رواية تحت الغطاء الأبيض الجزء الثاني للكاتبة مينار الفصل الثاني والأربعون

رواية تحت الغطاء الأبيض الجزء الثاني للكاتبة مينار الفصل الثاني والأربعون

رواية تحت الغطاء الأبيض الجزء الثاني للكاتبة مينار الفصل الثاني والأربعون

يقولون أنَّ أعظم ألم، هو ألم القلب و الروح و صدقوا بِقولهم.
عادةً عندما أعيش حُلمًا ليسَ لي، يُصبح ألمي أكبر مِن أي ألم في حياتي كأنني كنتُ حقًا في ذلك الوقت و أنني الشخص ذاته الذي أحلم بِماضيه.
أشعر بِما يشعر به، أفكر كما يُفكر و أتجسده هو نفسه مِن دون أية نقصان.

و هذا ما حدث بالفعل، لكن هذه المرة ألمي كانَ مختلف، شيء مختلف كُليًا لأني لم أشعر بألم إلا في روحي، أحسستُ بأنني أتعذب بِصمت و لا أحد يسمعني.
لا أريد مِن أحد أن يسمعني، لأنَّ ما عرفته في هذا الحلم القاسي شيء أنا بِنفسي أرفضه.
مستحيل!
لا!
غير ممكن!
أعلم أنني أستيقظت لأن وجه الملكة دايانا لم يملأ بصري و لم أعُد أرى غُرَف عمي الملك أيكسا التي أصبحت غُرَف تاليا و ريس.

لم أعُد أرى وجه والدتي الذي بدأتُ نسيانه مع الوقت.
وجهها الجميل و اليافع لكن طبقة حزنها غَطت عليه و هو مبتسم، لا أذكرها ابداً باكية أو غاضبة مع انها كانت تُعاتبني كثيراً و تعاقبني إلا أنها دومًا كانت مبتسمة.
و في هذا الحلم-الكابوس، بدت امرأة أخرى لا أعرفها.
لقد أشتقتُ لها جداً لكنها بعيدة و غير موجودة، ليس بعد الأن.

أحسستُ بِلمسة خفيفة رقيقة على يدي لأفتح عيناي بِبطء لِتقع دمعة من عيني تنزلق بِسرعة على خدي، دمعة حارة و ليست دافئة كأنها مُمتلئة بِكل النار التي تحرقني في قلبي.
فالكين؟ سمعتُ صوتها أولاً لأحرك عيناي على يميني قليلاً و أراها ثانيًا.
الأن عرفت لماذا تَعلقتُ بِها في اللحظة الأولى التي حطت عينايّ عليها.
انها تشبهها.
لديها شعر مثله، طويل أسود و حريري كأنه ماء جارية تلمع كالنجوم في سماء الليل الدامِس.

وجهها صغير و طفولي لكن ملامحها ملامح امرأة قوية كالصخرة في نهر هائج، مع أنها لا تمتلك عيون ملونة لكنها كبيرة، لها سحبة كَعيون الثعلب الحادة بِرموش كالستائر مِن الخيوط الداكِنة.
انها تشبه والدتي.
فَبعد أنَّ رأيتُ أمي في الحلم لأول مرة منذُ سنين طويلة، أستطيع رؤيتها في هذه المرأة التي تجلس على طرف السرير جنبي، حواجبها المُرتبة و الكثيفة مُعقدة بِقلق، تنتظر مني كلمة بِكل صبر كما تفعل دائمًا.

فوق كتفها تطير مرافقتها ذات الشعر البرتقالي، على وجهها أيضاً قلق و معها بلايز مُمسكًا بيدها كما لو أنها تدعمه بِها.
فالكين، هل أنتَ بخير؟ سألتني كانيلا تجذُب انتباهي مِن على الصغيران.
لم أجيبها مع أنَّ لي القُدرة على ذلك لكني فَضَّلتُ السكوت لأمسح الدموع من على وجنتي ثم رفعتُ نفسي أجلس، أسنُد ظهري على لوح السرير أحدق بها.

رمشت هي عِدة مرات تحرِك عينيها الجميلة على أرجاء وجهي و جسدي تتأكد من أني بخير لكوني لم أجيبها.
لقد رأيتهم. خرجت الكلمتين مِن فمي من دون أن أتحكم بها.
خَفَت عُقدة حواجبها على ذلك لتتبدل بالمُتعجبة قبل أن تسأل
مَن هُم الذينَ رأيتهم؟
وقف كُلاً مِن الصغيران على الطرف الأخَر مِن السرير يُشاهدون بِلا تدخل لأنتبه أنَّ كلبي أيكس نائم بِجانبي، رأسه على يديه الأمامية أنفاسه تضرب شعر إكسانا.

أعدتُ نظري على التي سألت ثم تنهدتُ مُغمِضًا عيناي لِثانية طويلة قبل أن أفتحها و أجيب
عمي و زوجته و، و أمي.
ظلت تحدق بي بِوجه متفاجئ لكنها عصرت يدي التي نسيت انها ما تزال مُمسِكة بها، أنا الذي اتفاجئ أنني لا أحرقها بِحرارة جسدي.
ألقيتُ نظرة بطيئة على نفسي، جسدي العاري مِن الأعلى ليسَ مُغطى بِطبقة عرق كما هو حالي كل مرة و سريري حتى نظيف و جاف كما هي حالة بنطالي الأسود أسفل الغطاء.

لم أسمعك هذه المرة تصرُخ. قالت كانيلا تنظُر لِباب الغرفة.
كيف عرفتِ أنني أحلم إذاً؟ سألتها لأنظُر فوراً على بلايز، لكنه هُزة رأسه بِكلتا الجهتين لأفهم أنه ليس السبب.
لستُ أدري كيف، لكني أستيقظت فجأة ثم وجدتُ نفسي أمام بابك لهذا دخلت و وجدتُكَ تبكي في نومك. أجابت هي تُبعِد يدها عن يدي تدع خلفها أثر دفئ لمستها على المنطقة.

أردتُ فتح فمي لكي اسألها أكثر عن الأمر لكونه غريب و غير طبيعي لكنها سبقتني قائلة
ماذا رأيتَ في الحلم؟
بلعتُ ريقي ثم وضعتُ بصري على حضني لا أستطيع النظَر لها من العار الذي يغرقني كما لو أنني أغرق في ذلك المحيط الذي كُنا فيه البارحة؟ قبل أيام؟ فأنا لستُ أدري.
لقد عرفتُ مَن هو قائد الأتلانتيانز، كانيلا.

لم أعُد أسمع أية صوت في الغرفة، فأنفاس الجميع توقفت، صراصير الليل لم يعُد لِصوتها وجود حتى نسمة الهواء التي تدخُل عبر أبواب الشُرفة الشبه مفتوحة، تجمدت في مكانها.
ماذا؟ سألتني البشرية منصدمة لأرفع رأسي نحوها لكني حدقتُ بِالأفُق شارد و في عيناي ما تبقى مِن تلكَ النيران قبل أن أجيبها بِصوت عميق يتخطى الوحشية أنا بِنفسي تفاجأتُ من إصداره
أبي، أمير مملكة أسليرا الخائن لِمملكته و عائلته، كاستيل لوماريل.

