رواية تحت الغطاء الأبيض الجزء الثاني للكاتبة مينار الفصل الثالث والعشرون

رواية تحت الغطاء الأبيض الجزء الثاني للكاتبة مينار الفصل الثالث والعشرون

رواية تحت الغطاء الأبيض الجزء الثاني للكاتبة مينار الفصل الثالث والعشرون

بعد أن قضيتُ نصف اليوم مع سيري في الحديقة قبل بدأ العاصفة، ذهبتُ الى غرفتي لكي أتحقق على صِحة إكسانا.
حرارتها كانت مرتفعة منذُ أن استيقظت لكنها الأن تحسنت و تبدو أفضل حالاً.

تركتها لكي ترتاح لوحدها و بعد أن زارها بلايز و الأمير لوقت قصير، غادرتُ الى الشُرفة القريبة الخاصة بالردهة. انها كبيرة جداً أرضيتها حجرية رمادية و من بين كل حجرة و أخرى جذور شجر صغير ينمو بين صخور صغيرة في كل زاوية و مواجهاً للأبواب الزجاجية المفتوحة و أكبر شجرة هنا تقف أمامي.

عند كل نباتات و أشجار فوانيس بيضاء لونها للسماوي الراقي. على يميني مباشرة، درج حوافهُ مصنوعة من الذهب و عليها مُلتفة نباتات خضراء و زهور بينها.
و هذا الدرج يقود الى مكان بسيط جميل في الأعلى، فوقه قبة مفتوحة من كل الجوانب، مُطِل على أراضي واسعة من الخضار و الجبال، ترتدي الثلوج كَالطبقة الثانية.

ذهبتُ انا الى الأعلى ثم وقفتُ و المطر من حولي لكن لا يلمسني لكون القبة تحميني من المياه.
الأن الأمطار هادئة، خفيفة و الغيوم في سماء الليل رمادية، مع الوقت تتحول لِلرصاصية منها أصوات البرق تَتخلخَل في عظامي.

أخذتُ نفساً عميقاً أشتم فيه رائحة المطر المنعشة لأشعر في سلام داخلي لا مثيل له. أغلقتُ عيناي لِلحظة أصَفي عقلي من كل همومي التي ترافقني دوماً و إذ بِوَجه ظهر، وسيم جداً بِعيون بنفسجية مُضيئة، تبتسم لي في الحديقة.
فتحتُ عيوني بِسرعة أرمش في الفراغ لتَختفي الصورة.
تنهدتُ أدَلّك جسر أنفي لا أعلم لماذا خَطَر-ظهر وجهه الأن.
ما الذي يحدث؟ في الأوان الأخيرة عقلي ينشغل بأشياء غريبة جداً.

وقلبي يقلق على لا شيء.
انها ليلة جميلة. فجأة قال صوت رقيق من خلفي لأنتفض مُلتَفته الى الوراء.
تيريان. يقف و يديه خلف ظهره على طرف شفتيه الوردية بسمة رقيقة. شعره البني القصير مُبعثر لكن بطريقة وسيمة كَوجهه.
جميع الجنيات جميلين، لم أرى أحداً منها بِعكس ذلك لكن الملوك هنا، ليس لهم حدود لِلجمال و الوسامة و تيريان منهم.

أخرجتُ نفساً صامتاً من فمي أضَع يدي على صدري ثم رددتُ البسمة له ليأخُذ هو خطواته الى جانبي يقف يشاهد المنظر.
أنضممتُ له أتكئ على عامود حجري أبيض مُتصل بالقبة.
انها كذلك. وافقته أمُد يدي لأمامي خارج حماية القُبة لكي أشعر بالمطر البارد على كف يدي.
ما الذي أحضركِ الى هنا؟ سألني بعد أن عَم هدوء بيننا صوت المطر و البرق من بعيد يملئ الجو.

انه المكان الذي كنتُ أتي اليه كلما أحَسستُ، بالوِحدة. عثرتُ على صوتي هامس عندما تفوهتُ بأخر كلمة.
لم يقل شيئاً لفترة لكنه حرك يديه من وراء ظهره ثم أتكئ بأذرعُه على الحافة مثلي يحني ظهره قليلاً و عينيه أمامه على كل شيء بعيداً من جمال الطبيعة.
و هل تشعرين الأن بالوحدة؟
عضتُ على شفتي السُفلية. لستُ أدري ماذا أقول لكني سألتُ نفسي، هل انا وحيدة؟ كيف هي حالتي؟ ما هو أمري؟

لا إجابة. لا شيء، فقط فراغ يضغط عليّ بين حين و أخر و غموم حياتي إضافة عليه.
لهذا لم أجيبه و فَضّلتُ الصمت و هو لكونه رجلاً متفهماً لم يفتح فمه ليسأل مجدداً بل غَيّر الموضوع
أخبريني كيف هي حياتك في فالينيا؟ هل تغير شيئاً؟
أعدتُ رأسي لأنظُر على روعة و ضخامة الجبال قبل أن أرُد بِصراحة له.

مختلفة عن أريزو، أسليرا و حتى عالمي لكنها مملكة جميلة و مفعمة بالحيوية و مَن في القصر يعاملونني باحترام و أوَلهُم الملك فالين.
هل تغير شيئاً؟ سألني مجدداً بِنبرة صارمة ليست وقحة بل لها معنى و انا فهمته، فَهمت عَن مَن يسأل.
مايكا. صديقه القديم و مستشاره السابق.

ما يزال يفكر فيه و ربما انا السبب لأنني خطيبته و الفتاة التي أخذها منهم اليه، أو لنقول انني انا مَن أخترت المغادرة معه. كنتُ عمياء جداً بِحبه و قَبِلتُ باللحظة التي أقترح عليّ القدوم معه لكني عشتُ في أسليرا لفترة قبل أن يُنَظِم مايكا أموره في فالينيا من أجلي.
ما يزال كل شيء كما هو، أكثر انشغالاً من اية يوم لكن لم يتغير. أجبته بِنفس طريقة سؤاله.

أخرج هو ضحكة ساخِرة من حلقه لكنه لم يُعَلق أو يلفظ بِحرف. حتى لو حاول أخفاء ما بداخله، فأنا أرى ألمه مَرسوم على وجهه. في انكماشه و عينيه أنعكس فيها ضوء البرق لِثانية سريعة.
مايكا كان صديق تيريان قبل أن يُصبح مستشاره و عندما أصبح تيريان يثق به جداً طلبه منه أن يكون مستشاره و طبعاً مايكا وافق لكونه هو ايضاً يُحبه و يريد مساعدته.

مع مرور السنين، القرون. ظهرت أزمةٍ كبيرة في أريزو حين لم يوافقوا بعض الوزراء على فكرة تيريان بِإيقاف استخدام الجنيات لأجنحتها في بداية مَدينة فوريا لأنَ هنالك وحوش تعيش في الغابات و تأكل الجنيات حين تسنح لها الفرصة.
و بما أنَ المملكة فقط مَحمية بِسور لم يقدروا على حماية مَن تلتقطه الحيوانات الطائرة و اصطيادهم لأكلهم و كان قرار تيريان الحل الوحيد.

فَمملكة أريزو غابة بنفسها لهذا مِن المستحيل حمايتها من اية مخلوقات لا تجرؤ على قتل الجنيات إلا و هي تطير.
الحل كانَ، منع الجنيات في بداية المملكة مِن الطيران لكن الوزراء لم يوافقوا على القرار فَفي الأخِر موافقتهم مهمة.
مايكا كانَ يقف بِسر و مع نفسه مع الوزراء و لم يُعجبه قرار تيريان لكنه لم يُخبره يوماً عن ذلك و أخفا ما يُفكر به سراً عن الملك.

و مع ذلك تيريان عنيد، أرسل مجموعة كبيرة من حراسه الى بداية المدينة لكي يأخذوا كل مَن سيَكسِر القانون الجديد و يُعاقبه.
بعد ذلك الوزراء غضبوا جداً و خَططوا مع دَعم مايكا بأرسال مجموعة خاصة بهم مِن المتمردين لِقتل الحراس.
لأنهم إن فعلوا ذلك تيريان سوف يرى أنَ الشعب لا يوافق على قراره و قد يجعلوه يُعيد التفكير و إيجاد حَل أخر.

المتمردين نفذوا الخُطة و قتلوا مجموعة من الحراس لكنهم لم يقدروا عليهم جميعاً لكونهم أقوى و متدربين بِشكل أفضل منهم. لهذا مَن نجى مِن المتمردين، أخذوهم الحراس الى تيريان ليُعاقبهم.
بعضهم لم يجرؤ على أخبار تيريان بأسم مَن خطط لِلتمرد ضِد القصر الملكي و ماتَ إثر ذلك لأنها تعتبر خيانة. و منهم لكونهم ضعفاء و لم يتحملوا التعذيب لفظوا بِأسماء الوزراء الخائنين و من ضمنهم أسم مايكا.
تيريان كُسِر.

حرفياً كُسِر. لم يصدق بالبداية و قتل مَن لفظ بأسمه بِنفسه لكنه في الأخِر عرف الحقيقة لأن الكذب حبله قصير. مهما حاولتَ إطالته سوف ينقطع.
ذهب تيريان الى مايكا بِغضبه و كرهه و شعوره الذي يأكله من الداخل لكون صديقه العزيز و الأقَرب له قد خانه. لم يقتله و لم يصرخ عليه، بل أخبره بِشعوره و انه لن يكون مستشاره أو صديقه بعد الأن.

لعنه مِن كل قلبه المُمتلئ بالبُغض و الكره و الحزن و نفاه من المملكة الى الأبد بِشرط واحد، بأمكانه دخولها إذا كانَ الأمر متعلق بِخطر و ما هو مهم فحسب.
و لم يكتفي بِذلك بل أحضر عائلته المسكينة الى القصر قبل مغادرة تيريان المملكة، ثم وضع أخواته بالذات أمامه، أخاه الأوسط و أختهم الصُغرى ثم خَيرُه بينهما.

أخبره انه سوف يأخُذ حياة واحد منهم لأنَ فعلته و خيانته قتلت العديد من حراسه الوفيين و يُعتبر كلام تيريان رحمة بما انه لم يأخُذ أرواح كل عائلته أمامه.
في تلكَ اللحظة مايكا كانَ خائفاً و لا يعلم ماذا يقول لأنَ الملك يخَيرُه بين أعَز أثنان. أخواته مُقابل الخيانة الكبيرة لملكه و صديقه.

تيريان يُعَرف على انه غير رحيم و مِن بين الملوك في هذا العالم المعروف بِقساوته و برودته لكن و بذات في تلكَ اللحظة كانَ وحشاً مجروحاً و قلبه مَكسور و لكي يَخمُد تلكَ النيران بِداخله رأى الاقتراب من ما هو قريب من مايكا انتقاماُ مناسباً و لذيذاً.
مايكا ترجاه بعد أن لم يقدر على الاختيار و بكى عند قدميه بأن يدعهما و يأخُذ روحه بدلاً منهما لكنه رفض مراراً و تكراراً.

الى أن خطرت على باله فكرة شريرة اسوأ من قتلهم.
لقد أخبر تيريان مايكا بأنه يريد أخته. أصغرهم في العائلة، جميلة و يافعة. كانت شابة في منتصف العشرينيات و مَخطوبة من رجل ثري و جزاءً لمايكا رأى انها أفضل عقاب.
أفضل من قتل أحدهم.
تيريان رفض مجدداً لكن أخته وقفت بينهما و قلبت بالبقاء مع تيريان في القصر و بِالقدر الذي ينتظرها من عذاب قد لا تتحمله ابداً.

ترجاه مايكا كثيراً لكي لا يأخُذها و طبعاً تيريان وجدَ متعة بِرؤيته خائف، يرتجف و نادم لهذا أخذها أخرج عائلته من قصره و نفى مايكا من المملكة و أمر قصره انه إذا رأى أحدهم مايكا يخطوا و لو خطوة صغيرة فيها، سوف يقتل.

عائلة مايكا منذُ ذلك الوقت و هُم لم يتكلموا معه، لم يسألوا عنه و لم يَعُد لديهم أبن من الأصل. هو لهم ايضاً خائن و قد تم أخَذ أبنتهم الى الملك من دون معرفة أية خبر عنها و ماذا يحدث لها في القصر.
تلكَ الفتاة المسكينة التي ألقى البلاء عليها بِسبب أفعال أخاها المتهورة و خيانة كبيرة بِحق ليس الملك فَحسب، و إنما المملكة بأكملها و بِحق عائلته التي لستُ أدري عنها الكثير.

