رواية تحت الغطاء الأبيض الجزء الثاني للكاتبة مينار الفصل الثالث عشر
الثلاثة أيام مرو بِسرعة، لم أحس بهم ابداً، فيهم استيقظت تناولتُ الفطور مع العائلة الملكية، ذهبت الى درس الرقص و بعدها عدت الى غرفتي كي أكمل قراءة الكتاب عن عالم البشر.
جعلني الكتاب فضولياً لمعرفة كيف يكون حقاً عالم البشر و كيف يعيشون، هل لديهم حياة كما يصفه الكتاب؟ أم انهم تغيروا كما تغيرنا نحنُ كذلك؟
و لماذا أختفى السحر من عندهم، فَما كانَ السبب؟
ذهبتُ ايضاً الى المكتبة مع جونيبِر لكي أبحث عن كُتُب أخرى عن البشر و تاريخهم مع السحر لكني لم أعثر على ما أردته لأغادر المكتبة مُحبطاً.
في اليوم الثالث و هو الموعود الذي أنتظره انا و بلايز بِفارغ الصبر تجهزت العربات من أجل السفر الى مملكة سنويان، مملكة الثلج و الجمال الأبيض.
المجموعة التي سَتُسافر هي، انا، فالين، فينار، مايكا، ريزار، كانيلا و معنا مُرافقينا و الحُراس. تعجبتُ أنَ لايتا و نيفاري لن يأتوا مع انهم تلقوا نفس الدعوة إلا أنَ فالين أخبرنا انهم مشغولين و لن يقدروا على ترك كاداري بعد.
لهذا مهمتنا هي أخبارهم فقط بما سيَحدث معنا في سنويان.
غادرنا مملكة فالينيا بأسرع وقت و الى الطُرقات الطينية في غاباتها متجهين الى وجهتنا.
سيأخُذ منا ما يُقارب الأسبوع أو أكثر حتى نصل (بالعربات) لأنه يجب علينا المرور من مملكة كاداري و مملكة أريزو (مملكة الغابات) و بعدها نهر الكريستال الشهير كي نصل لِسنويان. طريق طويل جداً لكن لا خيار لدينا فالطيران مُستحيل لأننا سَنكون كالأهداف السهلة لِلجميع.
لهذا العربات أفضل ما لدينا.
في أول يومين على الطريق لم نتوقف إلا مرتين من أجل قضاء الحاجة و تناول الطعام خارجاً معاً و مرو بِسرعة كما تمنيت لكن الثالث و الرابع كانوا مُملين جداً فيه توقفنا عدة مرات لكي نشاهد المناظر الطبيعية بين حدود كاداري و أريزو.
في الخامس انا و ريزار و بلايز ظللنا نلعب الأوراق بِداخل العربة كلما سنحت لنا الفرصة و غير ذلك قرأنا الكُتب التي أحضرناها معنا لعل الوقت يجري و من حُسن حظنا جرى حتى اليوم السادس، فيه قضيناه نوماً و طعاماً في وقته.
في السابع وصلنا الى نهر الكريستال الرائع و عنده تبدلت الأجواء من الحارة و الدافئة الى البرد القارس، نعلم انه قادم من عند سنويان التي أصبحت قريبة لِلغابة منا فَهي بعد النهر بِساعات.
ترجلتُ انا و ريزار لأنَ فالين قرر أخذ أستراحة لِرؤية النهر و ربما تناول بعض المشروب الساخِن بِجانبه. طار بلايز بِنشاط خارج العربة يدور في الهواء فوق النهر و بين أشجار الغابة يصرخ بِسعادة.
نهر الكريستال و ما حوله كالموطن لِمخلوقات البلادو لهذا سعدتُ لِسعادته بالعودة و أستنشاق رائحة الطبيعة الخلابة التي تُحيطنا من كل جهة.
لم أراه يوماً سعيداً هكذا. قال ريزار يُغلق باب العربة من خلفنا لأومئ أوافقه.
يجب علينا أحضاره الى هنا كل فترة.
أو فقط دعه يذهب لوحده.
مشيتُ الى فالين الذي يجلس على جذع شجرة حراسه أحضروه بالقُرب من النهر الهادئ، فَهذه الجهة منه غير هائج و ساكِن جداً.
لا اعتقد انه يُسمح لِلمُرافق بِترك سيده أو سيدته. و على ذكر المُرافقين رأيتُ بِطرف عيني إكسانا تطير مع بلايز كلاهما تعلوا على وجوههم الصغيرة بسمات لا توصَف.
بينما كانيلا ترجلت من عربتها فمها مفتوح بِدهشة على روعة و جمال النهر الشفاف، يمكن رؤية ما أسفله من أسماك و مخلوقات أخرى و حتى الحجارة الصغيرة الملونة و الكريستالات الثمينة التي يُمنع أخذها أو مستحيل فالنهر لا يسمح لأية أحد.
هذا مؤسف. تَمتَم ريزار يجلس بجانب الملك لأجلس انا مواجهاً لهم على جذع ثاني.
لا أمَل ابداً من جمال هذا النهر السحري. قال فالين يسكُب القليل من المشروب الساخن أو الأعشاب المغلية في المياه لنفسه.
هل توَدون البعض؟ سألنا هو يحمل القدر بيده لنومئ له نمسك بِكؤوسنا الحديدية له.
كيف سَنعبره؟ تساءل ريزار بعدما سكب له فالين ما يكفي لتدفئة جسده من البرد.
نهر الكريستال قد يكون جميلاً و هادئاً الأن إلا انه غدار.
يُعرَف النهر بوحشيته مع مَن يُحاول عبوره و قد قتل الألاف من الجنيات و منهم البشر عندما حاولوا عبوره غير حذرين من خطورته المَخفية.
و من الشائع و الأكثر أماناً لِلجميع هو استخدام مخلوقات البيلادو لكي تساعد بِعبوره، لهذا ذكرتُ سابقاً أنَ النهر كالموطن لهم. لدينا اليوم أثنين منهم لهذا فالعبور سيكون هيّناً و سهلاً علينا.
انهم مخلوقات لديها صلة روحية مع النهر و بأمكانها إيقافه من قتلنا إن ساءت الأمور أو بأمكانهم تهدئته حتى نتخطاه.
فالكين يبتسم مع نفسه لأنه عرف الإجابة قبلك. أشار فالين بِعينيه عَليّ لينظُر لي ريزار رافع الحواجب.
و أخبرته عن ما كنتُ أفكر به ليُهَمهِم هو متفهماً يصبح كل شيء واضحاً له، ليلقي نظرة على الصغيران اللذان لم يتوقفا عن الطيران و الضحك.
هل لنا أماكن لِلجلوس؟ فجأة ظهرت فينار و معها كانيلا من خلفي.
بالطبع بالطبع. تحرك ريزار قليلاً الى جنب الملك لكي تجلس كانيلا معهم أما فينار جلست بِجانبي تلُف ذراعيها حول ذراعي اليمنى بما أنَ الجذع الذي نحنُ فوقه أصغر من الأخر.
هل توَدون الشراب؟ سألهم فالين لتومئ فينار فقط بينما كانيلا رفضت بِلُطف.
فالين، كنتُ اتساءل، الى متى سَنبقى في مملكة سنويان؟ سألته شقيقته ليَبلع ما في فمه و ينظُر لها.
مِن الأن تريدين العودة أختي العزيزة؟
هزت هي رأسها لترد
لا يا أخي العزيز، لكن أردتُ أن أعلم لأنَ لدينا أعمال لِلسماء يجب علينا أنهائها قبل نهاية الشهر.
يا اللهي، فينار، ألا يُمكنكِ عيش حياتك من دون التفكير بِما يجلب الهموم؟
أعتذر فالين، على كوني شخص مسؤول يهتم لِلقصر و المملكة.
أوه هيا فينار لا تُدمري الأجواء و دعينا نستمتع الى حين عودتنا لكأبة و كل ما هو مُضجر.
أخرجتُ ضحكة صغيرة من حلقي لتنظُر لي فينار بعيون مُضَيّقة و انا حاولتُ أن أخبئ ذلك بالتظاهُر بالسُعال لتضربني هي على ظهري.
هل أختنقتَ بِلعابك أم بالضحكة؟ قالت هي لأتوقف و أنظُر لها قبل أن ينفجر فالين و ريزار ضاحكين على وجهي الأحمر.
أتى أحَد الحراس الى مايكا الذي يقف خلف ملكه ليَهمس له بِشيء ما بعدها أنحنى لنا و غادر الى موقعه ليَلتفت الينا مايكا من جديد وجهُه لا يُعبر عن اية شيء.
جلالة الملك، يجب علينا التحرك قبل غروب الشمس لكي نصل الى مملكة سنويان بأسرع وقت.
تنهد فالين بِأحباط ليومئ هو يشرب كل ما في كأسه بمرة واحدة ثم نهض من على الجذع لننهض جميعنا معه لكي يرتبوا الحرس المكان قبل تحركنا.
بعدها بِفترة قصير أخبرنا كُلاً من إكسانا و بلايز أن يتجهزون لكي يساعدونا بِعبور النهر و هُم فوراً وافقوا لأنه طبعاً أمراً من الملك.