شعرتُ بالصمت يضغط أكثر و أكثر في الأجواء بيننا لأشيح بِعيناي عليها أجدها بِوجه خالي مِن التعابير لأكمل لها ما تبقى مِن الحقيقة المُرَّ التي جعلتني أتكلم بِصعوبة لَم أخوضها يومًا.

هي و كل مَن في الغرفة أنصتوا إلى نهاية كلامي عن الحلم كله، عن كل ما رأيته و عن كل ما سمعته و قلته بِنفسي كَعَمي أيكسا الذي يُعرَف على انه ذو قلب أسود مِن حديد لا يعرف الرحمة، لكن الحديد ذاب كالجليد عندما تعلق الأمر بِشقيقه فَلم يقدر على قتله بِيده.

لم تكُن هنالك أية أدلة في الحلم تَدُل على أنَّ والدي هو قائد الأتلانتيانز لكني متأكد فَلا أحَد غيره يعرفني و يريد الانتقام من أسليرا و كل مِن مَن تركُه خلفه و أدار ظهره بِسبب خيانته التي لا يمكن الغفران لها.
لا أحد يريد ما يعود له إلا الشخص ذاته الذي له يد ثانية مِن بعد الخالق بِتواجدي على هذه الأرض.
هو، أبي وحده.
فَمَن يخون مرةً، يخون مرة ثانية.

في الحقيقة، جميعنا شَككنا بِذات الشيء لكنا أردنا أن نتأكد أو بالأحرى خفنا أن نكون متأكدين. أخبرتني كانيلا تُمَرِر أناملها في خصلاتها الناعمة تزفر الهواء من فمها.
لماذا؟ هل لأنه قد يكون والدي؟ أنا سألتها لا أتحكم بِغضبي ليس لأنهم أخفوا الأمر عني بل لأنني أيضاً أخاف أن أكون محق.
لا أريد العيش في ظلام و عار والدي لكنه حدث كما ذكرت زوجة عمي دايانا العظيمة.

كنتُ أراها كثيراً في اللوحات الموجودة في غرف ريس لكني لم أكُن أعلم عنها إلا القليل لكون ريس لم يكُن يُحب التحدث عنها جداً لأنه كانَ متعلقًا بها و يكره ضعفه كُلما ذكرها أو تكلم عنها أحد لِهذا يتهرب مِن الموضوع و يُغيره.
لا ألومه فأنا أتفهمه. الأم كل شيء مهما كانت و فقدانها يعني فقدان قطعة لا بديل لها من حياة الشخص.

ضاق عليّ النفس بِسبب التفكير بها لأهُز من رأسي مع نفسي أنظُر لِكانيلا التي تراقبني عن كثب و في عينيها الكبيرة نفس القلق و الخوف، ليس مني بل عليّ.
بالطبع لا، فالكين، نحنُ فقط -- رفعتُ كَف يدي في الهواء أوقفها من إكمال الجملة لتصمُت هي بِسرعة تمسك بيدي قبل أن تهبط على حضني.
أمسكتها بيديها الاثنتين لتضعها في حضنها فوق رداء نومها الأبيض، دافئ كما هي بِعكس جلدي البارد.

لم أحترق كما يجب لكني تجمدت هذه المرة، و بلايز أحس بِذلك بِطريقةٍ ما ليَطير يُخبر إكسانا باللحاق به لكي يُغلقوا أبواب الشرفة.
أسف كانيلا، بينما أنتِ تُحاولين حل مشاكلك، أدخلكِ أنا في مشاكل أخرى أكبر منا جميعنا. قلتُ لها ابتسم بسمة أعلم أنها حزينة ظهرت بِعكس ما خططتُ له.
مشاكلي؟ آوه لا انها بِلا حلول لكن خاصتك لها الكثير مِن الحلول و نحنُ معًا سوف نعثُر عليها حتى ننهيها إلى الأبد.
و لمَ ليس لها حلول؟

أحنت مِن رأسها تلعب بِأصابعي كأنها بِتلكَ الطريقة ستهرب من الإجابة لكني ضغطتُ عليها أصِر
أخبريني بالحقيقة و كفانا إختباء، كانيلا أرجوكِ.
هَزت رأسها مِن اليمين لِليسار رافِضة، ستائر شعرها تُغطي وجهها لأتقدم بِجسدي اليها مادداً يدي الأخرى لكي أبعد الشعر عنها حتى أرى وجهها الجميل نبضات قلبي قوية في صدري.
لمسها ما زجديداً بالنسبة لي كالشوق الذي لا نهاية له.

لماذا تُخفين عني؟ ما الذي سوف يتغير إن ظللتِ هكذا في الظلام لِوحدك؟
تقابلت عيناها التي بِلون البني الداكن بدى أسود على أنوار الشمعات في الغرفة
أود أخبارك، صدقني أنا أموت كل يوم و في كل لحظة لأنني لا أخبرك لكني لا أستطيع.
و ما الذي يمنعك؟ هل هنالك أحد يُهددك؟
لا لا، أنا العائق و لا أحد غيري.

امسكتُ طرف وجهها ناعِم البشرة بِيد، أرفعه جيداً كي تنظُر لي بِشكل أفضل أجِد في مُقلتيها لمعان فضي مِن دموعها التي تتجمع فيها.
ماذا بأمكاني فعله مِن أجلك إذاً؟ لا أحب رؤيتكِ حزينة ابداً فَلا يليق بِك إلا الأبتسام.
هنا و كأنني أبعدتُ عنها حمل ما، ابتسمت تجعل من قلبي الأن يرفرف، تضع يدها فوق يدي التي على طرف وجهها لِتُغمض عينيها لِلحظة و فيها تمنيتُ لو كانت أطول لتقول.

لو كانَ العالم كله مثلك، سموك لما كان هنالك حروب و كره و حقد أو شَر فيه. وجودك بِصحة و سلامة كافي بأبقائي سعيدة دائمًا.
وجدتُ نفسي ابتسم مثلها أظهر أسناني لأتسائل مازحًا
تقولي هذا الكلام و كأنكِ غير سعيدة بِخطبتكِ من مايكا.

لعنتُ ألف مرة في داخلي على حماقة كلامي لأنَّ بسمتها الأجمل في الكون، أختفت بِسرعة كما ظهرت تُبعِد يدها و يدي عن وجهها تَعض على شفتها السفلية كما لو أنَّ تلكَ الأفكار الظلمة عادت إليها.
السعادة مُحرمة عليّ، سموك و أنا قبلت بها منذُ زمن و لم أعُد ألحقها فَمِن الغباء اللحاق بِشيء غير موجود في حياتك.