تلكَ الفتاة الأن تعيش في القصر كبرت فيه و بعيداً عن عائلتها و هي عشيقته و أم أبنه آناس.
سيري.
أخت مايكا و والدة ملك مستقبلي.
كلما نظرتُ اليها أذكُر مايكا، لديها ملامحه تقريباً. نفس الأنف، العيون الخضراء الجميلة و الشفاه عدا لون الشعر فَمايكا شعره أسود مثل لون شعر والدهم كما أخبرني مايكا بِنفسه أما لون شعر سيري بني كستنائي كلون شعر والدتهم و أخاهم الأوسط.

لقد عذبها تيريان لسنوات، ليس جسدياً بل نفسياً. حبسها في غرفتها و لم يدع أحداً غير خادمة أو اثنتين معها، تأكل، تنام و تقضي كل أيامها لوحدها من دون رؤية عائلتها أو شخص تعرفه حتى تيريان نفسه لم يراها.
الى أن أتى يوم فيه مَرِضَت هي جداً و كانت على فراش الموت ليَحِن قلبه لها و يُساعدها ينسى انها أخت خائن.

صحيح أنه يُعَرف بِقلبه القاسي لكن لها ظهرت رحمته بعد أن رأى أن تعذيبها لن يجعل خيانة أخاها تختفي أو تُنتَسى.
و مع الوقت لستُ أعلم إن أحبها حقاً لكنه جعلها كالملكة، عاش معها في سقف واحد و تركها تعيش كما يجب الى هذا اليوم و معهم آناس. هدية من الله لهما كي يَنسيا ما يجعلها يكرهان الحياة و ما فيها.

سيري، توقفت عن كره مايكا، تعلمت أن تُرجِع الحب من أجله و تخاف عليه، انه عائلة حتى لو دمرها بِفعلته لكنه أخاها قلبها لا يقدر على عدم حبه.
مثل هذا الملك الذي يقف بِجانبي، جزء منه يشتاق لِصديقه لكنه يواجِه صعوبة بالاعتراف حتى لنفسه و انا لا ألومه.
الخيانة، خيانة إلا إذا كانت لصالح شخص ما تهتم لأمره أو فيها خير.

و مع ذلك العلاقة بين الملك و عشيقته مُعقدة و لا يُفهَم منها شيئاً، ربما لأنَ تيريان ما يزال مُتعلقاً بامرأة لم يكُن يُسمح له ابداً التواجد معها، نيفاري أخت الملك لايتا ملك مملكة كاداري (الضوء) أو لأنه يرى وجه مايكا مثلي كلما نظر اليها.
انتِ تستحقين أفضل. أعادني كلام تيريان مِن تذكُري لِلقصة المُحزنة لألقي نظرة عليه أجده يُحدق بي بِعيون فارغة و باردة كَبرودة المطر الذي بلل يدي.

ظهر فجأة برق في السماء، بِخَط مُنعرج ثم أختفى بِسرعة.
أعلم مَن يقصد بِكلامه.
كانَ لديكِ ضوء في وجهكِ، و لم أعُد أراه. أكمل هو لي ثم أحنى نظره على يدي اليُسرى و خصيصاً أصبع السبابة الذي فيه خاتم مايكا.
ما الذي وجده في وجهي أو ما الذي لم يجده لكي يقول هذا؟
تذكرتُ ايضاً كلام سيري في اليوم الفائِت، عن كوني أضيء و أشع أو شيء من هذا القبيل.
ما الذي رأته سيري بي حتى قالت ذلك بِعكس ما يقوله هذا الرجل المتحجر؟

هل أضيء أم أني مُنطفئة، فأنا حقاً محتارة.
هنالك أمور تحدث في الحياة تأخُذ منا ما يُسعدنا لبعض الوقت و هذا ما يحدث لي، أو حدث لي. أخبرته لا أنظُر له بل على قطرات المطر التي تمتلئ على الحافة و تسقط الى الأسفل.
لا تهدري المزيد نفسك و وقتك مع شخص، مثله. قال الجُملة ثم تحرك مُبتعداً عني و الى الدرج عائِد الى الداخل لكني ألتفتُ له مُسرعة حواجبي مُعقدة لا أتحكم بِغضب أشتعل فيني على كلامه.
ماذا عنكَ انت؟

تجمدت ساقيه قبل أن ينزل أول درجة بعدها أستدار لي رافع حواجبه المُرتبة بِتساؤل.
سيري، لماذا تُبقيها لديك؟ لماذا أبقيتها لديك حتى قبل أن تجلب لكَ طفلاً غصباً عنها.
تحولت ملامح تيريان من الهادئة الى ملامح مُحتدة عينيه الخضراء أصبحت سوداء.
انتِ لا تعلمين شيئاً كانيلا. قال و السُم يُقَطِر من فمه يجعل نفسي يَعلق بِحلقي.
لكني شددتُ من ظهري و نظرتُ له بِصرامة.

انتَ مع امرأة بالكاد تنظُر لها و مع طفل بالكاد تناديه بأسمه فأعذرني إن قلقتُ على صديقتي و ابنها بدلاً عنك.
حدق تيريان بي لفترة أحسستُ بها يوماً كاملاً فتح فمه ثم أغلقه و لون عيونه عادَ بِبطء الى الأخضر الداكِن من لون أوراق الشجر من حولنا.
هذا عقابي، تفوه تيريان يتوقف لِلحظة عند الكلمة قبل أن يكمل بِنبرة مُنخفضة.

عقابي لِثقتي العمياء و عقابي لِتساهُلي مع الشخص الذي أحببته و وضعته في مقامة صديق و أخ قبل أية شيء. سيري ليس لها دخل لكني لا أقدر منع نفسي من رؤيته فيها بعض الأحيان، انا لا أكرهها بل أحبها. أحبها لكني لن أرتكب نفس الخطء مرتين.
خطئ الوثوق و حُب شخص كما وثق و أحب مايكا من قبل.

هل يجب عليّ الصُراخ عليه و أخباره أنَ سيري ليست مايكا أم الذهاب اليه و مُعانقته. لا يزال مُنكسر، لا يزال جرحه عميق و لم يُشفى حتى بعد قرون.
و انا أتفهمه جيداً.

أخرج هو زفيراً مِن فمه طويل يَحني رأسه لكي ينظُر على الأرض ثم وضع يده على حافة الدرج لا يتحرك بعد.
رفع رأسه اليّ ملامحه هادئة كما كانت سابقاً.

انا لا أخون، صحيح انني تعلقتُ بِامرأة من قبل لكني من المستحيل أن أخون لأنَ الخيانة أكثر ما أبغضه في حياتي لهذا قبلتُ بِسيري و أبقيتها معي في القصر و بالنسبة لِآناس، انه هدية لنا كلانا و انا سعيد بِوجوده في حياتي و مع ذلك يجب عليه أن يتعلم أن يكون رجلاً قبل أن يكون أميراً و ملكاً.
و هذه طريقة تربيتي له، هذه الجملة القصيرة التي لم يلفظها.

اومأتُ له بالتفهم لا أثق باستخدام لساني بعد أن صارحني لأول مرة بِالذي يشعر به مِما يكون شيئاً نادراً له.
تسألتُ في نفسي؛ هل أخبر سيري يوماً بالذي أخبرني إياه؟
هل تعرف هي أم أنَ هذا الكلام سراً عنها؟
ألتفتُ تيريان بِمطرحه ثم نزل على الدرج بِبطء يأخُذ وقته و المطر يُبَلِل سترته البنية و البيضاء على الأكتاف و شعره الناعم.
و قبل أن ينزل أخر درجة و يدخُل القصر عبر الأبواب المفتوحة في الأسفل، قال لي.

لستُ أدري ما يحدث أو ما حدث لكِ في الماضي، لكن كانت السعادة تصرخ مِن وجهك أما الأن انا لا أرى غير حزن خلف ذلك القناع و غير ذلك أعلمي أنَ مَن يرتكب خطأ هو مُدرك إياه يرتكبه مجدداً و مَن يخون مرة بِكامل قواه العقلية، يخون مرتين.
و بِذلك أختفى خلف الأبواب لِلشرفة يترك كلامه مُعلقاً في الهواء، مُعلقاً بي.

انتظرت انا و آناس مع أزورا التي ظلت صامتة في الحديقة الخلفية و الوحيدة لِلقصر و عندما دَقت الساعة الثانية عشر منتصف الليل ظهر لنا و أخيراً فالكين، يرتدي قميص أبيض مفتوح يُظهر صدره العضلي و فوقه سترى بينة و زرقاء الأكمام و حول خصره حزام عليه سيفه معلق و الذي لا أعتقد انه سوف يغادر من دونه، و بنطال أسود مع جزمة بنية للركبة.

أنيق شعره مُرتب و توجد بسمة بالكاد واضحة على شفتيه.
يمشي نحونا بِخطوات ثابتة و خفيفة يديه في جيوب بنطاله.
أقسم انني أحسستُ بالهواء لا يتحرك ليَسمع له و يشاهده مثلي، مثلنا.
العاصفة هدأت قبل ساعات لكنها سوف تعود فَغيوم غيرها قادمة على الطريق، باستطاعتي رؤيتها فوق الجبال الثلجية متجهة الينا.

لاحظتُ توَسع عيون فالكين لرؤيته لِأزورا تقف خلفنا. تجمدت ساقيه في مَطرحها في مكان قريب منا لأسمعه يسأل لا أحَد مُحدد
ما الذي يفعله مخلوق الغريفين هنا؟
أخرج آناس ضحكة صغيرة كأنَ الأمير ألقى نُكتة مُضحكة بعدها أشار بيده على المخلوقة التي تحدق بِفالكين الأن و رأسها مائل على جنبها.
هذه أزورا و التي سوف تُحلق بنا الى المكان الجميل الذي أخبرتكَ عنه كانيلا.

رفع فالكين حاجباً واحِداً مُرتباً عليه ثم تقدم نحونا الى أن وقف أمامي يُلقي نظرة عليّ و على ما أرتديه:
سترة سوداء لها عند الصَدر و الرقبة فُتاحت مُتعددة مُرصعة الفضة، تُظهر القليل مِن بداية الصدر، أسفلها قميص أبيض ياقته ظاهرة مِن فوقها و بنطال أسود ضَيّق و حوله حزام بني مع جزمة سوداء يصل طولها الى ركبتاي و فوق كل هذا رداء أحمر و أسود زر واحد يُثبه من حول الكتفان.

أخيراً زران كبيران عند كل جهة من كتِفاي مِن الذهب يُزينان الرداء بِسلسلة حديدة مُتصلة بينهما.

أشاح بِعينيه على رقبتي، قبل أن تَحوم على شعري المنسدل على شكل موجات بسيطة.
تبدين على وَشك الصيد. علق هو بدلاً من الترحيب.
ابتسمتُ له أشابك أذرعي أسفل صدري، مُرتدية قفازات لتدفئ يداي بما أنَ الهواء بارد.
لا شتاء في أريزو لكن الفصل يُمكن قول انه خريفي عدا أنَ الطبيعة تبقى خضراء هنا.
يبدو انكَ سوف تقتل أحداً بِذلك السيف. أشرتُ بعيناي على سيفه الطويل و الحاد.

ضَيّق مقلتيه اللامعة كَلمعة النجوم في السماء، زاوية من شفتيه ترتفع للأعلى على شكل بسمة ماكِرة.
صفى آناس حلقه من جانبنا ليجذب انتباهنا قائلاً
بما اننا اجتمعنا لما لا نبدأ الرحلة؟
ذهب هو الى جانب أزورا التي جلست على أربعتها كي يصعد هو أولاً فوقها.
مَن اين له بِهذا المخلوق؟ انه نادر جداً. سألني فالكين و انا أحاول الصعود على ظهرها خلف آناس، مُمسكة بيده القوية.

