رواية تحت الغطاء الأبيض الجزء الثاني للكاتبة مينار الفصل الثالث والثلاثون

رواية تحت الغطاء الأبيض الجزء الثاني للكاتبة مينار الفصل الثالث والثلاثون

رواية تحت الغطاء الأبيض الجزء الثاني للكاتبة مينار الفصل الثالث والثلاثون

ما الذي تعنيه أفضل لكيلكما و لِلقصر؟ سألتها متعجباً من غرابة قولها لتَبتعِد عن جدار الحمام و تتجه نحوى السرير إلا انها تركت مسافة و هي ترمق إكسانا بِنظرات باردة.
إن لم تؤاخذني سموك يجب عليّ العودة الى غرفتي فالوقت متأخر و عليكَ أن ترتاح. قالت كانيلا مُتفادية الإجابة تُشير لِمرافقتها بالذهاب الى الباب معها.

حاولتُ النهوض و نجحت قليلاً بالجلوس على طرف سريري لكني لم أقدر على الوقوف و منعها مِن المغادرة بعد.
كانيلا أنتظري! صحتُ مِن خلف ظهرها لتَفتح الباب و تنظُر لي على شفتيها نصف ابتسامة لا تصل لعينيها.
عمت مساءً سموك و إن احتجتني مجدداً أرسل بلايز اليّ.
و هكذا عبرت الباب و أغلقته خلفها تتركني مع سؤالي مُعلق في الهواء بيننا.

هنالك ما يُخفيه الجميع عني في هذا القصر و انا لن أصمت للأبد عنه لأنه بدأ يزعجني مع انني سبق و قلت انها ليست من عاداتي التدخُل في مالا يعنيني و لكن هي هذا سهل؟
بالطبع لا.
و هل هذا فضولي بِشكلٍ مُستفز؟
نعم بكل تأكيد.
تنهدتُ انا أستلقي على ظهري و بلايز حلق فوق وجهي مُضَيّق العينين عليّ.
ماذا الأن؟ انا بدأت لا أنظُر له.
تلكَ المرأة بئر أسرار بنفسها فَلا أعتقد انها تحتاج بئرك.

مددتُ يدي بسرعة لكي أمسك به و ربما أعصره حتى الموت لكنه كان أسرع مني ليَطير بعيداً عني يُلقي بِكلمات ساخرة لم أعطيها ذرة انتباه.
و مع ذلك، بلايز محق. تلكَ المرأة حقاً بئر عميق من الأسرار.
و من كُبر عمق، لا تحتاج لِواحد أخَر.

في اليوم التالي غادرتُ غرفتي مُرتدياً ملابس أنيقة من أجل اجتماع اليوم الثاني قبل رحيل المجلس الى أسليرا، متجهاً الى مكتب فالين بعدما تلقيتُ خبراً دعوته لي من أحَد خدمه الشخصيين.

وصلتُ بابه و طرقته مرتين منتظراً الرد و بعد ثانية سمعته يسمح لي بالدخول لأفتح الباب و أدخل معي بلايز.
لقد طلبتني. انا قلت أغلق الباب ورائي.
فالين جالس خلف مكتبه بيديه أوراق يقرأها، رفع رأسه كي يُعطيني بسمة صغيرة و يُشير بيده التي بها ورقة على الكرسي بالقُرب من المكتب.
أعتذر لمُناداتك باكراً لكن أردتُ التكلم معك قبل الاجتماع. أخبرني لا يضع الأوراق من يديه.

جلستُ على أحد الكرسيين بينما بلايز جلس على مسند الكرسي مقابلي يحدق بِطبق بسكويت الشاي فوق المنضدة الصغيرة بيننا.
لا بأس، على ما أظن أنَ الموضوع. قلتُ لِلملك المشغول ليضع الأن الأوراق أمامه و يتقدم بِجسده على مكتبه يديه مُتشابكة فوق الأوراق.
نعم، الموضوع يتعلق بِالمجلس و نيتهم السافلة.
لدي فكرة عما تقصده.
اومئ هو يعود بِظهره على كرسيه.
ويليو صحيح؟

لقد أخبرني البارحة بعدما سمعتُ أثنان من المجلس يتهامسان عن خططهم ضد شادونايت.
همهم فالين يلعن المجلس عدا ويليو.
هذا ما كان ينقُصنا، لكن سأخبرك من الأن أن لا تتدخل فالكين و تُبقي الأمر سراً الى حين وقت كشفهم.
لاحظتُ أنَ بلايز ما يزال يحدق بالبسكويت ذاته لأخُذ انا واحدة أقسمها الى قطع صغيرة و أضعها أمامه. أشاح هو بعينيه عليّ متفاجئ لكنه أخَذ قطعة بعدما سمحتُ له و بدأ يأكلها كالمتوحش.

ربما كانَ يجب علينا تناول الفطور قبل مجيئنا.
أعلم فالين. ويليو أخبرني بِنفس الشيء لكن ما يجعلني محتار، هو إن ما سيزعجون خُططنا نحن أثناء تواجدنا في مملكة شادونايت.
لستُ متأكد، لكنه مِن المحتمل أن يزعجونا كما تَصِف الأمر و مع ذلك لنتوخى الحذر و نعمل كما لو اننا لا نعرف بِشأن خُطط المجلس.
تقدمتُ انا على المكتب أضَع ذراعاً عليها لأقول معقد حواجبي بِخفة.

ماذا لو تأثرنا و كَشفوا مَن في قصر الظلام بِعمل المجلس ظنناً انه عملنا؟ فَهُم يثقون بنا و--
لن تصل الحالة الى الهدف فالكين. انا لن أسمح لهم بِتخطي الحدود لِهذه الدرجة سوف أتحدث مع المجلس اليوم و أعطيهم خطوط حمراء كي لا يتخطوها لاحقاً.
عدتُ مرتخياً على الكرسي الخاص بي اومئ لِفالين بالتفهم و الوثوق به فَهو أدرى و على ما يبدو انه لم ينام الليلة و هو يُفَكِر و يفكر مثلي و ربما أكثر حتى.

أثار الإرهاق واضحة على وجهه، تسرق النور منه و تُعطيه هالات سوداء أسفل عينيه.
هل تناولتَ الفطور؟ سألني هو يُغَيّر الموضوع لأهُز بِرأسي اُنفي ذلك.
و انا لم أتناوله، إن كانَ لديكَ خُطط أخرى لتناوله في مكان أخَر فَسألغي الطعام الزائد القادم الى هنا بعد قليل.
رفعتُ انا حاجباً للأعلى
هل طلبت مِن خدمك أحضار فطور زائد من أجلي؟
ضحك هو يَحُك لحيته الخفيفة مُجيباً.

