رواية تحت الغطاء الأبيض الجزء الثاني للكاتبة مينار الفصل التاسع
و كما هو متوقع كل شيء مظلم بالداخل فَلا يوجد ذرة ضوء فيه و ساكِن لا صوت يغادره أو يوحي على انه توجد حياة هنا. طبعاً الفوانيس التي يحملوها تُنير القليل و كفاية لكي يرو انه في الحقيقة شكل هذا الجزء من المكتبة مُختلف تماماً.
فَلا توجد أقسام أو طريقاً واضِحاً بل مَمرات و مداخل ضَيّقة بين كل رفوف و رفوف.
حرك فالكين الفانوس بِضوئه البرتقالي الى الأعلى قليلاً بعد ليرى أشياء إضافية غير الكُتب السحرية. توجد قلادات، خواتم، صناديق صغيرة بِحجم كَف اليد و منها الكبير و الكثير مِن البِلورات السحرية منها على مِنصة خاصة بها.
أشعُر بِسحر ثقيل من كل جهة. قالت جونيبِر من خلف فالكين بِأعجاب.
هذا لأنَ كل شيء مصنوع من السحر الأسود فَلم أرى أشياء كهذه من قبل إلا عند السِحرة و المشعوذين. قال ريزار.
هل بأمكانك تعقُب الكتاب بين هذه الكُتب سموك؟ سأل توك أميره يمشي خلف الجميع.
لستُ متأكد لكني سأحاول كي لا يكون قدومنا ذهب سُدى.
لنكون سريعين رجاءً فَلدي شعور غير مريح. أخبرتهم إكسانا ليطير بلايز إليها مُمسكاً بِيدها.
لا تخافي، فنحنُ معاً. أخبرها هو لتومئ بوجه أحمر.
هل انا الوحيد المُستغرب من وضعهما؟ تساءل ريزار من خلف فالكين ليُحرك رأسه نحوه مبتسماً.
لا صديقي العزيز لستَ الوحيد.
واو أنظروا الى كل هذه الكُتب، توقفوا يُنصتوا لما قالته جونيبِر يجدوها واقفة أمام رف تحمل كتاباً بيدها و معها ريزار و توك.
هذه كُتب عن السحر القديم الذي ماتَ و لم يَعُد يُستخدم.
حرك فالكين الفانوس أمامه على الرفوف يرى كُتب بِعناوين عن أنواع السحر و اسمائها بينما توجد كُتب بِأغلفة من غير عناوين.
و هنا يوجد كُتب عن الحروب التي خاضوها الممالك السبعة ضِد البشر. أنضمت كانيلا تبتعد عن الأمير خطوة تُمَرِر أناملها النحيلة على الكُتب الى أن توقفت عند واحِد لتُخرجه و تفتحه.
أبقوا مع بعض يا رفاق و لا تبتعدوا عن النظر. حذرهم فالكين يُحرك الفانوس لأمامهم فَلقد شعَرَ بِنسمة هواء قد حركت من شعره على جبينه لكن لم يعثر على شيء مُثير لِلرهبة.
أو كائن مخيف.
مفهوم سموك. قالت جونيبِر تضع يدها على جبينها كَتحية ليضحكوا توك و ريزار يقلدوها لِتصلهم شقلبت مقلتا الأمير على تصرفاتهم الطفولية.
دعونا لا ندهس على عصب حساس. همس لهما ريزار ينظُر على فالكين بِطرف عينه الذي معه ليُقهقِهوا يُخفون أفواههم بأياديهم.
هل انتما أصدقاء مُقربين؟ سألته جونيبِر تُعيد وضع الكتاب الذي بيديها لِتخرج كتاباً أخر ذو غلاف من الجلد الأحمر لتنفخ عليه مرة تجعل من الغبار تتطاير من حولهم.
أومئ ريزار يتكئ بِكتفه على الرفوف مشابك الذراعين يعدل من القماشة على عينه لأنها تزحزحت.
نعرف بعضنا منذُ أن كنا صغاراً، لكن قبل عشرة سنوات سافرتُ الى عالم البشر من أجل العمل مع والدي.
رفعت هي رأسها المُغطى بالشعر البني المَربوط على شكل ذيل بأتجاهه رافعة الحواجب كما يفعل توك الذي يقف بجانبها
لقد ذهبت الى عالم البشر؟
ابتسم ريزار نصف ابتسامة
نعم.
و كيف كان عالمهم؟ فأنا اسمع الكثير عنه لكني لم أذهب يوماً اليه. سأله توك بِفضول كبير.