لكن لم ينفع فَهي كبيرة جداً و عالية أما انا ضئيلة الحجم بالنسبة لها و لستُ طويلة لِلغاية مثل الذينَ معي.
أمسكني فالكين مِن خصري، نحيل مُقارنةً بعرض يديه ثم رفعني الى الأعلى لكي يسحبني آناس على ظهرها. شعرتُ بتلكَ اللحظة بِحرارة يديه و قوتهم على خصري لكني تجاهلتُ الشعور و ركزتُ على تعديل جلوسي فوق ظهر أزورا الناعم جداً.

سوف أخبرك بِكامل القصة سموك لكن أصعد أولاً قبل أن يرانا أحداً لا أريده أن يرانا. أخبره آناس ليلقي فالكين نظرة من حولنا كأنه يبحث عن الذي لا يريد آناس أن يرانا ثم صعد لوحده، يجلس خلفي.
أخمن أنَ الملك و والدتك لا يعرفوا بِوجودها؟ قال فالكين يقترب مني قليلاً حرارة جسده الأن كل ما أحس به خلفي و رائحته مِن المطر و الليمون تدخُل مجرى تنفُسي بِفضل نسمة الهواء التي ترسلها منه، اليّ.

و هذه قصة أخرى سوف أقصها عليك و نحنُ في الطريق. أجابه آناس ضاحِكاً ليُمسك هو بِريش أزورا و بِخفة يسحبه بِطريقة لا تؤلها كي تقف على أربعتها و نُصبح مرتفعين عن الأرض.
تخطى قلبي خفقة على المنظر مع انني لا أهاب المرتفعات إلا أنَ الارتفاع، رهيب.
فردت أزورا أجنحتها البيضاء العظيمة على كِلتا الجهتين ثم مشت و مشت و مشت الى أن أمرها آناس بِالطيران.
و فعلت.

في ثانية كنا على الأرض و في ثانية أخرى في السماء نحلق بِخفة فوق القصر الملكي، نراه أسفلنا شجرة كبيرة الحجم (القصر) و من حولها و في كل مكان حرس ملكي قد لاحظوا وجودنا لكن أبقوا وجوههم ثابتة غير مهتمة كما أمرهم آناس ايضاً.
بِعدم الأفشاء لِلملك و عشيقته عن هذا السر الصغير.

صعدَت أزورا أكثر و أكثر في السماء الى أن أصبح الهواء قوياً يحرك ملابسي و شعري من حولي الى الوراء صوته صاخب في أذُناي لكنه ليس قوياً كفاية لعدم سماع صوت أجنحت هذه المخلوقة تفوق صوت الهواء.
و إثر صعودها الى الأعلى، اضطررتُ بِوضع يداي حول خصر آناس كي لا أقع بينما فالكين أمسك بِخصري لكنه لم يقترب أكثر من ذلك فقط أحساس يديه الكبيرة كل الذي يخبرني انه لم يقع، و انه خلفي.

بدأت أزورا بالتحليق مُستقيمة لنستقيم مثلها في جلوسنا و يهدئ صخب الهواء حتى صارَ هادئاً بارداً على جلودنا المكشوفة.
إلا انا، أشتعل ناراً، لماذا ارتديتُ الكثير من الطبقات؟
حلقنا في السماء لِفترة نرى من أسفلنا غابات و غابات خضراء تعود لِلمملكة و المدينة المُنيرة بالأضواء البرتقالية، البيضاء و الزرقاء الفاتحة خلفنا، مُحاطة بِسور كبير.

علي الطريق، أخبر آناس فالكين بِكل ما يشعر بالفضول بِشأنه. اين وجدها، كيف ساعدها، لماذا أخفى عن والده وجودها، و لماذا لم يطلق سراحها.
أطلاق سراحها يعني ألقائها الى أيادي الصيادين الحمقى و الحيوانات المُفترسة. قال آناس يُدير رأسه لينظُر الى الأمير من فوق كتفه.

هَمهَم فالكين قليلاً عينيه تبدو أفتح لوناً من قبل. لقطني الامير أحدق به لأحرك رأسي بسرعة الى الأمامي أشاهد الغابة التي تمتد أسفلنا يبدو لا نهاية لنا.
أبيرو.
أكبر غابة في هذا العالم. بأشجار عملاقة ذات أوراق مثلها مَطرية عليها مياه مُمتلئة مِن العاصفة و لو كانَ ممكناً لسبحنا بها بِسبب كبر الأوراق.
لكنك تأسُرها في القصر و يبدو انها لا تغادر مكانها عند البرج القديم. أخبره فالكين.

صمَت آناس لِثواني طويلة ثم قال شعره البني الذي يصل لكتفيه يتطاير يلامس أنفي.
أعلم، لكني أحاول قدر الأمكان تركها تحلق و تحوم في الأرجاء فَهي نادرة كما تعلم، أخاف أن أتركها ليتم قتلها.
أعتقد انها لا تُمانع وجودها في القصر. انضممتُ الى الحديث أعطي رأي فأنا انتبهت انها حقاً سعيدة لرؤية آناس و لديها كل ما تحتاجه مِن ملجأ و طعام حتى ساحة كبيرة لها لكي تتحرك و تطير كاليوم.

أسِر، كلمة كبيرة لِوصف موضعها و حالتها.
صحيح لكنها حيوان و يجب أن تكون في الغابات ربما لديها عائلة خاصة بها في مكانٍ ما. أضاف فالكين أتخيله يَهُز كتفيه.
أخاف أن أنظُر له لأجد تلكَ العينين تحدق بي مجدداً.

سوف أفكر بالأمر و سوف أخبر والداي قبل ذلك لكي نقرر معاً، هذا إن وافق حضرة جلالته. قال آناس و خيبة الأمل واضحة في نبرته التي أوصلتها الينا النسمة.
لم يجادله فالكين بالمزيد و لم يقل شيئاً بعدها ليَعُم بيننا الهدوء الى أن وصلنا الى المكان الذي شعرتُ بِحماس مفعم في قلبي لِلقدوم اليه بعد خمسة سنوات.

اننا في قلب الغابة لكن في مكان أمِن بِسحر تيريان لكونه هو ايضاً يُحِب القدوم له. فَلكُل ملك مكان خاص به في مملكته يُحِب الذهاب اليه و ترك أحبابه و أصدقائه يشاركونه روعة المكان كذلك.
مثل ريس و حديقته الوردية، فالين و قاعة الشجرة (مع انها ليست خارج مملكته إلا انه مكان خاص به) و الأن تيريان و هذه المنطقة الجميلة.

نزل آناس أولاً عن ظهر أزورا عندما هبطَت على العشب و التراب ثم مَد يد المُساعدة لي لكي أنزل انا و بعدنا فالكين. أمامنا تماماً مَنظراً خطف من أنفاسي.
الخيال كلمة بسيطة جداً لِوَصف ما أراه. ما يحبس أنفاسي و يجعلني أنسى اين انا و من انا.

هنالك طريق العشب فيه قليل و بينه أرضية مُبلطة بِحجر داكِن يندمج مع العشب القصير و على كِلا جوانب الطريق، نباتات و زهور ذات أشكال غريبة تُضيء و تنيره كأنها فوانيس سحرية.
أشجار نحيلة الأغصان أوراقها بِعروق شعاعية لونها أزرق، كل شيء لونه أزرق، الألوان تنعكس على الطبيعة من حولها تُعطيها هذا اللون و هنالك نباتات طويلة مِن طول الشجر على شكل فوانيس بِحَق تُضيء باللون البرتقالي من قوة السحر الذي فيها.

أخذنا نحنُ نمشي في الطريق بِبطء نتمعن الجمال الذي يُحيطنا على مهل و انا خطفتُ نظرة سريعة على الأمير يتمشى بِجانبي فمه مفتوح بعض الشيء و عيونه مُتبحلقة التي تحولت إثر الأنوار لِلون الأزرق.
شعره الأسود أصبح أزرق غامِق جداً و ملابسه كَذلك كأنه جزءً من الطبيعة. ابتسمتُ لا إرادياً على شكله أشرُد به، بِتفاصيله التي لم أجرؤ يوماً أن أخُذ وقتي بالنظَر لها.

بشرته الخالية من الشوائب يافِعة و تبدو ناعمة، أنفه المستقيم رموشه الكثيفة على عينيه المَسحوبة الملونة. فَكه الحاد، رقبته عضلية حتى و تفاحة أدم البارزة.
طويل القامة بِأكتاف عريضة، رأسي يصل لِكتفه و إذا وقفتُ على رؤوس أصابعي لن أصل لِطوله ابداً. شعره المبعثر الأن بفضل التحليق يُغطي جزءً من جبينه.
وسيم ليس الكلمة المناسبة لِوصفه.

فجأة ألتقطني هو لِلمرة الثانية هذا اليوم، أحدق به ليضع بسمة جانبية على شفتيه رافع الحواجب يَسألني بِصمت عن سبب تحديقي.
لأهُز رأسي أرفض الإجابة و أعيد تركيزي على الطريق أمامنا لكني أحَسستُ بِنظراته عليّ حتى وصولنا الى نهاية الطريق الجميل و الذي يقودنا الى الجمال ذاته.

الى بحيرة كبيرة لونها داكِن مع انني أعرف انها فاتحة و لكن بِسبب سماء الليل المُنعكسة فيها و ضوء القمر انعكاس رائع عليها كأنما يوجد قمرين، واحِد في السماء و الأخَر على الأرض. و عند البحيرة تماماً، شجرة كبيرة لِلغاية. أسفل أوراقها نور سحري مَصدره مخلوقات سحرية تعيش فيها.
حول الشجرة مجموعة زهور وردية، زرقاء و شُجيرات خضراء.

يا للهول. تَمتَم فالكين مُنبهر ظننتُ انه سوف يتعثر بِقدمه لكون عينيه على الشجرة الأعجوبة.
أهلاً بكَ سمو الأمير الى بحيرة النجوم. قال آناس مُشيراً بِذراعه على الشجرة القريبة من البحيرة.
ما هذا؟ سأل فالكين مُعقد الحواجب لأنظُر بنفس الاتجاه و أجِد مجموعة مخلوقات صغيرة تضيء بالأصفر، كلها، و تتأرجح على خيوط ايضاً تضيء باللون الأحمر مُعلقة بِغصن شجرة.

البيلادو. كان كل الذي قلته انا أذكُر أنَ أريزو و الغابات بِشكل عام مكان وِلادة مخلوقات البيلادو و منهم إكسانا و بلايز.
كلاهُما لا يرافقانا اليوم لكون بلايز قرر البقاء مع إكسانا بعد أن سمح له فالكين بِذلك. انا أشتاق لهما لهذا الهدوء كان يرافقني طوال اليوم لأنَ إكسانا غير موجودة و على ما يبدو أنَ فالكين يشعر بِنفس الشيء فَهو ايضاً هادئ و ينظُر بين حين و أخَر على كتفه.
مكان جلوس بلايز الدائم.

وصلنا الى الشجرة ثم جلسنا ثلاثتنا أو نحنُ الأربعة أسفلها بما أنَ أزورا معنا. جلسَت على أربعتها تُشاهد البيلادو و هُم يضحكون و يتأرجحون على الشجرة.
لاحظوا وجودنا ليتوقفوا و يطيرون نحونا. التي في منتصفهم نظرت الى فالكين أولاً بما انها لم تراهُ مِن قبل تحني رأسها على جنب كالعصفور الفضولي.
ابتسم فالكين أسنانه البيضاء المثالية ظاهرة ثم مَد أصبعه السبابة نحوها بِبطء.
مرحباً انتِ.

تبادلت الصغيرة النظرات مع رفيقاتها ثم طارت و حَطت فوق أصبعه تضع ساقاً صفراء مُضيئة مثل باقي جسدها و شعرها فوق ساق أخرى عارية، جميعهم عاريين لا يرتدون شيئاً.
صديقاتها الاثنتين راقبوها و فالكين ينتظرون ماذا سيحدث مثلما انا و آناس نراقب.
انتِ جميلة. أخبرها فالكين لتتحول لون وجنتيها من الصفراء الى الوردية، خجلاً.

كما أنَ صديقاتها بدأو بالضحك ربما على شكلها الخجول أو انهم فهموا ما قاله الأمير.
وضعت المخلوقة يديها على وجنتيها تُخفي احمرارها ثم وقفت على أصبعه و مَشت بعض خطوات الى أن أصبحت قريبة من شفتيه بعدها و من دون اية سابق أنذار وضعت قُبلة سريعة عليهم تدهشه بِفعلتها.
أما نحنُ صُعِقنا و بِرمشة عين طارت المَخلوقة بعيداً عنه، هاربة.