أعني كنتُ سأدعو إحدى الجميلات لتناوله معي لكن بِما انكَ لم تتناوله فَلما لا تشاركني إياه.
هززتُ رأسي بِكلتا الجهتين لا أصدق هذا الرجل لكني قلتُ له مبتسماً
لا مشكلة على الأطلاق جلالة الملك.
شقلت هو مُقلتيه على نبرتي المُستهزئة ثم فتح دُرج في أسفل مكتبه و أخرج ظرف أزرق اللون بعدها ألقاه نحوي. نظرتُ لِلظرف قليلاً أرى عليه خَتم أعرفه جيداً.

انه خَتم شمعي ايضاً لونه أزرق لكنه غامق أكثر من الظرف و الختم شكله، كأمواج بحر، منها تقفِز دلافين في الهواء.
خَتم مملكة البحار.
ما هذا؟ انا سألت فالين بِنفس اللحظة وَقف بلايز بالقُرب من الظرف بيديه قطعة بسكويت يتناولها على راحته.
ظرف ماذا يكون بِرأيك؟ أجاب بلايز كأنه أكثر شيء واضح في العالم.
دفعته بِطرف أصبعي حتى يقع على مؤخرته.

انها مِن سيون، أفتحها و أنظُر بِداخلها. رد فالين على فضولي لأمسك بِالظرف و أفتحه بِحذر أخرِج منه رسالة بيضاء مُزينة بِرسومات زرقاء اللون شكلها كالأمواج و حيوانات البحر مثل، نجم البحر، الأسماك و أعشاب البحر.
أتمنى انها ليست رسالة عن تواجُد جُثَث جديدة في المملكة. تَمتمتُ مع نفسي ليُخرِج فالين صوت شَخير من حلقه كالضحكة.

لا تقلق، لم يحدث هذا بعد، كما انني لا أعتقد انه سوف يُرسل ظرف جميل مثله يتحدث فيه عن جُثث.
بدأتُ اقرأ الرسالة لا أنتظِر المزيد من التساؤل و مِن حُسن حظي انها حقاً ليست رسالة تحذير عن جُثث أو مشكلة بِشكل عام بَل انها دعوة لِحفل زفاف أبنت عم سيون الوسطة.
أعدتُ الرسالة لِداخل الظرف ثم نظرتُ على الملك المبتسم مع نفسه عينيه المختلفة بالألوان تتلألئ كالنجوم.
لقد ظننت انني لن أكون مدعواً لِلحفل.

آوه هيا فالكين، ألا تعرف سيون و عاداته اللطيفة و المحترمة؟ مع انه بارد و يُحِب أن يجعل الجميع يعتقد انه متحجر المشاعر إلا انه لطيف و لديه مبادئ.
مَن تلقى الدعوة هنا غيري؟
أشار بأصبعه السبابة على نفسه ثم أجاب
و الجميع حتى إن أردت بأمكانك أخذ مَن تشاء معك.
وضعتُ الظرف على المكتب بعدها تقابلت عيناي بِعيون مُرافقي القزم الذي ينظُر لي بِحماس ينتظِر مني كلاماً أعرفه جيداً.

لا تتوقع مني أخذك، فقد تأكُل كل الطعام هناك لأني سمعت أنَ طعام مملكة البحار لذيذ لِلغاية.
تحولَت تعابير وجهِه المتحمسة و الطفولية الى مخيفة و مُغتاظة.
انتَ ظالم. هَمس لي لأضحك انا و فالين عليه و جزء كبير مني يقول انه لو لم يكُن فالين موجوداً معنا لكان قال كلاماً قاسياً و قليل الاحترام مثل:
انتَ حقير. أو، انتَ سافل و كل ما يُشابه.

بعد ضحكنا و سُخريتنا منه أتى الفطور، تناولناه مع فتح بعض الأحاديث عن العمل القريب في شادونايت و غيره ثم ذهبنا كلانا الى الاجتماع الثاني فيه و الحمدلله أخبرهم فالين عن ما تناقشناه في مكتبه و هم لم يُعارضوا أو يتفوهوا بِكلام غير الموافقة.
انا و كانيلا و حتى ويليو و أدلار لم نُصدق انهم متفهمون لكننا تظاهرنا بالجهل و مَضينا كامل الاجتماع على خير، أو هذا ما اعتقدناه.

حل المساء مجدداً و تناولنا العشاء معاً على نفس الطاولة مع وجود فقط عضوين مِن المجلس و هُما كين ذو الشعر الأحمر الذي أحِب أن اسميه الثعلب الماكِر و السيد ويليو.
بالنسبة لِلباقي لم ينضموا الينا لأنهم فَضّلوا قضاء الوقت يعملون قبل مغادرتهم فالينيا ليَعودوا الى مملكتهم و يُخبروا ريس بِكل شيء.
فَهُم سوف يُغادرون غداً صباحاً.

فور انتهائنا مِن العشاء، ذهبتُ انا و أدلار و ويليو الى الساحة الرئيسية لِلقصر لنَمشي فيها قليلاً بِما انها واسعة و كبيرة نتحدث عن ما سيَحدث و ما يجب قوله لِريس و تاليا عند التقائهم و أتضح مع سياق الحديث انهما ايضاً مدعوان الى حفل زفاف ابنت عم الملك سيون.
لقد سمع سيون بِوجود الجنرال و السيد ويليو هنا في فالينيا لهذا أرسل الدعوات مع الباقي لهم.

هل تعتقد أنَ ريس و تاليا سيأتيان؟ انا سألتُ أدلار أمشي بينه و بين ويليو، بلايز في مكانٍ ما بين الزهور على أطراف الساحة يُطارد فراشات و صراصير الليل.
هَمهَم أدلار لِلحظة قبل أن يرُد
لستُ أدري، فَحالة تاليا الصحية لا تسمح لكني متأكد انها سَتُحاول أقناع ريس بالذهاب.

إن وصلتنا الدعوات هذا يعني انها وصلتهم البارحة بِما أنَ مملكة البحار أقرب الى اسليرا مِن فالينيا، لهذا انا أتخيل جلالتها مِن الأن تحاول أقناعه. شاركنا ويليو رأيه لِنضحك بِخفة على كلامه.

لن يرفُض طلباً لها، صدقوني لم أرى ريس يوماً يقول لا لِتاليا إلا إذا كانَ طلبها خطير و هذا نادر. قلتُ لهما أضع يداي في جيوب بنطالي أشاهِد بِطرف عيني خادمات يُعطون الشاي الساخِن لِلحُراس و هُم يقفون في كل زاوية لِلحراسة.
بالمُناسبة، انا وَجّهتُ كلامي لِصديقي الأخضر كيف حال زوجتك جيانا؟
فجأة أحمرت وجنتيه على ذكرها لأبتسم مع نفسي قبل أن يُجيبني.

