رواية تحت الغطاء الأبيض الجزء الثاني للكاتبة مينار الفصل الثالث والخمسون

رواية تحت الغطاء الأبيض الجزء الثاني للكاتبة مينار الفصل الثالث والخمسون

رواية تحت الغطاء الأبيض الجزء الثاني للكاتبة مينار الفصل الثالث والخمسون

- كانيلا -.

تحول فالكين المُفاجئ شيء و اكتشافه أني نِصفه الثاني شيء آخَر و مُلاحقة الأتلانتيانز لنا و هُم يُلقون علينا السِهام شيء مختلف كُليًا.

لم أكُن أعلم أنه بأمكان أية شخص يمتلك جناحين بأنَّ يَطير بِسرعة فائقة. و هذا تمامًا ما يفعله الأمير الذي يحملني. يَطير بي في السماء و بين الغيوم الرمادية التي توعِد بِالمطر، بأسرع ما يمكنه لكي يتفادى السِهام المُلاحقة لنا من الخلف.

أربعة رجال يلحقون بِنا و جميعهم يمتطون أحصنة بِأجنحة أضَخم مِن أجنحة فالكين بِضِعفين ولكنه كانَ أسرع منهم. يَلنَفِت مِن اليمين و اليسار و يدور كاللولب بين الغيوم، لا يسمح لأية سهم مِن لمسنا و أنا تحذيراتي بين حين و آخر تساعده.

سهم على يمينك! صحتُ له ليبتعد هو يُرَفرِف بِجناحيه الجميلة لِليسار لأخرِج صرخة مِن حلقي أغطي وجهي في رقبته فأنا أكره المُرتفعات و المنظَر أسفلنا، ليسَ جميلاً أطلاقًا.

أسفلنا يوجد وادي فَنحنُ نطير الآن بين جبلين كلِتا الجهتين منهما خطيرة. حِجارة جُدران المُنحدرات حادة و مُدببة فإن اصطدمنا بِها، فَيا ويلنا مِن ما سيَحدث.

فجأة ظهر أتلانتي أمامنا يُصَوِب قوسه و سهم علينا ليَقترب فالكين بسرعة مِن جانب الوادي على يمينه ليبدأ يمشي على الجدار يتخطى الأتلانتي. أفلَت فالكين ساقاي يَظل يحملني بيد واحدة ليضع كَف يده اليُمنى أمامه على الرجل و يُطلق نيران حارقة عليه.

صرخات الرجل أصبحت طنينًا في أذُناي مع صهيل الحِصان الذي يركبه. جناحيه تحترق كذلك مع أنَّ لا شأن له المسكين لكنه أصيب لكون صاحبه عليه.

سقط الأتلانتي كَكُرة مِن النيران المُشتعلة إلى أسفل الوادي ثم اصطدم في النهر و غرق في مياهه الجارية بِقوة تأخُذه بعيداً.

أعادَ فالكين يده أسفل رُكبتاي يَحملني جيداً ثم أكمل تحليقه السريع بين جدُران الجبلين لكن نصرُه كانَ قصيراً لأنَّ أتلانتي آخَر ظهر في نهاية الوادي يقف بين المُنحدرين و على شفتيه بسمة عريضة يحمل قوسه و سهمه مستعدين حتى يُصيبنا.

لعنتُ تحت أنفاسي قبل أن يُطلق الرجل السهم. كادَ أن يُصيب فالكين في الرأس لو لم يَهبُط بِنا فجأة إلى الوادي لتهبط معنا مَعدتي، أصرُخ مِن الحركة المُفاجئة شعري يتطاير للأعلى بِشدة.

ظننت أننا سوف نقع في المياه لكن فالكين لديه خُطة لأنه حَرك يديه مِن أسفلي لِترتفع من النهر، مجموعة حِجارة كبيرة مع بعضها بِصَفٍ واحد قبل أن تصعد و تصعد و تصعد و مِن دون سابق أنذار أتجهَت نحوَ الأتلانتي بِسرعة عيناي لم تلحق بها.

الأتلانتي كانَ بطيئًا و لم يستطِع الهروب و إذ بِتلكَ الحجارة تضرب الحصان الذي يركبه يجعله يتحرك بِهَمجية يوقع مَن على ظهره لِحتفه الأكيد.

أثنان ذهبوا و بقية أثنان.

تَخطينا المنطقة بين الجبلين و الوادي المُظلم أسفلنا، مياهه جارية قاتلة صوتها أخطر مِن شكلها و إذ بِنا نرى بحيرة هادئة في وسط غابة مُخيفة أشجارها كبيرة لكن أوراقها خضراء جداً بدت سوداء و خاصةً في هذا الوقت مِن المساء.

نحنُ نهرب مِن الأتلانتيانز منذُ وقتٍ طويل، منذُ ساعات نظراً لِلظلام الذي حَل مِن حولنا، لم يعُد لِلشمس وجود أو حتى القمر لكونه مُختبئ خلف الغيوم الرمادية التي بدأت تَهطُل منها قطرات صغيرة خفيفة مِن المطر علينا.

إن ظللنا على هذا الحال فَسوف تتأذى أجنحة فالكين و لن يقدر على استعمالها إلى أن تَجِف ولكن هذه ليستَ المشكلة، بل إن امتلأت بالمطر و نحنُ مِن على هذا العلو...
الموت سيَكون مؤلم.

فالكين مِن فوق! صحتُ له مجدداً عيناي متوَسعة على سهم قادم نحوَ رأسه ليَصعد هو بِأخِر لحظة للأعلى نُصبح في الغيوم لا نرى ما يوجد أمامنا، أسفلنا أو من أية جهة.

كل جِهة ضبابية بالغيوم، لا نرى شيئًا.

هل ترينَهُم؟ سألني فالكين لأول مرة منذُ أن هربنا، بِصوت ضخم و عميق ينتمي لِلوحش الذي هو عليه. تلكَ العينين السوداء الحالكة تنظُر لأمامه فقط و صوت رفرفة أجنحته الكبيرة مِن خلفه كل ما يَملئ سمعي.

نظرتُ أنا مِن بين جناحيه أضَيّق عينايّ كما لو أنني سأراهم إن فعلتُ ذلك، لكن لا شيء و فقط غيوم و غيوم كأننا نسبح في بحر مِن القطن الرمادي.

لا أرى أحدٌ منهم. أجبته أنظُر لِجانب وجهه لِلحظة.

فكُه الحاد ثابت، شفتيه الوردية بِشكل خَط مستقيم و أذُنيه المُدببة تتحرك و تحاول التقاط صوت ما مِن حولنا.

تعتقد انهم رحلوا؟ أنا سألته قلقة أعيد نظري لِلخلف.

لستُ أدري.

عضتُ على شفتي السُفلية مِن الداخل، لا أصدق أنهم رحلوا. فَهُم لا يستسلمون بِتلك السهولة.

فالكين، ناديته بِنبرة مُنخفضة أنظُر لِجانب وجهه مجدداً ليُحرك هو رأسه و تقابلني عينيه السوداء بِتساؤل.

لا أعلم لماذا ناديته، رُبما لأنني أردته أن يتكلم معي و يُخبرني عن ما يشعُر به بعدما علم بالحقيقة و رُبما لأنني أريد رؤية اللون البنفسجي في عيونه و ليسَ هذا السواد. أريد أن أعلم ماذا يوجد في ذلك الرأس وما في قلبه الذي لم يعُد يرى شيئًا الآن.

ماذا هناك؟ سألني هو بِحدة يُعيدني مِن فقاعة أفكاري في نبرته لا توجد ذرة قلق أو فضول و إنما برودة و غضب.

أنا--- لم أكمل جُملتي لأني هَسهَستُ مِن بين أسناني على حرارة ظهرت على ذراعي اليُمنى في المنطقة السُفلية.

حركتها مِن فوق رأسه لكي أنظُر لها أرى جُرح كبير رفيع و دمائي يسيل منه بِكثرة. لقد أصبتُ بِسهم لكنه مَرَ مِن جانب يدي فقط و خدشني.
أتلانتيانز!

قَطَب فالكين حاجبيه و فتح فمه لكي يقول شيء ما لكن كُل ما خرج مِن فمه هو صرخة قوية قد هزت مِن العالم بأكمله لأرى أنَّ سهم أتى مِن أمامنا قد أصابهُ في كتفه و مِن الآن، دمائه تَملء ملابسه.

قبضته على جسدي خَفت أو بالأحرى ذراعه اليُمنى، فَقلد أصابه السهم الذي لا زلتُ لا أرى مَن راميه، في مكان حساس.

فالكين! صحتُ له ليَصرُخ هو مجدداً صوته جعلني أصرخ معه لأنه أصيب بِسهم ثاني في جناحه الأيسر.

بدأنا نهبط بِسرعة البرق نحوَ الأسفل. الهواء يَصرُخ أيضًا في أذُناي و كُل ما أرى هو الغابات أسفلنا و التي نقترب منها بِطريقة قد تَكسِر مِن عظامنا و قد يكون موتًا أسوأ مِن الموت في ذلك الوادي.

الأرض تقترب أو نحنُ نقترب منها، نسقُط بِسرعة كبيرة مِن الأعلى و لا يوجد ما يُنقذنا مِن الاصطِدام بالأرض.

كانيلا! نادى هو بأسمي يُعانقني و يُخفي رأسي في صدره و نحنُ نهبط و نهبط و نهبط باتجاه الأشجار الكبيرة.

في ثانية كُنا بين الغيوم مِن على أرتفاع يجعل أية شخص غير معتاد على الطيران، يتقيأ (لكني لم أفعل) و في ثانية آخرى، أصبحنا نقع على الشجر. جسد فالكين يَحميني، يُغطيني مِن جذوع الأشجار العملاقة و أوراقها مع أنني احسَستُ بِملابسي تتمزق و بِخدوش و جروح تُفتَح على جلدي المَكشوف لكن الأمير تلقى كل ضربة بدلاً مني إلى أن وقع على الأرض و عَم الهدوء.

بدأتُ بِفتح عيناي بِبُطء و أرمِش عِدة مرات لكي تتضح رؤياي.
أول ما شعرتُ به هو البرودة.
جسدي يرجِف كثيراً و الوَبر على جسدي يقف بِقشعريرة.

ثاني ما شعرتُ به هو الألم عندما حاولتُ التحرُك. جَسدي في كُل منطقة يؤلمني و يرفض التحرُك مِن وضعيته المُستلقية على بطني على أرض باردة جداً و رطبة.

مررتُ شفتاي الجافة على شفاهي لكي أرطبها لأتذوق تُراب و دماء. تفوهتُ بِكلمة ليست مُحترمة بتاتًا بِسبب الألم الحاد الذي ملأني.

شفتي مُمزقة و وجهي كُله يؤلم كما لو أنَّ أحداً ما كانَ يلقي يلكُمني باستمرار إلى أن توَرم. أنا واثقة أني أمتلك الأن بضع كدمات على جبيني، وجنتي اليُمنى و على حاجبي.

لعنتُ كلمات متقطعة أنهَض بِبطء بِيداي لأهَسهِس على أكثر مِن ما يؤلم و هو الجُرح الذي خلقه ذلك السهم. ألقيتُ نظرة عليه أجِد الدماء جاف مِن حوله لكن شكله جعل وجهي ينكمش.
انه ليس جرح بسيط هذا أكيد.

ثالث شيء لاحظته أو لم أشعُر به و هو ذلك الجسد الدافئ الذي كانَ يُحيطُني قبل أن أفقد وعيّ و أغُط في ظلام طويل.

فالكين! صحتُ باسمه أنهض على ساقين هُلامية لكني وقعتُ مجدداً على مؤخرتي أصرخ و انا امسك ساقي اليمنى.

ظننت أنَّ الجرح على ذراعي أسوأ ألم لكني كنتُ مخطئة، فَساقي اليمنى، الألم فظيع و شنيع و خاصةً ركبتي، بالكاد استطيع تحريكها أشعر بها ثقيلة لِلغاية. في بنطالي الأسود ثقوب و خلف الثقوب خدوش لكنها طفيفة و غير ضارة أو قد تضُر إن لم أداويها لكني لم أهتم.

التفتُ في مطرحي في كل الاتجاهات ابحث عن فالكين و قلبي ينبض بِقوة في صدري أشعُر به يكسر عظام القفص.

قميصي الأبيض لم يعُد أبيض اللون و إنما مِن لون تلكَ الغيوم فوقنا، الجُزء الأيمن السُفلي منه ممزق بالكامل، يكشف بطني و خصري، أيضًا على جلدي خدوش.

فالكين أينَ أن توقفتُ في آخِر الجُملة أرى جسداً بين شجرتين أسفلها مظلم بِفضل أوراقها الداكنة و في ظلامها، جسد مستلقي على الأرض.

ابتسمتُ بِسعادة على رؤيته هناك، يَبدو أنه أثناء سقوطه ألقى بي بعيداً لكي يحميني مِن الوقوع بِقوة على جسدي قبل أن يُلامس الأرض و يفقد كذلك وعيه.