عقدتُ حواجبي أنتبه بِطرف عيني على إكسانا تمسح دموعها و تنشُق من أنفها ليقترب منها بلايز يُعطيها دعمه هو أيضاً يَلُف ذراعيه حولها بِعناق لتغطي وجهها بِصدره.
ما الذي يحدث؟
ما هذا الكلام المؤذي؟
تساءلتُ مع نفسي أحدق بِالتي أمامي.
تتكلمين بِطريقة كئيبة كانيلا و هذا غير مقبول، السعادة مِن حق الجميع عدا الظالمين المُستبدين. قلتُ لِكانيلا أمسكها مِن ذقنها أجعلها بِالقوة تنظُر لي و لا تحني رأسها عني.
سموك.

أنتِ لا تُحبينه فَهذا واضح لكن الذي لا أفهمه هو، سبب بقائك متعلقة به، سبب خضوعك له و عدم نسيانه و المضي في حياتك التي ما زالت طويلة.
أنا لا أخضع له فأنتَ لا تعرف شيئًا بعد.
إذاً أخبريني! أخبرتها بِصرامة مِن بين أسناني لِتبعد يدي عن ذقنها بِلطف تضع بسمة مُزيفة لا تصل لِلعينين التي فقدت ضوئها الساحر.

نهضت كانيلا مِن على السرير تُعَدِل من ردائها لتنادي مرافقتها التي حلقت بِجناحيها الصغيران إلى كتفها تجلس عليه و هي تمسح ما تبقى من تلكَ الدموع الغامضة بِسبب كلام سيدتها أو سِر آخر لا أعرفه.
لن أتفوه بِحرف إلى أن أتأكد أنا كذلك، سموك. و أعدك وعد شَرف أنني سوف أخبرك كل شيء مِن الآلِف لِلياء و لن أخفي عنكَ ذرة مِن الحقيقة. قالت كانيلا تأخُذ خطوة إلى الوراء نحوَ الباب.

أردتُ النهوض لكي أمنعها لكنها رفعت كفها في الهواء تمنعني بِصمت كما أنَّ إكسانا المسكينة هَزت رأسها بِ لا تعلم بِشيء هي و سيدتها يعلمونَ به فقط.
و لكوني ما زلتُ ضعيف الجسد بِفضل الحلم و متألم في داخلي بقيتُ في مطرحي على السرير لا أتحرك ساكنًا لكن عيوني ثبتت عليها لا تتزحزح.
من ماذا ستتأكدين؟ أنا سألتها متنهداً.
عادت خطوة آخرى إلى الوراء تصبح أقرب من الباب
عندما يصبح كل شيء واضح سوف تعرف.

رصيتُ بأسناني على بعضها لكني لم أجادل و إنما أومأت متفهمًا فَالضغط عليها لن يُجدي نفعًا بل سوف يجعلها تكذب و تختبئ أكثر.
صدقني، كل شيء قريب، سوف تعرف فَلقد حان أوان الأسرار. أكملت هي تخطو خطوة أخيرة لِلباب ظهرها يلتصق به و يدها على المقبض الذهبي.

و أنا مِن الأن مستعد لِسماعك، كانيلا. قلتُ لها تعابير وجهي تَخف و غضبي ينام ليتبدل بِرغبة تحتاج الإمساك بها و مُعانقتها لكني لم أجرؤ على فعلها لأني واثق انها لن ترضى.
و أخيراً أعطتني بسمة صغيرة لكنها مِن النوادر التي مِن الصعب رؤيتها ثم فتحت الباب لا تزال تنظُر لي.
أعلم، أعلم.
عُمتِ مساءً، سوف أراكَ على الفطور.
أومأت هي تُلقي نظرة أخيرة عليّ قبل أن تلتفِت و تُغادر الغرفة مُغلقة الباب ورائها بِهدوء.

جلسنا جميعنا على طاولة الطعام في وسط قاعة العرش و مقعد مُقدمتها، فارغ لأنَّ صاحب المقعد يمشي ذهابًا و إيابًا أمامه يديه خلف ظهره و حواجبه الشقراء معقدة.
عندما حَل الصباح و أصبح الجميع جالسًا على الطاولة لِتناول الفطور أخبرتُ فالين بِالذي أشك به.

طبعًا لم أخبره أحداً عن الحلم بِما أنَّ هذه القوة التي لديّ أفَضَِل أن تكون سراً لكني وضعتُ بعض الأدلة و الأشياء التي قد تجعلهم يُصدقونَ بالذي أصدق به حتى نصل إلى مرادنا بِشكلٍ أسهل.
و ها هو فالين، يمشي على هذا النحو منذُ أكثر مِن عشرون دقيقة يتوقف لِثانية كي يرفع يده و يفتح فمه لكنه يُعيدها إلى مطرحها و يُغلق فمه مِن دون التفوه بِحرف ليُكمل مشيه.

فالين هل لكَ أن تتوقف؟ بدأتُ أشعُر بالدوار بِسببك. قالت له فينار متنهدة تنظُر له و شوكتها في طريقها إلى فمها.
هَزة فالين رأسه لِلمرة المئة لا يُنصِت لِتَضع مِن يدها شوكتها في طبقها الشبه مُمتلئ بالجبن، الطماطم و بعض الزيتون، تُصدر صريراً قوي لِتلامُس الحديد بالزجاج يُصبح صدى في القاعة العملاقة قبل أن ترجع بِجسدها على مقعدها مشابكة اليدين.

لا يبدو و أنه سيتوقف ابداً. هَمس ريزار مِن جانبي يشرب من كأسه الفضي الذي فيه ماء.
تنهدتُ أنا أيضاً أنظُر لِفينار التي تحدق بِطبقها و جنبها كانيلا تُحاول قدر الأمكان بلع ما في فمها قبل أن تمسحه بِمنديلها و ترفع نظرها عليّ.
رفعت هي حواجبها بِسؤال صامت تسألني إن ما كنتُ سأقول شيئًا لِهذا الملك المحتار لأومئ لها قبل أن أحرك رأسي على فالين و أنا أمسح فمي بِمنديلي.

لا يمكننا فعل شيء أو التفكير بِحَل على الأطلاق و أنتَ تتحرك كالذي في جسده جراد، فالين.
هُنا تجمد الملك في مكانه ثم التفَت لي مُضَيّق عينيه الملونة بألوان مختلفة
تتجرأ على قول هذا و أنتَ مَن جلبت الخبر و دمرت أفكاري و فطور أيها الفتى؟
ابتسمتُ له بسمة ماكِرة ثم أشرتُ بِعيناي على مقعده الفارغ قائلاً
يجب عليكَ أن تشكرني بدلاً مِن مُعاتبتي، جلالتك لأننا عرفنا مَن يكون القائد و أخيراً بعد أشهر من البحث.

شقلب هو مُقلتيه بعدها جلس يزفر هواءً كثيراً مِن فمه و هو ينظُر على كل شخص جالس حول الطاولة ثم على مستشاره الذي يقف جنبه وجهُه البارد لا يُخبرنا بالذي يفكر أو ما يشعر به.
تظنوا أنَّ ريس يعرف؟ لم يسأل فالين أحَد مُحدد لكن فينار مَن أجابته
ريس يعرف الكثير و لا يقول إلا القليل لهذا نعم، متأكدة بأنَّ لديه خبر.