انها بخير و سعيدة بِعملها دائماً و خصيصاً بِمُرافقتها لِتاليا و إعانتها لها.
لن يكون هنالك خبر أسعَد عن وجود أدلار صغير قريباً؟
حرك عينيه السوداء اليّ لتَحمر وجنتيه أكثر و أكثر ثم أبعدهم ينظُر لأمامه. ويليو مِن جانبي حاول كَبت ضحكاته بِوضع يده على فمه كأنه يسعُل.

ما زال باكراً لِلأطفال سموك فَهي لديها عمل و انا بالكاد أراها أو أقضي معها ليلة. قال أدلار يَحُك رأسه من الخلف أشعُر بِتوتره يطوف مِن حوله.
ربتُ على كتفه و أخبرته
فهمتُك عزيزي أدلار ولكن أعلَم أنَ الطفل له بهجة لهذا لا تؤجلوا كثيراً.
رفع هو حاجباً كثيفاً عليّ ثم فتح فمه و انا علمت بالذي سوف يتفوه به لأندم على فتح فمي من الأساس.

ماذا عنكَ ايها الأمير الذي لا يريد أن يكون أميراً؟ ألا توجد امرأة في حياتك، تسرق قلبك و عقلك؟
عضتُ على شفتي السُفلية من الداخل أفكِر بطريقة لِلتخلص من سؤاله هذا لأجِد نفسي أفكر بِكانيلا.
لعنتُ نفسي مليون مرة بِصمت.
و غير ذلك، كأنما الحياة تُحِب صفعي رأيتُ كانيلا تغادر القصر مع مرافقتها و خادمتها التي نسيتُ اسمها مُتجهة الى الحديقة الجانبية لأقف انا عن المشي أجعل مَن معي يفعلون المثل.

أممممم لديّ ما أفعله، انتما أكملا إذا أردتما و انا سوف أراكم غداً صباحاً قبل مغادرتكم الى أسليرا.
هل تحاول التهرب مِن سؤالي سموك؟ سألني أدلار بِإغاظة لأشقلب مُقلتاي عليه.
لا، و لا امرأة حالياً.
و بذلك أخذتُ خطواتي و ذهبتُ بِنفس الاتجاه الذي رأيتها تأخُذه و مِن خلفي سمعتُ كلاهُما يتحدثان عن كوني فاشِلاً بالكذب أو شيء من هذا القبيل.

لم أخبر بلايز أن يلحق بي و تركته يلعب مع الحشرات فَوجوده غير مهم الأن لهذا أكملتُ طريقي مُسرعاً خلف البشرية و خادمتها.
أبقيتُ مسافة بعيدة بيني و بينهم أخَفِف من خطواتي الى أن أصبحتُ أمشي خلفهما يداي في جيوبي مجدداً، أشاهد شَعر كانيلا المُمَوج يهتز بِخفة كُلما أخذت خطوة وراء الأخرى.
ضوء القمر في أعالي السماء ينعكس عليه يجعله كحلي داكِن بدل الأسود.

لستُ أدري دافني، قد يرفض مايكا و لا يسمح بِذهابي. قالت كانيلا لِخادمتها بِنبرة حزينة لأميل رأسي على جنب مُتساءل عن ما تتكلم عنه.
جربي و اسأليه سيدتي لعله يوافق فأنتِ لم تزوريها من قبل و غير ذلك، ما الذي سيَحدث إن ذهبتِ؟ سألتَها الخادمة.
لم تُجبها كانيلا على الفور بل أخذت وقتها بالتنزه و فستانها الذهبي يلامِس العشب الأخضر، عليه أحجار عسلية اللون تُذَكِرني بِعينيها، تبرق مع كل حركة تتخذها.

سوف أجرب و انتِ تَمني لي الحَظ الجيد. تَمتمت كانيلا بِأمل.
لماذا سيرفض لكِ طلباً؟ انا سألت بِصوت عالي ليَسمعوني ثلاثتهم و يتوقفوا يستديروا الى الوراء.
شهقت الخادمة بِقوة لرؤيتي و كانيلا توَسعت عينيها لكنها عادت طبيعية بِسرعة كما كانت بعدما أدركَت انه انا و ليس شخص غريب قد سمعهم.
إكسانا بحثت بِعينيها عن بلايز لكنها لم تجده لِتأخُذ إذن من سيدتها و تطير تُكمل بحثها عن القزم.

أعتذر لِإخافتكم. انا قلتُ لهما لتنحني الخادمة احتراماً لي.
لا بأس سموك، انا فقط ظننت انكَ زوجي. وقفت الخادمة تلعب بِأصابعها متوترة لأرفع حواجبي متعجب أنسى تماماً انها متزوجة من أحد عُمال القصر.
أخمِن انه حذركِ مِن مغادرة غرفتك في هذا الوقت المتأخر؟
عَضت على شفتها السُفلية و عينيها على الأرض لكنها اومأت لي مرةً واحدة.
أرجوك لا تخبره إن سألك عن مكاني فأنا أردتُ--.

انا طلبتُ منها مُرافقتي، سموك. تدخلت كانيلا قائلة ليُصبح تركيزي عليها.
لا شأن لي بِهما لكن أوَد التحدث مع سيدتك قليلاً دافني، فَهل لكِ أن تدعينها لوحدنا؟
تبحلقت عينيها تنظُر لي ثم لِسيدتها لتدرك انني طلبتُ منها المغادرة لهذا اومأت بِسرعة و تَمنت لنا مساءً جميلاً قبل أن تذهب و تتركنا.
منذُ متى و أنتَ في الحديقة؟ سألتني كانيلا لأذهب اليها و أقف مواجِهاً لها.

كنتُ مع أدلار و السيد ويليو في الساحة ثم رأيتكِ مع خادمتك و لحقتُ بكما.
أشارت لي بِيدها كي نُكمل مشياً معها لأومئ موافق على الاقتراح.
سمعتُ انهم سوف يعودون غداً. بدأت كانيلا.
هذا صحيح. عن ماذا كنتِ تتحدثين مع خادمتك؟
لقد تلقينا دعوة اليوم مِن الملك سيون لِحفل الزفاف، هل تلقيتَ واحدة؟
نعم.
رأيتُها بِطرف عيني تُبعِد خُصلة من شعرها لِخلف أذُنها اليُمنى قبل أن تتابع.