نهضتُ مرة آخرى لكن بِحذر استنِد على ساقي اليُسرى أكثر ثم مشيتُ مسرعة إليه أعرج الساق التي أصبتُ بِها إثر السَقطة بِطريقةٍ ما ثم جثوتُ على ركبتاي عنده ألمِس جانب وجهُه فَهو مستلقي على بطنه كما كنت أنا.

فالكين، هل تسمعني؟ أردتُ تحريكه على ظهره لكني لاحظت شيئًا متجمِدَت اليدين عليه، لاحظتُ وجود سهمين.

واحد على كتفه الأيمن قريب مِن يدي و واحد على جناحه الأيسَر و مِن كِلاهُما الدم ما يزال يسيل على ملابسه و الأرض الرطبة.
بقعتين كبيرتين مِن الدماء تُغطي المنطقتين فأنا أخَمِن مِن شكل الإصابتين و الدماء أننا هنا في وسط الغابة مجهولة الموقع منذُ ثلاثون دقيقة أو ساعة.

عينايّ لا إراديًا امتلأت بِدموع تُغطي رؤياي و تجعلها ضبابية لكني لم أدعها تنهمر بعد و لم أبكي بَل مسحتها ثم ركزت على السهام، يجب عليّ أخراجها و أغلاق جروحه كي لا تلتهب و كي لا يفقد المزيد من الدماء.

قبل أن ابدأ عملي، قلقتُ بِشأن أمرين. أولهما هو، إن كانت هذه السهام سامة فَقد يكون فات الأوان لأنها قد تكون دخلت نظام جسده منذُ فترة، نظراً لِمرور وقت طويل عليها في جسده.

الأمر الثاني وهو رأس السهام.
إذا كان رأس السهم عالق بِعُمق في لحمه أو اسوأ، في عظامه، فَهذه أكبر مُشكلة و لن أستطيع أخراجه مِن جسده إلاّ بِمُساعدة طبيب و هنا لا يوجد طبيب!

و غير ذلك، إذا كانت السهام ليست سامة فَجسده السحري سوف يُغلق الجروح لوحده و هذا جيد جداً، لن أضطَر على إيجاد شيء لكي أضمد جراحه لأنَّ ملابسي مُتسِخة كما هي حالة ملابسه و هُنا الغابة لا يُعرَف ماذا تحمل مِن مَخاطر إن استخدمتُ شيء منها.

كل شيء يذهب بالاتجاه السيء و لستُ أدري ماذا أفعل. لا أرى بركة أو نهر قريب حتى أخُذ منه الماء مِن أجل تنظيف جروحه و هذه أهَم خطوة.

و مع ذلك حتى لو لم تكُن السهامة سامة، لا أعتقد أنَّ جسده المُتعب جداً سيكون قادر على أغلاق الجروح بِسرعة قد يأخُذ الكثير مِن الوقت و هكذا الجروح سوف تلتهب و هو سيَمرض و...

حسنًا، حسنًا، لنفعل هذا كانيلا. تمتمتُ مع نفسي أنسى كل شيء و أركِز على السهم الأول الموجود في كتفه.

امسكتُ بِه مِن جهتين ثم كسرته لِنصفين. فجأة تحرك فالكين في مكانه يُخرِج أنينًا مِن حلقه وجهُه ينكمش بِألَم، عينيه ما تزال مُغلقة.

لا بأس لا بأس، سوف تكون على ما يرام. هَمستُ له أمسح على جبينه أبعِد شعره الذي يُغطيه قبل أن أسحب نفسًا إلى صدري و أزفرُه.

فعلتُ ذلك بضع مرات كي أهدئ مِن روعي و يداي التي ترتجف بِشدة فَأنا لا أخرج ساهمًا مِن أجساد الجنيات أو أية أحد، كل يوم.

استعدتُ أجثو جيداً على ركبتايّ أثَبِت نفسي ألقي نظرة على فالكين ثم أعدتُ تركيزي على السهم. بعد تردُد طويل المَدى، بدأتُ بِسحب السهم بِحذر مِن كتفه ليَإن مجدداً بِصوت مرتفع، مَخالبه تَغرِز بِالتُراب الرطب و أسنانه الحادة مطبقة على بعضها.

أحسَستُ بالسهم يَخرُج مني أنا و ليسَ هو لكني أكملتُ عملي إلى أن و الحمد لِلإله خرج السهم كاملاً مِن كتفه يترُك خلفه الدماء و جرح عميق مُقشعِر للِبدَن.

ألقيتُ بالسهم ثم نهضتُ على ساقاي لأمشي مِن حوله و أجثو مرة آخرى عند جناحه الأيسَر أخُذ نظرة سريعة على السهم.

الجناح مُختلف عن الجسم، فَهو أكثر حساسية مِن أية منطقة فيه و هذه الإصابة هي الأخطَر. مُجرد خطأ واحد سيَكون نهاية الجناح و تدمير مَن يمتلكها.

تذكرتُ إكسانا في هذه اللحظة و أحسَستُ بِدمعة سمينة تنهمر مِن عيني على وجنتي و إلى الأرض.

مسحتُ وجهي بِذراعي ثم عدتُ أركِز على السهم في وسط جناحه الأسود. الريش مُغطى باللون القرمزي، يلمع، يسيل على الريش بِبطء.

بلعتُ ريقي أنفاسي هائِجة، صدري يرتفع و يهبط باستمرار ترَدُدي ينمو أكثر كَخوفي مِن إيذائه في العملية. لقد رأيتُ طبيب القصر عِدة مرات يُخرِج سهامًا مِن عُمال القصر أو الحُراس الذينَ يتدربون في الفناء الخلفي و دائمًا كانَ يتعامل مع السهام على انها أطفال.

يلمسها بِرقة و يُخرِجها مِن جسد المُصاب بِحذَر كما لو انه يحمل طفلاً و هذا ما يجب عليّ فعله.

تحمل هذه المرة فالكين، أعدك أنها ستكون الآخيرة. أخبرتُ فالكين أمسك بِالسهام مِن الطرفين مع أنني أعرف أنه لا يسمعني.

سحبتُ نفسًا عميقًا أحبسه في صدري قليلاً قبل أن أزفره ألُف أصابعي حول السهم. مِن دون المزيد مِن التَرَدُد و الخوف لأنَّ لا مجال لِذلك الآن، كسرتُ السهم لِنصفين أسمع أنين فالكين العميق قادم مِن صدره جسده يُعطي ردة فعل.

عضلاته تَشُد و مَخالبه تغرِز أكثر في التراب.

لم أضَيّع الوقت بالانتظار و تعذيبه أكثر لِأبدأ بأخراج السهم مِن جناحه بِحذر أكبر مِن الأول و بِبطء و هذه المرة، أنينه تحول إلى صرخة من بين أسنانه بِلحظة ظهور برق بين الغيوم فوقنا، يُضيء السماء باللون الأزرق لِجزء من الثانية بعدها بِقليل خرج صوت الرعد الذي أسقط قلبي في بطني كأنه زلزال في السماء.

الجُرح في جناحه نزِف أكثر مِن الذي في كتفه لأني كما ذكرت أنه منطقة حساسة جداً و تؤلم بِشكل كبير لا يوصَف أنا متأكدة مِن ذلك و مع هذا شاهدتُ عضلاته ترتخي و جسده يتوقف عن التحرُك لأخرُج زفيراً مِن فمي بإرتياح.

ألقيتُ بالسهم أشكُر الإله على الانتهاء مِن هذه المشكلة لأصبح في مشكلة غيرها.
العثور على شيء لِكي أضَمِد فيه جراحه حتى لا يفقد ما تبقى من دماء في جسده.

بحثتُ عن شيء مِن حولي لكي أغَطي جرحه لكن لا فائدة، لا يُمكنني المُخاطرة بِالطبيعة اليوم لهذا لا خيار سوى الموجود.

مزقتُ الجُزء السُفلي مِن بنطال الساق اليمنى المصابة أكشف كاحلي و ما فوق بعض الشيء بعدها لففتُ القماشة لِلجِهة الداخلية لأنها نظيفة ثم ضمدتُ جرحه بأحكام قبل أن أنتقل إلى كتفه أمَزِق المزيد مِن بنطالي إلى أن أصبحت ساقي مكشوفة بأكملها حتى فخذي.

لم أكترث بَل أكملتُ عملي بِتضميد ما تبقى مِن جراحه حتى توقف الجروح عن النزف و أخذ مني هذا الرجل الذي حماني و أخرجنا مِن ورطة ظننت أننا عالقون فيها للأبد.

أنه ليسَ لكِ حتى يتم أخذه منكِ.
سَخِر مني صوت في رأسي لأتجاهلُه و أحرِك فالكين على ظهره لكن بِطريقة يكون جناحه المُصاب في وضعية جيدة لا تؤثر عليه أو على الجُرح.

جلستُ بعدها أفرِد ساقايّ أمامي أبعِدها عن بعضها لكي أضَع رأس فالكين و الجُزء العُلوي مِن جسمه على حضني يُصبح بين ساقاي. أسندت ظهري على جذع شجرة اختبأ في ظلامها مِن المطر الغزير أسمع فقط صوت الرَعد و الأمطار التي تسقُط على الأوراق و الأرض في سكينة.

عينايّ تَحوم على وجِه و جسد فالكين أرى الكثير مِن الخدوش على وجهِه الوسيم، مِن جبينه الذي كانَ ينزف لكنه توقف و جَف الدماء على جانب وجهه، جانب فَكه الأيمَن مليء بالجروح الطفيفة و رقبته كذلك.

تنهدتُ أنا أبعِد بصري عنه لكي أضَعُه في كل منطقة هنا، أرفع مِن حذري لِأضعاف في هذه الغابة المُخيفة في مكان لا أعرف أين. الهدوء و الظلام يُحيطنا لا يُعرَف ما يوجد بينَ تلكَ الشُجيرات و الأشجار أو في عمقها فَنحنُ في منطقة ليستَ مليئة بالأشجار بَل فُسحة كبيرة و مِن حولها الطبيعة.

حيوانات مُفترسة غير مَعروف أين تختبئ و تنتظِر بِصبر حتى يذهب المَطر، قد تكون تُراقبنا مِن بعيد حتى الحشرات التي تهرب مِن الأمطار متأكدة انها تنتظر فرصتها حتى تتهجم علينا فَلا يَخرُج مِن غابات كَهذه إلاّ المشاكل و الكوابيس.

و ماذا عن الأتلانتيانز؟
أين هُم؟ هل ذهبوا بعدما رأوا أنَّ هنالك عاصِفة قادمة؟ أو أنهم علموا بإصابة فالكين و ظنوا أنهم قتلوه؟
كاستيل يريد ابنه ميت؟ لم يكُن يبدو أنه يوَد قتله و إنما جعله ينضَم إليهم لهذا ما الذي يجري بِحق السماء؟
ماذا تُخَطِط كاستيل؟

الكثير مِن الأسئلة نَمَت في رأسي و أصبحت تَعصِف كَتلكَ الأمطار مِن حولنا لِفترة فيها حاولتُ البقاء يَقِظة مع أنَّ الأرهاق الجسدي و النفسي يُصِر على خلودي لِلنوم و الأستراحة قليلاً.

لكني لم أفعل و بقيتُ أراقب الغابة مِن حولنا و اتأكَد بين حين و آخَر مِن جروح فالكين و الضمادات السخيفة التي أصبح لونها أحمر بِسبب دمائه.

لن تُبقيها مُغلقة للأبد أو توقِف الجروح عن النزف فَيَجب على فالكين الاستيقاظ، تناول شيء ما لكي يأخُذ طاقة حتى يدع مِن سحره يُغلق الجِراح قبل أن تغتسل القماشات بِالدم.

مع أني أشُك بأنَّ حالته ستُصبح أفضل بِتناول شيء فَوَجهُه شاحِب لِلغاية و يتعرق بِشدة يجعل الوضع مُحرج و مُقلق.

وضعتُ يدايّ على صدره أتمعَن بِملامح وجهه الساكِنة. يبدو كالطفل الصغير أثناء نومه و مُسالم جداً. تلكَ العيون، الأنياب و المَخالب ليست مُخيفة بعد الآن بل، بريئة، شُجاعة و جسورة لم أرى مثلها من قبل.

لا أعلم مِن أين أتَت و منذُ متى فالكين بإمكانه التحول لِهذا الوحش لكن الذي أعلم به أنَّ مُسَبِب هذا الوحش هو شخص قد فَك أغلاله و أخرجه مِن زنزانته.
ذلك الشخص هو كاستيل، والده و عدوه.

عندما عُدتُ مِن قلب الغابة أحمل بيداي مجموعة تفاح أحمر و أخضر وجدتها صِدفة لكوني لم أستطيع الجلوس و أنتظار المُساعدة أو موت فالكين، وجدتُ الأمير جالس أسفل الشجرة، ساقيه مرفوعة لِمُستوى صدره و مِرفَقيه على ركبتيه، مُنحني الرأس بين يديه، وجهُه غير ظاهر.