عُدنا الى عرباتنا ننتظِر فيها لأنِزل من نافذتي و أنظر على بلايز و خلفه يقفوا بعض الحُراس. أصبح جسده الصغير يُضيء كما تضيء إكسانا باللون البرتقالي المُندمج مع لون شعرها الطويل، يطيرون فوق النهر و يحركون أذرعهم في الهواء بأشكال.
لم يحدث شيء لمُدة فيها هُم يحركون أياديهم و يضيئون، النهر لم يُصدر صوتً حتى لم يصبح أقوى أو أهدئ من ما هو عليه لكن فجأة تحركت العربات و بدأت تتجه الى المياه.
و عندما صِرنا فوقها لم تهوج المياه و لم تفعل شيئاً لتمنعنا من العبور، أخرجتُ رأسي أكثر أنظُر للأسفل، أرى أسماكاً تسبح كما لو اننا غير موجودين للإزعاج و غيرها فقط في مطرحها تنتظر منا أن نصل لِلجهة الثانية كي تكمل السباحة.
ابتسمتُ مع نفسي عليها و تمنيتُ لو باستطاعتي مَد يدي و لمس الماء الصافي كَصفاء السماء أعلانا من دون غيوم.
عبرنا و الحمدلله النهر لأدخِل رأسي الى العربة أجِد ريزار يحمل كتابي و يقرأ عشوائياً مِن منتصفه.
هذا الكتاب مُثير للأهتمام. تمتم هو لا يُبعد عينيه عنه.
فتحتُ فمي لكي أخبره انه مُحق و إذ بِبلايز يدخل العربة عبر النافذة و يجلس على حافتها يزفر الهواء من فمه يبدو مُرهقاً.
كيف حالك؟ انا سألته أنسى الرد على كلام ريزار.
مِن الصعب أبقاء نهر سحري ثابت من أجل أكثر من خمسة عربات.
ربتُ بأصبعي السبابة على رأسه.
أحسنتما العمل.
نعم، شكراً على أبقائنا على قيد الحياة. قال ريزار و هو يقلب صفحة أخرى من الكتاب بين يديه من دون النظر له.
ماذا عن إكسانا؟ انا تساءلت.
بخير بخير لقد حاولتُ أن أخفِف عنها ضغط سحر النهر بأخِذ الكمية الأكبر سراً.
آوه، بلايز النبيل.
شقلب هو مُقلتيه ألاحِظ توَرد وجنتيه ليحرك وجهه الى الخلف اعلم انه يُخفيه مني. أخرجتُ ضحكة بالكاد مسموعة من حلقي قبل أن أستدير لِلذي يقرأ كتابي لأقرر أخذ خاصته و اقرأه ايضاً حتى أضَيّع الوقت أكثر.
كيف يُمكنك أن تعرف انكَ أصبحتَ في أراضي مملكة سنويان؟
حسناً هذا بسيط لِلغاية و واضح لِلغاية.
فَمثلاً ترى أنَ الأرض لم تعُد خضراء أو فيها الوان كثيرة كما هي حال كل أرض في أغلبية الممالك في هذا العالم و إنما ترى بياض يمتد لأميال و أميال و هنالك بعض الشُجيرات الخضراء لكنها قليلة جداً.
و ترى أشجاراً عارية، أوراقها من حولها أو مَخفية تحت كمية الثلج و بعضها بأوراق لكن زرقاء سماوية جداً و منها أبيض لكثرة الثلج عليها بالإضافة لبعض النباتات بنية اللون لعدم تحملها الفصل كَغيرها لكن باختصار، كل شيء أبيض و جميل.
هنالك بحيرات بين كل طريق و طريق، منها من درجة فاتحة من اللون الأزرق و منها حتى أرجواني يصعب عليكَ أخَذ عيناك عنها.
لطالما أحببتُ فصل الشتاء لكني لم أراه ثقيلاً لهذا الحَد أو يجعلك تريد القفز فوق الثلوج و اللعب بها أكثر من اية شيء أخَر و بدت ناعِمة المَلمس لسَطحها الأملَس و بريقها كلما أنعكست أشعة الشمس عليها.
و على ذِكر الشمس، انها في السماء فقط للإنارة و ليس لِلتدفئة فَمِن المستحيل الشعور بها على جلدك و انتَ مُحاط بِهذه الثلوج فأنها تَغلِب حرارتها كثيراً. حيوانات من الأنواع المناسبة لفصل كهذا تركض بعيداً أو تأكل مِن ما يَخرج من بين الثلوج.
غزلان، أرانب من نفس اللون و ذئاب و الكثير من مخلوقات مختلفة منها الخطير و منها الأليف.
و بعد المزيد مِن مضي الوقت و نحنُ على الطريق الثلجي بدأتُ أرى قُرى. الدخان يَخرج من مداخن المنازل و الأكواخ الخشبية و فيها القرويين يعملون على الزراعة أو فقط تقطيع الحطب و تجميعه.
جميعهم يرتدون ملابسهم المعروفة في هذه المملكة المريحة نفسياً. الأزرق و الأبيض و أغلبيتهم يمتلكون الشعر الأبيض فهذا منطقي.
كل شيء بألوان جميلة و رقيقة على الروح و العينين.
مشت العربات في طويل أخَر بين الجبال و في الأعلى تُغطيها الغيوم حتى وصلنا الى مُنحدر على كِلتا الجهتين صخور من الثلج القاسي و أطرافها حادة جداً ثم مررنا عبر بوابة مَفتوحة من دون أبواب لأعلم اننا و أخيراً وصلنا لِلوِجهة المطلوبة.
و بعدها بِقليل دخلنا بوابة زُجاجية (طبعاً بعد أن أوقفونا الحرس) لنُصبح في بداية مدينة الزُجاج.
و مِن اسمها، كل شيء فيها من الزجاج، فَهذا أول ما رأيته. منازل صغيرة و كبيرة مصنوعة من الزجاج لكنه لا يُسمح لك برؤية ما بداخله إلا المتاجر الخاصة بالملابس، المجوهرات و المخبوزات و المزيد المزيد.
أهل المدينة توقفوا إما في السماء أو على أقدامهم لكي يروا مَن أتى الى مدينتهم، يحدقون بِعرباتنا بِعيون متوسعة و منهم مُنبهر و متعجب. الشمس بدأت تغيب، تُلَوِن سماء هذه المملكة بالأرجواني و الوردي لتنعكس تلكَ الألوان الجميلة على المنازل ليتلون زجاجها بها، تبرق و تلمع كالنجوم.
أشحتُ بِنظري على لأرض أراها مليئة بالثلوج لكن لا تتأثر العجلات بها أو تتزحلق و كما لو اننا نمشي فوق تُراب ليس إلا.
دائماً ما أقول أنَ هذه المملكة أجمل من هذه، و تلكَ أجمل من تلك و كل مرة أخطئ بالحُكم لأنني لم أسافر لِجميع الممالك من قبل و سنويان على القائمة مع شادونايت و أريزو.
و كل هذا و انا لم أرى القصر الملكي بعد.
اريد أن أترجل من العربة حالاً و أتجول في هذه المدينة. همس ريزار ينظُر عبر لنافذة الأخرى في العربة.
و انا ايضاً. وافقه بلايز يقف على حافة نافذتي و يُلَوح للأطفال الصغار التي يلعبون بِكُرات الثلج ضِد بعضهم ليأتي أحَد البائعين و يوبخهم لتوسيخ زجاج متجره.
ابتسمت انا لهم ليُعيدوها بالمُقابل يهربون من البائع.
فجأة رأيتُ عربات لا تجرها الأحصنة أو اية نوع من الخيل و إنما الأيل، بِتلك القرون العملاقة و فروهم الأبيض و هناك عربات تجرها، دببة قُطبية.
يا اللهي ما الذي أراه انا الأن؟
هل ترى ما أراه ريزار؟ سألته التَفِت اليه لينظر لي باستغراب لا يفهم ما أقواله. أشرتُ له كي يأتي الى جهتي حتى يرى ما الذي أعنيه.
اللعنة! هَسهَس هو من بين أسنانه بِصدمة.
انا لم أرى شيئاً كَهذا في حياتي كلها. قال ريزار عينيه تلمع.
و انا مثلك.
انا سمعت عن الأمر لكني لم أصدق إلا اليوم. شاركنا بلايز.
بعد ذلك بدأنا بالابتعاد عن المدينة و الاقتراب من القصر الملكي على حسب ما أخبرنا به توك الذي يجلس خارجاً بِجانب السائق.
توقعتُ اننا سوف نعبر من فوق جسر ما لكي نصل لِلقصر كما هو حال كل مملكة حتى في فالينيا نفس الشيء لكن تفاجأت عندما عبرنا بوابة من الحديد الأبيض أو ربما الفِضة و ليس الحديد فأنا أستطيع معرفة الفرق، بعدها مَشينا فوق طريق من الحجر البني و من حولنا حديقة خضراء كبيرة جداً.