انا لم أزور مملكة البحار ابداً و لطالما أردت و بِما أنَ الفرصة سنحت لي، أفكِر بالذهاب.
لكن، انا أكملتُ عنها بِفضول لتُحرك رأسها لجنبها كي تنظُر لي.
لكن، أخاف رفض مايكا لِلأمر.
أعادت تركيزها على الطريق أمامنا نعبر مِن جانب النافورة والشجرة الوردية الكبيرة أما انا عقدتُ حواجبي مُستغرب من الذي سمعته.
لماذا سيرفض؟ الجميع تلقى نفس الدعوة و الجميع سيذهب كما انه سيرافق فالين، فَلما سيرفض حضورك؟

تنهدت هي كما لو انها تحمل عبئاً ما ثم أجابت بِصراحة تَغمُر كلماتها
رجاءً لا تفكِر بأنه أناني أو يتصرف بِسوء، هو فقط يريد حمايتي و مغادرتي لِفالينيا خَطر عليّ.
توقفتُ انا مُمسِكاً بِذراعها مِن الأعلى أوقفها معي و أجعلها تواجهني.
لماذا خطر عليكِ؟ سوف يرافقونا مجموعة حَرس لم تري مثلهم مِن قبل بالإضافة لِحراسك الشخصي و غير ذلك مملكة سيون من أكثر الممالك أمان في العالم فأين يَكمُن الخطر؟

رمشت بِجفونها عِدة مرات و هي تحدق بي مِن دون رد، ألاحظ شفتيها تنفتِح قليلاً ثم تنغلق، مُترددة بِردها.
ما الذي تُخفيه كانيلا؟، لا يزال كونكِ مخطوبة من ذلك الرجل لِتسعة عشر عاماً يُحيرني جداً و الأن هذا الخطر الغريب.
بلعت ريقها تنظُر لمكانٍ ما إلا انا.
كما أخبرتُك سموك، موضوع خُطبتي منه لهذه المُدة يتعلق بي و به أما بالنسبة لِلخطر، فَهذا أمر مُعقد لستُ مستعدة لأن أتحدث عنه.

تقربتُ منها خطوة أستطيع في المسافة الصغيرة بيننا، شَم رائحة الياسمين منها و الشعور بِحرارة جسدها مِن أسفل فستانها، بعدها وضعتُ أصبعي السبابة أسفل ذقنها لكي أرفعه نحوي.
وجهها الخالي مِن الشوائب كالمرآة يعكِس ضوء القمر في الأعلى، بشرتها المائلة لِلسمراء بدت فاتحة.
أسمعيني، انا لن أرغمكِ ابداً على أخباري ما لا تريدينه لكن اليسَ كلامك غريباً حتى لأذُنيكِ؟

أخذَت هي نفساً عميقاً تُغمض فيه عينيها ثم أبعدت أصبعي عنها بِلُطف من دون ترك يدي، كأنها لا تقدر على فعل ذلك.
انا مُعتادة و صدقني هذا أفضل لِلجميع.
لِلجميع.
عادت نفس الكلمة من جديد.
لماذا يهمُها الجميع؟ مَن هُم أصلاً الجميع؟
حسناً، كما تشائين كانيلا لكن أريدُ منكِ الاستعداد لِحفل الزفاف و ارتداء أفضل ما لديكِ فالحفل بعد أربعة أيام.

أصبحت ملامح وجهها متفاجئة كأنني صفعتها عليه. تركَت يدي ثم أخذت خطوة الى الخلف تهُز رأسها من اليمين لِليسار.
انا لم أخبر مايكا بعد.
زفرتُ الهواء مِن فمي أضع كِلتا يداي على خصري أتكئ على ساق أكثر من الأخرى.
ماذا لو رفض؟ هل سوف تستسلمي و تُلقي بالفرصة الوحيدة لِلذهاب؟
انتَ لا تفهم،
أشرحي لي إذاً!
بقيت تحدق بي بِعينين ثابتة و صارمة ترفُض التفوه بِكلمة.
إذاً انا مَن سيتكلم معه.

تحركتُ عائداً الى القصر أفكِر بالذي سأقوله لِمايكا لكن كانيلا أمسكت بِذراعي تمنعني قائلة
لا تفعل أرجوك! لن يجدي نفعاً فَهو عنيد.
هل سيَرد على أمير و يُعارض كلامه؟
هَزت هي رأسها مرة ثالثة تدع ذراعي
حتى لو أتى الملك فالين و طلب منه ذلك، سيرفض و لن يقبل و هذا حقه فَهو خطيبي و له الحق بِأخذ القرار.

وماذا عنكِ؟ اليسَ لكِ الحق بأخذ قرار بِما انكِ امرأة كبيرة؟ القيتُ بِيداي أشير عليها لكنها انتفضت مِن نبرة صوتي المرتفعة و القاسية.
اللعنة! تمتمتُ أهدئ مِن أعصابي لا أعلم لماذا أغضب كُلما رأيتها هكذا، عاجزة.
مررتُ أصابعي في شعري أبعثره أزفر هواءً من فمي.
أرجوكَ لا تفعل هذا. سمعتُها تقول بِهمس لأنظُر لها و أذهب اليها مُمسِكاً بيديها الدافئة.
انا أعتذر جداً، لم أقصد رفع صوتي عليكِ.

لم أقصد على غضبك، بالعكس انا سعيدة لكونك تقف معي.
إذاً على ماذا؟
أعطتني إحدى بسماتها الرقيقة تجعل من قلبي لا إرادياً يرفرف كأجنحة طائر.
انتَ تعتذر كثيراً و هذا سيء.
أخرجتُ ضحكة صامِتة من حلقي و لستُ أدري لماذا فعلتُ التالي لأني فاجأتها و فاجأتُ نفسي ايضاً.
رفعتُ يديها و قَبّلتُهم أدع من دفئها يملأني. فَلمسها لوحده كافي لِفقداني عقلي لهذا مِن الصعب منع نفسي من فعل ما فعلته.

حاولي ليسَ مِن أجلي أو من أجل اية أحَد لكن من أجلكِ انتِ. قلتُ لها أدع يديها الجميلة و الناعمة، أخذ خطوات بعيداً عنها.
لم تتفوه بِحرف أو تفعل شيئاً بل ظلت واقفة تحدق بي مطولاً الى أن استدرتُ و رحلتُ أتركها لوحدها.
لكن أقسم انني سمعتها من خلفي تهمس بِ
سوف أحاول.
ناديتُ مُرافقي الضئيل و تمنيتُ لإكسانا مساءً هنيئاً قبل أن أدخل القصر و أعود الى غرفتي لكي أنام و بسمة عريضة تُزَين شفتاي.

-كانيلا-
يوم أخر مضى و انا أتردد كل لحظة بالتكلم مع مايكا و سؤاله عن حفل الزفاف في مملكة البحار.
و هو لم يذكُر الأمر ابداً، إما لأنه نسى أو لأنه لا يهتم و في كِلا الحالتين سيَحضُر الحفل لكون فالين سيحضره ايضاً.
و انا؟
حسناً، المحاولة لن تَضُر صحيح؟
تنهدتُ أدع فرشاة شعري على طاولة التسريحة أحدق بِوجهي في المرآة. الهالات السوداء أسفل عيناي اختفت و الأن وجهي يبدو حياً.