على الأقل قائدهم ليسَ لديه فكرة عن معرفتنا، و هذا جيد. قالت فينار تنظُر لنا جميعنا ليومئوا الجميع يوافقوها الكلام.
لماذا لا يجب عليه أن يعرف؟ أنا سألتها.
لأنه سوف يتصرف وفقًا لِذلك بِما انكَ أكتشفت مَن يكون و مهمته هي أن يأخذك لكي تراه شخصيًا. كانيلا مَن أجابتني لتومئ مرافقتها الصغيرة التي جلست على طرف طبق سيدتها بِجانب بلايز و هو يأكُل قطعة مِن خبز جافة مُغطى بالعسل و القشطة.

أليسَ هذا ما يجب فعله؟ أعني مقابلتي له؟ سألتُ فالين أنظُر له لكنه هَزة رأسه بِكلتا الجهتين رافضًا لِلفكرة.
مِن الخطر رأيته لأنه قد يبقيكَ عنده كَرَهينة لكي يصل لِلذي يريده، فالكين.

و بقائك معه أو عنده كَرهينة أو أيًا كان، غير مقبول و أخطر مِن كل شيء لكونكَ أميراً لِمملكة ضده كَخائن و متعاون مع الأعداء و ستكون رسالة للعالم قد تُغير منه للاسوأ. أضافت فينار بِحدة في نبرتها تحدق على يدها المُستريحة على الطاولة، كأنها تتخيل رأس والدي بين يديها.
ما العمل إذاً؟ ريزار سأل ملك الربيع.

لنُبقي الأمر سِراً للأن و إلى حين عودتنا مِن مملكة شادونايت بعدها، سوف نقرر ماذا سيَحدُث، فَمُشكلة كاداري و شادونايت أولويتنا إلى أن تُحَل. أخبرنا فالين يُمسك بِكأسه الذهبي لكنه لم يرفعه من مكانه.
بالحديث عن شادونايت، متى سوف نذهب؟ أنا سألته بِفضول لكوني أظل أنسى هذا الأمر.
أشاح فالين بِعيونه عليّ لا يُجيب على الفور لكنه عندما فتح فمه أجاب بِصوته العميق.

لقد تغيرت الخُطَط و أصبح الموعد أقرب، هذا يعني بعد أربعة أيام رحلتنا تبدأ إلى مملكة الظلام.

- كانيلا -
لم أكُن أعلم أنَّ اكتشافنا لِهوية قائد الأتلانتيانز سوف يُسَبِب توتر كبير في الأجواء اليوم على الفطور لكنه و الحمدلله انتهى على خير و ذهبَ كل واحدٌ منا في طريقه و إلى عمله.
أنا وجدتُ نفسي في غرفتي على الشرفة أكواعي مُتكئة على الدرابزين أشاهد غروب الشمس الساحر بين الجبال الخضراء و الطيور التي تحلق معًا كَواحِد بين الغيوم البيضاء التي تبدو كالقطن الناعم.

نسمة الربيع تُحرِك مِن شعري و أطراف فستاني الوردي مِن الشيفون و عليه مُطرز ورود ملونة لطيفة تليق به.

مُرافقتي إكسانا تجلس بالقُرب من ذراعاي على الدرازين و ساقيها تدلى للأسفل تحركهم كالأطفال الصغار لأبتسم مع نفسي على منظرها أعيد بصري لِجمال و سحر الطبيعة البعيدة.
سمعتُ فجأة طرق باب الغرفة من خلفي لأستدير بِذات اللحظة التي دخلت فيها فينار تغلق الباب ورائها و على شفتيها الوردية بسمة رقيقة.

أومأتُ لها أزَيَِّن وجهي بِبسمة خاصة من أجلها ثم أخذت هي خطواتها الراقية إليّ، فستانها الأخضر مِن لون العشب و عليه منقوش أوراق شجر ذهبية يتطاير من حولها مع كل خطوة إلى وصلت لي، تقف جنبي في الشرفة.
أتمنى أنني لم أزعجك في هذا الوقت. قالت هي منكمشة الوجه بِخفة.
توَسعت بسمتي تُظهِر أسناني قبل أن أجيبها بِصدق
بالطبع لم تزعجيني، وجودك ملء الفراغ.

اتكأت هي أيضاً بِكوع واحد على الدرابزين تُشاهد ما أشاهده بِتمعن.
هل أنتِ مثلي، ضائعة بأفكارك منذُ أنتهاء الفطور و تحدث فالين عن موعد رحيلنا إلى مملكة الظلام؟ كسرت فينار الصمت بِنفس السؤال الذي يحوم في عقلي.
التفتُ لها أعض على شفتاي قبل أن أخبرها
أليسَ جميعنا ضائعين منذُ أن ظهرت مشكلة أهل سوليس كَإيضافة على المشكلة في مملكة كاداري؟
أخرجتُ هي شخيراً مِن حلقها بدى كالضحكة الساخِرة لترد.

نعم، مؤسف، لكنها الحقيقة القبيحة و مع ذلك أنا لا أستوعب لماذا نحنُ من نتحمل مسؤولية المشاكل كلها؟
شاركتُها الضحك بِسخرية أرى أسفل القصر في الحديقة الجانبية له، خدم مذعورين يلحقون بِمجموعة مِن الدجاج التي هربت مِن بيتها الخشبي تركض في الأرجاء من أياديهم.
بدأت إكسانا بالأنفجار ضحكًا على المشهد قبل أن أجيب على سؤال الأميرة.

لأننا نمُد يد المساعدة لِمَن يحتاجها لهذا نقع بالمشاكل و بدلاً من عون الضحية فقط، نصبح درعًا لها لكي نَصُد ضربات السيوف و نحمي الباقي منها فَنُصاب و نتحمل النتيجة.
هَمهَمت فينار تتفهم تمامًا الإجابة المنطقية لِسؤالها الفضولي تُبعِد خصلاتها الذهبية عن وجهها لتضعها خلف أذنها
بدوتِ غريبة اليوم، هل أنتِ على ما يرام؟
نظرتُ لها متعجبة لتقابل عيونها بِعيوني تعابير وجهها جادة لِلغاية.

نعم، لقد لاحظتُ صمتك الغير اعتيادي و عدم نظرك إلا بِإكسانا، فَما الخطب؟
لا خطب أنا على ما يرام لكني متعبة قليلاً بِسببه، أشرتُ بِرأسي على كتفي الأيسر المكشوف أسفل الأكمام مِن الشيفون، على مكان تواجُد الوشم المخفي.
رفعت هي حواجبها متفاجئة
أين الوشم؟
لقد أخفيته بِمُستحضرات التجميل بِمساعدة إكسانا.

عندما حركتُ فينار عينيها على الصغيرة، إكسانا ابتسمت لها بِلُطف تومئ رأسها تؤكد كلامي ثم عادت تشاهد الهروب و المطاردة بين الخدم و الدجاج السريع.
تقنية جديدة لكي ترتدي ما تشائين، هاه؟ تساءلت فينار ضاحِكة.
مللتُ من ارتداء الأكمام لهذا وجدتُ طريقة أخرى.
ما رأيّ مايكا بهذه الطريقة؟
اختفت البسمة عن وجهي كما لو انها سألتني عن شيء خطير و هي لاحظت ذلك على الفور تلتفِت لي بالكامل مُضَيِّقة الجفون.