واحدة من صديقاتها تُشير لها بالتعجيل يضحكون ثلاثتهم معاً و هُم يحلقون الى الأعلى، الى قريتهم في الشجرة.
أعدتُ انا عيناي على الأمير لأجِده يضحك مع نفسه يُمَرِر أنامله بين خصلات شعره.
كانَ ذلك غير متوقع. قال هو يهُزر رأسه و معه أنضم آناس ضاحكاً أما انا بقيتُ أنظُر على شفتين الأمير أرجع أتذكُر المشهد الذي جرى.
لقد قبلته على شفتيه. على تلكَ الشفتين الممتلئة الناعمة-.

ماذا بكِ؟ تبدين و كأن تلكَ المخلوقة قبّلتكِ انتِ. قاطع كلام فالكين حبل أفكاري لأرمش عليه بِوجه مازال متفاجئ.
هززتُ رأسي أخفي وجهي في يداي أقَهقَه.
تلكَ اللعينة المشاكسة.
انتظروا لحظة، لماذا ألعنها؟
هل تودون السباحة؟ نهض آناس على ساقيه مُتحمس كأن النسمة الباردة لا تؤثر فيه.
لكن الجو غير مُناسب لِلسباحة و أخمن أنَ مياه البحيرة مُثلِجة. أخبره فالكين بما أفكر به.

آوه لا، المياه دافئة، فَهي سحرية تتحول على حَسب رغبة من يسبح بها.
بدأ آناس بِفَك أزرار قميصه أولاً ثم ألتفت نحوى البحيرة يخلع قميصه الأخَضر يُلقي به على الأرض جلده يشع من الأنوار التي تلامسه من الشجرة و النباتات.

هَمهَم فالكين من جانبي لكني رفضتُ النظَر له أبقي كل طاقتي على آناس الذي خلع بنطاله و جزمته يَبقى بِملابسه الداخلية. أشحتُ نظري عنه الى أن دَخل المياه كاملاً يَغُط بها ليظهر بعد لحظة يضحك يُحرك رأسه كما يفعلوا الكلاب لكي يُبعد المياه عن وجهه.
واه! المياه رائعة فالكين، هيا تعال و دع تلكَ العنيدة فَهي لن تسبح و ترفِس النعمة.

شقلبتُ مُقلتاي من دون منع نفسي من الأبتسامة. بكِل تأكيد لن أسبح، فَملابسي الداخلية، غير مُناسبة.
بِطرف عيني رأيتُ فالكين ينهض كذلك يَفُك أزرار ردائه بعد سترته و قميصه يُلقي بهم في المكان الذي كانَ يجلس فيه.
آوه يا اللهي، أرجوك لا.
مشى هو الى البحيرة الحمدلله انه لم يخلع بنطاله و ظل به لكن جسده من الأعلى مَكشوف بأكمله. حَطت عيناي على ظهره، العضلات تملئه تتمدد كُلما حرك كتفيه العريضان.

تنهدتُ أغلق عيناي أسمع صوت في المياه لأدرك أنَ فالكين قفز فيها مثلما فعل آناس. فتحتُ عيناي أجده يخرج من سطح البحيرة شعره المُبلل مُسَرح لِلخلف يتلألأ أسفل ضوء القمر، مَسح هو بيديه الاثنتين وجهُه و شعره مغمض عينيه يوَجِه وجهُه الى السماء.

أنوار الشجرة أعطت جلد فالكين لوناً ذهبياً مع ضوء القمر فوقه أصبح و كأنه مخلوق من الحوريات. الجزء السُفلي من جسده العضلي في المياه بينما العلوي ظاهر، من الصدر و الى رأسه.
بلعتُ ريقي.
انتَ مُحق، الماء دافئة. قال فالكين مُندهش يحرك ذراعيه القوية في المياه.
تعال ندخُل أكثر. أقترح عليه آناس ليومئ له الأمير و يلحق به لكن قبل أن يبدأ بالسباحة بعيداً عن اليابسة ألقى نظرة عليّ.

أجلس لوحدي أسفل الشجرة ركبتاي مَرفوعة رأسي متكئ عليهم و أذرعي مُلتفة من حولها بو بِجانبي أزورا رأسها فوق كفيها. شيء ما توَهج بِعينيه البنفسجية لكنه ابتسم لي و سبح خلف آناس.
ماذا كانَ هذا؟
لم أفكر بالأمر مطولاً بل أخذتُ أتمعن بِجمال الغابة و البحيرة أرى ايضاً فوقي مخلوقات البيلادو تطير أو تتأرجح كما كانوا يفعلون الذي قبلهم.
تلكَ المخلوقة و صديقاتها اختفوا.

هنالك بعض البيلادو التي لا يمكنها التحدث مثل التي أراها الأن، ليسوا جميعهم قادرون على تعلم لغتنا و التواصل معنا و بعضهم كَإسانا و بلايز و غيرهم تعلموها و يتحدثون غيرها.
إكسانا، يجب عليّ الاطمئنان عليها فور عودتي الى القصر.
بعد مدة من البقاء وحدي في السكينة المُريحة فقط أصوات حشرات الليل و قهقهات البيلادو من قريتهم في الشجرة رافقوني لكي لا أشعر بالوِحدة، عاد آناس و فالكين من السباحة في عمق البحيرة.

لأرفع انا رأسي مِن على رُكبتاي أراقبهم يعودون. أول مَن خرج من المياه هو آناس يرتجف بعد أن وضع قدميه العارية على الأرضية، دفئ البحيرة يتركه.
قطرات كثيرة من المياه تَسيل من عليه و شفتيه مِن عندي بدت زرقاء من البرد. بينما فالكين كانَ الأخير. توَسعت عيناي عندما خرج من الماء بنطاله الأسود مُلتصق بِجسده يَسيل منه كل ما شبع من ماء البحيرة.

لكن ذلك لم يكُن ما جذب انتباهي، بل جسده العلوي. عضلات مفتولة تَشُد و تتمدد كُلما مشى خطوة لم أكُن يوماً لألحظ انه يمتلك عضلات هكذا فَملابسه تخبئهم جيداً.
تحركت عيناي على كُل عضلة في بطنه، صدره و ذراعيه لأنه رفع ذراعاً كي يُبعد شعره الداكِن عن جبينه.
جف حلقي.
بلعتُ مجدداً، لكن لا فائدة.
أشحتُ بِنظري عنه أضعه على آناس الذي يُحاول جاهِداً أن لا يموت برداً و هو يرتجف بِشدة.

وقفتُ على ساقاي أحاول أن لا أضحك على شكله المسكين ثم توجهتُ نحوهما.
ليتني أحضرتُ شيئاً لكي يدفئني. قال آناس مِن بين أسنان تطرطِق بِبضعها.
مؤسف بالنسبة لك. أخبره فالكين يقف مُستقيماً يديه على جانبيه و بِلمح البصر تحول الماء على جسده الى دخان.
يتبخر من حرارة جسده.
قوته الثالثة التي لم أعرفها ابداً، التحكم بالنار.

جسده كله يَخرج منه دخان أبيض و كل قطرة عليه أصبحت ضباباً الى أن عاد جافاً كُلياً كما لو انه لم يكُن يسبح منذُ لحظات حتى بنطاله جافاً.
حدق به آناس مُتبحلق العينين و فمه مفتوح على مصراعيه ما يزال يرتجف كالكلب المسعور.
أخذتُ انا نفساً شجاعاً ثم توَجهتُ الى فالكين الذي بِقوته التحكم، أحضر ملابسه من أسفل الشجرة يبدأ الأن بارتداء قميصه الأبيض.

حمل هو سترته السوداء لكي يرتديها فوق قميصه لأسحبها انا منه أعطيه بسمة رقيقة أجعله يرمش عليّ مُستغرباً من تصرفي بعدها ذهبتُ الى المسكين الذي يُحاول أغلاق أزرار قميصه لكن بِسبب ارتجافه فشل.
ساعدته انا بِذلك بعدها وضعتُ عليه سترة فالكين أعلم أنَ فيها دفئ الأمير لتسترخي أكتاف آناس و يُخرِج تنهيدة مريحة من فمه.
هذه سرقة! تذَمر فالكين مُشابك ذراعيه التي أعتقد أنَ قميصه سوف يتمزق إثر ذلك.

متى كان لديه الوقت لِلتمرين؟ أم انه ولِدَ بِتلكَ العضلات؟
أعتذر سموك لكنه لا يملك قوة النار ليدفئ جسده مثلك. شابكتُ أذرُعي مثله أواجِهُه أتكئ على ساق أكثر من الأخرى.
ضَيّق الأمير عينيه عليّ ثم طرق بِلسانه على أسنانه و أكمل ارتداء جزمته بِصمت.
جيد، معي الحق. آناس سيَمرض إن لم يتدفأ.

لكني عثرتُ على نفسي أبتسم كالحمقاء على شكله اللطيف و كونه لم يُعارض أو يُرجِع السترة مني آناس. تصرفي كانَ وقحاً بعض الشيء لكنه لم يُمانع بل وَجد الأمر ايضاً مُسلياً بما أنَ زوايا شفتيه مرتفعة.
نعم كنتُ محقة، وسيم كلمة ليس مناسبة لوصفه.

هيا بنا إذاً، دعونا لا نتأخَر لكي لا يكتشف الملك اختفائنا فأنا أعلم أنَ تيريان لا ينام في هذا الوقت بعد. أخبرنا فالكين يسبقنا بالمشي لتلحق به أزورا التي نسيتُ كُلياً وجودها.
لقد كانت إما نائمة أو انها فضلت البقاء مثلي، هادئة تتمتع بِسكينة الغابة.
هيا. قال آناس فور انتهائه من ارتداء الملابس و حول كتفيه سترة فالكين التي بدت أكبر من قياسه المعتاد.

آناس ليس بطول أو عرض فالكين بل لديه جسد نحيل و سيقان طويلة فقط، السترة عريضة كِفاية لتَسعني معه.
في منتصف الطريق قرر آناس أن يسبقنا كلانا مع أزورا، يصبح أمامنا يُرَبِت و يمسح على ريشها لتُخرج هي صوتً من حلقها كأنه رِضى على لمساته اللطيفة.

انا مشيتُ بِجانب فالكين أشعر بِحرارة جسده قوية تصلني، يبدو انه يحمي نفسه من البرد. وضعتُ يداي في جيوب مَعطفي كما هو في جيوب بنطاله. أصوات أقدامنا فوق العشب كل الذي نسمعه.
ماذا تمنيتِ في ذلك اليوم في القرية قبل وصولنا الى القصر؟ سألني هو فجأة لأرفع رأسي و أنظُر على جانب وجهه المثالي.
ألا يجب على الأمنيات أن تكون سرية؟
أخرج صوتً من حلقه بدى كالضحكة و أومئ لكنه قال.

و مع ذلك أودُ المعرفة، إن لم تمانعي طبعاً فأنا لا أصدق بِكلام، انه يجب أن تُبقي الأمنية لك لكي تتحقق.
هَمهَمتُ أفكِر بِكلامه لأجده شبه منطقي. لكن ماذا يجل عليّ قوله؟ انني تمنيتُ أمنية مُعتادة و مملة؟
الصحة و السعادة الدائمة...
هذا ما تمنيته و تذكرتُ كذلك انني في الحقيقة أشعر بالفضول على ما تمناه هو في ذلك اليوم.
إن أخبرتك هل ستخبرني خاصتك؟ انا سألت.
نعم، واحدة مقابل الأخرى.

اومأتُ مع انه لم يكُن ينظُر لي لكي يرى.
الصحة و السعادة، هذا ما تمنيته.
حرك رأسه باتجاهي لكني لم أقابل عينيه بل أبقيتهم على آناس و أزورا أمامنا بعيدون كِفاية كي لا يسمعوا حديثنا، أو هذا ما أعتقد بما انني لستُ من الجنيات مثلهم، أيّ أنَ حاسة سمعي ليست بِقوة حاسة سمعهم الخارقة.
دورك. قلتُ له أذكُر بالاتفاق.