قِلة نومي كل ليلة و تَخطي بعض الوجبات يجعلني متعبة و ضعيفة طوال الوقت. ليس كأنني أفعلها عن قصد أو بإرادتي لكن بِسبب...
أشحتُ عيناي على كتفي الأيسر أتخيل وَشمي أسفل فستاني مِن اللون الزهري الفاتح الذي يُغطيه و كامل جسدي عدى رقبتي و يداي.

سيدتي، حان موعد دوائك. ظهرت إكسانا تجعلني أبعد نظَري عن كتفي، تضع هي قارورة الدواء أمامي.
أخذتُها و شربتُ رشفة كما يجب لتُعطيني مرافقتي الغطاء حتى أغلقها و أرجعها لها شاكِرة لِمساعدتها.
هل سوف تذهبين الأن اليه؟ سألتني بعدما نهضتُ و توَجّهتُ نحوى أبواب الشُرفة لكي أغلقها.
فَلا أحِب تركها مفتوحة قبل مغادرتي الغرفة.

مرةً نسيتُ أغلاقها و عندما عدتُ ليلاً، وجدتُ عصافير و سناجب بين فوضى ريش وسادات سريري كأنهم ظنوا أنَ هنالك طعام بداخلها.
نعم، سوف أجرب حَظي. أجبتها التَفِت اليها أجدها تنتظِر بالقُرب من الباب على وجهِها توتر يعكِس توتري.
هيا بنا نذهب. فتحت هي الباب لي لأعبره أكمل طريقي في الردهة الى خارج القصر الملكي متجهة للأسطبل كما أخبروني الخدم عن مكانه.

أخذتُ وقتي من دون استعجال بالمشي في ساحة القصر الكُبرى أسمع صهيل الأحصنة مِن الأسطبل. أرى العامل يُخرِج حصان أبيض اللون بِشعر ذهبي ناعم جداً يلمع.
و خلف الحصان ظهر طفل يحمل دلو ماء و صابون و بيد أخرى فرشاة.
رأني الطفل لطيف الوجه ثم توقف و أنحنى لي قليلاً كالرجال النبلاء بعدها تابع طريقه الى العامل الأكبر منه سنًا.

دخلتُ انا الأسطبل أعثر على مايكا يُمَشِط شعر حصان الملك فالين على طرف شفتيه بسمة رقيقة بالكاد واضحة و نادرة لِلغاية.
هل لدى الملك رحلة ما؟ انا سألت أجذب انتباهه ليُحرك رأسه و ينظُر لي بِوجهه المتحجر لكن لاحظت عينيه توَسعت ذرة كأنه لم يتوقع رؤيتي هنا و هو محق.
لقد فاجأته و فاجأتُ نفسي عندما قررت التكلم معه.
لا لكنه يعمل في مكتبه ويرفض دخول أحدهم. أجاب هو.
لهذا أتيتُ الى هنا لأخذ بعض الراحة.

هذه تكمِلة الجملة التي لم يلفظها لكونه لا يحب التكلم كثيراً إلا إذا أضطر.
تقدمتُ اليه أقِف بِجانبه أرَبِت على رأس الحصان الجميل ليُخرِج صهيله يرفع و يُهبِط من رأسه أفهم انه يطلب مني حَك منطقة لا يمكنه الوصول اليها فوق أنفه.
هل سمعتَ عن زواج أبنت عم الملك سيون بعد يومين؟
فتحتُ الموضوع بِخفة مِن البداية لتتجمد يده الحاملة بالفراشة على رقبة الحصان لِلحظة، ثم عاد يكمل عمله.

بالطبع. أجابني يُمَشِط جسد المخلوق السحري.
و يبدو أنَ الجميع سوف يحضر.
بِما أنَ جلالته ذاهب، الجميع ذاهب معه.
اومأتُ مع انه لم ينظُر لي. بِطرف عيني رأيتُ إكسانا تقف على قمة رأس الحصان، شفتيها مضغوطة بِبعضها تراقب بِصمت.
أشارت لي بِيديها الصغيرة كي أكمِل كلامي مع خاطبي و انا ابتسمتُ لها على تشجيعها أترك حَك الحصان كي أذهب بالقُرب من مايكا.
هل لي بِطلب وحيد منك؟

نظر اليّ لا تَظهَر تعابير وجهه اية مشاعر تُخبرني انه فضولي عن ما سألته أو إن كانَ يُفَكِر بأي شيء.
انني أعرفه منذُ سنين طويلة و الى هذا اليوم هو ما يزال كالكتاب المُغلق، صعب فتحه و قرأته مع انه معي انا، يُحاول قدر الأمكان إظهار مشاعره و التحدث حتى الابتسام.
يتعلق بالزفاف صحيح؟ لدهشتي، سألني، لأومئ له بِنعم و أنتظِر رده.
إلا انه لم يتفوه بِحرف يُتابع عمله.

أخذتُ جزرة مِن دلو طعام بعيد عن الحصان ثم بدأتُ بإطعامه، أشَتِت نفسي بينما أفكِر بِكيفية أخبار هذا الرجل بارد الشخصية.
أوَد حضور الزفاف معكم، مايكا.
سرقتُ نظرة خاطفة باتجاهه لكي أرى ردة فعله لكنه لم يُقابل عيناي و بدى عليه الهدوء التام.
هممممم، غريب.
مايكا؟ ناديتُه ليتنهد بِخفة يضع الفرشاة في دلو فارغ و يواجهني يديه خلف ظهره.
تسألينني كأنكِ لا تعلمين الإجابة.

أعطيتُ الحصان كامِل الجزرة ثم استدرتُ أواجِهُه ايضاً.
أعلم، لكن أتيت لاستقبال إجابة مختلفة هذه المرة.
رفع حواجبه قليلاً كأنني أخبرته بِشيء يُغادر فمي لأول مرة.
تريدين الموافقة؟
اومأتُ له كي يُكمل قائلاً
لكن هذا مستحيل و خاصةً زيارتكِ مملكة بعيدة جداً.
شابكتُ ذراعاي أمام صدري أكبُت الضيق بِداخلي كي أرد عليه بِهدوء يُماثل هدوئه لأنَ محاربة العناد لن يُحَل إلا بالعناد ذاته.

أخبرني شيئاً لا أعرف عنه مايكا. انا لم أزور مملكة البحار يوماً و لطالما تمنيتُ زيارتها و الأن لدي الفرصة فَلا تأخذها مني.
أشاح بِعينيه الخضراء على شيء ما خلفي، الأن تبدو داكِنة كَلون قميصه الزيتي، فَلا توجد أنوار قوية تُضيء عيونه على حقيقتها.
انا لا أحرمكِ إلا مِن الذي سيؤذيكِ و زيارتك لِمكان بعيد مثل مملكة البحار خطر عليكِ.
لكنها مرة واحدة فَحسب! اندفعت ليَضع كَف يده أمامي يوقفني.