تجمدت قدماي في مسافة بعيدة عنه، أشاهده لا يتحرك لكن بسمة عريضة ارتسمت على شفتاي لِرؤيته على ما يرام.

أكملتُ طريقي نحوه ما زلتُ أعرِج على ساقي إلى أن وصلت إليه أقرفِص عنده أضع الفواكه على ورقة شجرة كبيرة حتى لا تتسخ بالتُراب المبلل مِن المطر الذي توقف قبل ساعة تقريبًا.

فَمنذُ أن توقف رميتُ بالخوف و جمعتُ شجاعتي كي أدخُل الغابة الخطيرة و أبحث عن الطعام و قبل ذلك، كنتُ قد تركتُ مجموعة أوراق على جذوع أشجار قريبة مننا، مُلتوية على نفسها بِطريقة تجمع فيها مياه المطر لكي نشرب منها فأنا لم أعثُر على نهر أو بركة ماء قريبة مِن هُنا لهذا أعتمدتُ على العقل و ما توفره الغابة لنا لكي ننجو.

سمع فالكين بِأقترابي منه ليرفع رأسه مِن بين يديه و ينظُر لي لأحِظ أنَّ مَخالبه لم يعُد لها وجود بَل لديه الأن أصابعه الطويلة النحيلة و بالنسبة لِعينيه فَهيّ لم تعُد سوداء و إنما عادت طبيعية لِلونها النادر الجميل البنفسجي.

أما الجناحين فَما تزال على ظهره تستريح بِرقة على الأرض أجِد الأقمشة الجديدة التي مزقتها مِن كُم قميصي، لها ذات اللون لكن عليها بعض البقع الحمراء. هذا يعني أنَّ جِراحه توقفت عن النزيف.

كيف حالكَ الآن؟ أنا سألته لكونه لم يلفِظ بِحَرف و ظلت عينيه عَليّ.

جلستُ مُقابله أطوي ساقي الغير مُصابة أسفلي، ركبتي تُلامس كاحله أخُذ تفاحة مِن المجموعة بِجانبي و التي تأكدت مِن انها غير ضارة لأمُد يدي إليه لكي أعطيه إياها.

اشاحَ بِمُقلتيه على التفاحة ثم أعادها مرة آخرى عليّ، مُجدداً، لا يلفِظ حرف و فقط يحدق بي.

هبطت يدي التي تحمل التفاحة على حضني لأتنهَد أنظُر لها حمراء تبدو لذيذة لكني الآن فاقِدة لِلرغبة بِتناول شيء و يبدو أنه يشعُر بالمِثل.
حسنًا، على الأقل أخبرني كيف هي جراحك؟ ماذا عن الجناح، هل بإمكانك تحريكه؟

بعد فترة مِن الصمت، فيه أعتقدت انه لن يُجيبني قال هو يجذُب انتباهي إليه
جسدي متعب و يُحاول التأقلُم مع ما حدث لكنه يَشفي جِراحي بِبطء. أحتاج الوقت لِكي أعود لِلطيران.

كم من الوقت؟

ساعات، أو أيام على حسب الإصابة.

زفرتُ الهواء مِن فَمي كتفاي يرتخيان سعيدة بِأنه يستطيع استعمال الجناح و أنه لم يقفده كما حدث مع إكسانا.

عَم بيننا صَمت ثاني، أطول مِن الذي سبقه فيه أنا فَضّلتُ التحديق بالتفاحة في يدي بدلاً منه هو. مع أني أشعُر بِعينيه عليّ، تثقُبني و تطلب مني النظَر لها إلاّ أنني رفضت و بقيت على حالي.

هل، هل دخلتِ الغابة لأحضار الطعام؟ سؤاله الفُجائي جعلني أرفع رأسي و أنظُر له مازلتُ أرى نظراته التي فيها غضب واضِح و ملامحه المتحجرة.

أعلم جيداً ما سبب ذلك.

اومأتُ له ابتسم على التفاحة مِن دون سبب لأجيبه
أنتَ تحتاج الطاقة و لقد جمعتُ بعضًا مِن الماء، ألقيتُ بِذقني على الشجرة القريبة مِنا لينظُر هو لِلأوراق المُلتوية فيها ماء مِن المطر لكي تَروي عطشك.

نهضتُ بِصعوبة أحاول عدم الهَسهَسة مِن الوَجع في ساقي ثم ذهبت أحضِر ورقة أحملها بِحذر شديد كي لا أوقِع الماء منها بعدها عدتُ إلى فالكين أمَرِر له الورقة كي يشرب منها و هو أخذها مني و شرب كل ما فيها ليَمسح بعدها فمه بِذراعه.

بعدها ظَل يحدق بالورقة. مُدركة أنَّ هنالك أفكار كثيرة تَحوم في عقله لكنه لم يلفِظ بأحدها ابداً ليُبعِد بصره و يضعه على الأرض بين قدميه.

ماذا عنكِ؟ هل أنتِ بخير؟ تسائَل هو متنهداً وجهُه يتحول مِن المتحجر البارد كَبرودة الجو إلى الهادئ المُرتخي يُمَرِر أصابعه في شعره الليلي مِن لون جناحيه.

اومأتُ مُجدداً له ثم قلت
بعض الخدوش البسيطة لكني بخير و الشُكر لك.

عَم صمت غيره بيننا، فيه فقط أصوات صراصير الليل تُغني لِبعضها و نَعيق طيور البوم مِن قلب الغابة و الرياح الباردة اللطيفة، تُحَرِك خُصلات شعري بِرقة على وجهي. لم أعُد أشعُر بِاصابع ياديّ و قدمايّ و كُل منطقة مكشوفة في جسدي بِسببها.

و تقريبًا كل شيء مكشوف من جسدي.
هذا سيَكون ممتعًا.

لِكَم مِن الوقت ظللتُ فاقداً لِوعيّ؟ كَسر هو الصمت بِسؤاله الفضولي.

هَمهَمتُ قليلاً قبل أن أرُد عليه
لِأكثر مِن خمسة ساعات إن كانت حساباتي صحيحة.

انتبهتُ على توَسع عينيه لِلحظة قبل أن تختفي ردة فعله و تعود ملامحه لِلهادئة و عينيه لِلناعسة، لا لمعان فيها أو بريق تبدو داكِنة تندمج بالظلام الذي يُحيطنا.
ماذا عن الأتلانتيانز؟ هل رأيتيهم؟

هَززتُ رأسي بِكلِتا الجهتين
لا، مِن حُسن حظنا أنني لم أراهُم. بالإضافة، لقد بقيتُ أراقب الغابة. أعتقد أننا وقعنا في مكان بعيد جداً عن المنطقة التي سقطنا فيها قبل بدء العاصفة. توقفتُ لِثوانيٍ أشير بِيدي على عمق الغابة مِن خلفي و على يساري و يميني لأتابع.

و لقد ذهبتُ إلى أماكِن بعيدة مِن هُنا في الغابة لكي أبحث عن الطعام و عن نهر أو بحيرة قريبة لكني لم أجِد شيئًا و لم أجِد قرية، مدينة أو أية أحَد قادر على مساعدتنا.

عقد هو حواجبه بِخِفة يَحُط بِعينيه على شيء ما مِن خلف كتفي، تَضيع ربما في العتمة أو غموض هذه الغابة.

فالكين، لفظتُ باسمه بِنبرة هامِسة أجعله يُقابلني ليَنتظِر القادم مني قبل أن أكمل أنا بِحيرة
ما الذي حدث هناك مع كاستيل؟ كي-كيف تحولت إلى ذلك الكائن؟

لم يُجبني على الفور بَل أخَذ التفاحة نفسها التي كنتُ أحملها ثم أكل قضمة ومضغها ثم بلعها. كل ذلك الوقت و أنا أراقبه أنتظِر تبريره.
مع أنني حقًا لا أحب صمته لكن على الأقل هو يأكُل شيئًا.

الكائن يكون مِن أمي. هي كانتَ أيضًا تستطيع التحول له متى شائت مع أنني لم أراها يومًا تتحول أمامي لكنها أخبرتني كثيراً عنه و في فترة مِن الفترات لاحظَت هي في طفولتي أشياء فيني تَدُل على أنني أمتلك ذات الكائن بِداخلي.

رفعتُ حواجبي بِدهشة و هو يأخُذ قضمة ثانية مِن التفاحة على وشك أنهائها لأنها صغيرة الحجم.

أنا لم أراها ابداً تتحول، لم أكُن أعلم بالأمر و لم تُخبرني تاليا. قلتُ له مصعوقة.

بلع ما في فمه يُدير التفاحة لِجهة آخرى كي يتابع أكلها لكنه لم يقضمها بل نظَر لي ثم قال
هذا لأنَّ والدتي كانت لا تُحِب التحول لِذلك الكائن و غير ذلك التحكُم به صعب جداً و نادراً ما يَخرُج و لكي أكون صادق معكِ، هذه ثاني مرة لي في حياتي كلها أتحول له و في المَرتين كانَ صدفة و لحظة غضب.

مِن أين يأتي هذا الكائن؟ و هل أنتَ و والدتك الوحيدان؟

عندما أنتهى مِن تناوله لِلتفاحة بأكملها، رمى ما تبقى منها على جنب ثم أخذ واحدة أخرى و هو يُجيب
عائلة والدتي هُم السَبب. عائلتها لها أصول قديمة لا يعرِف بِها إلا العائلة نفسها و ريس أيضًا. مرةً أخبرني بالحقيقة لأنَّ أمي وثقت به و أعطته السِر لكي يُمَرِره إليّ و كأنها شعرت أنها سوف تُغادر العالم و تتركني لوحدي، أدارَ التفاحة بِاصابعه يُحدق بِها كما لو انه يرى تفاحة لأول مرة في حياته ثم تابع.

أصول عائلتها مِن الشاودنايتس لهذا الوحش الذي لديّ مِن الظلام و يَخرُج عند الغضب، عندما أكون في لحظات غرقي في بئر بِعُمق المُحيطات ليسَ فيه نور، بِمُفردي، ضعيف و في يأس لا نهاية له، هكذا يستيقظ الكائن لكي يَحميني و لو لِلحظة.

رمشتُ عليه مُطولاً لا أعلم كيف أركِب الأحرُف مع بعضها لكي أشَكِل كلمات. الكثير مِن الأسئلة تدور في مُخيلتي لكني لم ألفِظ بِها و إنما اومأتُ متفهمة لِلقصة و مُنبهرة بها و بِمعناها.

أذكُر أنَّ أغاثا كانت امرأة غريبة الأطوار و وجهها لا عليه إلاّ الغضب أو الغموض و كيف انها لا تتحدث كثيراً لكنها تُراقب و فالكين في الحقيقة، يمتلك نظراتها.

أحيانًا ألتقطه ينظُر مثلها و هو جالس في أجتماع أو فقط عندما يكون شارد الذهن.

و بعد التفكير بالأمر، فالكين ينتمي لِوالدته أكثر مِن والده. فَهو يحمل جيناتها كَلون شعرها، شكل وجهها و بعضًا مِن تصرفاتها عدا طبعًا لون العينين التي تعود لِكاستيل.
أنه أبن والدته بالفعل.

كنتُ قد دخلتُ إلى عالم أفكاري و إذ بي أنتبه على فالكين يُحاول النهوض لِيُهَسهِس مِن بين أسنانه على ألم كتفه يَرجِع يجلس على الأرض ظهره على جذع الشجرة.

ذهبتُ أنا إليه أمسكه مِن أسفل ذراعيه أنتبه على عدم لمس كتفه الأيمَن مكان إصابته و أنا أسأله
ما الذي تفعله؟

حاول هو النهوض مُجدداً لا يُمانع مُساعدتي له مع أنه وضع كامل وزنه على الشجرة بيده اليُسرى و جناحه الغير مُصاب يرفعه كي يقف جيداً.

يجب علينا مُغادرة هذه البقعة كي لا يجدونا الأتلانتيانز إن كانوا مستمرين بالبحث عنا بعد انتهاء العاصفة، لهذا يجدُر بِنا على الأقل تغيير المكان الذي وقعنا فيه.

لكنكَ مصاب، فالكين. أنا أعترضت.

سحب ذراعه مِن قبضة يدي بِلُطف لا ينظُر لي ثم أخَذ خطواته بِثُقل إلى داخل الغابة مِن دون أن يتفوه بِكلمة.

نظرتُ أنا عليه و هو يمشي بِبطء لوحده يدايّ على خصري لأتنهد بِقوة، أنحني حتى أخُذ التفاح و كدت أن أخُذ معي تلكَ الأوراق التي فيها الماء لكني غيّرتُ رأيّ و مشيتُ خلفه ألحق به.