بلعتُ ريقي أنظُر لِلشمس التي أصبحت بين جبلين تُلَوِن السماء بِألوان جميلة كالزهري، البرتقالي، البنفسجي و الأزرق الغامق.
لوحة، كأنها لوحة رسمها رسام ماهِر لا مثيل له.
كانيلا؟ نادتني الأميرة من هروبي تجذُب انتباهي بِما أنه لا خيار آخَر إلا الإجابة و التحدث عنه.
انه لا يهتم حتى، فَلِم أسأله؟ أجبتها بِبساطة أتفادى النظَر لِعينيها.
ما زلتم على نفس الصفحة؟، أشعر بالسوء كانيلا فَلِماذا لا تحاولان؟

تنهدتُ أنا أغمض مقلتاي لِثواني ثم فتحتها أقابلها
أنتِ تعلمين أنني أحاول لكنه يرفُض و يخاف و يكره فكرة الوشم بالكامل و لا يريد الأعتراف بها فَما ذنبي؟
كلاكُما ضحايا، عزيزتي كانيلا لا تلوميه.
فتحتُ فمي لكي أتفوه بِشيء ما لكني أغلقته بسرعة أفَضِّل التحديق بِيداي على الدرابزين كي ألهي نفسي لأني قد أغضب عليها و هي ليست المسؤولة و لا شأن لها بَل تحاول مساعدتي فَحسب فَمِنَ الوقاحة قول كلام سيء لها.

عَم صمت بيننا فيه أنصت فقط لِصوت صراخ الخدم و زقزقة العصافير (مزيج غريب) قبل أن تغيب الشمس و تُصبح بين الجبال ليَحِل المساء و يأتي القمر مع نجومه.
أنتِ لم تعودي تُحبينه. لم يكُن سؤالاً قد كسر من الصمت لكني قلتُ لها بِصراحة لكوني دائمًا صريحة معها فَهي تعرف كل شيء، مِن اليوم الأول حتى هذا اليوم.

أنا أحبه، لكن ليس كما كنت قبل سنين، فينار. لم يعُد يجعل مِن قلبي يرفرف كَأجنحة الطائر كلما كنتُ معه لم أعُد أعثر على سعادتي التي أصبحت غير مألوفة بِجانبه لكني لا أريد تركه لوحده كما لم يتركني يومًا.
لكن بِهذه الطريقة لن تعثري على ما تبحثين عنه كي تلغي اللعنة، كانيلا.

توقف صُراخ الخدم بعد كلام فينار الذي صفعني في وجهي مع أني مُدركة له جيداً. أشحتُ بِعيوني على الحديقة أرى أنَّ الخدم و أخيراً أمسكوا بالدجاجات يُصَفقون أيادي بعضهم بِنجاح ثم أخذوهم إلى منازلهم الكبيرة في زاوية الحديقة قريبة من الاسطبلات التي لا أراها جيداً من مكاني.

لقد وجدته. تمتمتُ لِلأميرة ليعم صمت بيننا من جديد فيه أخذت فينار وقتها باستيعاب ما أعنيه لتُمسك ذراعي بِقوة لكن مِن دون ألم، تجعلني أستدير لها أراها مندهشة و عيونه متبحلقة.
وجدتيه؟ نصفكِ الآخر؟ هي سألت وأخيراً تفهم ما قصدته.
أومأتُ لها بِ نعم أجِد صعوبة بأخراجها مِن فمي لتدع هي ذراعي لكي تضع يدها على كتفي مكان تواجُد الوشم الغير مرئي.
كيف؟ و من يكون؟

أحسستُ بِرغبة في البكاء، رغبة شديدة لِلغاية جعلت غَصة تصعد في حلقي مع ألم ينمو في صدري لكني أجبتها و الدموع تُحَوِل نظري لِضبابي
هنا، وضعتُ كف يدي اليُمنى على صدري، مكان نبض قلبي لأكمل الكلمات كالعقدة على لساني
أشعُر بِشوق و فرح كبير كُلما كنتُ بالقُرب منه و لو قليلاً، و عندما يكون في خطر، حزن، سعادة، غضب أو أية مشاعر أخرى، أشعر به هنا.

طبطبتُ على صدري مرتين لتَضع عينيها التي تَحوَلت لِلحزينة على يدي كما لو أنها تستطيع رؤية قلبي ينزف و يتقطع مِن أجله.
مِن أجل فالكين.
انه قريب مني جداً لكنه بعيد بِنفس الوقت و لا يمكنني الوصول إليه لأني أخاف مِن أن يكون كذب مِن أن يتم خداعي فَلا أستطيع العيش في كذبة أخرى لأني سوف أتدمر و لا يمكن أصلاحي مِن بعدها. قلتُ لها و دموعي تنهمر على وجنتاي تسقط على يدي و فستاني.

أحسستُ بِإكسانا تطير نحوي لتَحُط على كتفي و تمشي عليه إلى أن وصلت لِرقبتي حتى تُعانقها بِما انها صغيرة، فَهذا المكان الأنسَب و الأقرب من القلب و العقل.
أغمضتُ عيناي أخُذ القليل مِن دفئ و حنان مُرافقتي، أحني رأسي لها أشعُر بِنعومة شعرها على وجنتي.
أنه فالكين، صحيح؟ فتحتُ عيوني مَصدومة مِن معرفة فينار لِحقيقة أجدها تبتسم ابتسامة لا تصل للعينين لكنها مُتفهمة.
كيف عرفتِ؟ أنا سألت.

هَزت كتفيها بِخفة تُبعِد خصلات مِن شعري لِخلف أذُني تقترب مني أكثر كي تمسك بعدها كتفاي تعصرهم بِرقة
منذُ أن قابلتيه لاحظتُ التقلب في شخصيتك و تصرفاتك حتى طريقة حديثك. وجهكِ أصبح فيه نور لم أراهُ إلا مرةً في يوم خطبتك مِن مايكا ليَختفي بعد أختفاء حبك له.
لكن، لكن هذا--
عصرت كتفي مجدداً تجعلني أسكُت لِكي تتابع هي.

انه رجل رائع و لا يُشبه أحد و أنا سعيدة لِعثورك على الشخص المناسب، لكني ما زلتُ لا أستوعب سبب أخفائك الحقيقة عنه.
حركتُ رأسي نحوَ الجبال لا أجِد الشمس خلفها لكن أثرها مِن نور ظل في السماء الملونة لأرُد عليها.

كنتُ أقول أنني أخون مايكا لكني لم أعُد أحبه و علاقتنا لم تعُد كالسابق حتى هو توقف عن زيارة غرفتي و مع ذلك لاحظتُ أنني أقع في حب شخص آخَر و حدث هذا قبل اكتشافي لِلحقيقة و عندما رأيتها واضِحة كَوضوح هذه السماء في قرية أريزو، رفعت فينار رأسها لِلسماء فوقنا، تشاهد روعتها بانبهار كأنها تراها لأول مرة بِهذا الشكل و أنا أكملت.

