل أو تُغيظ الهدوء هنا بل سكينة مخيفة جداً.
رأيتُ ريس، ملابسه السوداء متسخة و مجعدة، يقف عند نهاية السرير عينيه على المُستلقية فوقه و الطبيب يساعد تاليا بِتضميد جراحها و وضع تعويذة شفاء عليها. نور أخضر يخرج من يديه ليسقط على معدتها و باقي جسدها.
ريس. همستُ اسمه مع انني أردتُ صوتي أن يكون أقوى لكن مِن توتري خانتني حبالي الصوتية.
حَرك ريس رأسه باتجاهي بِبطء شديد هذه المرة وجهُه مُرتخي لكن بارد جداً كَعادته و عيونه ناعِسة إلا انها لم تفقد تلكَ النيران المحترقة.
ما الذي حدث؟
ظل يتكرر هذا السؤال بِداخلي.
تلكَ الفتاة لن تتوقف عن التضحية بنفسها من أجل غيرها مع أنَ مملكة عظيمة بين يديها. تمتمت تيلار من جانبي انا و جيانا.
هذا يكفي تيلار. قال ريس بِصرامة لها لتتنهد مُشابكة الأذرُع.
أحتاج المساعدة. بدأ الطبيب ليذهب اليه ريس لكنه هَزة رأسه و طلب مني انا أن أساعده بدلاً منه.
لماذا انا؟ أتيتُ الى جانب الطبيب متساءل أشير على ريس بِعيناي.
لأنَ يدين جلالته ترتجف أما خاصتك فَلا. أجاب الطبيب باختصار.
نظَر ريس الى يديه عليها دماء جاف ثم اومئ متفهماً لِطلب الطبيب ليرجع الى مكانه و يراقب بِصمت.
لاحظتُ الأن أن الجزء العلوي من تاليا عاري كلياً و جزء منه يملأه الدماء فَحاولتُ قدر الأمكان أن لا أنظُر اليها و أبقي نظري على ساقيها أو يداي انا.
عضتُ على أسناني و فعلتُ ما طلب مني الطبيب حرفياً من دون أن أخطئ. ساعدته بِأعطائها بعض الأدوية في فمها ثم لَف الجزء العلوي من جسدها بِالشاش الطبي.
بعد ذلك، أمر الطبيب من جيانا و تيلار أن يحضروا بعض المياه الدافئة و المناشف كي ينظفوها من الدماء و الأوساخ و هُم فعلوا ذلك من دون تضيع الوقت و بالنسبة لريس أحضر لها ملابس نظيفة و جلس على كرسي مكتبه يمسح وجهُه بينما يزفر الهواء من فمه مرهقاً نفسياً.
مرت ساعات و حَل المساء و الطبيب ظل يعمل و يعمل من دون أخذ راحة عدا لشرب الماء و نحنُ بقينا فقط نراقب أو نساعد إن طلب منا.
أغلق الطبيب حقيبته بعدما وضع فيها أغراضه ثم وقف أمام ريس الذي ما يزال جالساً، مجدداً عينيه لا تغادر زوجته لكن ترك الطبيب مسافة كبيرة بينهما.
حالياً، انها بخير بعدما ضمتُ جراحها و أوقفتُ نزيفاً داخلياً لكن يجب عليكم مُراقبتها و انا سوف أعود غداً باكراً لِلفحص.
شكراً لك. رد عليه ريس بِنبرة منخفضة.
انه واجبي. أنحنى الطبيب احتراماً لِلملك.
بعدها غادر الطبيب الغرفة مع جيانا و تيلار و انا بقيتُ لوحدي مع ريس.
سوف أقتلها. تمتم ريس لأحرك رأسي بسرعة اليه و أرمش بِجفوني لا أفهم ما قاله.
من ستقتل؟ انا سألته بِحيرة.
لم يجبني على الفور لكنه نهض على ساقيه و توَجّه الى السرير ثم جلس على طرفه بِجانب تاليا النائمة.