لا اريد خوض نقاش كِلانا يعلم كيف سيَنتهي و غير ذلك، هنالك الكثير من الأعداء خارج الممالك.
لكن الملك نفسه ذاهب، ألا تقلق عليه أكثر كَدوماً؟
تحوَلت هُنا ملامحه الباردة الى الحادة بِلمح البصر، عينيه توَسعت غضباً، حواجبه الكثيفة تعقدت تُشَكِل خَط مستقيم بينهما و عضلات فَكِه برزت كما لو انه يَعض على أسنانه مراراً و تكراراً.

لا تتخطي الحَد كانيلا، لا تتخطيه. قال هو بِتحذير يُمسك الفرشاة مجدداً يتجاهلني و يمشط الحصان.
عَم هدوء بيننا في كامل الأستطبل، حتى الأحصنة لم تَعُد تصدر صهيلها كأنها فهمت ما جرى الأن بيني و بين مايكا و فَضّلت البقاء ساكِتة.
تنهدتُ انا مستاءة جداً، أشعر كالطفلة التي يتحكم بِها لكني تذكرت انه ايضاً مُحق. عدم ذهابي أفضل لمصلحتي و ليسَ كأنه يريد أن يحرمني الحضور كما ذَكر.

حسناً. تمتمتُ له بِتفهم ليتنهد هو يُعطيني انتباهه مع بسمة جانبية صغيرة.
وضع يده على كتفي و تقدم نحوي يُقَبّل جبيني.
سوف أراكِ في المساء، لِلزيارة.
اومأتُ بعدما ابتعد عني ثم استدرتُ لكي أغادر و إذ بي أرى الملك فالين يقف لوحده عند المدخل يُلقي بِتفاحة حمراء في الهواء ليلتقطها مجدداً، يُلقيها و يلتقطها و هكذا.

جلالة الملك؟ تساءلتُ بِنبرة مسموعة أجعل مايكا يتوقف عن ما يفعله ليأتي و يقف بِجانبي متفاجئ مثلي مِن رؤية الملك الذي على شفتيه بسمة جانبية.
قد يكون وقاحة مني، لكني سمعتُ حديثكما عن قصد. أتمنى انكم لا تُمانعا أعطاء رأيي عن الموضوع. قال هو يلتقط التفاحة مرة أخيرة، يده الأخرى خلف ظهره.
بالطبع ليست وقاحة جلالتك. رد عليه مايكا بِسرعة ليومئ فالين و يتقدم خطوتين نحونا يأخُذ قضمة من التفاحة.

انسة بشرية؟ سألني هو ينتظِر ردي لأرفع حواجبي عليه لدي أحساس غريب بِشأن وجوده هنا.
تفضل جلالتك، ما هو رأيك؟ انا سألت.
هَمهَم لِلحظة يأخُذ قضمة ثانية يُشاهد حصان أسود عينيه ذهبية فيها لمعة جميلة قبل أن يقول
نعم، أوافق مايكا إنَ ذهابك خطر عليكِ لكن لنجعل هذه المرة استثناء.
حرك رأسه باتجاه مستشاره الصامِت ليُكمل يبلع ما في فمه
دعها ترافقنا الى الزفاف مايكا.

لكن جلالتك انتَ تعلم-- أندفع مايكا مُعارضاً ليمنعه الملك بيده في الهواء.
أتذكُر عندما عاندتني و رفضت زيارتها لِلمملكة نفسها قبل خمسة سنين عندما دعانا سيون لِحفلة ذِكرة جلوسه على العرش؟
اومئ مايكا مرة واحدة ليتقدم فالين خطوة أخرى الينا يترك مسافة بيننا فيها يُنهي التفاحة كلها و يلقي بالبقاية لِلحصان الذي وضع عينيه عليها منذُ البداية.

انا أحب هذا الفرس، انه قوي لكنه بطيء، ابطئ مِن الباقي و مع ذلك هذا ليس ما أحبه به،
تبادلتُ النظرات مع إكسانا التي حلقت نحوي تقف على كتفي قبل أن يُخبرنا الأشقر ذو العينين المُختلفة بألوانها
هل تعلمون لماذا أحبه؟
لم يُجبه أحد مِنا و هو شرح لنا يُرَبِت على أنف الفرس
انه عندما يُغادر الأسطبل، ألاحظ انه أثناء ركضه، يستمتع به جداً و يأخُذ وقته بالركض حول و في المنطقة التي تسنح له الفرصة فيها.

أدار رأسه نحونا بسمته لا تترك شفتيه الوردية
يستمتع، هذا ما يجعلني أحبه بِعكس فرسي الذي يركض و يركض و لا يرى شيئاً عدا ما يوجد أمامه ولا يعرف الحرية.
أخرج فجأة تفاحة ثانية مِن جيب سترته الصفراء مُطرزة بِخيط ذهبي و أسود على شكل عروق نباتات و زهور، تُمثله هو كَملك لِلربيع، يُلقي بِها في الهواء كما كانَ يفعل سابقاً بالأولى.

هل تعلم ما الفرق بينكَ و بين الفرس هذا؟ أشار فالين على خادمه الشخصي ليهُز مايكا بِرأسه لا يدري.
انكَ تشبه فرسي ذاك، قوي، سريع لا ترى إلا ما هو أمامك تنسى الاستمتاع بِحياتك الطويلة و مع مَن فيها و تُفَضّل العيش في فقاعتك المُنغلقة و جَر مَن معك اليها.
إن كنتَ تعني مسألة كانيلا فأنا، أرفض لنفس السبب الذي نعرفه جميعنا. أخبره مايكا بِثبات يُقاتل ملكه بِالنقاش لكن بِطريقة محترمة طبعاً.

اومئ فالين عِدة مرات يتفهم ما يعنيه كما أفعل انا. لا مجال لِلكلام فالحق مع المستشار أكثر مِن الملك.
مشى فالين الى أن وصلَ لأمام مايكا يضع التفاحة في الهواء بينه و بين الأخَر، بسمته اختفت لكن تعابير وجهه الوسيمة ظلت رقيقة.

لدينا مَن سيَحميها مهما حدث، لن يقترب منها أو يؤذيها شخص طالما لديها مَن يبقى معها و سَنضع أعيُننا عليها طوال الرحلة الى لحظة عودتنا. قطع فالين التفاحة الى قطعتين بيديه فقط ثم أعطى مايكا القطعتين و أخَذ خطوة الى الخلف.
لكن جلالتك--
ابقي هذه القطعتين معك، أعطى فالين القطعتين لِمايكا يتابع كلامه.

فَبعد يومين سوف تصبح قديمة مِن الداخل و ربما تتعفن و إذا تأذَت كانيلا أو حدث لها أيّ شيء قبل عودتنا مِن المملكة، لكَ الحق و سأسمح لك بِجعلي أكل القطعتين أو الألقاء بهم عليّ أمام الجميع.
لم أكُن أعلم أنَ باستطاعة مايكا بَحلقَت عينيه بِشدة لدرجة رؤية البياض الذي حولها و انا أحسستُ بِقلبي يتوقف لِثواني لم أعدُها.