قد تكون غريبة، لكني تمنيتُ السلام لهذا العالم و عالم البشر معه بالإضافة لِسلامة تاليا في حملها و ولادتها التي كان يجب أن يكون قبل عدة أيام.
هنا حدقتُ انا به أقف في منتصف الطريق، مُنصدمة من كلامه.
لقد قال:
التي كان يجب، و ليس التي كانت في.
ما الذي يعينه بكلامه؟
أمنيتُك ليست أنانية على الأطلاق، انا أخبرته مُبتسمة لكن ابتسامتي اختفت بسرعة و انا أتابع
تاليا وَلدت طفلها قبل أيام؟

وقف هو ايضاً مثلي بعدما انتبه انني لم أعُد أمشي بِجانبه ثم ألتفت لي تعابير وجهه ثابتة، مُتحجرة و مع ذلك رأيتُ ما خلفهم. الحقيقة.
رأيتُ حزن كبير واضِح في عينيه الجميلة.
كان يجب عليها أن تلِد طفلها في هذا الشهر، لكن وصلني خبر قبل سفرنا الى هنا من أدلار انها لن تلد إلا بعد شهرين كما أخبرهم الطبيب.

أخذتُ خطواتي نحوه مُقعدة الحواجب لا أستوعب شيئاً. فَكيف لها أن لا تلد في هذا الشهر و هي ظلت حامل لأكثر من ذلك و هي في الشهر الثامن و النصف حتى.
هل، هل فقد-
لم أكمل جملتي ليُقاطعني فالكين مُبرراً
كما تعلمين أنَ أنجاب الأطفال في عالمنا صعب لِلغاية و أحياناً مستحيل لِبعض الجنيات و حمل تاليا تأخَر بِسبب السحر الذي يضغط عليها و يمنعها من الأنجاب في وقته لكنها بكل تأكيد سوف تنجب قريباً.

لهذا هو ليس في أسليرا، بِجانبها.
أخرجتُ زفيراً مرتاحاً من فمي يداً على خصري. لا أعلم كيف و متى وضعتُ جبيني على صدر فالكين أشعر بِعيوني تحترق. دموع تتجمع بهم...
رددتُ بِشفتاي و بِهمس، انها بخير، بخير.
تاليا بخير، لن تفقد الثاني.
هي على ما يرام و معها زوجها يهتم لها و لطفلهما.
كانيلا، ما الخطب؟ أمسكني فالكين بِرقة من كتفاي يبعدني قليلاً عن صدره لكي ينظُر لوجهي مُتعجب من بكائي.
سوف تكون بخير صحيح؟

رمش عليّ عِدة مرات كأنه يراني لأول مرة في حياتي. أرتخ وجهه و رفع يده يمسح دموعي التي سقطت على وجنتاي بِلطف، يضع بسمة صغيرة على شفتيه.
نعم، هي سوف تكون بأتم الصحة و سوف يكون كلانا معها عندما تلد طفلها.
أردتُ الضحك على كلامه و أردتُ أخباره، لا، الصُراخ له بأنني لن أقدر على رؤية تاليا أو طفلها و لو بعد مئة سنة.
مئة سنة سأعيشها بعيدة عنها و ربما مئات السنين.
هي بخير، هذا ما يهم. هي بخير و طفلها بخير.

هذا ما يهم.
ابتعدتُ انا عنه أمسح باقي دموعي عن وجهي و أومأتُ له أحاول الأبتسامة لكني فشلتُ و عندما التفتُ الى الطريق لكي نكمل مشينا، ألم، ألم فظيع جداً جعلني أخرِج صرخة من بين شفاهي قد أشتاح كتفي الأيسر.
مكان تواجد الوشم اللعين.
كانيلا! صاح فالكين يُمسكني قبل أن أقع على ركبتاي من شدة الألم الذي تابع في أرجاء جسدي.
رأيتُ بِعيون ضبابية، آناس يركض نحونا و خلفه أزورا قد سمعوا صرختي.

كانيلاً ما الخطب؟ سأل آناس مَذعوراً يحني ظهره لكي ينظر لي.
انا، انا على ما يرام. كذبتُ عليهما أقف على سيقان هُلامية و يدين فالكين هي الوحيدة التي تثبتني تمنعني من السقوط.
الألم أصبح نبضاً في كتفي و رقبتي كما لو انه عروقي مَشدودة و لو بِحركة صغيرة مني، تَشُد أكثر و أكثر، عروقي تتمزق بِبطء شديد تعذبني رويداً رويداً.

خرج أنيناً ضئيلاً من حلقي على الألم و عيوني عادت تحرقني، أبكي على نفسي و هذا الألم الذي عاد يُدمرني مجدداً.

دعنا نأخُذها الى القصر بسرعة. فالكين أخبر آناس ليومئ له بالموافقة يأمُر أزورا بالجلوس لكي يصعد عليها أولاً.
حملني فالكين بين ذراعيه ثم مَررني الى أذرُع آناس لأجلس خلفه و خلفي فالكين يَجعلني أستند على صدره.
بدأت أزورا بِحذر بالتحرك و الطيران في السماء و إثر الضغط الألم في كتفي لم يكُن مُسالماً بل أخَذ الفرصة لكي يجعلني أرّص على أسناني و أكَوِر يداي على شكل قبضات، حتى أظافري غرزت بِجلدي.

سوف تكونين على ما يرام. هَمس فالكين في أذُني، أنفاسه تضرب رقبتي المكشوفة.
لم أجرؤ على وضع يدي فوق كتفي، مكان الوشم كي لا يلاحظوا كلاهما أنَ المشكلة مِن هنالك بل وضعتُ يداي فوق حضني أتحمل الألم بِصمت عدا المرات التي هرب الأنين من فمي الى الهواء الذي أخذه بعيداً.
أحسستُ بِأذرُع فالكين تلُف من حول بطني تثبتني عليه يُحيطني بِدفئه المريح و رائحته المنعشة من الملح و المطر و الليمون.

لا أعلم كيف لكن عيوني بدأت تثقُل كما الألم بدأ يختفي قليلاً يدع النبض المُزعج لكي أذكُر انه موجود، دائماً.
ربما لأنني متعبة، ربما لأنني متألمة و ربما جسد و دفئ فالكين هما ما جعلا أعصابي و جسدي ترتخي له لكني وجدتُ ظلاماً.

عيناي أغلقت لوحدها لأغُط في نوم، ليس تماماً عميقاً لأنني بقيتُ أسمع صوت أجنحة أزورا و أنفاس فالكين بالقُرب من أذُني.
وجدتُ نفسي أعُدها.
أعد أنفاسه واحدة واحدة. انا لستُ وحيدة، هنالك مَن معي.
من يهتم و يقلق من أجلي.
هنالك هو، قريب جداً يهمس في أذُني انني سأكون على ما يرام و انني لن أتأذى مرة أخرى.

ظللنا على هذه الحالة في أعالي السماء حتى وصلنا الى القصر و الى غرفتي التي أخذني اليها فالكين و الطبيب الذي فَحصني بِوجوده و وجود آناس و مِن حُسن الحظ انه لم يكشف عن كتفي بل أعطاني دواءً لأشربه مع المياه ثم أمرني بالنوم و الراحة.
جسدها مُتعب. كان الذي قاله الطبيب.
انه صادق، فأنا متعب لِلغاية، لماذا؟
لماذا انا متعبة؟
هل لأني نسيتُ أخذ الدواء الذي أعطتني إياه كريسيدا؟
ربما، ربما لا.
انها قصة طويلة.

استيقظت على أشعة الشمس من بين ستائر غرفتي. انها تتراقص على نسمة الهواء الهادئة مع أصوات زقزقة العصافير من مكانٍ ما.
لقد أصبحنا في اليوم التالي؟
تحركتُ فوق السرير يداً أسفل الوسادة و الأخرى فوقها أخبئ نصف وجهي بها لكن ظللتُ أحدق بالستائر و السماء الصافية بِلا غيوم اليوم.

أردتُ أن أنهض لكن باللحظة التي حركتُ بها ذراعي اليُسرى ظهر ألم طفيف في كَتفي لأهَسهِس من بين أسناني أرجع مُستلقية على ظهري، أرمش على السقف و الثريا التي تهتز زجاجاتها على شكل قطرات مياه إثر النمسة.

تنهدتُ أحاول تذكُر الذي حدث البارحة مساءً أثناء عودتنا الى القصر و كل الذي تذكرته هو: انني كنتُ أصرخ، فالكين يحملني و يضعني فوق ظهر أزورا، أزورا تطير في السماء و فالكين خلفي يمسكني بأحكام و يهمس كلاماً ما...
فالكين يحملني مجدداً و يضعني في غرفتي، طبيب يفحصني و يتفوه بِشيء ما مجدداً لا أذكره، ضبابي غير مفهوم.
أو عقلي يرفض فهمه.
و الأن انا هنا. فوق سريري و كأن لا شيء حصل.

اللعنة. همستُ الكلمة أمسح وجهي بيدي.
سيدتي؟ فجأة سمعتُ صوت صغير أعرفه جيداً لأرفع رأسي قليلاً أجد إكسانا تطير بِجناحيها الصغيران الجميلان اليّ لتحط فوق بطني المغطى باللحاف.
انها، انها بأتم الصحة، وجهها ليس شاحباً و عينيها ليست ناعسة و مُرهقة لا، بل بِصحة و بخير.
ابتسمتُ لها أظهر أسناني كُلها لتُعيدها لي و تقترب مني تتكئ بأكواعها على ذراعي و تضع يديها أسفل ذقنها تسنده لتنظُر لي بِعيون حالمة.

صباح الخير. قالت لي بِلُطف جعلت من قلبي يُرفرف.
كم انا سعيدة لرؤيتها.
صباح الخير لكِ ايضاً.
كيف تشعرين اليوم؟
تنهدتُ مرة ثانية أرجع رأسي على الوسادة.
كما لو انني اصطدمتُ بِجدار حجري ثم ابتعدتُ عنه و عدتُ أضرب نفسي، أبتعد عنه و أعود أضرب نفسي و هكذا.
قَهقَهت هي بِخفة ثم أبتعدت عني تطير لأمام وجهي.
لكن الأن، هل انتِ قادرة على تحمل اليوم؟

لم أجبها على الفور بل أخذتُ أفكر، أتحقق مِن جسدي أحرك أذرعي و ساقاي، وركي و خصري لكن لا شيء...
سوف أعيش.
ماذا عنكِ، كيف أصبحتِ؟ انا سألتها لكونها كانت في حالة لا يُعلى عليها قبل يوم.
هَزت هي كتفيها الضئيلان كأنها لا تهتم قبل أن تجيب
عدتُ الى نفسي، أجواء السَفر لا تُناسبني كما ظننت.

شقلبتُ مُقلتاي على نبرتها الدرامية لأنهض بِسرعة و أندم أسرع. لقد شعرتُ بدوار لأضع يداً على جانب رأسي و ألعن تحتُ أنفاسي. هذه الأيام ألعن زيادة عن الطبيعة.
لقد أعدتُ لكِ المَغطس الدافئ، خُذي وقتك و تناولي الفطور. أشارت هي على الطاولة بالقُرب من نوافذ المفتوحة العملاقة التي فوقها صينية عليها طبق فضي مغطى، منه أشتم رائحة بيض و نقانق و أطباق صغيرة أخرى عليها الخضار و الفواكه مع أبريق شاي و فنجان.

اومأتُ انا متوجهة نحوى المغطس في منتصف الغرفة لأخلع ملابسي كاملاً بعدها نزلتُ في المياه الدافئ أغمِر نفسي حتى فمي فيها.
بالمناسبة سوف تتغدين ايضاً هنا في الغرفة. قالت إكسانا تجعلني أرفع نفسي حتى رقبتي لأحدق بها بِحواجب مَرفوعة متسائلة عن السبب.
لأنَ الجميع يزين و يُعِد القصر و خصيصاً صالة الحضور من أجل حفل اليوم. أجابتني هي تجلس على طرف المغطس.

لأشيح بِنظري على الخزانة عند باب الحمام أذكُر مكان و شكل الهدية المُغلفة بداخلها من أجل صاحب الحفلة.
لقد أرسلتُ حارسي راث الى المدينة البارحة صباحاً لكي يَشتري هدية تليق بِمقام آناس و الأن هي تجلس بقلب الخزانة مُستعدة ليتم أخذها و أعطاها لِصاحبها اليوم.
الحفلة في المساء على العشاء تقريباً و سوف تكون صغيرة كما أخبرتنا سيري.
الهدية بسيطة لكني متأكدة انها سوف تعجب آناس جداً.