حمل هو يدها صغيرة مقارنةً بخاصته ثم وضع عليها قُبّلة عميقة بعدها أبقاها على حضنه و مسح على وجهها و شعرها النظيفان بِخلف أصابعه و رقة كأنها مصنوعة من الزجاج المشعور.
سوف أقتلهم جميعاً. عاد ريس يُتَمتم لأعَض انا على وجنتي من الداخل و ابدأ حقاً بالشعور بالخوف من كلامه.
ريس عن ماذا تتكلم؟ من هم؟
وضع قُبّلة على جبين تاليا ثم جبينه على جبينها يغمض عينيه يأخذ نفساً عميقاً من رائحتها.
كل مَن سببوا لها الأذية و لم ينصتوا لي.
لكنها هي التي--
رفع رأسه ريس اليّ تتحول ملامح وجهه من الهادئة الى شيء يشبه الأعصار يقاطعني بِحدة صوت
لا تتجرأ أدلار! لا تتجرأ.
ختمتُ على فمي و أحنيتُ رأسي تأسُفاً أشعر بالعار لِتفكيري انها هي السبب بالذي حصل لها.
مع أنَ كل الإشارات تُشير اليها هي، أعني لِلذي حدث معها، تاليا تكون المسؤولة، اليس هذا صحيحاً؟
لقد اتخذتُ قراراً خاطئاً بِتركها تزورها. لقد ظننتُ انها سوف تراها لكي توَدعُها لكني لم أكُن ابداً لأتوقع انها سوف تفعل هذا، لقد عارضتني و لم تنصت اليّ مهما حاولتُ منعها. قال ريس يمسح على شعر تاليا بِخفة، وجهه يعود لِلساكن و المرتخي.
نعم، تاليا نعمة و هي الوحيدة التي تبقيه على أعصابه، فَماذا لو، ماذا لو حقاً ماتت؟
ماذا كان ليحدث له؟
هَززتُ رأسي مع نفسي أرفض التفكير بالأمر أكثر ثم خلعتُ خوذتي و وضعتها بين أبطي و ذراعي العُلية.
هل، هل حقاً أنقذَتها؟ تجرأتُ بِسؤاله أجرب حظي.
نظر لي ريس ثم ترك يد تاليا و كَوَر يديه على شكل قبضات ليُشيح بِعينيه على الأرض يحدق بِجزمته عليها طين جاف و عُشب.
مع الأسف نعم، عاشَت.
مع الأسف.
جملة قاسية لم أكن يوماً لأسمعها من ريس عن شخص بريء.
كريسيدا مَن فعلتها. لم يكُن سؤالاً لكنه اومئ بِرأسه.
تلك الحقيرة سوف تتلقى عقابها.
ريس، اسمعني أرجوك و لا تأخذ كلامي إهانة، لكن تاليا مَن قررت و لم يرغمها أحد.
عادت تلكَ العينين القاتلة عليّ.
انها ملكة! يجب علينا أن نمنعها مِن فعل و التفكير بِطريقة شخصية و حساسة لكنهم دعموها و أنصتوا لها! صاحَ هو يقف على ساقيه لأقف انا متأهباً.
قتل قائدة الساحرات سوف يُحدِث مشكلة لا حل لها ريس لهذا لا تتصرف و انتَ غاضب.
غاضب؟، غاضب؟ هل تعلم ماذا فقدت و كُدتُ أن أفقد؟ تقدم هو خطوة نحوي يديه في الهواء.
أعلم، صدقني أعلم لكن أرجوك فقط أبقى بِجانب تاليا الى أن تستيقظ على الأقل بعدها أفعل ما يحلوا لك.
تنهد هو يُمَرِر أصابعه في شعره المُبعثر يلعن عِدة مرات. عاد الى السرير لِجانب تاليا ثم وضع أكواعه على ركبتيه و أحنى ظهره يحدق بالأرض.