أبقيتُ مسافة كبيرة بعض الشيء بيننا و نحنُ نمشي عشوائيًا في الغابة، هو أمامي و أنا خلفه بين الشُجيرات التي عليها أنواع مُختلفة مِن التوت الأسود، الأحمر و غيرها من ألوان. لم أتجرأ على لمسها خوفًا مِن أن تكون سامة.

و هنالك الأشجار الكبيرة التي تمتد لأمتار أوراقها المائِلة للأسود في هذا الظلام منحنية للأسفل علينا تُغطي القليل مِن السماء، ما تزال مليئة بالغيوم الرمادية تتحرك نحوَ الغرب بينما نحنُ نمشي شمالاً. و توجد كذلك جذور النباتات مُعقدة بِبعضها فوق و بين التُربة تجعل مِن مشينا أصعب لكوننا مُصابين.

ظللنا نمشي لِفترة طويلة إلى أن توقفنا مرة لكي نستريح و نأكُل الفواكه. الطعام لم يكُن كافي لِأخماد العطش لكن لم يتذمر أحدنا عن الأمر و تابعنا سيرنا بِصمت، هو يتفاداني و أنا أحاول بِكُل ما استطعت عدم أزعاجه و جعله يتكلم.

يجب عَليّ جعله أن يتكلم. يجب عليه التكلُم معي فَهذا الصمت كالسيف في الصدر، يؤلم و لا يمكنني أخراجه مني.

لا أعلم إن ما كانَ يفعلها عن قصد أو مُدرك أنه يُعذبني بِصمته و يَحرمني من مشاعره التي لا أعرفها و لا أقدر على قرأتها مِن عليه لكونه يُخفيها جيداً.

و مع كل هذا صبرت. و سأصبر إلى أن يكون مُستعداً لِلتحدُث معي.

مرَت ثلاثة أيام و نحنُ لم نتحدث مع بعضنا و فقط نتبادل بعض الكلمات البسيطة كَ:
دعينا نأخذ استراحة.
لنتوقف هنا لكي ننام.

أعطني بعضًا مِن التوت (عثرنا على توت غير سام و قد ملأنا جيوب بنطالي و جيوبه هو بِما أننا لا نحمل حقائب معنا لكي نضع فيها الطعام).

و هكذا، كلمات و جُمَل قصيرة و في كِلا الحالتين، لم يضع عينيه بِعيوني ابداً مِما جعلني هذا أغضب لِلغاية. نعم فهمت، هو معه حق بِفعل ما يفعله معي ولكن أليسَ مِن حقي التبرير؟

لديّ الكثير لأخبره به و أنا لا أقول هذا لكي أدافع عن نفسي ولكن مِن أجل أن يسمعني على الأقل و يسمع منظوري لكوني بطلة القصة و يعرِف الحقيقة كاملة و بعدها إن أراد أن يُعطيني ظهره و يرحل فَليَفعل ما يشاء.

لكن هذا الصمت، ليسَ طريقة لِلتصرُف. أنا أدين له بِتبرير كما هو يدين لي بِأعطائي أذُنيه قليلاً.

الثلاثة أيام جرت بِبطء شديد أحسَستُ بِها سنوات فيها فقط نمشي و نتوقف دقائق لكي نستريح بعدها نُكمل إلى أن يَحِل الليل لِنجد مكان لا بأس به حتى ننام قبل أن يَحِل الفجر و نتابع رحلتنا.

جروح فالكين شُفيت بالكامل و الشُكر لِجسده السحري القادر على شفاء نفسه بِنفسه مِن أية جروح عدا الجروح المَُسَبب بِالسحر.

جناحيه أختفت إلى داخل جسده لكن خلف ظهره، في المنطقتين بين كتفيه مكان ظهور جناحيه منها ملابسه مُمزقة أرى جلده ناعِم و أملس السَطح كأنَّ تلكَ الأجنحة لم يكُن لها وجود.

بالنسبة إليّ، حسنًا، أنا لستُ بِجنية و لا أمتلك تلكَ القُدرات السحرية على شفاء نفسي لهذا ساقي اليُسرى لم تُشفى و ما أزلتُ أعرِج عليها أخَمِن أنها مَرضوضة و تحتاج علاج سحري. حالتها تسوء أكثر كل يوم و لم أعُد أستطيع المشي عليها كما كنت.

ملابسي لم تُساعدني بالتَحسنُ بتاتًا. نصفها مُمزق تسمح لِنسمة الهواء الباردة بِتغطيَتي كالطبقة الثانية مِن الجلد.

مع أنَّ فالكين أعطاني سترته (مُمزقة قليلاً) لكي أغَطي الجُزء العُلوي مِن جسمي الشبه مَكشوف حتى يُخَفِف البرد على الأقل، لكن البرد القارس أقوى مِن حرارة جسدي التي يوفرها لي في وضع كَهذا و نحنُ لا نحمل معنا مياه بَل نشرب من برك ماء صغيرة نجدها صِدفة سببتها الأمطار كل فترة من هطولها و التوت الذي معنا لا يَكفي لأبقائنا على قيد الحياة للأبد.

و أنا أحتاج حمامًا، و بِشدة!

هل لنا أن نتوقف قليلاً؟ صحتُ لِفالكين مِن أمامي أتوقف عند شجرة أتكئ عليها و أنا ألهَث بأنفاسي و ساقي لم تَعُد تتحملني فَلو تجاهلتها و مشيت عليها أكثر، أنا متأكدة أنها سوف تنكسر.

توقف هو عن المشي ثم التفتَ إليّ عينيه على ساقي، يعرِف جيداً بِوضعها لكنه اختار عدم الاكتِراث.

يجب علينا المُتابعة قبل حلول الليل. رد عليّ بِبرودة لأشقلب مُقلتاي أبعِد خُصلات هاربة مِن شعري المبعثر يحتاج تمشيط و ترتيب.

أعلم ذلك، لكن إن لم تُدرِك فَأنا لن أستطيع المشي على ساق واحدة لأني أحتاج الآخرى بِخير إلاّ إذا كنت تُخَطِط بِحملي.

لم يُبادر بالكلام و ظل يحدق بِساقي المكشوفة بأكملها حتى الفخذ لأني قبل ثلاثة أيام، أستعملتُ قُماش البنطال لكي أضَمِد فيه جراحه رحلت كما ظهرت.

لا أمانع إن كانَ ما سيَجعلنا نستمر بالتحرُك. كَسر هو الصمت بيننا يأتي نحوي لأقف على ساقي الطبيعية أكثر أشابك ذراعايّ أمام صدري، سترته المليئة بِرائحته مِن المطر و الليل تُغَذي مَجرى تنفسي لكني تجاهلتها.

توقف هو أمامي، يواجهني مُضَيّق العينين و أخيراً يُقابلني بِها. أقترب هو خطوة آخرى إليّ يَمُد ذراعيه كأنه حقًا سيَحملني لأرجِع أنا خطوة لِلخلف و أخبره
نحنُ نمشي منذُ أيام مِن دون طعام جيد أو ماء، بِلا وجهة ضائعين بِغابة لا يُعرَف أين بدايتها أو نهايتها و نظراً مِن شكلها فَلا يبدو أننا سنجد مَن يساعدنا لهذا كُن رجلاً عاقلاً و دعنا نستريح.

حانَ دوره بِمُشابكة ذراعيه أمام صدره بِتحدي ما ليَقول
أنا مُدرك لِلأمر يا أنسة و مع ذلك إن كُنتِ تريدين الأستسلام مِن أول يومين فأعلمي أنكِ في عِداد الموت إلا إذا كُنتِ تُخططين لِمُصادقة الحيوانات والحشرات هنا. لاحظتُ ضغطته بِلفظه كلمة أنسة لأضَيّق عنيايّ عليه أشعُر بِغيظ.

ثلاثة أيام.

رفع هو حاجب بِحيرة من كلامي لأرَدِد أنا أشرح ما أعنيه بِغضب يَكسِر أغلاله بِداخل القفص الذي وضعته به
نحنُ نمشي بِلا توقف منذُ ثلاثة أيام واستسلام؟ أنتَ تتحدث مع المرأة التي دخلت الغابة لِوحدها و جمعت الطعام و الماء مِن أجلك!

لم يفتح فمه مجدداً و بقية يُحدق كَعادته كأنه لم يعُد يعلم كيف اللسان يتحرك بِداخل الفم من أجل تَشكيل الكلام.
و هذا جعلني كالبركان الحَي على وشك الأنفجار.
تبًا له و لِغضبه!

تبًا له و لِتصرفاته فأنا سأمِت منه و لم أعُد اتحمل لهذا رمقته بِنظرات قاسية ثم ابتعدت أعرج على قدمي لأجِد جذع شجرة مكسور ملقاة على الأرض و أجلس عليه أدَلِك ساقي بِحذر لكي أخَفِف مِن الألم الحاد فيها.

الأستراحة لا تداويها لكنها تُعطيها وقتًا لكي تُحَمِل كمًا مِن الطاقة و القوة حتى أعود لِلمشي عليها إلى أن تتعب مُجدداً و تطلب الراحة.

هو بخير ليسَ فيه أية أذى أو ألم، جسديًا على الأقل، يمشي بِخير و سلامة و لا يهتم أنني أنا التي تُعاني. جسدي البشري لا يمتلك ذرة مِن القوة و التحمُل التي لدى الجنيات و هو مَن يتذمَر.

لا تتصرفي كالطفلة المُدللة، لقد قبلتُ عرضك بِحملِك. لمَ تَفعلين هذا الآن؟ سألني هو يأتي إليّ يقف أمامي مرة آخرى، خُصلات مِن شعره تُغطي على جبينه.

نظرتُ للأعلى عليه ثم أجبته أكمل تَدليك ساقي لأخلع بعدها جزمتي لكي أدلك كاحلي أيضًا
إذا أردتَ أذهب أنت لكني أنا مُتعبة و ساقي تؤلمني كما أنَّ جرح كتفك لم يُشفى كُليًا بَل يحتاج الوقت لكي تعود عظامك و لحمك و كل ما بِداخل كتفك كما كان. الجرح شفية مِن الخارج و ليس الداخل كَحال جناحك.

حاول البارحة استدعاء جناحيه مِن أجل الطيران و أخذنا مِن هذه الغابة اللعينة ولكنه اتضح أنَّ جرحه شُفية مِن الخارج فقط، فَهذا ما تراهُ العين أما بالنسبة لِلداخل، عندما حاول الطيران بِها يتفحصها أولاً، سقط على الأرض متألمًا لِنعلم جيداً أنه ما يزال غير قادر على الطيران ربما لِبضع أيام آخرى.

أنا أعرف كيف يَعمل جسدي. اندفع فالكين يُشير على نفسه.

جيد إذاً الى اللقاء.

لم أنظُر له لأني أركِز على ساقي لكني أقسم أنني سمعتُ زمجرة قادمة من صدره و تخيلته يَرِص على أسنانه بِقوة ومع كل هذا، لم أكترث.

أنتِ تتصرفينَ بِحماقة. قال هو يُدير ظهره يذهب بعيداً عني إلى الشجرة التي كنتُ أقِف عندها سابقًا.

لا تتحدث معي بِتلكَ النبرة، فالكين.

التفتَ هو باتجاهي ثم جلس على الأرض يسنُد ظهره على الجذع، ساقيه مُرتفعة لِمُستوى صدره و ذراعيه تستريح على مِرفَقيه، يَحمل بيده غصن خشبي نحيل جداً.

ما بِها نبرتي؟ كانت طبيعية جداً. أنا هكذا أتحدث مع مَن يستحق. سأل هو ألاحِظ السُخرية تنقِط مِن الكلمات بِوضوح.

رفعتُ رأسي مُجدداً إليه أعَض على شفتي السُفلية أوقف تَدليك كاحلي لِلحظة قبل أن أفقد كَبتي لِغضبي منذُ ثلاثة أيام
مع مَن يستحق؟

لم يقُل شيئًا لكنه هزَ كتفيه فَحسب لأكمل أنا كلامي وجهي أحمر ليس خجلاً، آوه لا لا و إنما العكس تمامًا
أنتَ طفولي سافِل!

توَسعت عينيه بِدهشة يُلقي بِالغضن قائلاً
أنا؟

نعم أنتَ! لمَ لا تستدعي تلكَ الأجنحة و تُحلِق بِنا إلى المملكة؟ أليسَ هذا أسهل مِن المشي و تعذيبنا كِلانا؟

لا تَضعي اللوم عليّ! أنتِ تعلمين أنني مُصاب و جناحي لم يُشفى بالكامل.

و مع ذلك تصرُفاتك طفولية، لا تهتم إلاّ بِنفسك و راحتك! حتى الطفل الصغير يهتم لأمر غيره، أعتذر ما كانَ يجب عليّ مُقارنتك بالأطفال.

أنا؟ طفل؟

شقلبتُ مُقلتايّ على نبرته الدرامية ليُتابع هو يغلي كَغليان الماء
الكذب هوايتك، الخداع مهنتك و الهروب عادتك و تنعتيني بِالطفولي السافل؟ كيف تَجرؤين؟ أنا أمير أيتها ال.