انها إكسسوار يوضَع على طرف معطف، سترة أو اية نوع من الملابس، على شكل ريشة من الفضة الخالص و الياقوت الفريد من نوعه.

بعد الحمام الطويل الذي نسيتُ نفسي فيه حتى بردت مياهه أتى موعد الغداء لأتناوله لوحدي مع إكسانا في الغرفة و بعدها دخلت خادمتي دافني لكي تساعدني بالاستعداد لِلحفل الذي مِن الأن أسمع أصوات الحضور و هُم يدخلون القصر.
و الموسيقى الراقية مِن القاعة في الأسفل.
أنتهت دافني مِن تصفيف شعري، نصفه مَرفوع و نصفه منسدل خلف ظهري، فيه ورود بيضاء كَلمسة لطيفة مع الفستان الطويل الأزرق بِدرجاته الذي ألبسه.

وضعت ايضاً بعض الظِل على جفوني على شكل جناحين كي يعطوا شكلاً لعيوني مَسحوبة أو كما يسموه البعض، عيون الثعلب.
الأن بأمكانك النظَر في المرآة سيدتي. أخبرتني دافني لأنهض من فوق مقعد التسريحة و أتجه نحوى المرآة الكبيرة بِجانب باب الغرفة.

أخذتُ نظرة على نفسي من الأسفل عند قدماي التي أرتديه فيهم كعب أبيض ثم الى الأعلى على الفستان مِن الشيفون باللون الأزرق الفاتح كأنني أرتدي مياه ناعِمة جداً كالغيوم تسيل مني.
يظهر لون جلدي في مناطق لكن ليس كثيراً و فيه قطع من الفضة الخالص على شكل بتلات ورود مُلتصقة بِبعضها.

انه ذو أكمام تصل الى الساعدين، فَضفاضة و على أكتافي قطعتين تغطيهم من نفس التي في الفستان و خصيصاً الوشم. رقبتي مكشوفة و الجزء العلوي من صدري فقط بعدها صعدتُ بِعيناي الى وجهي و شعري.

ظهرت بسمة عريضة على شفتاي لكوني ابدو، كالنجمة في سماء الليل في يوم شتاء.
و هذه القلادة سوف يُكمل شكلك لِلحفلة. تقدمت دافني تحمل بيديها قلادة عنق ذهبية على شكل قطرة ندى لونها أبيض لتقف خلفي لكني أوقفتها ألتَفِت اليها أجعلها ترمش عليّ متعجبة.
دعيني أضع تلكَ القلادة اليوم. أخبرتها أشير بأصبع على طاولة التسريحة، على القلادة الجميلة على شكل فراشة وردية.

اومأت هي تعلم انها هدية من فالكين لتضع الذي بيديها و تأخُذ الذي أريده. ستُناسب الفستان أكثر من الأخر و غير ذلك أوَد أرتدائها...
وضعتها حول رقبتي ثم أقفلته جيداً لأنظُر الى نفسي مجدداً ألمس طرفها أشعر بِبرودة حجرها أسفل أصابعي.

عضتُ على شفتي السُفلية أذكُر كم كانَ الأمير سعيداً بِردة فعلي عند رؤيتي لِلقلادة و في الحقيقة لم أكذب عليه عندما قلتُ انني حقاً أحببتُ الهدية و انها من أجمل ما تلقيته.
تبدين رائعة لِلغاية سيدتي. قالت إكسانا تطير لفوق كتفي تنظُر إليّ في المرآة.
شكراً لكِ.
هيا بنا إذاً، فتحت دافني باب الغرفة تنتظرني لأذهب انا أودعها مؤقتاً و أتجه الى الطابق السُفلي و الى قاعة الحفلة.

انها كأية حفلة قد حضرتها و رأيتُها من قبل.
الكثير من الحضور الغرباء، كِبار و يافعين بِملابسهم الثمينة و الراقية كَرُقي الموسيقى العذبة التي يعزفوها الفنانون فوق مِنصة في زاوية القاعة. يستخدمون الكمان، التشيللو و البيانو ليُشَكلوا أجمل الألحان.
بعضهم يرقص في منتصف القاعة و بعضهم واقفون حول طاولات عالية صغيرة يُشاهدون أو يتحدثون بين بعضهم و يضحكون.
ما يُميز هذا الحفل عن غيره، هي القاعة ذاتها.

انها كبيرة جداً، واسعة جداً و كلها من الزجاج، من الأرض حتى السقف و الجُدران، نوافِذها عملاقة في كل مكان و هنالك أعمدة من الحجر بِشكل عشوائي. إما بِفضل السحر أو بِفضل الإضاءة، الزجاج في القاعة يُرسِل ألوان قوس قوح على الأرضية تنعكس كأنها حية تتأرجَح مع تأرجُح الراقصين.
مِن شِدة نظافة الأرض بأمكاني رؤية انعكاسي عليها و انا أدخُل القاعة، أبتسم لمَن يبتسموا لي أو يقابلوا عيوني.

بعضهم فقط أومأوا لي كَترحيب و عادو الى مَن معهم يحملون بأياديهم كؤوس زجاجية من النبيذ و الأوكسارا بِفقاعات.
التقطتُ بعد لحظات، سيري و تيريان و أظن أصدقائهما. يقفون بِجانب بعضهم و يضحكون على كلامٍ ما، آناس لا وجود لها بعد.
أحسستُ بِعيون ما تراقبني، تناديني بِصمت تجذبني و كأنها حبل مُلتَف حولي يسحبني و يسحبني حتى ألتفتُ الى الوراء و هناك، في عمق القاعة بين الحضور، يقف فالكين.

تلكَ المُقلتين البنفسجية اللامعة عليّ و بما انه الوحيد الذي أعرفه هنا قررت الذهاب له و لبلايز الذي يُلَوِح لي و لصديقته الصغيرة التي طارت تسبقني.
مرحباً. قلتُ انا للأمير و مُرافقه لكن مَن رد التحية كان بلايز فقط.
فالكين، يديه في جيوبه، ارتفعت زاوية مِن شفتيه للأعلى عندما حطت تلكَ العيون الغامضة على صدري، لا، بل رقبتي.
علي القلادة التي أهداني إياها.

لقد علمتُ انها سوف تبدو جميلة عليكِ. تَمتَم هو يُعيد نظره على وجهي.
شكراً لكَ، انها حقاً رائعة.
هَزة هو رأسه بعض مِن خصلات شعره الناعمة تلامس جبينه.
لا شكر بين الأصدقاء. أخبرني لترتخي ملامح وجهي.
صحيح، وافقته قبل أن يأتي ريزار و معه فتاة ما ذات شعر أشقر على شكل تاج فوق رأسها و لديها وجه و ملامح حادة.
يداً حول خصرها أما الأخرى يحمل بها كأس أوكسارا أخضر، ضوئه يلمع على يده.

واو كانيلا انكِ تبرقين اليوم. قال ريزار يُعطيني بسمة لطيفة لأعيدها له.
و انتَ تبدون وسيماً كالعادة.
هَزة كتفيه يختلس نظرة على التي معه عينيها الزرقاء على قلادتي.
حجر القمر. قالت الفتاة أخمن انها أكبر مني سناً، ربما في السابعة و العشرون أو أكبر من الجنيات لكن أعرف انها أكبر من ذلك بِكثير.

وضعتُ يدي لا إرادياً فوق القلادة أشعر بها الأن دافئة لستُ أدري لماذا، ربما لكي أحميها من نظراتها الغريبة أو لأنني لم أفهم ما تعنيه بِحجر القمر.
حجر القمر؟ هل هذا الحجر الذي في القلادة يُدعى بِذلك الأسم؟ فأنا لم أسمع به في حياتي و لما تنظُر له بِتلكَ الطريقة على انه شيئاً نادر.

فتحتُ فمي لكي اسأل فالكين و ريزار لتبدأ صفقات مُرتفعة في القاعة تجعلني أستدير مثل الحضور باتجاه مَدخل القاعة لأجِد آناس يدخُل يديه في الهواء يُلَوِح لِلجميع ضاحكاً لهم.
بدأتُ انا ايضاً أصَفِق السعادة تملأني لرؤيته. انه أنيق جداً يرتدي سترة خضراء عليها عروق بيضاء و فوق كتف واحد يوجد رداء أبيض يُغطي جزء من جسده و شعره الطويل مسرح لِلخلف.

ألقى آناس بعد التصفيق خطاباً قصيراً يشكُر فيه الجميع على القدوم و على الهدايا التي تنتظِره عند طاولة قريبة من طاولة الطعام و المشروبات.
ثم عادت الموسيقى المفعمة بالحيوية تُعبئ القاعة ليتراقصوا الحضور على أنغامها فرحين.
قررتُ الوقوف مع فالكين وحدنا بما أنَ ريزار ذهب الى مكانٍ ما تلك الفتاة الغريبة. نشرب انا وهو النبيذ و نأكل قطعاً مِن الفواكه المُغطاة بالشوكولا كلما قدموا الخدم البعض لنا.

طوال الوقت الذي وقفنا فيه ظللتُ أحس بِعيونه عليّ، على كل حركة أخذها بيداي عندما أبعِد فيها شعري، عن رقبتي و على كل رشفة أخذها من الكأس و كل نفس أتنفسه.
لكني لم أتزحزح أو أتفوه بِكلمة و لم أنظُر له حتى بل بقيتُ أشاهد الرقص الجميل فيه قفزات تجعلني أتمنى لو انني ارتديتُ شيئاً يُناسب رقص مثله فالفستان الذي عليّ يُناسبه الرقص الهادئ و البطيء فقط.

آناس في المنطقة الأخرى مِن القاعة يحدِث جنيات مِن عمره بينما سيري و تيريان مع بعض الحضور الذينَ يعرفونهم و يبدون ذو شأن كبير في المملكة فَلا يجب عليهم تركهم لوحدهم و إنما الاهتمام بهم حتى مغادرتهم.

المعذرة يا أنسة. فجأة أتى رجلٌ ما طويل القامة بِشعر كستنائي داكِن من لون الخشب، قصير و عيون خضراء يرتدي ملابس من جاكيت أحمر عليه أكثر مِن وِسام مُعلقين على كلتا كتفيه و بنطال كحلي مع جزمة تَصِل لركبته و في يديه قفازات بيضاء تُخبرني انه من الجيش الملكي و ذو رتبة عالية.
أعطيته انتباهي كاملاً أضَع الكأس مِن يدي فوق الطاولة الدائرة المرتفعة لِمُستوى صدري.
تفضل. انا قلت.

لقد رأيتكِ منذُ بداية الحفلة تُشاهدين الرقص لهذا ظننتُ أن أطلب منكِ الرقص و أطفئ تلكَ الرغبة بِعينيكِ الجميلة.
صوته الثَخين جذاب كَبسمته الجانبية و بدا مُحترماً جداً يديه خلف ظهره و رأسه مائل قليلاً.
أوَد ذلك يا سيد لكن كما ترى، أمسكتُ بِطرف فستاني ليأخُذ هو نظرة عليه قبل أن أكمل
ملابسي و كعبي قد توقِعني في مشكلة بِذلك الرقص.
أخرج هو ضحكة خفيفة من حلقه يومئ متفهماً.
لم أفكر بِذلك أعذريني أنستي.

لا بأس، انها غلطتي لم أفكِر بِنوعية الرقص في الحفلة.
هَزة هو رأسه يُعارض كلامي
و مع ذلك انتِ تسرقين الأضواء إن لم تلاحظي بِهذا الفستان المبهر و--
لم يكمل اطرأه لكون عينيه تجمدت على صدري، مجدداً لا، بل على القلادة حول رقبتي و قريبة مِن صدري.
مِن اين لكِ بِهذا؟ سألني هو يرمِش عِدة مرات عليه.

تمنيتُ لو تكون القلادة خفية لا يراها إلا انا مِن تلك النظرات التي تلقيتُها من الجميع طوال الحفل كأنني أرتدي عين حيوان أو سنه.
ما قصته على اية حال؟
قد تجد منه في سوق المدينة. تدخَل فالكين يجعلني أنتفِض من ظهوره يقف بِجانبي، كتفه يلامس كتفي.
رفع الرجل الغريب رأسه على فالكين لتتوسع عينيه بِدهشة قبل أن تختفي بسرعة و يعود وجهه الطبيعي.