بدت كأنها غابة مُصغرة، يُحيطها سور من نفس نوع البوابة، رفعتُ عيناي لِلسماء أجدها حالِكة و الشمس غابت لكن النجوم ظهرت تلمع بألوان من الوان السماء مع الغروب، تتلألئي كل ثانية.
بدأت أعمِدة زجاجية ضَخمة و طويلة جداً تظهر، لِنَمُر من جانبها و هكذا الى أن توقفت العربات.
أتى توك و فتح الباب لنا لنترجل نحدق بالقصر الزجاجي العالي يصل لِلسماء و لو كان ذلك مُمكناً لِلَمَست النجوم مِن حوله.
بلعتُ ريقي مندهشة أنظُر و أنظُر على التفاصيل الرائعة و الخيالية لا أصدق عيناي. انه يبرق بِحق كما لو انه مَصنوع من الكريستال الأبيض الذي فيه بضع الوان جميلة. رفعتُ رأسي أكثر للأعلى أجِد ساعة ضخمة تُخبرنا بالوقت، العقرب الصغير على الرقم ستة و الكبير على الثانية عشر.
هنا الشمس تغيب باكراً.
تفضلوا من هنا يا سادة. أشار لنا توك لكي نلحق به الى داخل ساحة القصر الكبيرة بأرضها الزجاجية المُزخرفة بالورود بألونها الرقيقة و في كل مكان يوجد أشجار الثلج.
أول مرة لا أرى نافورة في ساحة قصر. و بطريقةٍ ما الثلج نظيف هنا بل لا وجود له.
أهلاً بك جلالة الملك و سمو الأميرة. سمعتُ أحداً ما بِصوت أجَش يقول لالتَفِت انا و مَن معي نحوه أرى رجلاً طويل القامة بِشعر أشقر يصل لأسفل أذنيه يلامس أكتافه و لديه عيون زرقاء.
هنالك بعض التجاعيد على أطراف عينيه و مِن حول فمه إلا انه يبدو بحالة جيدة.
يرتدي رداء طويل أبيض، أسود و ذهبي و قفازات بيديه.
أنحنى أحتراماً لفالين و فينار يبدو انه لم يراني بعد لأتقدم و اقف بِجانبهما وورائنا مايكا، كانيلا و الباقي.
آوه سمو الأمير، لا أراكَ. أنحنى مجدداً يبتسم بِخِفة.
و انتَ تكون؟ سأله فالين ليستقيم الرجل بِظهره عينيه ناعِسة.
انا مُستشار الملك كيجا، أدعى كونراد.
سُررنا بالتعرف عليك كونراد، أمممم و اين عزيزنا كيجا؟
انه في القصر على الطريق لكن دعونا ندخل لأنَ البرد قارس.
أومئ فالين له ثم تحركنا جميعنا نصعد الدرج من الحجر الأبيض و الى الأبواب الزجاجية كذلك ليفتحوها الحُراس بِدروعهم البيضاء و السوداء حتى ندخُل.
و اللحظة التي دخلنا فيها القصر ذُهِلت بِالعمارة و روعتها، فكل شيء بالأبيض و منحوت بِبراعة، يوجد تمثالين على الجهتين من الدرج الكبير أمامنا مباشرةً، السقف مرتفع جداً و عليه مرسوم جنيات شبه عارية بأجنحة تحمل السيوف و أِوزات بيضاء بينها زهور.
بعد لحظات قصيرة لِلغاية نزل الملك كيجا على الدرج يرتدي الأسود و الأبيض و شعره الطويل يهتز على كتفيه كلما نزل، على رأسه تاجه الرمادي بِبلورة زرقاء.
تعجبت من شخصين أخرين بِجانبه، على يمينه امرأة بنفس لون الشعر لكنه أطول بكثير ترتدي فستاناً يصل للأرض أبيض و أزرق جميلة جداً فَلديها وجه طفولي و صغير.
أما على جهته اليُسرى رجلاً بالأبيض و الأزرق ايضاً، أبيض الشعر لكنه قصير جداً يُغطي جبينه.
مَن هُم؟ يبدو من القصر و ليسوا أصدقائه أو ربما أصدقاء فَلِما لا؟
لكن المشكلة، انهم يشبهون كيجا بعض الشيء.
فالين فينار، أهلاً بكَ في سنويان و كل مَن معه. وقفوا مواجهين لنا ليَمُد كيجا الذي يعرف بوسامته يده لفالين كي يُصافحها بعدها أنحنى لِفينار.
رأني هو بِطرف عينه لِتتوسع عينيه الزرقاء الفاتحة قليلاً قبل أن تعود الى وضعها السابق و يَمُد يده لي.
صافتها انا بِبسمة صغيرة على طرف شفتاي ليسأل هو.
انتَ الأمير فالكين صحيح؟
صحيح.
بالطبع، فَمِنَ المستحيل عدم الملاحظة، فَهنالك شبه بينكَ و بين ابن عمك ريساند.
أومأتُ انا لا أعلم ماذا يجب قوله ليُنقذني من الوضع المُحرج و يلتَفِت الى الملك و شقيقته.
أعتذر على جعلكم تنتظرون لمدة ثلاثة أيام قبل قدومكم. ليتوقف هو حتى تُكمل عنه المرأة الجميلة التي بِجانبه
أردنا أن نجعل المكان يناسب حضرتكم، فَكما تعرفون نحنُ، لم نتلقى اية زوار منذُ سنين.
قالتَ أخِر جملة بِنبرة منخفضة قليلاً لكن لم يتفوه أحدنا بِحرف.
رفع كيجا يده ثم أشار على مَن معه يتذكر أن يُعرفنا عليهم
هذه هنا ابنت عمي إينارا و هذا شقيقها نيرِكس.
آوه، أولاد عَم إذاً، هذا منطقي الأن بعد أن أخبرنا عنهم لأنني أذكُر أنَ كيجا لا يمتلك أشقاء بعكس الإشاعات التي كانت تقول عنه.
انه يمتلك شقيقة لكنه يَحجُزها بالقصر بعيداً عن العالم كله.
لكنها مجرد إشاعة أثبتوا الكثير انها غير حقيقية و انا لا أراها هنا إن كانت صحيحة و حتى في الحرب الأخيرة كانَ لوحده، أبناء عمه لم يدعموه و يبدو اننا قابلناهم و أخيراً.
تشرفتُ بِكم. أنحنت إينارا بِخِفة لنا كما فعل شقيقها طويل القامة.
ما قصتهم و طولهم جميعاً؟
حسناً، بما انكم هنا لما لا تلحقوا بي الى القاعة لكي تتناولوا الطعام فأنا متأكد انكم جائعون. أخبرنا كيجا يُشير بيده على الدرج.
نعم لِما لا. رد عليه فالين قبل أن نبدأ باللحاق بهم.
رُدهات القصر جميلة لِلغاية و كما يبدو القصر من الخارج، ساحر، فَمِن الداخل يُقال نفس الشيء. بياض و بياض في كل زاوية و معه الزُجاج مصنوع منه كل شيء تقريباً.
هنالك لمسة بسيطة من الأثاث إلا انها لمسة راقية و بِسبب بَساطتها رأيتها مُبهرة، الأرض عليها بساط أزرق غامق مائل للأسود و على الجدارين الذين نحنُ بينهما، لوحات عديدة و منها لوحات عن العائلة الملكية.
دخلنا قاعة يَحرسوها الحرس الملكي لنَجدها كبيرة في وسطها طاولة طويلة من حولها كراسي زرقاء داكِنة و فوقها ثُرية زجاجية أو اعتقد انها مصنوعة من الثلج الذي لا يذوب بما انها مضاءة.
تفضلوا و ارتاحوا، الطعام سوف يصل في أقرب وقت. أخبرنا كيجا يجلس في مُقدمة الطاولة بينما فالين جلسة مقابله في أخرها، إينارا على يمين ابن عمها و نيرِكس على يساره، بِجانبه جلست فينار و انا أما ريزار جلس بين إينارا و كانيلا و طبعاً مايكل دوماً خلف ملكه.
لا تعلموا كم سُعدنا بِقدومكم فالين، لقد ظلت إينارا تَعُد أطيب أنواع الطعام من أجلكم يَكفي لأيام. قال كيجا مُبتسماً يُلقي نظرة على ابنت عمه.
انتِ مَن طبختي؟ سألتها فينار بِدهشة لتومئ ذات الشعر الأبيض الكثيف.
أحب الطبخ، فأنه مِن هواياتي و ظننت انه سيكون مميزاً الطبخ لضيوفنا.
هذا لطفٌ منكِ. أضافَ فالين.
أممم كي لا نُطيل، دعونا نتكلم عن سبب قدومنا في المَقام الأول كيجا.
نظر له ملك الثلج تختفي بسمته من على وجهه لكن زاوية من شفتيه ظلت مُرتفعة.
بكل تأكيد. في رسالتك انا فهمتُ كل شيء تلقائياً و قلتُ أنَ مقابلتنا سَتُسَهِل علينا العمل أكثر بما انني كنتُ، م-مع غادان في الحرب.