زفرتُ هواءً من فمي بِطريقة لا يسمعني أفعلها و ظللتُ وافقاً في مكاني لا أتزحزح في الصمت بأرجاء الغرف الملكية فقط الأن صوت الرياح يملئ الغرف رويداً رويداً.
اين هي؟ انا سألته باللحظة التي فُتِحَ الباب فيها و دخلت كُلاً من جيانا و تيلار.
في فالينيا مع فينار، أخذتها بِقرار من فالين. أجابتني تيلار تتكئ على الباب.
أعطيتُ بسمة صغيرة لجيانا التي ردتها لي لكن بحزن لأرى انها تحمل صينية و عليها كأس فيه سائل أبيض.
تحركت هي نحوى الملك ثم أعطته إياها تخبره انه من الطبيب و يجب عليه شربه لكي تهدئ من أعصابه و تُخَفِف الصداع في رأسه.
شربه هو من دون اعتراض أو التفوه بِكلمة ثم أعاده اليها لترجع لجانب تيلار.
سوف تبقى هناك؟ انا سألتهم بِفضول.
اومأت جيانا و الحزن يملئ وجهها الجميل مع خيبة أمل واضحة لكن ريس من أجاب بِبرودة.
و سوف تبقى الى الأبد.
التفتُ اليه متفاجئ لا يقابل عيناي.
تاليا لن يعجبها هذا على الأطلاق و سوف تقاتلك من أجلها.
لتفعل ما تشاء سوف تعتاد.
أخرجت تيلار صوتً من حلقها بدى لي كالضحكة الساخرة لكنها لم تتفوه بِحرف.
لكن ما ذنب تلكَ الفتاة المسكينة؟ منزلها هنا، معنا. انا أخبرته.
توَجّه ريس الى الخزانة، فتحها ثم أخرج منها ملابسه و قبل أن يدخل الحمام أخبرنا بِنبرة كالسُم
لا منزل لأخذي الأرواح في أسليرا.
و أختفى في الحمام ليبدأو تيلار و جيانا بالمغادرة و ترك الملك يأخذ راحته بالاستحمام و لكي ترتاح تاليا لكني انا نسيتُ نفسي أحدق بِتاليا أراقب تنفسها المنتظم، صدرها يصعد و يهبط باستمرار.
تبدو هادئة لِلغاية كالطفلة، ليس و كأنها عادت من الموت قبل ساعات و سببت مشكلة كبيرة بل كأنها عادت من نزهة في الحديقة الوردية مع ريس و فالكين الصغير و مربيته.
لطالما اعتبرتُ تاليا كالأخت الصغيرة لي و أحبها مثل حبي لِعائلتي و أكثر حتى إلا انها بعض الأحيان تنسى حقاً انها ملكة و لديها مسؤولية عظيمة يجب عليها الحفاظ على روحها و حياتها من أجلها.
تجعلني أفكر باختيار ريس بِجعلها ملكة، ليس لأنها ليست جيدة كَملكة لا على العكس لأنها جيدة فوق الحدود ترتكب أخطاء أكبر منها بِحكم طيبة قلبها و رحمتها.
زفرتُ الهواء مِن فمي أغمض عيناي لِلحظة بعدها توَجّهتُ نحوى الباب و أمسكتُ بالمقبض كي أفتحه لكن قبل أن أغادر سمعتُ تاليا تهمس في نومها باسم ما.
أدرتُ رأسي الى الوراء عليها أنتظِر منها الهمس بالاسم مجدداً و بالفعل همست به مرتين، أول مرة لم يكُن واضحاً ما قالته لكن في المرة القادمة جعلت من كل الدماء في رأسي يهبط الى ساقاي.
كانيلا.
كان كل الذي سمعته.
فتحتُ عيناي بِبطء أرى سقف غرفتي الأبيض و عليه عروق نباتات خضراء و زهور صغيرة تنمو منه.
أحسستُ بِبرودة تلامِس جسدي لأحرك يدي لسببٍ ما ثقيلة كي ألمس وجهي و إذ بي ألمس العرق الحار عليّ، لا بل أسبح به، انه في كل منطقة على جسدي.