سمو الأمير فالكين. مَدَ الرجل يده لكي يُصافحه ليَقبلها فالكين لكن تعابيره ظلت حجرية معه.
انا الملازم أكاري الثالث. عرف الرجل عن نفسه بعد المُصافحة.
يبدو أنَ العقد أخَذ من عقلك ايها الملازم.
بلع الملازم ريقه يضع بسمة مُزيفة تُظهِر أسنانه اللؤلؤية.
انه عقد جميل صعب عدم التحديق به.
هَمهَم فالكين مُضَيّق عينيه يختلس نظرة على القلادة لأشعر بِحرارة في جسدي بِسبب حِدتها ثم رفعها عليّ.

هل انتما قريبان سموك؟ تساءل الملازم.
نعم، انها صديقة الملكة تاليا المُقربة. أجابه الأمير لا يُبعِد تحديقه بي.
لأكسر انا النظرة أولاً و أبتسم لِلملازم.
انا أدعى كانيلا هاندسين، خطيبة اللورد مايكا.
بدى على الملازم الصدمة كأنني لكمته على وجهه لكوني مَخطوبة لأنه ألقى بِمُقلتيه على يداي يبحث عن الخاتم الذي لم يراه منذُ البداية.

لسببٍ أعرفه تحول وجه الملازم لِلشاحب تماماً لثانية اعتقدت انه سوف يلتَفِت و يهرب مني.
أهل هذه المملكة مُدركون بِقصة خيانة مايكا لتيريان و ها انا أقف بينهم، خطيبة الخائِن حاضرة لِحفلة ميلاد أميرهم.
لكني لم أشعر بالخجل أو الأحراج أو تمنيتُ الاختباء في أقرَب زاوية و الاختفاء مِن نظراتهم لأنهم لا يعرفون مايكا كما أعرفه و ليست لديهم فِكرة عنه عدا التي سمعوه من القصر.
مايكا ليس بِرجلٍ سيء ابداً.

أنحنى المُلازم بِظهره لي، شفتيه ترتجف بعض الشيء، هل مني؟ أم مِن فالكين الذي سوف يخترقه بِعينيه؟
لستُ أعلم و غير مهتمة لأنَ موسيقى هادئة بدأت بدلاً من الصاخِبة، جميلة لِلغاية جعلتني أحرك رأسي نحوى العازفين أشاهد تحركاتهم البطيئة و المتناغمة على ألاتهم.

تغيرت الرقصات ذات الطاقة الكبيرة الى رقصات ذات خطوات بطيئة مِن بطئ الألحان العذبة. رأيتُ ايضاً آناس يرقص مع فتاة شابة جميلة يديها حول رقبته و خاصته حول خصرها يهمس شيئاً ما في أذُنها يجعلها تتحول لِطماطم.
انهما لطيفان. اتساءل من تكون الفتاة؟
هل توَدين الرقص الأن؟ هَمس فالكين في أذُني يجعلني أنتفِض مرة أخرى هذا اليوم لأستدير نحوه لا أجِد الملازم معنا.
اين ذهب؟

فقط بلايز و إكسانا جالسان على طرف الطاولة، بلايز يُعطيها قطعة حلوة كي تأكلها معه.
رقص هادئ؟ سألته مع انني أعرف الإجابة لكن لمُفاجأتي لم يومئ موافقاً كلامي.
رقصة تعرفينها جيداً خاصة بِهذه المملكة.
فكرتُ انا لفترة قصيرة بالرقصة التي أعرفها خاصة بِأريزو لِتفقَع في ذاكرتي مع تبحلق عيوني بأدراك.
هنالك مشكلة واحدة...

انها رقصة صعبة و يتطلب مِن الراقصين قرأت أفكار بعضهما لكي يُخمِنان الحركة القادمة حتى فيها حركات أيادي تجعل من الرقصة أكثر صعوبة.
لقد تعلمتها يوماً ما عندما كنتُ أعيش في هذا القصر. رأيتُ معلم الرقص مع سيري و آناس في قاعة الرقص مُشابهة لهذه لكنها أصغر حجماً و فيها بيانو ذهبي، يُعَلِم آناس الرقصة بِما انها مهمة بالنسبة لِلعائلة الملكية بالذات.

و يجب على أفراد الأشخاص الغنية و الراقية تعلمُها و مَن لا يعرفها أو يعرف رقصها يُعتبر جاهِل و فعل وقح جداً.
لهذا تعلمتها بأذِن مِن سيري طبعاً و لأنني بشرية لستُ من أهل أريزو.
انني أذكُرها جيداً و في رأيّ تكون أجمل رقصة تعلمتها في حياتي. و الشيء الذي أبهرني أنَ فالكين يعرفها و يبدو واثقاً من نفسه.
هل انتَ متأكد؟ انا سألته مُترددة ليومئ لي بِبساطة بسمته لا تغادر شفتيه.

أخذتُ انا نظرة على مُرافقتي التي تُراقبني لتومئ هي لي تُخبرني بِصمت أن أذهب و أجرب حظي معه بعدها تنهدتُ مُستسلمة أضع يدي بيده التي تُغطيها فقاز أبيض حرارتها تَصل لي حتى من فوق القفاز.
أخذني فالكين الى نِصف القاعة مُدركة لكل عين علينا حتى آناس و تلكَ الفتاة الجميلة توقفوا عن الرقص لكي يُشاهدونا.

آوه لا، الأن نحنُ نخطُف الأضواء و لستُ انا فَحسب فكل فتاة عزباء أو بِلا رجل معها الليلة تحطمت أمالهم بالرقص مع الأمير الوسيم.
هذا سيكون مثيراً للاهتمام.
الموسيقى توقفت باللحظة التي وقف فالكين مواجِهاً لي، يديه خلف ظهره و رأسه مُستقيم مثلما فعلتُ بِرأسي، مرتفع. أنوار القاعة تضرب وجهي.
هل انتِ جاهزة؟ سألني فالكين أعلم انه يشعر بِتوتري لكني أومأتُ على اية حال ألقي بِذلك الشعور بعيداً.

لأركز عليه هو مُستعدة لقراءة ذلك الرأسي الغامض و تلكَ العيون التي يصعب عليّ اليوم قرأتها.
أخذتُ نفساً عميقاً أملئ فيه صدري يرتفع قليلاً ثم يهبط و فالكين اختفت بسمته.
أمسكتُ انا طرف فستاني من عند فخدي ساقي تظهر مع كعبي الأبيض بِوضعية الاساسية و في الثانية التي تحركنا فيها معاً بدأو العازفون بِعزف لحن أذكره كذلك.
لحن خاص بِهذه الرقصة.

لحن يشعر به المرء في عظامه، قلبه و في عروقه يدفئ الدماء. لحن يُخفِق من القلب على كل نغمة و وَتَر كل حركة يتخذها العازف الفنان.
أخذ فالكين أولاً خطوة نحوي لأبتعد خطوة الى الخلف كِلا عيوننا لا تبتعد عن بعضها تتراقص معنا.
عاد هو خطوة الى الخلف لألحق به بِنفس الوقت خطوة للأمام.

ألتفتَ هو من حولي و انا قلدته كِلانا ندور حول بعضنا فستاني يلامس الأرض و يهَسهِس بين حين و أخر.
قَرّب ساقه اليُمنى و انا دفعتُ ساقي اليمنى الى الخلف ليضع خاصته بين ساقاي يُقَرب جسده من جسدي حتى شممتُ رائحة المطر و الليمون من رقبته المكشوفة.
الأن انتبهتُ لتفاصيل ملابسه أكثر.

سترة سوداء عليها خيوط زرقاء مائلة للأبيض ياقتها مُرتفعة لكن له فتحة تُظهر صدره العضلي و على كتفه الأيمن غطاء رمادي متصل بِسترته و معهم بنطال أسود و جزمة لامِعة سوداء تصل لركبته.

وضع يداً على خصري بينما الأخرى ظلت وراء ظهره و انا وضعتُ يداً فارغة فوق ذراعه القاسية لنبدأ بالدوران مجدداً حول بعضنا.
أخذ هو خطوة الى الوراء يُمسك معصمي لأبقى في مطرحي. عددَتُ الى ثلاثة قبل أن يرجع الى الخلف ما يزال مُمسكاً بها لألحق به، قدم وراء الأخرى قدم وراء الأخرى الى أن توقف، بيننا مسافة.

ترك يدي بِلُطف حتى وضعتها بِجانبي ليمشي الى يساري و ينحني بِظهره للأرض كي يُمسك طرف فستاني، عينيه لا تنكسر عني خاصتي فيها ضوء قد جعل من أنفاسي تتقطع.
نهض هو مُمسكاً بِطرف فستاني يرفعه عن الأرض لتظهر ساقي الأخرى لكن ليس كثيراً و هنا بدأتُ أعود الى الوراء أجعله يلحق بي، كالنداء له، انه سوف يلحق بي الى أخر العالم.

الى لا نهاية الى أينما ذهبت، هو سيَلحق بي سيَلحق بالامرأة التي يُحبها و لن يُفتلها مهما كان السبب.
هذا معنى الرقصة.
رقصة العشيقان. قبل آلاف السنين أخترعها عشيقان كانا بينهما الكثير من العوائق لكي يكونا معاً، العالم كان ضدهما و يحاول كسر ما بينهما لكن العشيقان تحدوهم و لم يتركوا بعضهم حتى أخر أنفاسهم.
و معنى مَسك طرف الفستان ايضاً جميل.

الفستان هو قلب الفتاة التي يُحبها الفتى و يده التي خلف ظهره هو سلاحه لكي يُحارب مَن ضدهم و كَون الفتاة تحمل جزء من فستانها هذا يعني قوتها و عزمها مع عنادها بِحب الفتى و المحاربة معه.
توقفنا كلانا في منتصف القاعة أحِس بِالحضور يُشاهدون بِصمت لكني لم أنظر لأية منهم و لم أهتم لهم بَل لشريكي الماهر بِرقصه و تلكَ البسمة الجانبية التي لم يخفيها عني.

تقدم هو خطوتين نحوي يده مُكَوَرة مُمسكاً بِطرف الفستان عن الأرض لأضع انا يدي على صدره أشعر بِنبضات قلبه المنتظمة أسفل كفي ثم دفعته بِلُطف الى الخلف حتى يُنصِت لي يرجع خطوات كبيرة.
قدمي بين قدميه و أخرى تأخُذ مطرحها بعدها من دون أن أدعس عليه فقط باحترافية تلحقه تقوده بعيداً عن العالم الذي ضده.
ضدنا.

قبل أن يقف بِنفس المكان عند بدايتنا لِلرقصة أمسك بِذراعي العلية ثم أدارني الى الجهة الأخرى يُفلِت فستاني من قبضته ليرفع ذراعي فوق رأسي يجعلني انا التي تتراجع هذه المرة.
بيده التي خلف ظهره التقط يدي المُمسكة بِفستاني يسحبها اليه بِرقة حركة، لندور مرة ثالثة، فستاني كالأنهار من حولنا يلمع و يبرق مع كل حركة أسفل الأنوار الملونة.

من دون أفلاته ألتفتُ أضع ظهري له لأول مرة نكسر نظراتنا عن بعضنا لأقابل آناس، تيريان و سيري ثلاثتهم يشاهدوننا بِدهشة بعد ذلك بدأتُ بالتحرك الى الأمام و خلفي فالكين، جسده مُلتصق بي يملأني بِدفئه من الخلف لأسحب لا إرادياً نفساً سريعاً قبل أن أعود، ظهري لِلحضور و انتباهي عليه.

أتَت الحركة التي كنتُ أخشاها لكنها فريدة و لا تتكرر في أية رقصة أو وجودها مَعدوم. أمسك هو بفخذي الذي و الحمدلله مُغطى بِشيفون الفستان ليرفع ساقي حتى ألفها حول فخذه العضلي المشدود.
أخَذ خطوة طويلة الى الوراء يجعلني أميل اليه صدري يرتطم بِصدره كأننا واحِد، يده اليُمنى حول خصري و الأخرى مُمسكة بيدي يرفعها لمستوى رؤوسنا و يدي اليُسرى حول رقبته أطراف أصابعي تلامس جلده المتعرق.