نظر هو بِطرف عينه عَليّ بِندم مِن لفظ ذلك أمامي و هو محق، عليه الخجل. لقد عمل مع عدونا الأول ضِد أسليرا و مع ذلك انا لا أشعُر بالغضب أتجاهه، صحيح انه أرتكب خطئاً لكن مَن منا لا يفعل؟
حتى كيجا يُعرَف على انه الطف ملك في هذا العالم و مِن الصعب الغضب منه، فأنه مُحترم لأبعد الحدود و راقي أجِد نفسي في مستوى أقل منه.
هذا كانَ الماضي كيجا و انا شخصياً القيتُ به ورائي لهذا دعنا لا نتكلم بِخجل و ندم الأن. قال فالين بِنبرة مُبهجة لكن عيون كيجا ظلت عليّ.
تقدمتُ بِجسدي على الطاولة اُرَكِ أذرعي فوقها قبل أن أخبره
نعم، فالين مُحق. ريساند سامحك و انا لستُ بأية موقف يسمح لي بفعل العكس.
و كما لو انني أعطيته أفضل خبراً على الأطلاق، ارتسمت بسمة عريضة على شفتيه ليومئ لي بِأمتنان بعدها أدار رأسه على الطاولة و الجميع.
من حضراتكم؟ سأل هو كُلاً من ريزار و كانيلا.
انا ريزار، ابن اللورد فابيان هِسا، التاجر.
أومئ كيجا يتذكر فابيان بما انه مشهور بِعمله و تجارته بين العالمين ثم حرك عينيه على البشرية لتبتسم له بِلطف تعرف عن نفسها
انا كانيلا هانديسن، سفيرة البشر في مملكة فالينيا.
انتِ جميلة و سررتُ بكم جميعاً.
أحنى كلاهُما رؤوسهم على ذلك قبل أن يبدأ الملك بِفتح موضوع جديد
مملكة شادونايت، مملكة مُظلمة كاسمها و مختلفة عن اية مملكة قد ترونها في حياتكم الطويلة. فيها عجائب لا مثيل لها و قد تندمون على دخولها أو لا، الأمر يعتمد عليكم.
و كيف كانَ رأيكَ انت؟ سأله ريزار بِفضول.
بالمنتصف، قدم بِطرف و الأخرى بِطرف.
لقد سمعتُ كلاماً مُشابهاً لكني لم أقابل أحداً يثبت ذلك من قبل. أضافت فينار.
هذا لأنَ نادراً مَن يُغادرها على قيد الحياة.
عَم صمت عميق بيننا في القاعة حتى الهواء ساكِن ليس له وجود أو لا يجرؤ على أعلان وجوده، خوفاً من تلكَ الكلمات التي تفوه بها الملك ذو النظرات الحادة.
يبدو أنَ لديكَ الكثير لِلتحدث عنه كيجا. كَسر فالين الصمت ليُشيح كيجا بِعينيه مِن لون شعره تقريباً عليه تعود بسمته الصغيرة.
لدي، لكن لكل شيء وقته فأما الأن لما لا تأكلون و ترتاحون في غرفكم، لقد أعددناها من أجلكم فأخمِن أنَ سفركم أخَذ منكم الأسبوع؟
أومئ فالين يوافق ليُجيب
لكن الرحلة كانت جميلة و مُمتعة حتى سُنِحَت لنا الفرصة بِرؤية نهر الكريستال عن قُرب و المرور فوقه.
أهههه نهر الكريستال، أجمل الأنهار في عالمنا الساحر.
وافقوه الجميع إما بِالإماء بالرؤوس أو بالكلمات الموَحدة.
لا أعرف لماذا لكني لسببٍ ما حركتُ رأسي على كانيلا، أشعُر انها تنظُر لي إلا انني عندما رأيتها، انتبهت انها تتكلم مع ريزار و القَت نظرة على مايكا لتعود الى الحديث بينهما.
المزيد من التصرفات المَشكوك فيها أم انه انا فَحسب؟
بنفس اللحظة، دخلوا الخدم الى القاعة يحملون الأطباق، الأواني و الصواني من الطعام الشَهي ذو الرائحة اللذيذة و بالطبع المشروبات الكحولية أو الطبيعية ليضعوها أمامنا فوق الطاولة.
تناولوا كل ما تتمنوه و استعدوا بعدها لِلتحلية. أخبرنا كيجا بتصفيق مُمسكاً بشوكته و سكينته ليفعل الجميع نفس الشيء و يبدأو سكِب دجاج، أرز، سلطة و كل ما يخطُر على البال.
تناولنا الطعام في بعض الصمت و الأحاديث المُختلطة على الطاولة، تَخرُج كل حين ضحكات الى أن حان وقت التحلية كما ذَكر كيجا.
أخذونا بعض الطعام و الأحاديث الممتعة الى غُرفنا، فتح لي أحَد الخدم باب غرفتي حتى أدخُلها أسمع بلايز يشهق بِشدة كما انني تجمدتُ بِمكاني.
هل هذه مزحة؟
انها غرفة ملكية واسعة جداً، لدرجة باستطاعتي أحواء مئة شخص أو أكثر فيها. لِلحظة ظننت انها غرفة كيجا و انهم أخطئوا بأحضاري الى هنا لكن عندما تأكدت من الخدم أخبروني انها لي.
أرض زجاجية، أثاث بالأسود و الأزرق الكريستالي، سرير كبير على يميني بأغطية من ألوان الأثاث، على اليسار منضدة و من حولها ثلاثة مَقاعد أما النوافذ فَهي أكبر من ما يكون، تأخُذ مساحة على الجدران و الإطلالة الخاطفة للأنفاس على المدينة كلها أو لنقول المملكة كلها.
فالقصر عالي لهذا مِن السهل رؤية المملكة بأكملها من هذا هذه الغرفة.
اريد العيش هنا الى الأبد! صاح بلايز بعد أن استأذنوا و أغلقوا الخدم الباب و غادروا يدعونا لوحدنا مع أغراضي.
التفتُ على بلايز أهُز رأسي واضعاً يداي في جيوب بنطالي
انتَ تريد العيش في الكثير من الأماكن بلايز.
توقف هو عن الطيران لينظر لي بلا تعابير على وجهه.
و ما العيب في ذلك؟ انا أعيش في قصر فالينيا لقرون لا تُحصى.
انتَ لا تتحمل المُزاح. تَمتَمتُ له أتحرك الى اللوحات المُعلقة على الجُدران، فيها رسومات عن المملكة و منها فقط عن الحيوانات التي تعيش في سنويان أو رسومات لم أفهم شكلها و معناها حتى انها غير واضحة.
هل سَنذهب لِلنوم على الفور؟ قطع بلايز حبل أفكاري بِسؤاله لأستدير اليه أهُز أكتافي.
إن شئت بأمكانك فعل ما تريد لكني انا لستُ نعسان و أوَد التجوال قليلاً في القصر بعد أخذ حماماً فَهل توَد القدوم معي؟
نعم أود ذلك. ابتسمتُ له ثم فتحتُ صندوقي لكي أخرج ملابسي بعدها توجهت لِلحمام لأستحم بِمياه ساخنة تدفئ من جسدي البارد لأنَ القصر ايضاً فيه نسمة مثلجة لهذا يجب عليّ ارتداء ما هو ثقيل و مليء بالفَرو.
مشيتُ و معي بلايز في رُدهات طابق الغُرف أرى بعض الخدم الذين يعملون، لا يتوقفون لِلحظة بِسببي بل فقط يلقون التحية مُكملون.
رأيتُ الدرج الذي يأخُذنا الى الطابق السُفلي لكني لم أنزل عليه بل فَضّلت الأكمال و أكتشاف هذا الطابق.
اتعلم ماذا أتمنى؟ سألني بلايز يقف فوق كتفي لأنظُر له بِطرف عيني أنتظِر منه الإجابة على سؤاله بنفسه.
أن أذهب الى المدينة، فيها أشياء غريبة و التجوال فيها قد يكون ممتعاً جداً فَما رأيك؟
نحنُ هنا لِلعمل بلايز و ليس للاستمتاع و التجوال.
أخرج هو صوتً مُتضايقاً من حلقه لكنه لم يُبادر أو يخبرني انني اسوأ شخص قد رافقه في حياته كالعادة لنَستمر في المشي بِصمت بيننا الى أن عثرتُ على شُرفة متوسطة الحجم يقف فيها شخصاً لم أظن سأراه الأن، مُتكئ بأذُرعه على حافة الدرابزين.
مشيتُ الى الشرفة الى أن وقفتُ عند المدخل أتكئ على الجدار مُشابك الذراعين.
بماذا تشرد؟ انا سألته.
التَفت كيجا متفاجئ من رؤيتي لكنه ابتسم مُشيراً لي كي أنضم له.
ظننتكَ تستريح في غرفتك.
لستُ مُتعباً كما توقعت لهذا أردتُ رؤية جمال القصر قبل عودتي لِلنوم و بالمُناسبة شكراً على الغرفة. انها حقاً رائعة.