حاولتُ تحريك جسدي لكي أنهض و أغتسل لكن لا فائدة، انه ثقيل مثل يدي كأنما فيل يجلس فوقي يمنعني من الحراك.
أردتُ فتح فمي و مناداة بلايز لكي يساعدني بطريقةٍ ما أو لكي على الأقل أعرف انني في الواقع و لستُ في ذلك الحلم الذي جعلني أبكي لوحدي و قلبي ينكسِر الى أجزاء تؤلم كثيراً بشكل فظيع.
لقد رأيتُ ماضي أدلار.
و أصبح لدي بداية الخيط من قصة تاليا و كانيلا، صحيح؟
هل هذا سبب عدم رؤيتهما لِبَعضهما و تكلمهما؟ و سبب منعها من زيارتها لأسليرا؟
ريس السبب في هذا القرار؟ هو الشخص الثالث الذي تساءلتُ عنه من قبل؟
لكن السؤال الأعظم يكون: ما الذي حدث بالضبط مع الصديقتان؟
لماذا كانت تاليا مُغطاة بِدمائها و ريس بِشكلٍ كما لو انه رأى أحداً ما يؤذيها عمداً؟
يا اللهي هنالك الكثير من الغموض و الأسئلة لدرجة أنَ صداع تشكل في رأسي ينبض كلما فكرت و فكرت.
رصيتُ على أسناني بِقسوة أعيد محاولة التحرك و مع ذلك لا نتيجة لهذا استسلمت و بقيتُ مُستلقياً بِعرقي على السرير أحدق بالسقف أشاهد الحلم أمام عيناي.
ما يزال هنالك قطع مفقودة من القصة فَهل يجب عليّ لمس أدلار مجدداً كي أعرفها؟
هل بأمكانك التحرك؟ فجأة ظهر بلايز أمام وجهي مُشابك الذراعين عند صدره وجهُه النعسان ضجر.
أعطيته بسمة مُزيفة ثم رددتُ عليه
لا انا فقط أجرب الاستلقاء هكذا فَلقد سمعت أن الوقت يجري بسرعة إن بقيتَ ساكناً.
لقد ظننت أن الوقت لا يجري بسرعة إن جلست من دون فعل شيء.
شقلبتُ مُقلتاي أدعوا الله أن يُخلصني من هذا العذاب المسمى بِبلايز، الذي يؤلمني أكثر مِن الصداع و كل الألآم التي ترافقه من ذكرة الحلم.
ساعدني ايها الساذج. انا قلتُ له ليضحك قليلاً و يهُز كتفيه.
كيف يمكنني مساعدتك، كما ترى انا قزم و انتَ عملاق.
بلايز، يكفي لعباً و ساعدني بِقواك العجيبة في تحريك الأشياء.
هَمهَم هو يَحُك ذقنه ثم طار بعيداً عني نحوى الباب ليفتحه قبل أن يخبرني
سوف أنادي كانيلا.
أردتُ التحرك و إيقافه لكن لم أقدر لألعن بِصوت مرتفع لا أهتم لِلكلام الذي خرج من فمي.
لا تفعل ايها اللعين و تعال الى هنا لم أعُد أحتاج المساعدة.
لكنها أخبرتني أن أناديها إن حصل معك اية مشكلة بِسبب الكوابيس و مهمتي أن أنصت.
آوه الأن انتَ تنصت لِلكلام صحيح؟، بلايز أسمع، هي أكيد نائمة و متعبة بِسبب الذي حدث معها اليوم، ألا تذكُر؟ دعنا لا نزعجها في هذا الوقت.
لم يسمعني و غادر الغرفة يتركني لوحدي فيها لأصيح باسمه من دون جدوى.
تنهدتُ بأحباط أعصر عيناي مُغلقة أعَض على شفتاي لكني صبرت و هدأتُ مِن روعي فالغضب لن يُجدي نفعاً و لن ينقذني من موقفي.