لم يُكمِل جملته و أغلق فمه يُكَوِر يديه على شكل قبضات حتى تحولت مفاصله لِلبيضاء. أخرجتُ ضحكة ليست مِن القلب بتاتًا لأندفع قائلة
أكمل!

لم يُكمِل لكنه استعمل عينيه لِرَمقي بِنظرات تعكِس ما كان يوَد نعتي به قبل ثواني و هذا أغضبني أكثر. إن كانَ لديه كلام لي فَليبصقه بِوجهي و لا يصمُت. الصمت أكثر ما أكرَهُه في الحياة في مواقف كَهذه.

أمير هاه؟ لا تستخدم تلكَ البطاقة عليّ، فالكين. كِلانا يعلم انكَ لم تكُن تريد أن تكون واحداً في حياتك لهذا لا تتصرف كالمَغرور المُتكبر و تمسَح كونك أميراً بِوجهي.

و أنا لستُ بِكاذبة أو مُخادعة و لا أهرب! صحتُ عليه مُستفزة مِن تلكَ الكلمات المُهينة و الغير صحيحة.

لماذا إذاً كذبتِ عليّ و لم تُخبريني عن الحقيقة؟ ماذا يجعلكِ هذا؟

بدلاً مِن تدليك كاحلي بِحركات رقيقة و حذرة و مِن دون قصد عصرتُه بِشدة لأتألم و أهَسهِس منتفضة ألعن تحت أنفاسي.
رأيتُ فالكين بِطرف عيني على وَشك النهوض لكني أوقفته بِنظرة ليرجع و يجلس كما كان يبدو قلقًا.

أنتَ سمعت كوني نِصفك اللعين مِن فَم والدك لكنكَ تَحكُم عليّ و تُعاملني كالقمامة مِن دون سماع القصة الكاملة. الأن أخبرني أيها الأمير، تقصدتُ بِالضغط على لقبه مستهزئة به لأكمل ماذا يجعلكَ هذا؟

عينيه البنفسجية أصبحت داكِنة جداً تغمق و عندما فتح فمه ردَد مِن بين أسنانه المُطبقة على بعضها
هو ليسَ والدي.

رجعتُ مِن وضعية الأنحناء و تَدليك كاحلي أجلس مُستقيمة الظهر على الجذع
لا يهُم ماذا يكون و لكنكَ فَضّلت سماعه و عدم الإنصات لي أنا. أتفهم غضبك، معكَ كُل الحق و أنا لا ألومك على كلامك و تصرُفاتك معي. بالإضافة، لقد أعطيتكَ ثلاثة أيام مِن التفكير ولكن لِلصبر حدود.

آوه شكراً لكِ على صبرك أنسة هنادسين و تفهمكِ لِصدمتي التي وقعتُ فيها لأنني سمعتُ الحقيقة مِن فَم عدوي بدلاً من أن أسمعها مِن الشخص الذي أح.

مرة آخرى لم يُكمِل جملته و أغلق فمه بسرعة لأقطُب حواجبي بِحيرة بينما هو أبعد نظره و رأسه عني يأخُذ ذات الغصن الذي ألقى بِه قبل قليل مِن جانبه ليلعب به.

عَم صمت بيننا فيه فكرتُ كثيراً و أعدتُ الحديث الذي جرى بيننا مَرتين و ثلاث لأجِد أنني قد أفلتُ قيود غضبي كالبلهاء و أني نعتُ شخص مِن عائلة ملكية عظيمة بأسماء لو كانت كانيلا الواعية لِصفعتني على وجهي بِخيبة آمل.

أخلاقي أفضل مِن ذلك بِكثير و أنا نزلتُ لِمُستوى دنيء معه.

أغمضتُ عيناي سحبتُ هواءً مِن أنفي إلى رئتاي أحبسها لِثواني لكي أهدئ من أعصابي و أرخي عضلاتي المَشدودة ثم زفرتُه مِن فمي أفتح عيناي مِن جديد أرفع بصري للأعلى. رأيتُ السماء خالية مِن الغيوم، و الشمس البعيدة ذاهبة إلى النوم تُلَوِن العالم بالبرتقالي، الوردي و الأحمر.
الليل قادم.

تحركت أذُناي بِسبب أصوات حركة مِن أمامي لأشيح بِنظري أعثُر على فالكين ينهض على ساقيه يُنَظِف ملابسه مِن التراب الذي التصق به.

سوف أذهب لِتجميع الحطب كي نُشعِل نار خفيفة، فالليل سيَكون مُثلج. لن أطيل الغياب. أخبرني هو من دون النظَر لي لِتأخذه ساقيه إلى بين الشجيرات و الأشجار قبل أن يَختفي و يتركني لوحدي في وسط الغابة مع أصوات الطبيعة مِن أوراق تلامِس بعضها فوقي و نسمة الهواء البسيطة.

عادَ إلى كهفه و رفض مُناقشة الموضوع معي، مجدداً.

تنهدتُ بِقسوة أرَكي مرفقايّ على رُكبتايّ أضع رأسي بين يداي، أرى مجموعة نَمل أسود يتحرك معًا حول قطعة مِن طعام ما، يحملونها مِن كل الجهات إلى وِجَهتهِم.

ابتسمت عليها لأفكِر، أنَّ في هذا العالم الفوضوي توجد كائنات تعيش حياتها الطبيعية غير مُدركة لِما يجري مِن حولها.

و لأول مرة في حياتي، أحسُد حشرات صغيرة على حياتها.

عادَ فالكين و معه بعض الحطب الكافي لإشعال نار تدفئنا كِلانا مِن البرد القارس الذي أتى مع الليل و قمره يُنير الغابة يُبعِد الظلام مِن الحلول عليها أو على مناطق منها.

كنتُ قد قلقتُ مِن أنَّ دُخان النار سيَجلب اهتمام كائنات شرسة إلينا أو رُبما الأتلانتيانز إن كانوا لم يستسلموا بالبحث عنا لكن فالكين أخبرني أنَّ الهواء يأتي مِن الشرق لِهذا سيَحمل الدُخان إلى الغرب و يبعثره بِطريقة ستُحَير مَن يبحث عنا أو هذا ما يظنه.

لم أجادله أو أعترض لأني مُتجمدة و أحتاج و لو القليل مِن دفء النيران لكي لا أموت برداً إن لم أمُت جوعًا و عَطشًا.

أشعل هو النار بيننا، مازلتُ أجلس على الجذع و هو مِن الجهة الآخرى عند النار على الأرض مَطوي الساقين أسفله يُحَرِك الغصن النحيل على التراب يتسلى بِه في الهدوء.

هذا ليسَ مُحرجًا ابداً و خصيصًا بعد الشجار الذي لم ينتهي بيني و بينه.

صوت فرقعة النار غَطت على ضجيج صراصير الليل و الرياح و كُل ما في الغابة لكنها بدأت بِتدفأتي جيداً و بسرعة لأشكُر الإله صمتًا على نعمة النار و أنا أفرُك ذراعايّ بِيدايّ أزيد مِن الدفء أكثر.

ألقيتُ نظرة خاطِفة على فالكين لِتتقابل عيناي بِخاصته. خفق قلبي نبضة مُتفاجئة لأشيح بِعيوني على النار قبل أن أسمعه يتأفأف يجذُب انتباهي مرة ثانية.
أنا، أنا أعتذر على تظاهُري بِعدم الأهتمام بكِ طوال اليومين.

ثلاثة أيام. صححتُ له ليُخرِج ضحكة قصيرة مِن مؤخرة حلقه و يومئ يُحدق بالنار مثلي.

نعم، ثلاثة أيام. كُنتُ حقًا مُحبَط من اخفائك لِلحقيقة عني و كانَ تَجاهُلي لكِ طريقة تجعلني أخمُد غضبي عليكِ لأني خفت، خفت مِن إذائك بِكلام جارح، كانيلا.

و أنا أعتذر مِن نعتي لكَ بالسافل، لم أكُن أقصد و كانت لحظة غضب سخيفة.

هزَ هو رأسه بِكِلتا الجهتين لا يوافقني الكلام أو ربما شيء آخَر ثم قال بِنبرة رقيقة لون النار البرتقالي ينعكِس على بشرته الناعِمة تجعلها برونزية جميلة
نعتي بالسافل لم تكُن إهانة فَلقد تصرفتُ معكِ كَواحِد و اسوأ، كانَ يجدُر بي سماعك إلى النهاية و ليسَ ترك مِن كلام كاستيل اللعب بِعقلي و جعلي أعمى بِمَشاعر قد أكون مُخطئ بِحملها.

فالكين أنا---.

أوَد سماع القصة كانيلا. جملته جعلتني أصمُت و أرمش عليه عِدة مرات كالتي تلقت صفعة على وجهها لكني أحنيتُ رأسي أحدق بِيداي فوق حضني و ضوء النار تجعلها كذلك باللون البرتقالي.

و مع ذلك و بعد أشهُر قد حان وقت الحقيقة لِتخرُج مِن فمي أنا و أنتهي من الحمل على كتفاي و قلبي. كُلما قلت أنني سأنتظِر الوقت المُناسب لأخباره، يحدث شيء معنا يمنعني تمامًا من فعل ذلك لكن هذه المرة، وجدتها الأنسَب. لقد أتَت الفرصة لِوحدها و بِقدميها إليّ.

ابتسمتُ لِلحظة مع نفسي أنظُر مجدداً لِلنار بيننا أشعُر بِعينيه عليّ، تنتظِر و مُستعدة لِكل شيء.
و بدأت كما أرادَ و كما تمنيتُ منذُ زمن.

عندما أتيتُ إلى هذا العالم بحثًا عن تاليا كنتُ فقط في العشرون مِن عمري خائفة و قلقة على أعَز أصدقائي لكني ضِعت فيه و ظننت أنني لن أجِد طريق العودة يومًا إلى أن عثر عليّ مايكا و أهتم بي و أثناء ذلك وقعنا بِحُب بعضنا حتى تقابلتُ مع تاليا و بعد الحرب اقترحت عليّ العيش معها في أسليرا. بلعتُ أنا ريقي و لعقتُ شفتاي أجدها جافة مِن توتري، لقد مرت سنين منذُ أن حكيت أو فكرتُ بِالقصة كاملتًا مِن دون ثقوب فيها.

أنا وافقت و أتفقتُ مع مايكا على رؤية و زيارت بعضنا بين حين و آخَر. لنقول أنَّ مايكا كانَ كَرجُل أحلامي و أنا كَفتاة أحلامه، الفِراق بيننا كان صعب لكن حُبنا كانَ أقوى لهذا عيشي بِأسليرا مع تاليا لم يكُن سيء ابداً بَل أحببتُ المملكة و تعلقتُ بها كثيراً.

أذكُر عيشك معنا في القصر. همس فالكين لأومئ أنا ابتسم تتقابل عيناي بِخاصته أرى فيها لمعة خَطفت أنفاسي لكني عدتُ أحدق بالنار البسمة تَختفي.

كُنتَ صغيراً، طفل يُحِب اللعب، ذكي و نبيل و غير مُشاكس. لقد أحببتُ قضاء الوقت مع تاليا و أنتَ معنا لكني لِسببٍ ما كنتُ أقول أنكَ يومًا ما سوف تكبر و تصبح أميراً لا مثيل له، أحسَستُ ذلك بِقلبي و كانَ غريبًا أنني صدقتُ ما فكرتُ به بِشدة جعلني اتسائل مَرات لماذا أفكِر بِشيء كهذا مِن الأساس لِماذا أتعلق بِذلك الأعتقاد.

لقد شعرت، بأنَّ هنالك شيء بِأمرك يَجعلني أفكِر بِأشياء غير منطقة ولكني لم أكترث و تابعتُ حياتي إلى يوم من الأيام طلب مني مايكا القدوم إلى فالينيا و العيش معه ولكني رفضت و أخبرته أنني أوَد البقاء مع تاليا قليلاً بعد على الأقل سنة و هو وافق.

متى كانَ هذا؟ تساءل فالكين عاقد لِحاجبيه السوداوين.

حدث بعد احتفال مولدك الحادي أو الثاني عشر بِشهرين.

اومئ هو مع نفسه لأتابع حكي لِقصتي أصوات نهيق طيور البوم مِن بعيد مُشتتة لكنها بِطريقةٍ ما، مواسية
كنتُ أعيش حياة رائعة لم أحلم بِها، كُل شيء كانَ مثالي إلى أن أتى اليوم الذي أصبحتُ أتصرف بِأختلاف جميع مَن في القصر قد لاحظَ ذلك أو إن أصح التعبير جسدي بدأ يتغير ليسَ لِلجيد و إنما للأسوأ،.