هذه الرقصة تأخُذ طاقته مثلما تأخذ خاصتي.
و بِإيماء بِرأسه قفزتُ انا بأقوى ما لدي لكي يُديرني الى الجهة الثانية أهبط على قدماي بِثبات يديه تتركني لأرجع و أمسك فستاني كما فعلت في البداية و هو يداً خلف ظهره و بالأخرى أنحنى لكي يلتقط طرف فستاني مجدداً.
عدتُ عِدة خطوات الى الوراء يتبعني هو بِخفة حركة لا يُخطئ ابداً لندور حول بعضنا لِلمرة الرابعة كما يجب و يأخُذ هو خطوة كبيرة نحوي يقف أمامي تماماً.

طويل، انه طويل جداً رأسه منحني لكي ينظُر لي و قوي، قوي جداً كنتُ أشعر بنفسي كالريشة بين يديه و كبير، لو لم أكُن بِكامل قواي العقلية لفقدتُ نفسي بِحجمه مقارنةً بي.
لم أسمع أو لم الاحظ توقف الموسيقى و تَصفيق الحضور الحار إلا بعد أن فارقت عينيه البنفسجية عيناي لينحني بِظهره لِلجميع يَشكرهم. تذكرتُ انا أن أفعل المثل أمسك بأطراف فستاني و أنحني بِرُقي لهم.

حركتُ رأسي لجانبي لكي أشكُر فالكين على الرقصة و إذ به غير موجود، تركني لوحدي و ذهب يختفي بين الحضور.

بعد رقصتنا التي جعلتني أجِد التنفس صعباً و مُرهِقاً قضيتُ الوقت في الحفلة مع سيري و آناس أشرب النبيذ و أتناول الطعام اللذيذ. أضحك على نِكات آناس و سُخرية أصدقائه منه.
لا أثر لتلكَ الفتاة الجميلة التي كانت ترقص معه و انا لم أفكِر بها كثيراً بل نسيتها كُلياً عندما سرقتُ نظرة سريعة عددها رقم مئة على الأمير و مَن حوله.

يشرب من الأوكسارا، كأسه العاشر و الأن أحد الرجال الذين يتكلمون معه يعطوه كأساً ممتلئ أخر و يسحبوا الفارغ منه يده.
لاحظتُ انكِماش وجه بلايز من مكاني و كم انه منزعجاً من تصرفات الرجال و أرغامه على شرب الأوكسارا حتى أصبحت وجنتيه وردية و غير نفسه. ليس مُتوازناً بِشكل طبيعي.

يجدر بي القول أنَ هذا سيء، لكن فالكين رجلاً عاقلاً و مسؤولاً و انا لستُ والدته لكي أقلق عليه فَهو حُر و إن أرادَ الشرب حتى الثمل فَليثمل، لما أقلق؟
أبعدتُ أفكاري المُثيرة لِلشفقة و ركزتُ على كلام آناس.
عن ماذا يتكلم؟

آوه انا أعتذر! فجأة سمعتُ أحدهم يقول مِن بعيد لأجِد نادل يعتذر من فالكين على الصينية التي وقعت عند أقدام الأمير بينما فالكين حرك يداً في الهواء يخبره أنَ لا يبالي ثم توَجه نحوى مخرج القاعة و معه بلايز.
هذا سيء. تَمتَمت إكسانا من على كتفي لأوافقها بِصمت.
حسناً أعلم انه رجلاً عاقلاً و مسؤولاً و الى أخره لكنه ليس في حالة يُمكن تركه بِها لوحده، لماذا يا عجباً؟

حسناً، لأنه الى هذه اللحظة أصطدم بِخمسة مِن الخدم المساكين الذين أوقعوا ما يحملونه و بِفتاتين جعلهُم يصرخون بِتفاجئ لكن على ما يبدو انهم لم يمانعوا بل حدقوا به على انه وَجبة تمشي ثملة ليس بِوعيه، و أرتطم بِعَدد جيد من الطاولات.
نعم، بكل تأكيد ثمل بِشكل سيء لِلغاية.
تلكَ الرجال الحقيرة و حُبهم للأوكسارا. قال آناس يرى ايضاً كالباقي، الأمير و هو يغادر القاعة.

سوف أذهب لِلتحقق منه و التأكُد انه سوف يعود الى غرفته سالماً. قالت آناس يبتعِد عنا لأمسك انا بِذراعه أوقفه.
انا مَن سوف أذهب و انتَ أبقى مع الحضور لا تغادر حفلتك.
عقد حواجبه المُرتبة عليّ كأنه يسألني إن ما كنتُ متأكدة لأبتسم له أضع قُبلة على خده أتمنى له يوماً سعيداً و لِلجميع مساءً جميلاً.

فوراً بعد أن تركتهم غادرتُ القاعة أهَروِل في الردهة الى الدرج الذي يقودنا لِطابق الغُرَف و في الردهة الفارغة عثرتُ على فالكين يمشي مُتمايل غير ثابت بينما بلايز لعنه بِنبرة مرتفعة يجعلني اضغط بِشفتاي على بعضها.
فالكين! صِحتُ له أمشي مسرعة اليه.
بدلاً من أن يتوقف و يستدير نحوي تمايل جداً و كاد أن يقع لكنه أمسك نفسه بأخِر لحظة بوَضع يداً على الجدار و تثبيت نفسه عليه.

تحركَت لوحة إثر يده عليها لينظُر لها، يبتسم و يبتعد عن الجدار ينظُر لي مُضَيق العينين.
مَن، مَن تكونين؟ سألني مُشيراً بأصبعه باتجاهي.
رأيتُ مُرافقه الصغير يَهُز رأسه بِخيبة أمل، يداً على وجهه بينما إكسانا أخرجت ضِحكة صامتة مِن حلقها و انا شابكتُ أذرعي أسفل صدري.
فتحتُ فمي لكي أجيبه ليَسبقني يَصفع جبينه
أعلم مَن تكونين، انتِ كااااااانيلا.

لوحدها شفاهي ارتفعت على شكل بسمة لأومئ انا و أتقدم بعض خطوات لكنه رفع كَف يده أمامه يوقفني.
انا سوف أعود الى غرفتي، لوحدي.
لكنك ثمل، قد تؤذي نفسكَ قبل وصولك حتى.
ضحك هو كالمجنون يضع يديه على بطنه ثم ماتَت الضحكة و تبدلت بِوجه ساخِر.
انا لستُ ثملاً.
شقلبتُ مُقلتاي.
آوه حقاً؟
نعم، انا، انا لستُ ث-ثملاً.

هَمهَمتُ أراقبه و هو يلتَفِت لكي يكمل طريقه في الردهة و طبعاً لكونه ثملاً أرتطم بِطرف طاولة عند الجدار الأيسر يلعن تحت أنفاسه و انا منعتُ نفسي من الانفجار ضحكاً عليه.
عاد يلتفت اليّ مجدداً يكاد يقع بِتلكَ الساقين الهُلامية لكنه ثبت نفسه على الطاولة التي نظَر لها و لعنها مرة أخرى كأنها سَتسمعه و تفهم انه غاضب منها.
كأنها هي من ارتطمت به.

نعم، انا ثمل. أعترف هو مُشيراً على وجهه لأخرج زفيراً من فمي و أذهب له.
دعني أساعدك بالوصول الى غرفتك في قطعة واحدة.
اومئ هو يبتسم لي لأقترب منه أضَع ذراعه حول كتفاي أمسك به مِن خصره لنمشي معاً، هو يتكئ عليّ و انا أتحمل وزنه على جانب جسدي.
لقد، أخرج حازوقة الأمير قبل أن يتابع كلامه كنتِ مذهلة هنالك، و صمت.
نظرتُ له أحاول أن أبعده عن الجدار و الطاولات لأسأله مُحتارة
اين هنالك؟

في، في القاعة، في، في الرقص.
لم أنجح، لأن طرف قدمه عند أصابعه تصادَمت بِطرف الطاولة ليُهَسهِس من بين أسنانه عليها و على الأوكسارا التي شربها.
لماذا شربت كل تلكَ الكمية من الكحول سموك؟ سألته أخذه بعيداً عن الطاولة التي حاول أن يلكمها.
حاولتُ منعه من شرب المزيد لكنه أنصت لِلحمقى بدلاً مني.
أجابني بلايز لا يزال مُنزعجاً يطير أمامنا مع إكسانا التي الى الأن تعصر ضحكتها، وجهها أحمر ليرمقها بلايز.

انا أ-أحب الأوكسارا و الشعور بالدورااان. قال فالكين يحرك أصبعه السبابة على شكل دائري.
انا أرى مِن، مِن كل شيء، أ-أثثثنان. أكمل هو ينظُر لي و على كل شيء من حولنا.
حقاً؟ سألته لكي يُركِز على كلامي و ليس على ركل كل طاولة يراها.
نعم، انتِ، يوجد منكِ أثنين، أعني انا لا أت، أتذمر، توقف هو لِلحظة لكي يمسك بِخصلة من شعري يلُفها حول أصبعه يتمعن بها و على وجهه علامات لم أفهمها.

كانيلات، جميلات بارعات بالرقص، لن أمانع وجودهم ابداً.
استسلمتُ لِلضحك الخفيف على ذلك أهُز رأسي لا أصدق حالته. هذه أول مرة أراه ثملاً و غير متزن و في الواقع...
انه لطيف لِلغاية كالطفل الصغير الذي يجب الاهتمام به.
مختلف عن الرجل الذي كانَ ينظُر لي و كأنني الوحيدة في القاعة و يرقص بِكل احترافية لا يخطئ و لو لمرة.

الحمدلله و الشكر له وصلنا الى غرفته الذي ظَل يُردد انها تشبه غرفتي و فيها مَغطس رائع يريد الاستحمام فيه الأن.
طبعاً انا رفضت و لم أنصِت له بل و بِمُساعدة من بلايز و إكسانا أدخلناه اليها أجدها حقاً تُشبه غرفتي.
كبيرة فيها نوافِذ تأخُذ نصف الجدار أمامنا لكن سريره على اليمين بِأغطية سوداء حريرية، مَغطس مقابله و مقابل المَغطس في الأرض خزانته الخشبية و بِجانبها أبواب الحمام البيضاء.

توقفنا عند السرير ليتمايل هو عليّ يُتَمتِم كلاماً لم أفهمه وجهه قريب جداً، جداً مِن وجهي أنفاسه الكحولية تَضرب شفاهي.
ماذا قلت؟ انا سألته أتجاهل قربه مني.
كان، كان يجب أن لا أستسلم لكِ.
رفعتُ حواجبي لا أستوعِب حرفاً ليُكمل هو عينيه تُغمض و تفتح كأنها ثقيلة و هو يُحاربها لكي يبقيها مفتوحة
لو انني، لو انني لم أدَع نفسي تتحكم بي. توقف هو يمسح وجهُه بيده يرفع رأسه للأعلى قليلاً قبل أن يُعيده لي.

كل العالم لا يستحقكِ، لا أحَد يستحقك على الأطلاق! صاح هو يُحرَك ذراعه في الهواء.
فالكين أرجوكَ أهدئ و دعني أضعك في السرير. قلتُ له ابدأ بالقلق بِحق و هو ظَلَ مُمسِكاً بي، ذراعه حول كتفاي.
لا تلفظي أسمي، أمرني بِنبرة حادة لأرمش عليه متفاجئة.
لا تدعي ذلك الأسم يُغادر شفتيكِ تلك. أصبحت المسافة بين وجهي و وجهه قصيرة بِشكل خطير.
لو تحرك أكثر ستتلامس شفاهه بِخاصتي.

فتحتُ فمي لكي أخبره انني لن أعيد الكَرّى حتى يُنصِت لي و ينام في سريره لكن حدث القادم بِشكل غير متوقع، بِسرعة انا لم ألحق بها.
تخطى المسافة بين شفاهنا ليُقبّلني.
شفاهه الناعِمة عليّ، بِقُبّلة ليست قوية و لا قاسية، بَل خفيفة، رقيقة يُرسِل شرارات بداخلي و فراشات في معدتي.
أتذوق الأوكسارا الذي ظل له أثَر على شفتيه.

الفصل التالي
بعد 20 ساعة و 48 دقيقة.
جميع الفصول
روايات الكاتب