عاد هو يتكئ على الدرابزين يحدق بالمدينة و أنوارها الملونة نسمة هواء تُحرك من خُصلات شعره الأبيض لِلخلف.
هذا أقل ما يمكنني فعله من أجل فرد من أفراد عائلة لوماريل.
وقفتُ بِجانبه انا ايضاً أحدق بالمدينة.
انتَ لا تُشبهه،
حركتُ رأسي نحوه بِتعجب من كلامه ليُكمل هو قائلاً
ريس، انتَ لا تشببه بتاتاً. هو بارد و شخصيته غامضة بينما انتَ واضِح و لديكَ وجه ضحوك لكن لديكما شيئاً واحِداً مشترك بينكما.
الشَعر؟ و الجاذبية؟
ضحك كيجا على ذلك يَهُز رأسه ليُصحِحها
العيون.
لكن الوانهما و أحجامها مُختلفة، فَخاصته فضية صغيرة أما خاصتي أرجوانية و كبيرة بناءً على كلام الأخرين.
هَزة هو رأسه مجدداً يشرح لي ما يقصده
بالعيون أعني النظرات. لديكما حِدة فيها كأنكما تنظران لما بِداخل كل شخص، كأنكم تعرفون أشياء مَخفية.
آوه صدقني كيجا انا لستُ مثله.
ظهرت أسنانه اللؤلؤية يحني رأسه ينظُر على يديه المُشابكة بِبعضها ليقول بعد مدة قصيرة من الصمت.
انا أعرف ريس جيداً، أو كنتُ أعرفه، فالين و ريس و انا كنا أعَز الأصدقاء في صغرنا.
تنهدتُ انا أتكئ على الحافة مثله أشابك أصابعي بِبعضها البعض
أعلم، ريس أخبرني بذلك و أذكُر انه قال، لقد تفرقتم بسبب العمل، مسؤوليات و هكذا أمور.
نعم بالضبط، و كان يتكلم عني لك؟
قابلت عيناي بِعيونه الثلجية لأومئ مرة واحدة قبل أن أجيبه.
كان يحكي لي عن أشياء سطحية و بسيطة ليس إلا و ذكركَ عدة مرات لكني لا أذكُر الكثير لكوني كنتُ صغيراً في السن.
هَمهَم هو يُعيد عينيه على المدينة يتنشق الهواء بِعمق من أنفه.
أشتاق لتلك الأيام الجميلة معاً عندما لم نمتلك مسؤوليات الممالك و لا هُرائها أو حتى هموم و غموم تمنعنا من النوم ليلاً.
جميعنا سَنكون في مكان مريح و جميل لنصبح بعد سنوات في أماكن مختلفة بِعكس ما نتمناه، فَهذه الحياة.
آوه و يفهم عن أمور الحياة. لم يعينها بِطريقة ساخِرة لهذا ضحكت معه أشعُر بِبلايز يحُط على الحافة بالقُرب من أذرُعي.
ليس لأنني في الخامسة و العشرون من عمري هذا يعني انني جاهل في مواضيع كَهذه كيجا.
بالطبع، فأنتَ أمير في الأخِر يُعلموك أشياء أكبر منك كي تصبح ملكاً في المستقبل.
ابتسمتُ مع نفسي و على طريقة كلامه لأنه محق و غير محق بأنٍ واحد. صحيح انني أمير لكني لا أعتبر نفسي واحداً بعدما تركتُ المملكة التي أوَتني و مَن فيها حتى انني دوماً ما أقول لِلجميع أن لا يُلقبوني بالأمير أو سموك لكنهم ينسون أو يرفضون لأنَ دماء العائلة الملكية تجري في عروقي.
و ها انا هنا بِصفتي أميراً. لطالما تمنيتُ لو لم أخلق أمير لعلي عشتُ حياتي كما أردتها أن تكون ربما كلاماً أناني لكني أستحق التمني، و لما دخلتُ في تعقيدات حياة الملوك و الأمراء لكن لا وقت لِلندم، بالأحرى فات الاوان على ذلك.
و على ذِكر الأمير، لماذا تركتَ أسليرا؟ أعادني سؤاله لِلواقع لألقي نظرة عليه أجده يُحدق بي.
امممم انتَ تعلم أنَ تاليا حامل بِطفل ريس صحيح؟
أومئ هو بِنعم لأتابع عُذري المُثير لِلشفقة.
طفلهما أولى بي انا و ريس لن يموت بعد فَمازال لديه قرون أخرى لِلعيش مع عائلته الصغيرة أما انا فَما موقفي بينهم و في المملكة؟ انا ابن عم ريس و يُعرَف في هذا العالم أنَ طفل الملك لديه الحق الأكبر بِأخذ العرش.
لكني أعرف ريس، لو أردتَ انتَ العرش لأعطاكَ إياه.
و لهذا السبب لم أخبره و تركتُ أسليرا.
رفع هو حواجبه لأخرج ضحكة من حلقي ليس فيها ذرة تَسلية.
لا اريد من طفلهما عندما يكبر أن ينظُر على العرش الذي يكون اسمه عليه من دون أخذه و أخاف أن يحقد عَليّ لأنني حرمته ما يرجع له فَهو مَن سيُربي أجيالاً أصلية من عرق ريس و ليس انا و تاليا تستحق أن تكون أماً لملك و ليس لأمير.
همممم إذاً الأمر يتعلق بِتاليا أكثر من مجرد طفل اسمه على العرش.
هَززتُ رأسي على ذلك لا أوافقه و مع ذلك علمت انه لم يصدقني لنغلق على الموضوع حتى يعم صمت مريح بيننا نسمع فيه صوت الرياح من هذا العلوا. الهواء القارس جمد من أطراف أصابعي و أنفي، أصبحت رموشي ثقيلة بعض الشيء كأنَ هنالك ثلوج عليها.
فَركتُ عيناي بأصابعي المُخدرة لأخبر كيجا انه يكفي تجوال و حان وقت النوم. أعطاني بسمة عريضة ثم تمنى لي نوماً هنيئاً قبل مغادرتي و تركي له.
أتضح انكَ رجلاً لديه ضمير، تَمتَم لي بلايز يطير أمامي ظهره لي.
ما الذي تعنيه بِكلامك؟
استدار إليّ يكمل طيرانه يضع يديه خلف ظهره
تفكر بمَن تحبهم أكثر من نفسك و انا ظننتُ العكس.
رفعتُ حاجباً متفاجئ عليه
ظننت انني أناني؟
أممممم قليلاً.
شقلبتُ مقلتاي أسمع نفسي أضحك بِصوت منخفض، أفكِر انه ربما أغلبية مَن يقابلونني يكون طبعي الأول أناني و مُتباهي لهم؟
هل لأنني أمير؟ فَهذا أمر شائع قليلاً في العوائل ليس فقط الملكية بل الغنية و ذات الطبقة العلُية بين باقي الطبقات في المجتمع.
و انا أمشي عائداً الى غرفتي سمعتُ صوتً أنثوي مألوف مِن غرفة ما غاضب و يُصيح لكن ليس بِقوى، لم أفهم منه الكثير لكن توضَح عندما مررتُ من جانب الغرفة.
هذا ليس سبب وجودي هنا!
هل هذه...
ليتبعه صوت رجل عميق لا أذكُر صاحبه نبرته ليست بِقوى غضب الأنثى
هذا ليس طلباً، بل أمراً.
انا لا أحِب التنصت على أحاديث أو شجار غيري لهذا لم اتوقف لكي أستمع و إنما أكملت طريقي الى أن سمعتُ صوت كَسر زجاج قادم من الغرفة لِتتجمد ساقاي بِمطحرها أتبادل النظرات مع بلايز.
هل كان ذلك زجاج؟ سألني الصغير مع انه يعرف الجواب.
هذا ما اعتقده.
هل يجب علينا الذهاب لرؤية ما المشكلة؟
لم أجيبه على الفور أخاف أن أدق الباب و أجد أحداً لا أتمنى رؤيته الأن و بالأخص في تلكَ الغرفة. فتحتُ فمي لكي أرُد عليه و إذ بِصوت أقدام تتحرك بِقوى على الأرض قادمة من الغرفة خلف ذلك الباب الأبيض.
توقفي! لا تتصرفي بِجنون. قال صوت العميق.
ابتعد عني. هَمست الأنثى.
فالكين؟ حركتُ رأسي باتجاه بلايز أراه قلقاً يبدو انه ايضاً وجد صوت الأنثى مألوفاً.
دعنا نُكمل طريقنا الى الغرفة بلايز فَلا شأن لنا بِمشاكل غيرنا.
أنصت هو لي بلا نقاش نعود الى الغرفة، و قبل أخذي منعطفاً سمعتُ صوت بكاءً ثم الصوت العميق يُحاول تهدئته.
هل ذلك الرجل فالين؟ لكن لما سيكون مع كانيلا في الغرفة؟
لا لا مستحيل، صوت فالين ليس بِذلك العمق لديه بحة بسيطة لكن واضحة عند التكلم أو رفع صوته.