و ربما وجود كانيلا سيُساعدني حقاً، في العادة بعد دقائق أستطيع التحرك مِن الصدمة ما بعد الكابوس لكن مِن الغريب انني لم أخرُج من الصدمة و جسدي يرفض الأنصات لي.
ربما لأنَ الحلم كانَ أكبر منك و مخيف لدرجة جسدك.
وقع في غيبوبة.
سخر مني صوت بداخلي لألعن مجدداً.
بعد مرور دقائق طويلة سمعتُ صوت الباب يُفتَح و أقدام تتوجه نحوي لأرى بعدها وجه جميل قد أستيقظ توه من النوم و معها إكسانا و بلايز.
هل انتَ بخير سموك؟ بدأت بِصوتها الناعم و هي تُبعِد خصلات من شعرها عن وجهها لتجلس بِجانبي على طرف السرير.
أخذتُ نفساً عميقاً أشاهد الصغيران يطيران الى الحمام أعتقد انهم سوف يحضرون شيئاً لِلتنظيف.
يبدو انني لن أتحرك قريباً حتى مع وجود كانيلا.
عادت عيناي على كانيلا القلقة مُعقدة الحواجب.
لا، لستُ بخير ابداً لكني أتحمل.
أعطتني بسمة لطيفة لِلغاية تُظهِر أسنانها اللؤلؤية ثم أبعدت الغطاء عن الجزء العُلوي من جسدي العاري لتُهَسهِس من بين أسنانها على بركة العرق و حرارة جسدي.
انني أشتعل.
أعتذر على أيقظاك في هذا الوقت كانيلا. أخبرتها أتفادى النظَر اليها لتهُز رأسها ستائر شعرها تهتز معها.
لا تقول هذا رجاءً، لقد سبق و أخبرتك انني اريد إعانتك في مشكلتك لأنها قد تؤذيك لدرجة لا اريد تخيلها.
وصل الصغيران و معهما طبقاً فيه مياه و مناشف جافة ليَضعوهم فوق الطاولة الجانبية لِلسرير كي تأخُذ كانيلا منشفة و تغرقها في المياه كي تبدأ بِمسح العرق عني بِرقة حركة.
ماذا رأيت، بِما أنَ جسدك لا يتحرك هذا يعني انكَ في صدمة صحيح؟
صحيح. لكني، لكني لا أذكُر جيداً ما رأيته، الذِكرة ضبابية. كذبتُ عليها لأني لا أظن أنَ أخبارها بالحلم سيكون جيداً.
أعني مرة أخرى، انا أوَد معرفة كامل القصة لكن أدلار كان مُحقاً، انها قصة الصديقتان و عندما يكونا مستعدين لأخباري فأنا كُلي أذان صاغية.
فَلا أحب التدخل في مالا يعنيني.
الأن لا أراه الوقت المناسب لِسؤالها و السماع منها القصة أو ربما هي لن تقبل بأخباري و قد تحاول التهرب من الإجابة. انا متأكد انها قصة تُدمرها الى الأن مِن الداخل كما تُدَمرني انا مع أنَ لا دخل لي.
معرفة أنَ تاليا كانت في ألم وحده يقتلني.
ماذا حدث؟
عاد هذا السؤال كالصدى في رأسي، نفس السؤال الذي كان صدى في رأس أدلار في الحلم.
و هي تُنَظِف العرق عن جسدي، أخذتُ انا أحرك عيناي على وجهها و تفاصيله، أنف صغير مستقيم، حواجب مُرتبة داكِنة و عيون كبيرة سوداء لكون لا ضوء ينعكس عليهم ليَجعلهم كَقطرات العسل.
شفاه ممتلئة و مثالية، جبين صغير و شعر أسود حريري مُمَوَج.
أنزلتُ بِعيناي على جسدها، ذراعيها و جلدها خاليين من الشوائب و يبدو جلدها مضيئاً بالنسبة لِبشرية، أصابع نحيلة و طويلة بأظافر جميلة مُقَلمة.