كانت حرارتي ترتفع بِتكرار بِلا سبب و كنتُ أتعب مِن مُجرد حركة بسيطة حتى بدأتُ أخسَر الوزن مع أنَّ غذائي كانَ سليم و صحي و عانيت مِن ألام مجهولة السبب في جسدي و كنتُ عندما أصيب نفسي أو أجرح جلدي كانت جِراحي لا تلتئِم بِشكل طبيعي.

توقفت لِلحظة فيها أعَض على شفتايّ، أمسح على رقبتي بيدي أتذكَر تلكَ الأيام. أتذكَر مُعاناتي و الوجَع الذي مَررتُ به، كل شيء كانَ كالكابوس مَجهول الهوية. لم أكُن نفسي و نفسي لم تعُد تتعرَف عليّ و الأن...

كانيلا؟ سمعتُ اسمي لأرفع رأسي و أرمِش على فالكين. ملامحه تحمل قلق لكني هَززتُ رأسي و أكملتُ أدفع كُل ما أوتيت مِن قوى صوت إلى الخارج
بدأت كذلك بقع حمراء و قاتمة بالظهور على جسدي في مناطق عشوائية مع سُعال مستمر و جفاف في الحلق و المزيد مِن الأعراض الغريبة التي أدَت بي إلى غرفة الطبيب الملكي،.

بعد فَحصي الذي استمر لِأسبوع، اكتشف الطبيب باستعمال سحره، أنَّ بداخل جسدي كُتَل ما لم تكُن موجودة من قبل و بعضًا مِن أعضائي لم تعُد تعمل كما يجب كَكبدي و مَعِدتي، فَمِن البداية لم يكُن هضمي لِلطعام جيد مِما أثر على وزني بِكثيرة.

مرض؟

السؤال لوحده كَفيل بِجعلي اسمع صوت الطبيب و هو يُخبرني عنه. أقشعر بدني بأكمله قبل أن أَمَرِر يدي على صدري أجيبه
سرطان. أخبث نوع أمراض لا علاج مُؤكَد له.

لاحظتُ تَحول يدين فالكين إلى قبضات و بِعضلات فَكه تشُد و ترتخي لكني تجاهلتُ الأمر ثم تابعت
كانَ قد تمكَن مني مِن دون شعوري به إلاّ بعد فوات الأوان. السحر لم يعُد بإمكانه إنقاذ منه ولكن أبطائه فَحسب. أذكُر أنَّ أحداً مِن عائلة أمي ماتَ بالمرض و قلت أن سبب مرضي هو وراثة لكن الطبيب نَفى ذلك و أخبرني أنه أحتمال عيشي بِهذا العالم و تأثير السحر عَليّ بِطريقة سلبية غَيّر الكثير في جسدي،.

تاليا لم تستلِم و أنا طريحة الفراش بَل أرسلت أدلار و جنوده إلى جميع الممالك لكي يُحضروا أفضل الأطباء و مع ذلك لم ينفع أية علاج بِالتخلُص مِن المرض.

ماذا، ماذا عن مايكا؟ سأل فالكين بِفضول لأشعُر بِبرودة على أطراف أصابعي مع أنني دافئة عند النار.

سمع بالأمر مُتأخراً لكنه أتى لكي يبقى معي و طلب نقلي إلى فالينيا مِن أجل أن أكون معه طوال الوقت و بعد نقاش طويل و حاد بينه و بين تاليا، سمحت له بأخذي بِشرط ارسال لها التطورات التي تحدث معي كل يوم.

أخرج فالكين ضحكة صغيرة مِن حلقه أعلم أنه يتخيل نقاشات تاليا لأنضَم له أذكُر ذلك بالفعل. شكلها أثناء غضبها دائمًا يُضحكني، أنكماش وجهها يجعلكَ تشعُر بأنكَ أتفَه ما يوجد على وجه الأرض و عندما تتحدث معك لا إراديًا يأمُركَ جسدك بِالصمت و الأنصات لها.

انها كالوالدة عند توبيخ طفلها لكونه مُشاكس.
والدة...

مرت أشهُر و أنا أصارع المرض، بالكاد يدخُل الطعام أو الماء فمي. ألام حادة كل ثانية تمنعني مِن النوم أو التحرُك مِن سريري، المرض تطور و أنتشر بِكامل جسدي حتى بدأ يظهر على جلدي و يُدَمِر شكلي. عرفَت تاليا بالأمَر فأرسلت أمراً لِفالين بأحضاري إلى كريسيدا.

رفع فالكين حاجبيه بِتعجُب و ضحك بِخفة
أمر مِن تاليا لِفالين؟

شاركته الضحك اومئ له قبل أن تَختفي الضحكة مِن صوتي و وجهي بِبطء قائلة
في ذلك الوقت كنتُ قد استعددتُ لِلموت، لقد شعرتُ به بِكُل جزء في عظامي و تصالحتُ معه لكن تاليا لم تفعل و إنما جعلت مايكا و الجميع يأخذوني إلى الساحرة كريسيدا مِن دون تبرير و لأنَّ الجميع فاقد للأمل، أنصتوا لها و أحضروني إلى الساحرة،.

مع تاليا رافقها ريس، جيانا خادمتها و زوجها أدلار مِن أجل الحماية و كُل مَن تعرفهم في مجموعتنا مِن فالينيا. لكون كريسيدا واحدة من أقوى السَحرة الحاليين في عالمكم، طلبت تاليا منها أن تُشفيني بأية طريقة و إن كانَ المُقابل أعطائها المملكة كُلها فَهي لم تكترث بالثمن أيًا كان،.

كريسيدا تشاجرت معها و أخبرتها أنها غير قادرة على شفائي مِن المرض لكن تاليا عارضتها و طلبت منها أية حَل يستطيع أبقائي على قيد الحياة، كانت صديقتي قد فقدت نفسها و لم ترى أو تسمع مِن أحد أو لأية شيء يقف ضد شفائي المُستحيل.

لكن كريسيدا وجدت الحَل. تمتم فالكين لأتنهد أنا أنظُر له.

لقد وصلتُ إلى الجُزء الذي أكرَهُه أكثر شيء في القصة. الجُزء الذي سبب لي الكوابيس و حوَلني إلى شخص لم تَعُد نفسي القديمة تعرفه أطلاقًا.

نعم، كريسيدا وجدت حلاً لكن بِعواقب وَخيمة. ك-كانت تاليا وقتها ح-حامل بِطفل، تسارعت نبضات قلبي بِشدة و بدأت دموع بالتجمُع في عيناي تصبح رؤياي غير واضحة و ضبابية بالكاد أرى فالكين مِن خلف النار لكني متأكدة أنَّ وجهُه شاحب و تعابيره مَصعوقة.

ما الذي تعنينه بِحامل؟ مِن المُستحيل أن تكون حامل لِكل تلكَ المُد-- لم يتابع كلامه لأنه بِلحظة أدرك شيئًا لم يكُن أحَد يعلم به عدا مَن كانَ معي قبل عشرون سنة حتى العالم لم يكُن يعلم بالأمر.

كانَ جنينها الأول بعد مُحاولة كثيرة مع ريس. اقترحت كريسيدا عليها حَلاً شبه مستحيل لكنه قد يكون الوحيد بِأنقاذي و تاليا وافقت بِسرعة مِن دون تردُد،.

الحَل كانَ التبادُل. بِمعنى آخَر، أخَذ روح و إعطاء روح. تاليا قالت انها سوف تُعطي روحها مُقابل روحي الميتة لكن ريس رفض بِتهديد جعلها تتراجع لكنها لم تتوقف و ترجَت كريسيدا لِتُخبرها الساحرة أنَّ هنالك روح موجودة و غير موجودة معنا مِن الممكن أن تنقذني،.

دموعي انهمرت على وجنتاي أرى أمامي و أسمع مشهد تاليا و هي تصرُخ و تبكي بِحرقة تطلُب المُساعدة مِن كريسيدا قبل أن تقفدني بين يديها.

لا أذكُر الكثير مِن التفاصيل إلاّ وجهها ذلك اليوم. كانَ مُحطم، حزين، خائف و أبشع مِن كل الذي سبق، مليء بالأمل.

أخبرتها كريسيدا عن روح جنينها الذي كانَ عمره أربعة أشهُر فقط بِبطنها و تاليا بعد مُدة مِن التردُد وافقت على ذلك لكن ريس و أنا رفضنا. كِلانا ترجينها بالابتعاد عن ذلك الغباء و التهور حتى وصل الأمر بِريس يجثوا على ركبتيه و يترجاها أمام الجميع بالتراجُع لكنها لم تنصِت لأحد و وافقت.

رأيتُ بِطرف عيني يدين فالكين ترتجِف و سمعته ينشُق مِن أنفه لأعلم انه هو أيضًا يَبكي. مسحتُ أنفي بِكُم قميصي أسمح بالمزيد مِن الدموع الحارة و الكبيرة أن تسقُط مِن عينايّ لِوجنتاي و حُضني، جميعها مليئة بالحُزن الذي كبته بِداخلي لِسنوات طويلة.

قبل بدأ كريسيدا بِعملية التبادُل، كنتُ قد سلَّمتُ نفسي لِلموت. لم أعُد معهم في تلكَ العربة، لم أعُد أسمع أصواتهم أو أرى غير الظلام و هُم بعد فترة قصيرة عرفوا بِموتي،.

فجأة كنتُ في ظلام مُسالم قد عانقني و وضعني في آمان و إذ بي أشعُر بِشيء يؤخَذ مني و يدخُلني كَالنفس لِلصِدر بعد أنقطاع طويل منه. أستيقظت بِألم فظيع على كتفي، أشرتُ على كتفي الأيسَر مكان وجود الوشم كما هو على شكل وردة كبيرة و حولها أشواك، ينقُصها بتلة واحدة ثم أكملت له و عينيه المتوَسعة على وشمي.

و بِأمراض نفسية رافقتني طيلة حياتي مِن بعدها. كل شيء تَغّير بعد عودتي مِن الموت و بعد أكتشافي أنَّ تاليا ضَحت بِجنينها مِن أجلي. مَعروف أنَّ الجنيات مِن الصعب الحَمل و الولادة فَهذا شبه نادر لكن تاليا وضعتني قبل طفلها و زوجها الذي كرهني و حقد عَليّ يلومني لِفقدانه لِطفله قبل أن يراه.

مسح فالكين دموعه المُتساقطة على وجهِه ثم لعق شفتيه الوردية و سألني بِصوت مرتجِف
م-ماذا حدثَ لكِ؟ أ-أعني عن التغيرات؟

فهمتُ قصده.
أنا لم أعُد أنمو أو أكبر شكلاً بالنسبة لِبشرية مثلي.

بعد التبادُل، أصبح بِداخلي روح طفل مِن الجنيات هذا يعني أصبحتُ أمتلك جسده إن كانَ هذا منطقيًا، تقمست ما لديه، لم أعُد أنمو شكلاً أو أتَغّير لكني علقت بِشكلي كَبشرية للأبد، علقت بِعمر العشرين مع أنني في هذا العالم عمري تقريبًا الثاني و الأربعين.

أنتِ تكبرين كَما نكبُر نحنُ تقريبًا. تكبُرين سنة كل خمسة سنين. أضاف هو يفهم مسألة العمر بين العالمين لِأومئ أوافقه كلامه.

لقد كبرت أربعة سنين فقط بالعشرون سنة التي عشتُ فيها هُنا بِجسد بشرية و عُمر جنية مِن دون سحر أو قُدرات و والدك يعرِف بالأمر منذُ فترة و لهذا سَخِرة مني بِوضع كأس الأوكسارا أمامي و بِدفعه نحوي يعلم جيداً أني إن شربت منه، لن يؤثِر عليّ أو قد يؤثر لكن لن يقتلني.

و الوشم؟ ما سببه؟

القيتُ نظرة جانبية على الوشم الذي لطالما كرهتُه، لم أكُن يومًا أحِب النظَر له في المرآة أو أدَع أحَد يراه. فَهو قبيح بالنسبة لي، ألَم دائم و مليء بِذكريات أمنيتي أن أنساها.

الوشم يكون لعنة. هذا عقابي أنا لكوني أخذتُ روحًا لكي أنقِذ نفسي. و اللعنة تنُص على حرمان الشخص مِن شعور يمتلكه كل كائِن و لا يقدر على العيش من دونه، و هو الحُب.

قطب هو حاجبيه معًا بِاستغراب لا يستوعب ما أقصده لأمَرِر أناملي بِشعري المُعقد ألعن مع نفسي عندما علقت أصابعي به. فأول ما سأفعله إن وصلت إلى المملكة بقطعة واحد، هو الاستحمام لِساعات.

كريسيدا لا تتحكَم بالعواقب و إنما اللعنة نفسها هي مَن تتخِذ العقاب و لكونها عرفت بأني أمتلك نِصف آخَر هُنا في هذا العالم مِما يكون شيء نادر، جعلت عقابي هو البحث عنه لكن في وقت مُحَدَد، وضعتُ يدي اليُمنى على كتفي فوق الوشم ليُراقب فالكين الحركة بِصمت.