حتى سمعتُ شهقة إكسانا مِن جانبي و تَمتَمتُها لكلام ما خائفة، و لكوني مشغولة بالتحديق و الشُرد في قطعتين التفاحة التي في يدين مايكا، بدى لي كلامها لُغة لا أعرفها.
لماذا جميعنا تفاجأنا مِن طلب الملك؟
لأنَ في قديم الزمان، و خاصةً في مملكة فالينيا. عندما يَعطي شخص وَعد لأحدهم متأكد منه، كانَ يقطع تفاحة أو اية فاكهة الى قطعتين و يُعطيها لِلشخص الذي وعده.

و يُخبره بِنفس الذي أخبرنا إياه فالين و إذا لم يَفي بوعده أو كلامه بِشكل عام، يحق لِلذي أحبطه بألقاء القطع على الذي وَعد في الطُرقات أمام كل ما يوَد المشاهدة و إهانته كما يريد أو أطعامه طعام فاسِد الى أن يمرض.
ألقاء الطعام على الشخص بأي طريقة، يعني إهانة الأخَر لأنه يستحق و تطبيق هذا على ملك يُعَد ليس إهانة فَحسب بل نهاية سيئة جداً لِلرامي و قد يُطرَد مايكا أو يُقتَل إن فعلها حقاً.

هذه العادة لم تعُد تُستعمَل في يومنا هذا، ابداً.
لكن مسموح له بِإهانة الملك بأمرٍ منه نفسه و مع كل ذلك لا يجرؤ كائن حي يوماً على فعل أو التفكير بالأمر فَما الذي خطر على بال فالين الأن؟
كما انه يضع مايكا في موقف حَرِج.
جلالتك، هل انتَ جاد؟ وجدتُ نفسي اسأله بِحيرة لينظُر هو لي و يغمِز بِعينه، يرجع بِخطواته الى الوراء نحوى المَخرج.
هل حقاً تسأليني و تَشُكين بِكلامي، كانيلا؟

فتحتُ فمي لكي أقول شيئاً لستُ واثقة منه حتى أمنعه ربما و لكي يتراجع لكنه التَفَتَ و تركنا لوحدنا.
كِلانا نحدق بِقطع التفاحة التي بدأت مِن الأن بِالتحول الى اللون الداكِن في يدين مايكا.
يبدو انكِ ستذهبين الى الزفاف. قال مايكا عينيه على ما في يديه.
يجدر بي الشعور بالسعادة و الشُكر لمُساعدة الملك لكن لماذا أشعر بالخوف و القلق؟

و فوق كل هذا، هنالك نبض عجيب بدأ يظهر على كتفي الأيسر و جانب رأسي، كذلك خلف عيناي كأنَ أحداً ما يلكُمني بِقبضاته بِقوة بِلا رحمة.
أنكمش وَجهي لكني تجاهلتُ ما يجري الى أن عدتُ الى غرفتي و جلستُ على طرف السرير أرى الأرضية تدور و تدور.
سيدتي هل انتِ على ما يرام؟ سألتني إكسانا تطير أمام وجهي لأهُز رأسي أجعل الدوران يسوء أكثر.

لا أعلم. استلقيتُ على السرير و انتظرت الى أن توقف الدوران لكن النبض لم يدعني و شأني كما أردت.
هل توَدين مني أحضار دافني؟
زفرتُ الهواء مِن فمي بِضعف مِن دون أن أجيبها فَلا طاقة لي لتحريك فمي حتى.
ما الذي يجري لي الأن؟
سألتُ نفسي مُنصدمة مِن حالتي الفُجائية كالتي مَرِضَت هكذا من لا شيء.
لقد تناولتِ الدواء صباحاً بعد الفطور فَما المشكلة الأن؟ تساءلت إكسانا بِقلق.

أحسَستُ بِشيء ما يَسيل على جانب رأسي لأرفع يدي و أمسحه. انه شفاف، عرق.
إكسانا، هل انا أتعرق؟ سألتُ مُرافقتي الوفية لتومئ بِقوة يديها مُمسكة بِبعضها.
آوه انه الوقت مِن كل شهر؟
شاركتُ معها ما خَطر على بالي لتأخُذ تُفَكِر إن ما كانَ صحيحاً أم هنالك خطئ بالموعد.
ربما يكون الوقت سيدتي، لأنَ هذا ما يحدث معكِ قبل بدأها بِفترة.

سحقاً. همستُ أضع ذراعي فوق عيناي أخفيهم مِن نور الشمس الساطِع القادم عبر أبواب الشُرفة.
لماذا الأن؟ و بعد أن وافق مايكا على ذهابي الى مملكة البحار؟
لا حَظ لي مهما فعلت.
هل هذا جديد؟
ليس حقاً.
لا تقلقي، انا سوف أنادي دافني كي تُساعدك و تهتم بكِ. أخبرتني إكسانا لأومئ موافقة أسمع الباب يُفتَح و يُغلق، لأبقى وحدي في السكينة التي حَلت على الغرفة.

فقط أصوات زقزقة العصافير تملئ سمعي و نسمة الهواء تدخُل من خلال الشَق الصغير جداً بين بابين الشُرفة مع انهم مغلقين.
سكينة...
كل ما أعرفه منذُ تسعة عشر سنة.

-فالكين-
بقية ثلاثة أيام على موعد الزفاف و انا وجدتُ نفسي و لأول مرة منذُ فترة، غارق في أعمال القصر و التجهيز لِلكثير مِن أجل المدينة لأنَ فالين قَرر أغلاق المدينة و إيقاف العمل الذي يدخُلها و يُغادرها الى فترة لكي نتأكد من أنَ الأتلانتيانز لن يقتربوا.
و غير ذلك مِن أجل سلامتها و مَن فيها طبعاً فَهذه أولويتنا.

لن ننشُر الخبر إلا بعد عودتنا مِن مملكة البحار، فَغداً فجراً سوف نغادر جميعنا معاً اليها كي نصل في الوقت المُحدد.
في الأيام التي مَضَت، لم أرى غير فالين و مُستشاره و ريزار مرة واحدة قبل رحيله الى المدينة لزيارة والده و عائلته في منزلهم بعدما عاد والده من عمله في عالم البشر.

و كانيلا، لم أراها بتاتاً كأنها لا تعيش معي في القصر حتى لم أسمع منها أو عنها و انا الحمدلله لم أعاني مِن قوتي على رؤية أحلام قديمة لأني حاولتُ قدر الأمكان عدم لمس أحدهم لِتفادي مشكلة.
هل أخترتَ ما سترتديه في الزفاف؟ سألني فالين يقطع حبل أفكاري لأنظُر له يجلس على أريكة مُفردة في منتصف غرفة مكتبه على جانبي الأيسر، يحمل ورقة يقرأها بِتركيز كبير.