جسدها مثالي لها صدر مُمتلئ بالكاد واضح أسفل رداء نومها الأبيض الحريري و المعطف الرقيق فوقه. لها خصر ليس نحيلاً لِلغاية لكنه مناسب و ساقيها طويلة ناعمة، الجلد يلمع لانعكاس نور القمر عبر أبواب الشرفة خلف السرير.
انها جذابة، أنثوية جداً و ناعمة المظهر. الكلام لا يمكنه أن يُعَبّر جيداً عنها و تبدو في صحة على الأقل الأن.
مع انها كانت تتألم قبل ساعات و كانت في حالة سيئة جداً بدت على وَشك فقدان نفسها لو لم نلحق بها و نعطيها دوائها.
ما الذي حدث في الماضي؟
بعد التفكير بالأمر، انها تبدو يافعة في العشرينيات مِن عمرها مع انني أعلم انها أكبر بِكثير فَكيف لم تكبر سناً؟
لماذا ظلت على نفس شكلها قبل تسعة عشر سنة؟
البشر ينمون بِطريقة طبيعية في هذا العالم كَعالمهم لا يوجد اختلاف إلا إذا...
إلا إذا استعانوا بِسحر الساحرات عن طريق ألقاء تعويذة عليهم لأبقائهم على قيد الحياة كالجنيات يعني مِثلنا (لكن نحنُ لا نحتاج تعويذات بل نُخلَق خالدين تقريباً).
و لِلتعويذة على البشر عواقب وخيمة قد تقود الى موتهم إن تأّذت الساحرة التي القَت عليهم التعويذة أو إذا ماتَت فهُم يموتوا ايضاً لأنهم حرفيًا موصولين بهم روحياً.
هل كانيلا موصولة بإحدى الساحرات عن طريق تعويذة لهذا تبدو يافعة الشكل ولا تكبر؟
كريسيدا؟ تلكَ الساحرة التي تُعتَبر من أصدقاء تاليا سابقاً و التي ساعدتها في الحرب قبل سنين؟
اسمها تكرر في الحلم و هي مَن سببت لتاليا الأذى و هي مَن يريد ريس قتلها.
أخرجتُ لا إرادياً صوت من الصُداع الذي نبض بِقوة في رأسي لتتوقف كانيلا مُتعجبة و تمسك رأسي تضغطه.
صداع؟ سألتني هي مع انها تعرف الجواب.
لعين لا يجعلني أفكر جيداً.
ابتسمت هي تدعه و لِلمُفاجئة بالفعل خَف الألم لكنه لم يختفي.
إذاً لا تعلم ما هو الحلم ابداً؟ وضعت المنشفة المُبللة عند جانب الطبق ثم أخذت غيرها جافة تُجَفِف الماء من على جسدي.
رقة حركتها و نعومة لمساتها جعلتني أسترخي كُلياً و الألم في صدري يرتاح مؤقتاً. هذه الامرأة تجعل كل شيء أفضل.
بلعتُ ريقي لأجيبها بِكذبة أخرى
نعم، باللحظة التي استيقظتُ فيها نسيتُ ما حلمتُ به بسرعة.
هَمهَمت هي تُكمل عملها بِلطف و انا أكملتُ مراقبتها بِصمت.
هنالك سر أخَر يجعلها تعيش طويلاً و انا واثق انه متعلق بِقصتها من الماضي.
هذا الاحتمال الوحيد المنطقي.
ليتني أنسى أحلامي و كوابيسي ايضاً، ربما كنتُ نمت بِسلام كل ليلة. هَمست هي مع نفسها لكني سمعتها طبعاً.
بِماذا تحلمين؟
تجمدت يدها حاملة المنشفة على صدري لتنظُر لي، ملامح وجهها تتحول لِلباردة كأنها ضاعَت بِذكرة أحلامها.
بالذي أحاول نسيانه.
عقدتُ حواجبي لكني مُدركاً لما تقصده.