حركتُ أصابعي بِرِقة على البتلات الأربعة عشر و التي ينقُصها واحدة لكي تكتمل و يفوت الأوان مع أنَّ مُنقذي يجلس أمامي و بيننا موقد نار صغير.

هذه الوردة ذات الأربعة عشر بتلة تكون وقتي. مُهِمتي كانت إيجاد نصفي الآخَر و جعله يقع بِحُبي قبل أن تكتمل الوردة.

و إن لم تجدي نصفك الآخَر، أو إذا وجدتيه و لم ي-يقعه بِحُبك ماذا سيَحدث بالضبط؟ سؤاله كانَ يغرق بالتردُد و الرُعب و مشاعر لم تصلني جيداً موجودة في سؤاله كأنما لديه شَك ما أو أنه يعرف شيئًا يُخفيه عني و يبقيه لِنفسه فقط.

شيء بأمكاني الوصول إليه لكنه بعيد عني بُعد ما بين الأرض و السماء.

لم أفكِر بالمَعنى المَخفي وراء ذلكَ السؤال و ركزتُ أكثر على الإجابة عليه
إن وجدتُ نُصفي الآخَر و لم يقع بِحُبي و أكتملت الوردة فَسوف أفقد القدرة على الشعور بالحُب. لن أستطيع معرفة ما هو أصلاً و سأعيش مِن دونه طوال حياتي و إلى أن أعود لِأيادي الموت مجدداً.

إن كانَ الأمر بِهذه الجدية و الخَطر لماذا أخفيتيه عني بعدما عرفتِ مَن أكون بالنسبة لكِ؟ اندفع هو قائلاً لِترتجِف النار و جسمي معها على نبرته التي ارتفعت قليلاً.

أحنيتُ رأسي أرفُض النظَر له. أشعُر بِعار كبير ثقيل عليّ كما لو أنَّ فيل يجلس فوقي.

لأسباب كثيرة فالكين و منها أنني كنتُ خائفة و لم أرد ابداً أن ألقي بِهذا السَر في وجهك فقط لأني أريد التخلُص مِن اللعنة، أعني في البداية نعم، كانت تلكَ خُطتي ولكن مع الوقت أنا بدأتُ أشعُر بِأشياء لم أكُن أضعها في الحُسبان كُلما كنتُ معك،.

بدأتُ مشاعر تنمو لك بِداخلي دمرت كل خُطَطي و كُل ما عملتُ عليه لِسنين في لحظة. كنتُ أهرب لِهذا السبب بالذات و كنتُ أظُن أنها مشاعر سخيفة مثل الشفقة، الحُزن، و غيرها ظننت أنني أتوَهَم بِها لكي أنقذ نفسي بعدما وجدتُ الأمل بِك ولكني بدأتُ أكترث لكَ أكثر مِن مُجرد صديق.

رمش عليّ هو تعابير وجهه الوسيمة تتفتح واحِدة تلوى الآخرى بِصدمة كأنه لم يتوقع هذا الكلام مني ابداً.

علاقتي بِمايكا حتى بعد عرضه عليّ الزواج عندما كنتُ في مرضي لم تكُن الأفضل. بعد مرضي كُل شيء بيننا تَغّير، هو لم يعُد الرجل الذي أعرفه و أنا فقدتُ الأحساس بِكُل شيء عدا الألم و اليأس. فقدتُ حُبي له مع الوقت و حتى بعد عودتي مِن الموت،.

مررتُ بالكثير مِن كئابة و أمراض غيرها ألقت بي إلى الظلام، لم أعُد أتكلم مع تاليا لأنَّ زوجها هَددني بِطريقة غير مُباشرة إن أقتربتُ منها و أنا أصلاً كنتُ غاضبة منها بِسبب ما فعلته مِن دون موافقتي،.

مررتُ بِمرض فقدان لِلشهية، التوحُد في غرفتي، لم أعُد أعلم ماذا يجري في العالم أو ما هي الحياة و حاولتُ مراراً أنهاء حياتي بِعدة طُرُق و كُلها بائت بالفشل إلى أن أحضر لي فالين إكسانا لكي تُرافقني و تحميني من جنوني.

فينار، قال فالكين لأنظُر بِحيرة قبل أن يُتابع هو يضع بصره على المنطقة بين ساقيه
فينار أخبرتني بِقصتك مع مايكا و معاناتِك مِن الأكتئاب و الإرهاق الجسدي و النفسي. لم تقصد أخباري لكنها أضطرت بعد حادثة وشمك.

أنا سمحتُ لها.

أشاحَ بِتلكَ العيون الجميلة لِوجهي لا يفهم ما قلته لأشرح له بِصوت منخفض كأنني أهمس لِلنار مواجِهة لي و أشاركها أسراري
قبلها بِيومين، كُنتُ مع فينار أدخُل بِنوبة ذُعر بِسبب كابوس كُنتَ أنتَ فيه. لقد أخبرتُ فينار عنه و فجأة طلبتُ منها أن تعطيك و لو طرف الحبل مِن الحقيقة و هي وافقت مِن دون أعتراض لأنَّي أرغمتُ الجميع بِالبقاء صامتين عن الحقيقة منذُ استيقاظي من عملية التبادُل.

اومئ هو بِصَمت و تفهُم فيه أكملتُ القصة ألُف أذرُعي حول نفسي فجأة أشعُر بالبرد مجدداً و النار لم يَعُد لها فائدة.

لهذا علاقتي بِمايكا كانت مُنتهية منذُ الثانية التي استيقظتُ فيها مِن الموت بين ذراعين تاليا و أسفل دموعها مع أنَّ كِلانا حاول أصلاح العلاقة بيننا كما كانت لكن لم تصلح لهذا طلب مايكا على الأقل التظاهُر بأننا معًا لكي يَحميني من ظلامي و أنا مِن ظلامه الذي عانى منه بِسبب حزنه و خوفه مِن مرضي و أصبحنا فقط نُرافق بعضنا ليلاً في السرير و في الصباح نبدو كالغُرباء،.

و عند ظهورك و مَعرفتي بأنكَ نِصفي الآخَر، تَغّير كل شيء و أصبحتَ عالمي كُله، فالكين و نسيت أمر الوشم و لم أعُد أهتم له لم أعُد اريد العمل على الخطة بِجعلكَ تُحبني و لم أخبرك لأني لا أريدك أن تأخُذها مسؤولية و أن تُجبِر نفسك على حُبي لكي تُساعدني لأنه لن يكون حبًا حقيقيًا و لن يُحدِث فرقًا، فاللعنة تحتاج الحُب الحقيقي، لهذا لم أتفوه بِحرف و أبقيتُ السِر عنك طوال الوقت.

أومئ فالكين مرة أخرى ثم نهض على ساقيه و توَجَّه إليّ بِبُطء لكي يجلس بِجانبي كتفه الأيمَن يُلامس كتفي الذي يحمل الوشم و فَخذه يُلامس خاصتي يُرسِل حرارة جسده لي يُعيد الدفء و يُبعِد غطاء البرد عني.

كِلانا الأن نجلس بِجانب بعضنا على جذع شجرة و النار أمامنا عند أقدامنا.

بالنسبة لِموضوع رفقة الروح أو النصف الآخر، بدأ فالكين بعد صمتي الطويل يُمسك بِيدي بِيديه الاثنتين يفتحها يُصبح الكَف للأعلى في الحقيقة أنا أيضًا كنتُ أشُك بِكونك نِصفي و خاصةً في زيارتنا لِلقرية في أريزو لكني لم أعرف كيف اتأكد.

أنا شعرتُ بِذات الشيء لكني كنتُ خائفة كثيراً،.

مِن ماذا خِفتِ؟ استدار بِجسده كُله نحوي كي يواجهني كاملاً ما يزال يحمل يدي لِيأخُذ الثانية و يضمها كذلك ينظُر بِعيناي أرى فيها اللون البنفسجي يبرُق كَما يحدث لِلبرق بين الغيوم.

قفزَ قلبي نبضة و بدأ يُرَفرِف في صدري يريد الطيران و مُغادرته. بلعتُ ريقي ثم نظرتُ لِأيادينا معًا على فخذيه العضلية الدافئة أكثر مِن مئة نار قبل أن أعيد التحديق بِتلكَ العيون الأجمل على الأطلاق و ألفِظ الكلمات المُحرمة.

خفت مِن أن أحبك أكثر مِن حُبي لِمايكا و مِن حُبي لِتاليا و مِن حُبي لِكُل ما يوجد هنا، وضعتُ يدي اليُمنى على صدري، فوق قلبي ثم أكملت أشير على رأسي و مِن أن تغزو كُل ما في هُنا مِن أفكاري و تُصبح ملكها.

و ماذا عن الآن؟ هل ما زال الخوف موجوداً؟

لم أجبه فوراً بَل أخذتُ وقتي بالتحديق به. بِوجهه المثالي الخالي مِن الشوائب حتى و هو متسخ بِبقاية التُراب و الغبار. أنفه المستقيم الصغير، عينيه كَعيون الثعلب، عظام وجنته البارزة و فَكُه الحاد، حواجبه الكثيفة المُرتبة و شفتيه المُمتلئة الكرزية أجمَل مِن شفاه مئة فتاة لكن و مع كُل هذا وجهُه رجولي و جذاب حتى أذُنيه المُدببة فريدة.

رسمتُ بسمة عريضة على شفتاي ثم أخذتُ يدايّ مِن خاصته لأمسك بِوجهِه بِلُطف قبل أن أخبره بِما يوجد على طرف لساني منذُ زمن
لا، لأنكَ لستُ مُجرد ملك و حاكِم لِقلبي و عقلي و إنما مِن دون أن تُدرِك، أنتَ بنيتَ مملكة عظيمة بِداخلي، أنتَ أميرها، ملكاه و صاحبها للأبد.

ظهرت بسمة كبيرة تُماثل خاصتي على شفتيه. عينيه لا تُغادرني و هي تحدق بِروحي، أشعُر نفسي عارية أمامه لكني لم أخَجل و أهرب كَما كنتُ دائمًا أفعل بل بقيتُ في مطرحي أنظُر له بِكُل ما أمتلكه مِن مشاعر خاصة به و له فقط.

فالكين، أنا أح لم تكتمل الكُلمة التي خشيتُ التفوه بِها له و إذ به يضع شفتيه على شفاهي يَرُد على قصتي، كلماتي المَخفية و مشاعري بِها.

هذه القُبلة مُختلفة عن كُل القُبلات القليلة التي تشاركناها مِن قبل. هذه ليست قُبلة شهوة أو رغبة و إنما وَعد أبدي مِن تفهُم، حُب و لَهفة جعلتني أذوب كَما يذوب الثلج في أول أيام الربيع.

و أتفتح كما تتفتح الأزهار تحت نور الشمس. و أعيش كأنما الحياة عادت لي مجدداً أستيقظ مِن الموت مرة آخرى لكن هذه المرة حقيقة أكثر بِكثير.

شفتيه تحركت على شفاي بِقُبلة عميقة، دافئة تَملأني بالحرارة مِن قدماي حتى رأسي، صدره يلامِس صدري و ساقاي بين ساقيه.

ابتعد فالكين عني بِبُطء ينظُر لي لا تزال البسمة على وجهِه تصرُخ بِسعادة أو ربما أنا التي تصرخ بِسعادة مِن دون أدراك ثم أخبرني
لو تعلمين الحقيقة الحقيقة انسة هاندسين، لما كُنا في فالينيا أصلاً.

فتحتُ فمي لكي أطلُب شرحًا مُبسطًا لِمعنى الجُملة لكنه تهجَم بِشفتيه على شفاهي يجعلني أصمت مجدداً.

أخبرني فالكين أنه مِن أشهُر عندما كُنا نحتفل بِيوم سيهينا الذي فيه الجنيات تقع تحت تأثير سحر يجعلهم يرغبون بأشخاص لطالما رغبوا بهم سراً و أنهم بعد الأحتفال ينسون تمامًا ما حدث معهم، و بعد قُبلتنا الأولى فيه و حتى بعد يوم الأحتفال شعَر بِألم غريب في صدره لم يكُن يعرف سببه ابداً.

كانَ ذلك في اليوم الذي كُنتُ نادمة على تركه يُقبلني مع أنني كنتُ مع مايكا كَخطيبته أمام العالم كُله. بِسبب ندمي، أحَس هو بِشعور لم يفهمه في قلبه ليتضح أنه أنا.

لأني كُنتُ نادمة و حزينة على استسلامي لِمشاعري عندما كُنتُ معه و لأني أخذتُ فرصة التقرُب منه مع أني كنتُ أحاول الأبتعاد عنه، أوصلتُ مشاعري إليه عن طريق صِلة غير مرئية بيننا لأننا ننتمي لِلأخر.

فَنحنُ كِلانا نُكمِل بعضنا.