قلتُ أنني و بعد عناء قرن تقريبًا، وجدتُ ما كنتُ أبحث عنه لكي أعيش في سلام قبل فوات الأوان و قبلتها لِلحظات بيننا لكني،
لكنك؟ سألتني تَميل رأسها على جنب كالعصفور الفضولي لأسحب نفسًا عميقًا إلى صدري ثم زفرته بِقوة مِن أنفي
لكني ترددت و خفت أن لا تكون الحقيقة لأني أنسانة تعيش في ظلامها تبحث عن ما يُخرِجها مِن سجينها و عندما وجدتُ الأهتمام من شخص آخَر وقعتُ بِحبه.
و ماذا في ذلك؟

ابتسمتُ أنا أحدق بِالأرض لتجلس إكسانا على كتفي تمسح على خصلة من شعري بيدها الصغيرة
سألتُ نفسي ذات السؤال و لم أكترث لكني خفت مِن فالكين، خفت أنه لا يمتلك المشاعر التي لديّ له، و انه يريد شيئًا أخراً مني أنا أستطيع إعطاءه إياه لِفترة قبل أن يَمَل و يرحل.
وضعت فينار أصبعًا أسفل ذقني ترفع رأسي لها أراها بِحاجب مرفوع للأعلى مُستغربة من كلامي
تظنين أنَّ لديه خطط مختلفة معكِ؟

لا أعلم ماذا يريد. هو يُحاول تفهم علاقتي مع مايكا و حياتي بِماضيها و مشاكلي و لا يلمح لِشيء ثاني أكثر مِن ذلك و أحيانًا أجده يهرب مني عندما لا أخبره بأسراري.
لكنها أسباب لا تكفي لأبتعادك عنه وعدم أخباره، كانيلا.
هززتُ رأسي قائلة.

أخاف أن لا يكون صادقًا معي، حتى لو أخبرته الحقيقة أخاف أن يبقى معي لكي يُخرجني مِن الظلام لكن باللحظة التي أصبح أنا في النور، سيدع يدي و يذهب بعيداً و بِتلكَ الطريقة كل شيء لن يكون له معنى.

هَمهَمت هي تُدير جسدها لِلمنظر، تتكئ بِذراعيها على الحافة ألاحِظ أنَ السماء تحولت لِلزرقاء الداكِنة و هنالك بعض النجوم التي ظهرت تغمز بين حين و آخَر من دون قمرها الذي سيأتي قريبًا فور تحول المساء لِلسوداء بالكامل.

فالكين مُتهور و لنقول انه شاب أكثر مِن كونه رجلاً عاقلاً، لكنه لا يكذب و لا يخدع و قلبه صافي كَصفاء النور الذي تبحثين عنه. أخبرتني الشقراء تضع يدها فوق يدي على الحافة الحديدية، تدفئني فَلم أكُن منتبهة على برودة جلدي مع أنَّ الهواء جميل و ليس بارداً.

أعلم، لهذا أحبه لكن لا أعلم بِمشاعره بعد و أنا أنتظِر بِصبر لكي يتضح كل شيء قبل أن أجازف بِحياتي. لم أعُد أمتلك أرواحًا زيادة لكي تبقيني على قيد الحياة فأنا قطة بِروح واحدة أخيرة.
أفعلي ما تشائين و ما تجديه مُناسبًا و أنا سوف أكون معكِ مهما كانَ قرارك.

وضعتُ يدي الثانية على يدها أربِت عليها شاكِرة لِدعمها الذي لم يتوقف ابداً كما هو شقيقها الملك و الذي أيضاً ظل معي لأنه يعرف تمامًا ما تعرفه أخته، فأسراري لم تبقى في أمان إلا معهم.
هل هنالك أحَد غيري يعلم عن حقيقتك مع فالكين؟ سألتني فينار.
أومأتُ لها مرة واحدة أجيب
تاليا، لقد أخبرتها في مملكة البحار عندما وقعنا في مشكلة ملاحقتنا للأتلانتيانز في غرفها مع ريساند.
و ماذا قالت؟

لقعتُ شفتي ارطبها و أنا أذكُر اللحظة معها في الغرفة و كيف انها كانت تدمَع دماءً بدلاً مِن الدموع العادية مِن أجلي، و كأنها تشعر بالذي بِداخلي.
لا شيء، لم أبقى لكي أسمعها أصلاً و إنما غادرت أترك معها هذا السِر. أجبتها بِبساطة.
و أخمن أنها لم تخبر فالكين.

أومأتُ من جديد أتمنى انها حقًا لم تخبره و مع ذلك ارتحت لأن هذا الحمل أثقل ما حملته على أكتافي و في حياتي كلها حتى اسوأ من الوشم وسره المُحبط و السخيف، خَف عندما أخبرتُ تاليا.
لعنة.
نعم، هذا ما أسميه.
لعنة تمنعني من عيش حياتي بِشكلٍ طبيعي كما يفعل الجميع في هذا العالم.
إذاً لم تُخبري مايكا؟ تساءلت فينار لأفتح فمي حتى أجيبها لكن ظهر صوت ثاني عميق و رجولي مِن خلفنا جعلنا نستدير اليه بِسرعة
لا لم تخبرني.

أنتفضتُ بِمطرحي لرؤيتي لِمايكا يقف عند السرير يديه خلف ظهره و وجهه بِلا تعابير كما لو انه خُلِق من دونها مع أني أحسستُ بِغضبه يحوم إليّ في الهواء.

- وجهة نظر ثالثة -
وقف مايكا مقابل السفيرة و الأميرة ثابت.
شعره الأسود الطويل مَربوط خلف رأسه و ملابسه عبارة عن بنطال أسود مع جزمة تصل لِلرُكبتان سوداء و سترة زيتية اللون أسفلها قميص أبيض، مُجعدة، يبدو انه ارتداهُم بسرعة لا يهتم لِشكلها بسبب عمله.
آوه، قالت فينار تنظُر لِكانيلا بِتأسُف لكن البشرية ابتسمتُ لها تخبرها بِعينيها انه ليس خطأها فَهي لم تسمع دخوله مثلها و مثل مخلوقة البيلادو.

هل يمكنني البقاء مع كانيلا لوحدنا قليلاً، سموكِ؟ سأل مايكا الأميرة القلقة لتومئ هي تستأذن قبل أن تنظُر على كانيلا مرة أخرى بعدها ابتسمت لها بِخفة و غادرت.
إكسانا بِتفكير واعِظ، طارت إلى داخل الغرفة مع سيدتها تغلق أبواب الشرفة خلفها ثم دخلت منزلها الصغير المبني على جذع شجرة طويلة في زاوية الغرفة تدع سيدتها معه.
تقدمت كانيلا خطوة نحوه لكنه جعلها تتجمد في مكانها بِقوله الصارم.