هل لِمرضك صِلة؟
هنا عادت عينيها بالتركيز عليّ ترمش عِدة مرات قبل أن تكمل عملها.
حياتي لم تعُد كما كانت باللحظة التي أتيتُ فيها الى هذا العالم. انا لم أعُد كانيلا السابقة و لم أعُد أعرف نفسي. لو غَيّرتُ اسمي سأكتمل لأصبح انسانة مختلفة.
لم أتفوه بِكلمة بل تركتها تغرق بِأفكارها و ما تحتاج التكلم عنه كما لو انها أخذت الفرصة الوحيدة بالتكلم، تثق بي و بأخباري.
شعرتُ بِسعادة غريبة لكونها تثق بي.
لا أندم لقدومي لكني أندم على بعض الأفعال التي أدَت الى جعلي شخص أخَر.
مثل ماذا؟ انا سألتها بِنبرة منخفضة ألاحِظ الصغيران اللذان يجلسان في أخِر السرير يَميلان لكي يسمعوننا.
مثل، سماح لِشخص بِتعذيب نفسه مِن أجلي مع انه يعلم انني اتألم و لا يُجدي فعله نفع.
توقف قلبي لِلحظة عن النبض و عَم هدوء في رأسي
ماذا؟
تقابلت عيناي بِعيونها التي بدت لي سوداء لم أرى مثلها من قبل.
مثل، سماح لِشخص بأعطائي ما لا اريده يوماً.
من؟
مثل، العيش و بداخلي ما ليس لي.
كانيلا.
لم تُنصت لي بل أكملت هي تَعصِر قطعة القماش التي بيدها على صدري
مثل، فشلي بِالذهاب.
سيدتي هذا يكفي. تدخلت إكسانا تمشي فوق السرير بضع خطوات، وجهها منكمش.
و مثل، استسلامي لِلشفقة و الهروب اليها بدلاً من مواجهة الظلام.
سيدتي انتِ تتمادين. أقتربت إكسانا أكثر مِنا تَفرُد جناحيها مستعدة لِلطيران.
التظاهر بِشيء و الشعور بِشيء أخَر مثلاً. أكملت كانيلا.
حَلّقت إكسانا لجانب وجه سيدتها لكن كانيلا أستمرت لا تُبالي أو لم تنتبه فأنا لا أعرف ايهما صحيح
الوقوف بِجانب أشخاص يظنون انكَ على ما يرام و سعيد، البقاء مع أشخاص تحاول تغيرك لا يتقبلون ما أصبحتَ عليه بل و يمنعوك من أن تعيش كما انت الأن.
مَدّت إكسانا يدها لكي توقِظها من شُردها لأمنعها انا و أحَرك يدي ألمس وجهها أجعلها تحرك عينيها الظلمة عليّ.
مسحتُ بِأصابعي مِن الخلف على وجنتها الناعِمة و انا ابتسم بِخفة
يؤلم، أعلم، مُثير لِلشفقة أعلم بِذلك ايضاً. لقد مَررتِ بالكثير صحيح؟
توَسعت عيونها قليلاً مُدركة لِما قالته و بِلحظة أصبحت زجاجية مِن دموعها التي تجمعت لا تتحكم بهم مِن الغَصة التي بداخلها و التي لم تخرجها الى هذا اللحظة.
انتِ امرأة قوية، قلتُ لها الحقيقة.
لم أقابل أحَداً مثلكِ و لن أقابل مع انني لا أعرف جيداً بالذي خُضتيه لكن لو لم تكوني قوية لما كنتِ هنا اليوم، لما وضعتِ بسمة و لو مُزيفة على شفتيكِ الوردية كل يوم و لما استطعتِ مواجهة أحَد بِطريقة حديثك الجاذب و الذكي كما حدث اليوم في الاجتماع.
ضحكت هي تحني رأسها لكني أبقيتُ يدي على وجنتها أدع من دموعها تسقط على يدي، حارة قادمة من النار التي بداخلها.