من يكون إذاً؟
في الصباح التالي أخذتني خادمة كبيرة في السِن الى قاعة الطعام مرة أخرى لكي اتناول الفطور مع الجميع. عندما جلستُ على الطاولة لاحظتُ ثلاثة أشخاص مفقودين بيننا. كيجا، كانيلا و مايكا.
و كما لو انني أرسلتُ إشارة على ذِكر الملك، دخل كيجا و معه مُستشاره كونراد ليجلس على كرسيه يعتذر لِلتأخر.
أحِب العمل قليلاً قبل بدأ يومي.
هذا تماماً ما أفعله. قال فالين بِتفاخُر، يعلم كل شخص على الطاولة انه غير صحيح.
هذا تماماً العكس. تَمتَمت فينار ليَضحك من على الطاولة.
لِدهشتي يبدو فالين لا يُمانع سخرية شقيقته منه أمام الجميع لهذا شاركنا الضحك.
حَطت عيناي لا إرادياً على مقعد كانيلا الفارغ اتساءل إن ما كانت بخير و عن سبب عدم وجودها.
أعتذر على التأخُر. فجأة أجابني صوتها، لأرفع رأسي نحوها و هي تدخُل بِفستانها نفسه الذي ارتدته البارحة، يتطاير من حولها و معها حارسها راث الى أن جلست على كرسيها تومئ لِلجميع و إكسانا على كَتفها.
تبدو مُرهقة. هَمس لي بلايز في أذُني عندما دخل بعد فترة مايكا و معه توك الى القاعة ليقف هو خلف ملكه و توك في زاوية مع راث حارس كانيلا.
أرجعتُ مُقلتاي على البشرية التي تبدو حقاً مُرهقة، فَهنالك سواد تحت عينيها المَنفوخة و تظل تُغطي كتفيها باللُحاف الحريري مع انه لا يتزحزح مِن مكانه.
هل هي مَريضة؟ ربما بِسبب أجواء هذه المملكة الغير أعتيادية؟ تساءل بلايز مجدداً من دون وصوله اية رد مني لأنني لا أعرف و أشعر بِضيق بسبب ذلك.
أتمنى انكم لن تمانعوا فطورنا فَهو مختلف عن الذي تتناولوه. أخبرتنا إينارا أثناء تقديم الخدم الفطور.
فتحوا هُم الأطباق الفضية من أجلنا لأرى فواكه، خضار مُتبلة و الكثير من أنواع الحساء الساخن فيه على ما اعتقد جُبنة من نوع ما.
تتناولون الحساء على الفطور فقط؟ سأل فالين مُمسكاً معلقة بيده يحركها بداخل الحساء.
نعم، هذه الأنواع من الحساء تُبقي أجسادنا نشيطة جداً أثناء اليوم و أسهل لِهضمها على مَعدة فارغة و لكم ستكون ممتازة لِتدفئة أجسادكم.
بِعكسنا نحنُ، فَلا نحتاج الدفء بما اننا مَخلوقين و في عروقنا الثلج. أكمل نيرِكس عن أخته.
هَمهَم الجميع بِتفهم ليشربوا ما في أطباقهم يتلذذون بِالطعم. انا نقيتُ حساء الأعشاب الخضراء مع قِطع جبن بيضاء تذوب إذا حركتها و طعهما، حقاً حقاً لذيذ و بأمكاني شرب عشرة أطباق منه حالاً.
طوال فترة تناولنا لِلفطور الجديد، انتبهتُ أنَ كانيلا بالكاد تشرب خاصتها و تبدو شاردة الذُهن لأنها أنتفضت عندما لمسها ريزار لكي يطلُب منها أعطائه الملح.
ما خطبها؟
القيتُ نظرة على مايكا لا أعلم لما أجده يحدق بشيء ما على الطاولة وجهُه متحجر كما هو في العادة عينيه دائماً مُراقبة لا تشرد أو تتثبت على شيء واحد في أية غرفة.
هَززتُ رأسي مع نفسي بِخفة أحاول عدم الاكتراث لكي أكمل طعامي قبل أن يبرد فَهذا القصر كافي بِتجميد الحساء بسرعة.
و بعد الطعام تم أفراغ الطاولة من الفطور ثم وضعوا بدلاً منه الشاي مِما يعني المزيد من السوائل فَهذا مهم كما أخبرونا الشقيقان و خاصةً إينارا الطباخة الملكية على حسب كلام كيجا المازح.
قبل أن ابدأ بالتحدث عن شادونايت و ما خُضته في الماضي معهم يجب عليّ أخباركم انني سألقي بِحفلة على شرفكم غداً مساءً. قال كيجا يضع من يده فنجانه الزجاجي من الشاي الأزرق فيه بتلات من الورود البيضاء كَالذي نشربه.
هذا الشاي ليس من سنويان بَل من فالينيا لأنها مملكة لا يمكن الزرع فيها أغلبية الأعشاب و الورود لصُنع الشاي.
لا داعي لِلحفلات كيجا، فَنحن لا نريد أتعابك و جعل القصر يَعُج بالضجيج و الفوضى. رد عليه فالين.
انا مُصِر و على العكس تماماً. اننا نادراً ما نحتفل أو يُصدر من القصر الضجيج لهذا رجاءً أقبلوا منا الحفلة كي نَمرح و نستمتع عدا العمل.
هذا كرمٌ منكَ جلالتك و لكن دعنا نساعد. أخبرته فينار قبل أن تحمل فنجانها لتشرب منه.
إذا هذا ما تفضلونه لكي تقبلوا بالحفلة فَلا مشكلة ابداً و هنا إينارا و نيرِكس سوف يُخبروكم عن ما تشاؤون و يُساعدوكم.
شكراً لكَ سلفاً. قلتُ انا له ليبتسم لي و يومئ.
هل هنالك لباساً مُحدداً لِلحفلة جلالتك؟ انا سألته فَلديهم أزياء فريدة.
لم أفَكِر أن يكون حفل أزياء لكنها فكرة أعجبتني و مع ذلك لكم الحرية بارتداء ما تشاؤون.
هَمهَم فالين يجذب انتباه الجميع اليه ليقول بِمزاح.
و انا أحببتُ الفكرة لكن إن كنتم سَتُطبقونها فيَجدر بكم أرسال الملابس المُناسبة بالقصر.
توَسعت بسمة كيجا، ليتبادل النظرات مع ابنت و ابن عمه قبل أن يرد
لدينا أزياء تكفي مملكة ثانية لهذا لا تُقلِق رأسك الصغير فالين.
ضحكوا بِخفة عندما رمقه فالين بِعيون مُضَيّقة لأعثر على نفسي أحدق بِكانيلا التي تكون في عالمها الخاص، لا تزال شاردة بِفنجانها الغير مَلموس.
نعم، بكل تأكيد حدث شيئاً ما لها و هي تُخفيه كما تجيد أخفاء الأشياء.
على اية حال، عاد كيجا ليُكمل بعد أن ماتت الضحكات
شادونايت، اليوم سأخبركم عن الذي شهدتُ عليه فيها.
نعم، أخبرنا بالتفاصيل. أضاف فالين.
انها مملكة فيها لو ظهرت الشمس، نورها لا يؤثِر بِظلامها، كئيبة مع انها مملكة جميلة فيها كل شيء في غيرها إلا انها داكنة كَشعبها الميت. في مدينة الأشواك الكبيرة، متاجرها ليست ممتلئة كأنها مفتوحة لِلمشاهدة فقط و منازلها نادراً مُضاءة و إذا ما رأيتَ شخصاً منهم فيَجب عليكَ تفادي النظر له أو التحدث معه و إلا حاولوا سرقتك، أو قتلك.
لماذا كل هذه الوحشية و هُم مملكة غنية؟ سألته فينار مُعقدة الحواجب.
لقد عاشوا في وحشية تحت حكم غادان لِقرون عزيزتي فينار لهذا كبروا و ربوا الأجيال في ذلك الظُلم و الى اليوم لا تزال ندبات الألم و المُعاناة بداخلهم و لم يجدو السلام بعد.
انهم يحتاجون ملكاً قوياً عادلاً لكي يحكمهم و يُخرجهم من صدمتهم الأبدية. انا تَمتَمت لتومئ إنارا تُبعِد خُصلة من شعرها الأبيض المائل لِلذهبي لخلف أذُنها.
أيماريس المُرَشح الأفضل لِلعرش الملكي لكنه غير مُستعد بعد.
صحيح و لديه مسؤولين عنه يحاولون تدريبه لكني لا أثق بهم كثيراً. قال كيجا بِحدة.
ما الذي تعنيه؟ سأله فالين.
غوانلو، كينازي و الترا، جميعهم يُحبون الخِداع، لقد قابلتهم مِن قبل في قصر الظلام مع غادان و لم أحبهم منذُ اللحظة التي رأيتهم فيها.
لم أراهم مع غادان في الحرب فَما موقعهم بالقصر؟ تساءل فالين بِحيرة.
حاول غادان تحريضهم لِلمشاركة ضِد أسليرا معنا لكنهم لم يقبلوا لأسباب شخصية و أنانية فَهُم لا يريدون خسارة أماكنهم في القصر بل يريدون حِصة كبيرة لهم.