و عرفت أسباب شعوري بِألَم و كوابيس فالكين التي ترافقه كل ليلة. الصِلة التي تربُطنا كَأرواح بِبعضنا هي ما تجعلنا نشعُر بالأخَر مِن دون أدراك.

كما لو أنَّ هنالك خيط يَربُط أجسادنا، أرواحنا و مشاعرنا بِبعضها ليَعلم الأول بِأحاسيس الثاني.

القصص الذي أخبرني عنها فالكين قبل عندما كُنا نستلقي أسفل السماء و النجوم، موقد النار مطفئ نستمِع لِأصوات الطبيعة مِن حولنا، جعلتني أضحك، أبكي و أحَلِق سعادة بأنٍ واحد.

لكن في كل ثانية عندما أفتح فمي لكي ألفظ بِكلمتين يفتح فالكين قصة أخرى إلى أن كبتُ الكلمتين و غَطيتُ في نوم عميق أنسى فيه ألم ساقي و كُل شيء فقط أشعُر بِنفسي و بِه بين يديه على الأرض الباردة.

و في اليوم التالي أكملنا رحلتنا التي بِلا هدف مُحَدد في الغابة ذراع فالكين اليُسرى حول خصري يَدعني اتكئ عليه لكي أخَفِف ضغط على ساقي المتورمة.

لقد ظهرت بقعة بنفسجية مَمزوجة بالأخضر في وسط و مِن حول ركبتي (لكونها مكشوفة، رأيناها) ليتضح أنها ليست مرضوضة و إنما مَكسورة و بدأت تتورم لأنها لم تتعالج و ليست في بيئة تهيئها لِلشفاء.

البرد القارس ليلاً و المشي عليها صباحًا جعلها في اسوأ حالتها مع أنَّ فالكين حملني لِفترة يقطع بي مسافات طويلة لكن حتى لو كانَ مليء بالعضلات المَفتولة و لديه قوة الجنيات فَهو أيضًا سيَتعب مِن حمل شخص وزنه خمسة خمسون كيلو غرام لِساعات.

و نحنُ في الصباح الباكِر نمشي بِحذر بين الأشجار في الغابة سمعنا فجأة أصوات قادمة مِن جهة الشَرق. تجمد كِلانا معًا في نفس اللحظة لنتبادل النظرات المتعجبة قبل أن ننظُر لِلأتجاه الذي أتَت منه الأصوات.

هل سمعتَ هذا؟ أنا سألت فالكين ليومئ هو أذُنيه المُدببة تتحرك بِخِفة على الأصوات التي ظهرت و أختفت بِسرعة.

ربما تكون حيوانات فقط. قال هو لأهُز من رأسي لا أظن ذلك.

الأصوات بدت، ضحكات و لا أعتقد أنَّ الحيوانات تضحك.

ظللنا ننظُر بِذات الاتجاه ننتظِر مِن الأصوات بالظهور مُجدداً لعلها تكون و أخيراً آملاً جديداً على أننا لن نعلق في هذه الغابة التي أحسها متاهة مهما مشينا فيها لن نَجِد المَخرج.
لكن لم تظهر الأصوات.

تأفأف فالكين يُمسِك خصري جيداً يُعَدِل مِن سترته التي تُغطيني قبل أن يتابع سيره يأخذني معه.

فالكين أنتظِر! قلتُ له أدير رأسي لِلوراء على أمل من سماعها من جديد لكنه لم ينصت و أخذني معه نبتعد عن الجهة التي صدرت منها الضحكات.

قد تكون مُخيلتنا فالعقول لعينة، تلعب بِرأس الشخص و تجعله يرى أو يسمع أشياء غير موجودة أحيانًا في لحظات يأس.

لكن.

ظهرت أصوات الضحكات مرة آخرى تقطع الكلمة لِنتوقف كِلانا ننظُر لِبضعنا. فتحتُ فمي لكي اسخَر مِن كلامه قبل ثواني و إذ بِصوت كَسر لِغُصن ما جعل كلانا نتجمد و ننظُر لِأمامنا بِسرعة.

انتظرنا نُحَرِك أعيُننا بين الأشجار البعيدة ليُمسكني فالكين و يجعلني أقف خلف ظهره قائلاً
أبقي ورائي.

تظُن أنه حيوان ما؟

لم يُجبني بَل وقف منحني الظهر قليلاً يَفرُد ساقيه بعيدة عن بعضها باستعداد لِلهجوم على الكائن الذي قد يتهجم علينا بأية ثانية.

آوه، فجأة سمعتُ صوت أنثوي متفاجئ، لأبتعد مِن خلف ظهر فالكين و أنظُر جيداً لِلذي يقف مواجِهًا لنا.

لم أرى حيوان متوحش و جائع ولكن رأيتُ امرأة تبدو في الأربعين مِن عمرها مع أنني متأكدة أنها أكبر مِن ذلك بِمئات المرات.

لديها بشرة سمراء داكنة، عينين بنية فاتِحة جداً، شعر أسود حريري طويل مُنسدل على كتفيها بأمواج صغيرة و حول رأسها تاج مِن الزهور أرجوانية اللون و أذُنيها طويلة مُدببة، بِعكس أذُنين فالكين. عليها أقراط ذهبية موصولة مِن بداية أذُنها إلى نهايتها.

لكن ما جعلني أشهَق بِخِفة و أنا أحدق بِها هي رسومات ذهبية غريبة على ذقنها، مِن أسفل عينيها الجميلة بِخطوط طويلة تَصِل لِأعلى عظام وجهها و لديها المزيد على جسر أنفها تمتد ما بين حاجبيها و إلى أعلى جبينها على شكل جذور.

انها ترتدي فستان أخضر طويل بِلا أكمام و بسيط و تحمل حول ذراعها اليُسرى سلة مصنوعة مِن القَش و فيها بعض الزهور المُلونة.

و هل هذه المرأة وَحي مِن الخيال كما ذكرت مِن قبل؟ سألتُ فالكين بِهمس مِن دون تلقي رد منه لكن المرأة التي تبعُد عنا بضع أمتار ابتسمت فجأة كأنها سمعت كلامي، اللعنة على حاسة سمعهم القوية!

أنا بكُل تأكيد لستُ مِن وَحي الخيال إلا إذا كنتم قد شَممتُم أو تناولتُم نباتات الكانديس فَتلكَ قصة أخرى. قالت المرأة بِصوت ناعِم سَلِس كَصوت لمسة الحرير لكنه عميق و قوي بِذات الوقت.

تبادلتُ أنا و فالكين النظرات قبل أن اسألها بِفضول
ما هي، نباتات الكانديس؟

أدخلت يدها في سلتها تبحث عن شيء ما ثم أخرجتها مُجدداً تحمل بين أصبعها السبابة و الإبهام ورقة خضراء في وسطها عروق حمراء، تبدو مُخيفة. فتحت المرأة الجميلة فَمها المَطلي باللون الأسود لكي رُبما تشرح عنها لكن فالكين مَن سبقها قائلاً.

أوراق أو نباتات الكانديس لها رائحة قوية إن استنشقتها لِفترة طويلة أو أكلتها بما أنها تمتلك طعم لذيذ، فَسوف تبدأينَ بالهلوسة و رؤية أو سماع أشياء غير موجودة و مِن وَحي عقلك و لا تنمو إلاّ في المناطِق الباردة.

رفعت المرأة حاجبيها مِن لون شعرها للأعلى تُعيد وضع الورقة إلى السلة.
يبدو انكَ خبير بالنباتات و أسرارها.

هزَ هو رأسه ما يزال يقف بِتنبيه و حَذر و وجهُه ثابت مُتحجر
لا، لكني أحِب القراءة.

هَمهَمت هي تُحَرِك عينيها عليّ ثم على فالكين كَما لو أنها تُحاول معرفة شيء عنا أو قرأتنا
أنتما لستُما مِن هُنا كما يبدو مِن ملابسكم و أشكالكم، إذاً ماذا تفعلون في الغابة لوحدكما؟

ماذا تفعلين أنتِ هنا لوحدك؟ سألها فالكين مُضَيّق لِعينيه.

أنا أعيش في هذه الغابة أيها الشاب و أعرف كُل ذرة تُربة على أرضها و أعرف الغريب عند رؤية واحد.

أين تقع هذه الغابة؟ أنا مَن سألتها بِلُطف بِعكس نبرة فالكين المُهددة لتنظُر لي المرأة تبتسم بِرقة.

بشرية، مُثير للاهتمام. أخمن أنكُما في ورطة و أضعتم الطريق؟

أنتِ لم تُجيبي على سؤالها يا امرأة. أخبرها فالكين لِتَضع يدها مِن جديد في سلتها تجعل جسد فالكين يستقيم و يديه تتكوَر على جانبيه يستدعي رُبما نيرانه لكن المرأة لم تُخرِج سيفًا أو سلاحًا مؤذي مِن السلة بل مُجرد جيب مِن الجلد الطبيعي أو، حافِظة مياه لتهُزها هي في الهواء أمامها قائلة.

مِن المكان الذي أتيتُم منه، لا توجد إلا بركة أو أثنتين مِن الماء الغير صافي و مِن أشكالكم كَما ذكرت، أنتُم جائعين و عطشانين فَلِما لا تُرونَ عطشكم أولاً و تتبعوني إلى مكان آمِن و أنا سأجيب على جميع اسئلتكم؟

ولمَ علينا الوثوق بِك و أنتِ لا تُجيبين على أتفه سؤال؟ سَخِرة فالكين يمسك بِمعصمي كأنه يتأكد مِن أنني مازلتُ موجودة معه.

قلبت المرأة شفتها السُفلية بِخيبة ظَن ثم تنهدت تنزل مِن يدها التي تحمل الحافظة
لو كنتُ سأؤذيكم لِفعلتُ ذلك مِن البداية فأنا لديّ وقت ثمين و لا أوَد تضيعه بِالحديث في وسط غابة فيها الكائنات تُراقب و تنتظِر فرصتها فأنا متأكدة من أنكُم لستم مِن هُنا و لا تعرفون ماذا ينتظركم من مخلوقات.

أرادَ فالكين أن يتفوه بِشيء ما لأعصِر أنا ذراعه العُلية أجعله ينظُر لي.
فالكين،.

ماذا! لا يُمكننا الوثوق بها. هَسهَس هو من بين أسنانه لأومئ بِتفهُم و أخبره
أعلم أعلم، لكن دعنا نرى لعلها حقًا توَد المساعدة و رُبما تلكَ الأصوات تعود لِلمكان الذي تعيش فيه هذه المرأة.

نعم، مكان فيه تأخُذ ضحاياها إليه و تُقطعهم إلى أرَب ثم تَشويهم في موقد و تأكلهم بعدها تُزَين منزلها بِعظامهم.

رمشتُ عليه بِسرعة بالبرق أشعُر و كأنه تكلم بِلغة لم أسمعها مِن قبل و فجأة ضحكَت المرأة بِخِفة تَجذُب انتباهنا إليها، تضع يدها خلف فمها قبل أن تَخِف الضحكة و ترفع رأسها
قصة مُخيفة، يبدو انكَ تقرأ روايات رعب أيضًا؟

لم يتفوه أحدنا بِحرف لتُكمل هي تتنهد مجدداً تضع الحافظة في سلتها
أيها الشاب، أنتما حُران باللحاق بي و الوثوق بي وبكُل تأكيد و بإمكانكم المُتابعة في الغابة كَما تشاؤون بينما حبيبتك ساقها مُتورمة و على الأرجح مكسورة و قد تفقدها إن استمرت على هذه الحالة مِن دون علاجها و أنا لن أقف بِوجهيكما ابداً.

التفتَت هي تُعطينا ظهرها ثم مشت تبتعِد عنا و هي تقول
حظًا موفقاً لكما و أتمنى أن تَجِدان الطريق الذي تبحثان عنه.

ثم أختفت مِن خلف الأشجار. استدرت إلى فالكين بِقوة ظننت أن عامودي الفقري سيَنفلق إثر الحركة السريعة أمسك بِه مِن كتفيه.
ماذا ستفعله امرأة لا تمتلك نِصف قوتك؟ ألم تكُن تمسح كونك أمير بِوجهي البارحة؟ فالكين أنها مُحقة ساقي قد حقًا مكسورة و نحنُ مِن دون طعام و ماء منذُ أيام و إن استمرينا على هذه الحالة،.

أوقفتُ نفسي قبل اللفظ بالكلمة و هو مِن نظراتي و عقدي لِحواجبي بِقلق و خوف، فهم تمامًا ما أعنيه.

حرك رأسه نحوَ مكان الذي كانت المرأة متواجدة فيه ثم تنهد هو يُغمِض عينيه لِلحظة قبل أن يومئ بِخِفة، يَحملني بِذراعيه ثم ركض خلفها يصرُخ لها لكي تتوقف.

و أخيراً وجدنا مَن سيُنقذنا، أو هذا ما أتمناه.

الفصل التالي
بعد 07 ساعات و 13 دقيقة.
جميع الفصول
روايات الكاتب