متى كنتِ سوف تخبريني عن كونكِ النصف الأخر لِلأمير؟
نظرتُ له جيداً مِن دون خوف لأنها مُعتادة على نبرته و نظراته المُخترقة لِتُجيبه
أنا لم أخبر سموه مِن الأساس حتى أخبركَ قبله.
لا يهمني مَن يكون الأول بَل كونكِ أخفيتِ عني الأمر، و متى كنتِ سوف تخبرينني؟
لم تجبه على الفور مُترددة تشعُر بِالسوء على عدم قول الحقيقة له لكنها رفعت رأسها باتجاهه ثم سألته
لماذا يهم؟ أنا لم أتفوه بِحرف بعد لأني لستُ--.

متى عرفتِ؟ قاطعها هو من بين أسنانه لتَعقِد حواجبها السميكة عليه
منذُ أشهر قليلة.
و لم تخبريه بعد؟
لا لم أفعل.
و متى كنتِ سوف تخبرينني، كانيلا؟
أغلقت فمها تلعب بِأظافرها عند معدتها تنظُر لكل شيء في الغرفة عدا عينيه المظلمة.
كانيلا! لقد سألتكِ، متى كنتِ سوف تخبريني؟ سأل هو صوته يرتفع قليلاً.
لم أكُن أخطط لِذلك. أجابته غاضبة على نبرته.

حركت مِن بصرها عليه لأنَّ صمته الذي دامَ طويلاً في الغرفة أزعجها و وترها لكي تسأله
لماذا تهتم؟
رفع هو مِن كِلا حواجبه كأنها سألته أغبى سؤال في العالم ليُجيب مبرراً
لأني ربما شخص يهتم لأمرك؟
ظلت ساكتة لا تدري ماذا تقول فَهي كذلك تهتم له و لا تريد حرقه بِشُعلة غضبها التي بدأت تكبُر كلما قضت دقائق أكثر في الغرفة، تشعُر بِجدرانها تضغط عليها حتى تخنقها و مع ذلك ظلت في مكانها تواجِه هذا الرجل متحجر الوجه.

أنتِ تتصرفين بِأختلاف كانيلا، لم أعُد أعرفكِ. دمر الصمت بِكلام قد خطف أنفاسها لتحدق به مصعوقة ترمش بسرعة عليه.
أنا؟ سألته هي تشير على نفسها بأصبع لتكمل
لا تجرؤ على فتح هذا الحديث مرة أخرى، مايكا فَكِلانا يعلم مَن الذي أستسلم و ترك الطريق لكي يُكمله الثاني لوحده.
توَسعت عينيه الناعِسة، ترى لونها الأخضر الداكِن بِشكل أوضح، بؤبؤها يتوسع و يصغُر بأستمرار يَكبت شيئًا نادراً ما يُخرجه لها و لِلجميع.

أنتِ تعلمين جيداً أنه لم يكُن خياري و أنه لا فرصة معكِ مهما حاولنا.
كَوَرَت كانيلا يديها على شكل قبضات تضعهم جنبها و صدرها يرتفع و يهبط بِقوة لا تصدق ما سمعته
بل لدينا فرصة لكنكَ رفضتها لهذا لا تجرؤ على لومي وأنا التي حاولت معك عِدة مرات.
هَزة رأسه خُصلات من شعره الأسود تهرُب من مكانها في الذيل الطويل ليبادر مدافِعًا عن نفسه.

كلانا سوف نعيش حياة تعيسة لو أكملنا و أنتِ أدرى بِذلك بِسبب ذلك الوشم اللعين!
صياحه بأخِر كلمتين جعلها تأخُذ خطوة إلى الخلف بِتفاجُئ و الألم الذي هَددها في صدرها منذُ لحظات، عاد يغلق قبضاته حول قلبها يجعل التنفس صعب.
لا، أ-أنا، أنا قبلت بِقدري منذُ سنين و أخترتكَ أنت و ما زلتُ أختارك أنت، لكنك هربت و فَضَّلت علاقة سطحية مبنية على التصنُع!

أنتِ لا تُحبينني كما كنتِ بل وقعتِ في حب شخص غيري. تحبين مَن سينقذك مِن قدرك الكئيب و هذه الحقيقة و ربما لن يفعل و في كِلا الحالتين أنتِ حُرة لا شأنَ لي بكِ، على أية حال، توقف هو قليلاً ينظُر لها، عينيه ترجع لِلناعسة و الضجرة يرجع بِخطواته إلى الخلف باتجاه الباب
أتيتُ إلى هنا لكي أخبركِ أنني لن أتي معكم إلى مملكة شادونايت فَلدي أعمال كثيرة و لا يُمكن ترك المملكة و جلالته خارجها في مكان خطير.

التفتَ هو مُتجهًا نحو الباب ثم فتحه يُغادر الغرفة، أما كانيلا ذهبت خلفه مسرعة لتلحق به و هي تقول بِصياح
ها أنتَ تتهرب مجدداً مايكا، قف و واجهني!
لم يُنصت لها و إنما أكمل طريقه في ردهات القصر، بعضًا من الخدم يقفون في منتصف عملهم و طريقهم لكي ينظروا ما الخطب لكن كلاهما لم يكترثوا يُكملان مشيهم خلف بعضهم.

مايكا! لماذا تتركني هكذا؟ لماذا لم يعُد لديكَ آمل؟ فَحُبي لِشخص آخَر لم يكُن موجود مِن البداية. سألته البشرية بِحيرة.
لا أريد التحدث و عودي إلى غرفتك لكي تتجهزي لِلرحلة. رد عليها مستشار الملك ينزِل الدرج الذي يقود إلى بهو القصر الكبير الرئيسي.
لحقت به كانيلا تنزل على الدرج لتلتقط بِمعصمه تجعله يلتفِت إليها كي يواجهها وجهًا لوجه.

إذاً لماذا تبدو و كأنكَ سوف تقتل أية أحد إن كنتَ لا تريد التحدث ولا تهتم؟
سحب معصمه مِن قبضتها يتقدم خطوة نحوها يُصبح قريب منها تشعر بِأنفاسه على أنفها و شفتيها لكنها لم ترجع أو تبتعد عنه تبقى مكانها ثابتة برأس مرفوع شامخ.
لأنكِ كذبتِ عليّ و لم تخبريني عن حبك له! ألقى بِذراعيه في الهواء مُحبطًا.
أنا لم أكذب عليك لكني لم أخبرك فَحسب و هذه ليست نهاية العالم.

ضغط بِشفتيه على بعضها حتى أصبحت خط مُستقيم ثم قال
و مع ذلك أنا لديّ الحق بِمعرفة مشاعرك المُتغيرة و حُبك الفُجائي لِرجل آخَر.
ضَيّقت عينيها عليه ثم ردَت بِحدة صوت
أنا لم أحبه إلا بعد أن أنهينا كل شيء بيننا لهذا توقف عن مُعاتبتي. نعم أنا أحب رجل يهتم بي و يُعطيني ما أفتقده و لا يكترث لِلمقابل.