لطالما قلتُ في نفسي انه يوجد أشخاص في القصر تهتم به لأنَ حين سقوط غادان ظلت شادونايت تحت السيطرة لفترة و الأن لايتا سيُساعدهم لهذا ظهروا.
أومئ كيجا مرةً بِرأسه.
هذا حالهم، ينتظرون الفرصة المناسبة لكي يخرجوا لِلعلن، انهم ثَعالب يجب الحذر منهم.
و ماذا يجب علينا الحَذر منه ايضاً؟ سألته فينار.
من كل شيء أساساً و القصر نفسه فَهو مليء بالنميمة و الخطر قادم من الخدم و الحرس، إن نظرتم اليهم بطريقة خطئ قد يؤذوكم ليس لدرجة القتل فَلا تقلقوا.
كدتُ أن أضحك على كلمة ليس لدرجة القتل حتى ريزار عصر شفتيه بِبعضها و تحول وجهه للأحمر يَكتُم ضحكته.
لقد غدروا بي كثيراً في الماضي و كادوا أن يكسروا رقبتي عن طريق الخطء كما قالوا، فقط لأنني رفضتُ تناول ما قدموه لي على العشاء.
دعني أخمن، قال فالين يَفرُك ذقنه لِلحظة قبل أن يكمل
خِفتَ أن يكون الطعام فيه منوم أو سم؟
أخرج كيجا ضحكة من حلقه مُجيباً
نعم، فَلم تكُن المرة الأولى بِمحاولة ليس تسميمي بل تنويمي لكي يسرقوا مِن غرفتي الأشياء التي أحضرتها معي.
اللعنة! كيف لنا أن نذهب الى هناك لِلبقاء لفترة من دون الإصابة بشيء أو ربما النوم في غرفة و الاستيقاظ عاري و من دون أغراضك أو لنقول، ميت.
بِبساطة ميت.
نحنُ ذاهبون حرفياً الى أذرُع العدو نعلم اننا سنندم و قد تكون اسوأ أيامنا لكن لكي ننقذ مملكة علينا المُخاطرة بأنفسنا.
جميل جداً.
ماذا عن إيماريس؟ كيف هي شخصيته؟ سأل فالين و هو يحمل بيده الفنجان لكي يشرب منه رشفة.
لم أقابله فَكان يعيش مَخفياً في جناح من القصر لم أدخله يوماً أو لنقول انه مُنِع عني دخوله من قِبَل المسؤولين.
خُطة يريدون التحكم بها كما يُفَضِّلون. تمتمتُ انا بِنبرة مسموعة.
مع الأسف لهذا التصرف الأن أفضل من لاحقاً.
سوف نفعل ما نقدر عليه لكي ننقذ كاداري من المأساة و نضع ملكاً مُناسباً على عرش شادونايت. انا أخبرته أؤكِد له مدى جديتنا بالأمر.
أثق بكم و أثق انكم سوف تفعلون المستحيل حتى يعود كل شيء لوضعه بل أحسن من ذلك.
جلالتك أخبرهم عن الشيء الذي قلته قبل أيام. ذَكّره نيرِكس لينقُر كيجا بأصابعه على الطاولة بِتفكير و نحنُ ننتظر بِصبر تشتعل شرارة الفضول في صدورنا.
هنالك مشكلة صغيرة مع إيماريس. تفوه كيجا، حواجبه البيضاء مقعدة بِبعضها.
ما هي؟ سأله فالين يبلع ما في فمه.
يوجد أثنان من المسؤولين الثلاثة صارمين و قد لا يُنصتوا بِسهولة معكم و حتى أحقَر من غيرهم و قد يمنعوكم من التواصل مع إيماريس بِمفردكم.
مَن هُما؟
غوانلو و كينازي، انا لا أقول أنَ الترا ليس سيء مثلهم لكن أحذروا من الأثنان أكثر قد تجدون أنفسكم في مشاكل بِسببهم حتى قد تَشكون انتم بأنفسكم.
بأختصار، لا تثقوا بأحدٍ من قصر الظلام. أكملت إينارا عنه.
ليعم الصمت بيننا نعود لِشرب الشاي في هدوء و سكينة. حركتُ عيناي على النوافذ لأرى انها تثلج، كُرات ثلج صغيرة جداً تقع من الغيوم تلامس زجاج النوافذ حتى تذوب ليقع غيرها بنفس المكان.
مِن الطفولي قول هذا لكني تَخيلت أنَ الغيوم تبكي علينا و على القرار المُخيف بِذهابنا لمملكة شادونايت و انا أردتُ البكاء معها لكني و كما قال كيجا، واثق بأننا سننجح و إذا لم نفعل و عُدنا على قيد الحياة، فهذا يُعتبر أنجاز.
و بذلك ظلت هذه الفكرة في رأسي حتى النهاية، اُعَزِز بِفضلها نفسي لكي أكمل أيامي في المستقبل و قوتي بداخلي. لستُ جباناً أو أفَكِر بالانسِحاب بتاتاً لكن لِلحذر أولوَية صحيح؟
نعم، و حظاً موقفاً بذلك.
هَمس لي صوت في عقلي.
في مساء يوم الحفل. دخلتُ قاعة الرقص مع ريزار و بلايز كلانا نرتدي ملابس بيضاء و زرقاء كما يرتدي الجميع هنا فَفي الأخِر اتفقنا انها لن تكون حفلة أزياء لكننا سنرتدي نحنُ أزياء المملكة.
انه كالتعبير على الشُكر على الحفلة.
ما أضعه على جسدي ملابس أحببتها منذُ أن رأيتها بين يداي بعد أن أمَر كيجا البارحة من خدمه إيصال ما أحتاجه لِليوم.
انها مريحة و أشعُر بِليونتها كُلما تحركتُ بها و نفس الشيء مع ريزار و كل مَن في القاعة التي يَعُجها الحاضرين بأشكال و أحجام.
لاحظتُ على الفور فالين و فينار معاً يقفون في دائرة من الجنيات التي لا أعرفها على ما يبدو انهم من المدينة أو أصدقاء لِكيجا.
و على يساري إينارا و نيرِكس و معهم كيجا طبعاً.
حركتُ عيناي في أرجاء القاعة الجميلة المَصنوعة من الزجاج و أثاثها أزرق و ذهبي فيها عند كل زاوية حارس و بالقُرب من كل جدار طاولات أطعمة و مشروبات بأنواعها كلها.
في منتصف القاعة على مِنصة حجرية بيضاء مَنحوتة على شكل رقاقة ثلج، العازفون. يعزفون الحان راقية و هادئة بآلاتهم يوجَد مَن يرقص مع شريكه بِتناغم و يوجد مَن يشاهد بإرضاء.
هل تأخرنا؟ همس لي ريزار مُقرباً رأسه مني.
أتمنى انكَ مُخطئ.
أخذنا خطواتنا نحوى فينار و فالين بنفس الوقت أبحث عن شعر أسود حريري بين الحضور إلا انني لم أجده.
في النهاية اتضح اننا لسنا أخِر مَن يأتي.
مرحباً يا سادة و سيدات. قلتُ انا بترحيب لينظروا إليّ انا و صديقي يتوقفون عن التحدث.
أهلاً بِالأمير فالكين. رد عَليّ فالين يرفع كأسه من الأوكسارا و فقاعاته تطفوا على السطح.
مِن صوته عرفت انه ثَمل.
يبدو أنَ كؤوسه زادت عن حدها؟ هَمستُ بأذُن فينار لتَهُز رأسها بخيبة أمل.
سمو الأمير، فالكين لوماريل صحيح؟ سألني أحَد الحضور ذو شارب أشقر كثيف و عيون سوداء يبدو بِسن كبير لكن حَسن المَظهر.
نعم هذا انا.
مَد هو يده الفارغة إليّ لِلمُصافحة و هو يُعَرّف عنه نفسه
انا مُدير البنوك في هذه المملكة العظيمة، أدعى باستيان تشرفتُ بِلقائك.
أخذتُ يده أصافحها القي له ابتسامة.
و انا مسؤول مَناجم الكريستالات، أدعى جيزال. تقدم رجل أخَر أصلع الرأس لديه ندبة طويلة تبدأ مِن جبينه حتى أنفه.
تشرفتُ بكم.
لقد سمعتُ عنكَ الكثير سموك و انكَ تركتَ مملكة أسليرا لكي تعيش في فالينيا. أنضمت لهم امرأة متزوجة بناءً على الخاتم في أصبعها بِألماسة كبيرة تشع تحت أنوار الثرية العملاقة تتباهة به و لو كانَ ممكناً لذهبت الى كل شخص هنا و ارته إياه.
هذا صحيح و فالين أستقبلني جيداً انا مُمتناً له. أخبرتها أنظُر على فالين يأخُذ كأساً أخراً من خادم انتبه بِطرف عينين على فينار و هي تحاول إعادة الكأس منه من دون أحراجه.
و مُباركاً على حمل الملكة، هل ستكون معهم أثناء الولادة؟ سألتني المرأة تُعيد انتباهي عليها تنظُر لي من الأسفل للأعلى.