انا أعتذر سموك. كانَ هذا سخيفاً مني. تَمتَمت هي تمسح دموعها لأمسك بيدها الأخرى أجد انه بِمقدوري التحرك الأن لكن بِصعوبة بعض الشيء.
نهضتُ جالساً لأمسح انا دموعها و أضع أصبعاً أسفل ذقنها كي أرفع رأسها اليّ.
لا تعتذري على ذنب ليس ذنبك. امرأة مثلكِ من المستحيل أن تُخطئ بِحق أحدهم أو تؤذي ذبابة حتى.
كيف تعرف انني لستُ مُذنبة؟
رمشتُ عليها لا أجِد إجابة لأنها فاجأتني بِكلامها.
هل هي مذنبة؟ و هنالك جانب من القصة مَخفية؟
مهما كان السبب فأنا متأكد أنَ له سبب مُقنع، فَلا أحَد يظل كما هو للأبد، جميعنا نتغير كانيلا.
أبعدتُ يدي عن وجهها لكنها وضعت يدها فوق خاصتي تُعيدها تغلق عينيها و تَميل رأسها على جنب كأنها تستمد طاقة مني
يوماً ما سموك، يوماً ما سوف أخبرك بِكل شيء.
و انا سوف أكون دوماً جاهز من أجلك وحدك.
هذا ما فكرتُ به من دون التفوه به.
فتحت هي عينيها ثم انا أرجعَت يدي لتضع خاصتها فوق حضنها.
أعطتني بسمة حقيقية كَمشاعرها المرسومة على وجهها بعدها نهضت هي كي تأخُذ الطبق و المناشف فألتقطتُ بِمعصمها أجعلها تنتفض لكنها ارتخت بسرعة و حدقت بي مُتعجبة.
ما الخطب؟
فتحتُ فمي ثم أغلقته، فتحته مجدداً و أغلقته مُتردد لكني قلتُ لها
أعلمي انني مستعد لِسماعك متى شأتِ و أنَ كل ما ستقولينه سيَبقى سراً في بئر عميق كانيلا.
نظرت لي لثواني أحسستُ بِها ساعات بعدها اومأت لي ترسُم أجمل ابتسامة.
أحب عندما تقول اسمي هكذا.
تركتُ معصمها منصدم.
كيف أقوله؟
حملت الطبق لكنها لم تتحرك.
كأنه ثمين لِلغاية.
فتحتُ فمي لكي أخبرها انه حقاً ثمين، لكنها ذهبت الى الحمام.
أخر مرة رأيتها تبتسم هكذا كانت قبل تسعة عشر سنة. فجأة قالت إكسانا تجذُب انتباهي لأرفع حواجبي مندهش.
تسعة عشر سنة؟ تساءل بلايز لتومئ الصغيرة ذات الشعر بالبرتقالي الطويل.
يوم خطبتها من اللورد مايكا.
أحسستُ بِقلبي يقع في معدتي أو كأن شخصاً ما لكمني عليها بِكامل قوته.
تسعة عشر سنة.
كانيلا مخطوبة من هذا الرجل منذُ تسعة عشر سنة!
و انا ظننت انها فقط سنتين أو ثلاث و ربما أكثر لكن نصف حياتها و هي في هذا العالم؟
يا اللهي ما الذي يفوتني؟ و ما خطب مايكا لماذا لم يتزوجها بعد؟
انتِ تمزحين. قال بلايز فمه مفتوح على مصراعيه يكاد يلمس السرير.
جلست هي مُتربعة الساقين و الحزن يُزَيّن وجهها الضئيل
ليتني أمزح لكنها الحقيقة.
لماذا لم يتزوجا بعد؟
لأنه أفضل لكلينا و لِلقصر. لم تكُن إكسانا مَن أجابتني بل كانيلا مُتكئة على جدار الحمام مُشابكة الذراعين أسفل صدرها ترمق مرافقتها بِنظرات مُستاءة كأنه سر لا يجب التحدث عنه.
سر أخَر!