أمامنا منضدة زجاجية طويلة تصل لِركبنا عليها أوراق كثيرة.
تنهدتُ انا أخُذ كوب ماء أشربه كله أرى بلايز نائم فوق مجموعة أرواق مُكدسة فوق بعضها على جانب المنضدة.
أخذتُ بِنصيحة فينار و بِفضلها لديّ ما أرتديه و يليق بِحفل الزفاف. أجبته أضَع الكوب في مطرحه.
نظَر لي فالين من فوق الورقة حاجبه مرفوع.
منذُ متى تأخُذ بِذوق فينار في الأزياء؟
ضحكتُ انا أسنُد رأسي على قبضة يدي.

منذُ أن عجزت معرفة ما يجب ارتدائه هناك، كما تعلم انا لم أزور المملكة إلا مرة عندما كنتُ صغيراً، إن لم تَخُني ذاكرتي.
هَمهَم هو و عاد يقرأ الورقة.
لديهم أزياء جميلة لِلغاية و مريحة.
آوه حقاً؟، مثل ماذا؟
لم يجبني على الفور لكنه وَضع الورقة فوق حضنه و قال مبتسماً بِطريقة ماكِرة لم تُعجبني
نصف أجسادهم عارية، فَهُم يسبحون بِزعانفهم لا يحتاجون الأقدام مثلنا.

شقلبتُ مُقلتاي و هو ضحك على ردة فعلي. يُمكن القول انني توقعتُ إجابته. عندما أرى فالين متحمس عن شيء ما، أعلم انه شيء شاذ بِعكس طبيعتي.
انا أمزح، لكني مُحق في موضوع انهم يستعملون زعانفهم أكثر من أقدامهم في المملكة. أخبرني يسكُب الشاي بالليمون و العسل في فنجاني و خاصته.
رائحته لوحدها جعلتني مُستيقظ من الأن، يجعل الطعم في فمي حامض و حلو.
سمعتُ عن هذا. قلتُ له أخُذ فنجاني.

بالمُناسبة، بدأ فالين بِجدية سوف نبقى ليوم واحد فقط هناك فَلا يُمكنني ترك فالينيا لوقتٍ طويل.
اومأتُ أوافقه الكلام.
ستكون رحلة مرهقة جداً.
لكنها تستحق.
أعطيته بسمة أشرب مِن الشاي لأذكُر شيئاً مهماً نسيتُ أن اسأله عنه
هل فعلت ما أخبرتك عنه فالين؟
هل ابدو لكَ كالخادم الذي يُلَبي الطلبات و الأوامر ايها الشاب؟
زفرتُ الهواء منزعجاً ليُخرِج ضحكة من حلقه يشرب شايه.

نعم نعم لا تُقلِق رأسك الكبير ذاك. تم تنفيذ ما أمرتني به.
كفاكَ قول هذا، لم يكُن امراً، ابداً.
هَمهَم يُمسك بِالورقة على حضنه يُحَرِك حواجبه بِطريقة مضحكة لكني لم أضحك عليها.
أحب إغاظتك.
أحسنت، لقد نجحت بِفعلتك و فزت جائزة أفضل ملك مزعج على الأطلاق.

ضحك مجدداً يُرجِع رأسه لِلخلف لتقع قطرات مِن الشاي الساخن على ساقه، الحرارة توقف ضحكاته لتتحول الى لعنات مرتفعة و هَسهَسة جعلت بلايز يستيقظ من نومه منتفِضاً و لعابه يسيل من جانب فمه.
حان دوري بالضحك على كليهما لا أوقِع الشاي لأن الفنجان مُمتلئ لأخره فقط.
هذه صفعة الحياة على مَن يَسخر من الثاني طوال الوقت.
فأحذرو، قد تحترقوا بِشاي الليمون و العسل أو بِشيء ساخن.

في المساء و انا أتناول العشاء مع فالين بما انني أقضي أياماً معه، نتناقش في موضوع سفرنا الى البحار، تملكني شعور غريب في صدري و خاصةً قلبي كما لو أنَ يَد تعصره بِبطء، ليَضيق نفسي قليلاً.
رفعتُ يدي اليُمنى ثم وضعتها على صدري، مكان تواجُد قلبي الذي ينبض بِطريقة غير منتظمة.
دق
.
دق
.
دق
فالكين. أعطني طبق الصلصة. طلب مني فجأة فالين.

استيقظتُ مِن شعوري كما لو انه تم لكمي على وجهي، مع أنَ هذه قُدرتي بِمعرفة تواجُد شيء سيء، نفسها التي أتَتني في يوم مهاجمة الأتلانتيانز عندما كنتُ في الغابة مع مايكا و كاغو.
في ذلك اليوم تلقيتُ الندبة على وَجنتي و التي بِطريقةٍ ما لم يَعُد لها أثر.
التقَطت فجأة أذُناي صوت أقدام مُسرِعة قادمة باتجاه باب المكتب.

رفعتُ رأسي مِن طبقي و نظرتُ على فالين الذي يبدو عليه انه يكترث لِما يسمعه ايضاً، أشحتُ عيوني على بلايز لأراه يُحدق بي و بيديه قطعة خيار.
ماذا؟ سألني هو بِفضول.
فتحتُ فمي لكي أجيبه و إذ بِطرق على الباب قوي، أوقفني.
أدخل! صاحَ فالين لِلطارق.
فتح الباب بِسرعة لتَدخُل فتاة شابة شعرها الفاتح على شكل كعكة فوق رأسها ترتدي ملابس الخدم لأعرفها على الفور على انها دافني، خادمة كانيلا.

جلالة الملك، سمو الأمير. انحنَت هي لنا كلانا يديها ترتجف.
ما سبب قدومك المستعجل و أزعاجك لعشاءنا؟ سألها فالين بِصرامة و هي تحركت بِمطرحها توترها يَصلي لي.
أعتذر على أزعاجكُما لكن الأمر طارئ.
تكلمي دافني. أمرتُها ابدأ بالقلق.
سي-سيدتي ليست على ما يرام.
نهضتُ فوراً أوقِع الكرسي الذي أجلس عليه على الأرض.
ماذا بها؟

نهض معي فالين الأن يُثير الموضوع اهتمامه مثلي لترفع دافني رأسها نحونا و في عينيها دموع لم أراها منذُ بداية دخولها.
انها لا تستيقظ.
و هذه المرة الثالثة التي فيها تكون قُدرتي على حَق و انا لا أنصِت لِتحذيرها.

الفصل التالي
بعد 22 ساعة و 45 دقيقة.
جميع الفصول
روايات الكاتب