متأكد أنَ الرجل المتزوجة منه هو العاشر.
شكراً لكِ سيدتي. لستُ أدري تماماً لكني سأحاول التواجد.
هَمهَمت هي تشرب رشفة تكمل تحديقها بِجسدي.
لم أكُن أعرف أنَ مايكا هنا لأنني لم أراه لكنه ظهر من خلف ملكه يسحب من يده كأس الأوكسارا ليُخرج فالين أنيناً كالأطفال يجعلني أوَد شقلبت مُقلتاي لولا سؤال الرجل الأصلع عن حياتي التي لا تعنيه في فالينيا.
حاولتُ الإجابة باختصار قدر الأمكان عليهم من دون أعطائهم تفاصيل لا تَخُصهم بينما انسة خاتم، ظلت تحدق بي تتخيل أشياء عني مُستحيل حدوثها.
ربما أصبح لدينا أطفال في المستقبل في مُخيلتها.
و من حُسن حظي سحبني كيجا عندما رأنا منهم و أخذني لكي ننتقي شراباً من طاولة ما بعيداً عنهم. الشيء الوحيد الذي ندمت لفعله، هو ترك ريزار معهم لكن لا بأس فَهو على الأقل مع حبه، فينار.
بففففف على ذِكر ذلك في رأسي ضحكت بِصوت مُنخفض اتظاهر انني أمسح فمي بِكَف يدي كي لا يسألني كيجا أو بلايز و يفضحني.
و مع ذلك أجدهما لطيفان معاً، فَهي تليق به و بِمقامه و إذا تكورت علاقتهما فأنا أول مَن سيُشجعهم.
تفضل. أعطاني كيجا كأساً من الأوكسارا لأشكره و أشرب رشفة أدع مِن السائل يحرق حلقي و يُدفئ مَعدتي.
شكراً على أنقاذي. تمتمتُ له من خلف الكأس.
لا شُكر على واجب فأنتَ ادخلتَ نفسك في دائرة المُزعجين، دوماً ما أجد نفسي عالق بينهم الى أن تعلمت الهروب.
أخرجتُ ضحكة خفيفة أبلع ما في فمي قبل الاختناق فالفقاعات خطيرة و هي في الفَم.
هل رأيتَ السفيرة؟ تحرك لساني من تلقاء نفسه مُتسائلاً ليرفع هو حاجباً عَليّ.
أعني انا لم أراها بعد، لهذا سألت.
لا لم أراها لكن إينارا ذهبت الأن الى الحديقة خارجاً لأنها رأتها بِنفسها.
هَمهَمتُ أضع يداً في جيب بنطالي الأبيض و بالأخرى أشرب من الكأس.
دعنا نذهب و نتأكد من سلامتها سموك. أقترح عَليّ بلايز يزيح عينيه عني و الى خلفي اعتقد على أبواب المفتوحة التي تقود لِلحديقة.
يبدو انني لستُ الوحيد المتسائل عن أحدٍ مفقود فَهو ايضاً يبحث عن إكسانا.
أذهب فأنا سأبقى في مكاني أتمتع بالمشروبات. أرجعني كلام كيجا لِلواقع لأومئ له بِ حسناً أترك الكأس من يدي و أتجه الى الحديقة.
عبرتُ الأبواب العملاقة لأصبح فيها، هنالك القليل من الثلوج على الأرض و الكثير على الأشجار على شكل حيوانات.
مِن اين يجب علينا البد-- لم أكمل جملتي لتظهر أمامنا إكسانا تُلَوِح بيدها لِبلايز تَعلوا بسمة لطيفة شفتيها.
و ما الذي تفعلينه هنا يا صغيرة؟ سألتها سعيد لرؤيتها لكنها لوحدها.
امممم انا أتجول قليلاً الى أن تنتهي سيدتي مع مَن معها.
مَن معها؟ تعنين إينارا؟
امممممم ن-نعم. لفظت بالكلمات بِتوتر تجعلني مُحتار فَلماذا بدت متوترة كأنني سألتها سؤالاً خطيراً؟
حسناً و اين هُما؟ مشيتُ انا أتجاهل توترها بين الحضور لأرى منضدة من الزجاج و عليها أطباق على ما أظُن حساء مغطاة كي لا يلامسها البرد أو الثلوج المتساقطة من على الأشجار.
سموك، لا يجب علينا أزعجاهما. أخبرتني إكسانا تطير ورائي مع بلايز لكن لم اتوقف.
سمعتُ فجأة صوت ضحكات ناعِمة من على الجهة اليُسرى قادمة مِن بين شُجيرات على شكل مُربعات بِجانب بعضها من فوقها مُمكن رؤية الرؤوس لكن ليس بِشكلٍ جيد.
هذه ضحكات كانيلا.
تحركت ساقاي من تلقاء نفسها بنفس الاتجاه، لتكمل إكسانا مُحاولة إيقافي و انا لم أكترث لأنها تتصرف بِغرابة.
ما الخطب إن ذهبت اليهما؟ ليسَ كأنهما يت--
تجمدتُ بمطرحي كالذي تم صفعه على وجنته بِشدة.
حاولتُ تحريك جسدي لكني لم أقدر كأنما توجد أيادي تُمسك بي و تمنعني من الاستمرار لأعرف انه في الحقيقة انا.
عقلي يرفض أخبار جسدي بالتحرك. الذي أراه جعل من قلبي يسقط في معدتي و دمائي تتجمد في عروقي، أصبح حتى أبرَد من الثلج نفسه.
كانيلا. انها لا تقف مع إينارا كما أخبرتني إكسانا و إنما مع مايكا ذراعيها حول خصره و ذراعيه حول خصرها وجهُه قريب من وجهها و هي تضحك على شيء ما هو هَمس به.
أردتُ الالتِفات و العودة لِلداخل لكن لم أستطع فَلا إرادة بِتصرفاتي، جسدي يتحكم بي مِن تلقاء نفسه.
أغمضتُ عيناي و فتحتهم لأجدهما يُقَبِلان بعضهما. شفتيه على شفتيها تُمسك بِوجهه و هو بِرقبتها مِن الخلف.
عضتُ على شفتي من الداخل بِقوى الى أن تذوقتُ الدماء و سألتُ نفسي الف سؤال من دون وجود أجوبة لهم.
ما الذي يحدث أمامي؟
مَن هُما لبعضهما؟ أنتظِر لحظة القطع تنجذب لبعضها ترسم لي الحقيقة.
سمو الأمير؟ نظرتُ بعيناي على إكسانا يديها المُكَورة على شكل قبضات تُماثل خاصتي الأن لكن خاصتها عند فمها كأنها تترجاني بالتحرك و الابتعاد.
و لأنني لم أتحمل أكثر أمسكتُ بأجنحة إكسانا بِحذر ثم استدرتُ و ذهبتُ في طريق أخَر. بعد خطوات ثقيلة توقفتُ في زاوية بعيداً عن أذان و أعيُن الحضور لأدَعها من قبضتي حتى تطير أمامي و بلايز على كتفي.
ما هذا إكسانا؟ ما الذي تُخفينه انتِ و هي؟ سألتها بِغضب. المزيد و المزيد مِن الكذب لكني لا الومهما و الوم نفسي.
سمو الأمير انا حقاً أسفة كنتُ اريد أخبارك لكني توَترت و خفت من أح--
لكنه مَخطوب! فَهو لا، توقفت يدي في الهواء مُدركاً للأمر.
آوه يا لكَ من أحمق فالكين. لِلحماقة حدود و حماقتك ليس لها حدود. كان واضحاً و لكني لم اسأل لأني لا أحِب التدخل في شؤون غيري كما لا أحب لِغيري بالتدخل.
لم اسأل و هذا ما حصل.
انه خطيب كانيلا؟ خرجت الكلمات مِن فَمي بِلا تصديق، فيها مرارة على لساني، لأشيح بِنظري من على الأرض اليها أنتظِر منها الرد.
ن-نعم، انها مَخطوبة منه منذُ فترة.
لكنها لا ترتدي خاتماً!
بلعت هي ريقها تُحدق بِالحبيبان خلفي قبل أن تُبرر
ترتديه و أحياناً تنسى.
بالطبع تفعل.
علي أصابعها خواتم كثيرة بعض الأحيان لهذا ظننت انه من المجوهرات التي تمتلكها لتزين أصابعها ليس أكثر و انا لم انتبه جيداً. كانيلا لا تُحرك يديها كما يفعلوا أغلبية مَن يتحدثوا و إذا فعلت فَيدها اليُمنى مَخفية دوماً أسفل اليُسرى.
بِلا مُلاحظة وجدتُ نفسي أضحك اُمَرِر أناملي في شعري لأستدير لِلوراء أراهما يتحدثان الأن و يتعانقان لألعَن تحت أنفاسي أشعُر بِتقزز من نفسي و لأنني أعجبتُ بأمرأة مُرتبطة بِرجل.
تَقزز؟ هذا لا يَكفي لوَصف ما أشعر به حالياً.
مَخطوبة، انها مَخطوبة طوال الوقت و انا أعمى لم أرى ذلك.