مِن كثرة الصُراخ و ضجيج الخدم بِهمساتهم بين بعضهم دخل فالكين القصر لكونه كانَ يتمشى لوحده مع مرافقه بلايز في الحديقة الجانبية لِلقصر ليَجد مايكا و كانيلا عند الدرج الكبير يتشاجران و في الخفاء عند طرف أعلى الدرج، رأى فالين يُشاهد ما يجري من بعيد.
ما الذي يحدث؟ تساءل بلايز.
لستُ أدري. تمتم سيده الأمير بحيرة تُماثل حيرة الجميع في البهو عدا أنَّ فالين لم يبدو عليه ذلك لكنه ظل يراقب بِصمت.

ظهر خط بين حاجبين مايكا لِشدة عقدهم ثم أشار على نفسه قائلاً بِدهشة
و أنا لم أفعل لكِ المثل؟
بلى، لكنك توقفت. لم تعُد موجوداً و كأنك جسد متحرك فقط، تكون معي لأنكَ تشعر بالمسؤولية اتجاهي ليس إلا.
ظهرت أسنانه كالحيوان المتوحش ثم أخبرها دفاعًا
هذا ليس صحيحًا!
هَزت هي رأسها بخيبة ظَن لتُبادر بِهدوء.

ترى نفسك مُحق و مظلوم، لكنكَ لا تراني تعيسة بكل لحظة أقضيها معك بِسبب أهمالك منذُ سنوات لأنكَ لا تقدر على ترك سيدك العظيم لِلحظة من أجلي! و أنا صبرت و مع كل هذا أنتَ مُخلص له لِلغاية لدرجة انك تنسى العالم و من يحبوك و يهتمون لأجلك و تلقي بهم خلفك مِن أجله هو فقط!

لم ترى حركته قادمة أو تتوقعها لأنها كانت سريعة جداً لتتلقى صفعة قد خلقت رنينًا في أذُنيها و جعلت أسنانها تتصادم بِبعضها لتتمزق شفتها السُفلية و تتذوق دمائها.
تبحلقت عيون فالكين و شعر بِقلبه يقع في معدته كأنه هو الذي تلقى الصفعة التي جَرَت كالصرخة في أرجاء البهو مع شهقات الخدم المنصدمة و بلايز الذي وضع يديه على فمه عينيه لا تصدق ما رأته.

عندما أراد التحرك لكي يوقف مايكا و ربما يقتله بيديه العارية و إذ بِنظرة من فالين منعته و ثبتته كما لو أنه فقد القُدرة على الحركة و لم يعُد يُحِس بِجسده.
انه يستخدم قوته بالتنويم.
لعنَ فالكين الملك ألف مرة ليَهُز فالين رأسه بِكلمة لا صامتَ و فالكين لم يكُن له خياراً سوى الإنصات مع انه حاول التَصدي لِقوة فالين ولكن لا فائدة فهو أقوى بِكثير منه يمنعه تمامًا مِن تحريك ساقيه.

أنا لا شيء من دونه! فَهو مَن أنقذني من ظلامي و أنا أدين له بِحياتي فَلا تتكلمي عنه إلا بأحترام لأنه الملك و إلا سوف تواجهين العواقب كانيلا. قال مايكا لِلبشرية في حالة صدمة مِن الذي تلقته الصفعة تحرقها لِقوتها.
لم تتخيل يومًا أن يرفع مايكا يده عليها مع انها مُدركة بِتخطيها الحدود لكنها لم تستطيع منع نفسها و كَبت ما بِداخلها فَلقد طفح الكيل.

دائمًا الملك قبل الجميع و دائمًا الملك و الملك و الملك و لا أحد غيره كما لو انه لا يملك حياته الخاصة و يجب أن يركز عليها أيضاً.
أشاحت بِنظرها بِبطء شديد عليه و هو رمقها بِنظرة جعلت مِن جلدها ينكمش لتخبره بِنبرة ضعيفة بِسبب دموعها التي تجمعت في عيونها و صعوبة أخراج الكلمات مِن حلقها
و أنا؟ مَن سيَخرجني مِن ظلامي؟ ألا أستحق العيش بِسعادة بعد عناء سنين؟

لم يُجبها و إنما التفت و أكمل طريقه بين أعمدة البهو و خلف الخدم المندهشين ليَختفي هو و تبقى كانيلا واقفة لوحدها جانب وجهها أحمر و طرف شفتها مُمزق يسيل منه دماء لكنها لم تهتم بِمسح الدم إلا على صوت الصفعة التي ظلت تتكرر في عقلها مع كلمات مايكا التي كسرت شيئًا بداخلها.
من دون إرادة أو بِعقل واعي، أخذتها ساقين كانيلا في الجهة الأخرى من البهو و خلفها إكسانا ثم أختفت في ردهة أسفل الدرج.

ذهب فالكين مِن بعد كل شيء خلف فالين الذي عاد إلى ردهة مكتبه يديه خلف ظهره يمشي لوحده. لحق به فالكين مُمسكًا بِذراعه لكي يجعله يتوقف حتى يواجِهُه و الغضب يفور كالحُمَم في بركان حي.

لماذا لم توقفه؟ صرخ الأمير بوجه الملك ليَسحب ذراعه مِن قبضته ثم يُمسكه بِلمح البصر مِن ياقته يدفعه بِقوة لِلجُدران و إثر الضربة ارتجفت اللوحات المعلقة و المصابيح و أحس فالكين بِعاموده الفقري ينكسر لكنه لم يهتم إلا بالذي يمسك به بِقوة يرى يشهد على غضب فالين النادر أمام عينيه.
مَن أنت لكي تتدخل بينهما! فالين صاح بِهمس مِن بين أسنانه بِوجهُه، يضغطه على الجدران بِقبضته أكثر.

كيف تدعه يصفعها هكذا ايها الحقير؟ فالكين دفع الملك عنه بِقسوة لا يسمح له باذيته.
لا، لم يعُد يكترث لِتحكمه بِنفسه أو انه يتكلم مع ملك. لا حدود لِمن لا يعرفوها و لا يرون ظلم الأخرين.
عَدَّل فالين مِن ملابسه ثم أجابه بِنبرة هادئة
لأنها تخطت حدودها بالتحدث عني بتلكَ الطريقة أمام الجميع لهذا استحقت ما أتاها.
منذُ متى رفع يد الرجل على امرأة، حق!

نظر له فالين بِنظرة غيره كان سيَهرب منها لكن فالكين ظل في مكانه لا يتأثر بها و النيران تشتعل بِعينيه ليُشير فالين عليه بأصبعه يأمره بِصرامة
لا شأن لأحد منا و لا علاقة لنا، إنها مشكلتهم و هُم مَن سيحلونها بين بعضهم و أياك ثم أياك أن تتجرأ و تتصرف بِحماقة و تتدخل بينهما فالكين.
و هكذا انتهى الحديث ليُكمل الملك طريقه إلى مكتبه بينما فالكين حدق بِظهره إلى أن اختفى و لم يعُد يراه.

الفصل التالي
بعد 13 ساعة و 30 دقيقة.
جميع الفصول
روايات الكاتب