أحب أن أعبر عنه بِكلمة واحدة و هي، بسيط. لا يوجد فيه ذرة سحر لكنه جميل و لأنه بسيط، العيش فيه أسهل من عندنا إلا إذا كنتَ فقيراً فهذه قصة أخرى.
همهمَ كلاهما بأعجاب.
و ماذا عنكِ انتِ؟ كيف تعرفين الأمير؟
تبادل توك و جونيبِر النظرات مع بعضهما قبل ان يبتسموا كالأهبلين يشاركان ذكرة لقائهم المليء بالحركة و القتال.
هل فاتني شيئاً؟ تساءل ريزار يحدق بهما من دون فهم سبب ابتساماتهم.
في الحقيقة فاتك الكثير، لكن باختصار لقد تقابلتُ مع الأمير بِوجود توك ايضاً في مدينة الشمس، فَلقد ساعداني بِحل مشكلة و بالصدفة تقابلنا هنا في حديقة القصر فأنا لم أكُن اعلم انه أمير و هو لم يكُن يعلم انني أعمل هنا.
واو هذا مذهل.
أومأت هي توافقه رأيه لتعود بِتنقية الكُتب و قرأتها و مِن على كِلا جهتيها توك و ريزار يُشاركانها الدهشة كُلما سحبت كتاباً بِعنوان مخيف.
عند جِهة الأخرين في عالمهم، أغمض فالكين عيناه لكي يدع من قدرته على الأحساس بِهالة ذلك الكتاب لكن هنالك مجموعة من الهالات السحرية الداكنة التي تشوش على تركيزه.
قرر هو أن يأخُذ نظرة مُتمعنة على الرفوف ليجذب انتباهه كتاب عن سحر قد أمتلكونه البشر قبل قرون عندما كان كِلا العالمين متقابلين بلا حواجز بينهما. فتحه يقرأ ما بداخله و كانيلا وقفت جنبه تقرأ معه عندما رأته مُركزاً فيه.
ما هذا؟، انا بنفسي لم أكن أعلم عن وجود السحر في عالمي. تَمتَمت هي تُحرك أصابعها السبابة النحيل بِظفر مرتب و لامع فوق سطور من الجُمَل التي تُعطي تفاصيل صغيرة عن قوة السحر الذي كانوا يمتلكونه البشر قبل قرون طويلة.
لم يقدر فالكين أن يركز على ما في الكتاب و هي تقف بِجانبه بِذلك القُرب، شعرها من الأعلى يتلامس مع طرف أنفه يدغدغه و رائحة الياسمين تملئ مجرة تنفسه.
هذا كثير، همس فالكين مع نفسه يرفع رأسه عن الكتاب.
حركت عينيها كانيلا الى الأعلى، عليه رافعة حاجباً
ماذا قلت؟
أشاح بِنظره عليها بِسرعة يلعن نفسه بِداخله.
هل سمعتِ؟
سمعت ماذا؟
لا شيء.
حدقت هي بِه ضائعة ليبتسم لها يجعلها ضائعة أكثر و هي ظنت انه يُعاني من ألم ما بِما أنَ البسمة ظهرت غريبة على وجهه فَهو لا يبتسم بِتلك الطريقة أطلاقاً.
فجأة وقع كتاباً يُصدر ضجيجاً يتحول لِصدى من حولهم لِتنتفض كانيلا تندفع بِجسدها على فالكين مُمسكة بِشدة بِذراعه لِينظُر لها بِتفاجئ ثم على يمينه مكان وقوع الكتاب.
وجد انه خطء جونيبِر مُنكمشة الوجه مُدركة انها أرعبت حتى الهواء و أخرجت أرواحهم من أجسادهم بِفعلتها.
أسفة. تَمتَمت هي تنحني لكي تلتقطه بينما الرجال الذينَ معها انفجروا ضاحكين.
حدق فالكين على المُتشبِثة به تَعصر ذراعه خوفاً لتدرك فعلتها قبل أن تبتعد عنه بسرعة تتأسف.
أعتذر لقد أرتعبتُ من الصوت.
ابتسم هو لا إرادياً على شكلها اللطيف و وجهها الشاحِب فاقداً لِلونه حتى في الضوء المُنخفض.
هل انتِ على ما يرام؟
أعادت رأسها لِلخلف تأخُذ نفساً و يدها اليُمنى فوق صدرها لتقول
أحسستُ بِقلبي يسقُط في معدتي و روحي تطير أمام عيناي.
أراد أن يضحك على كلامها لكنه أمسك ضحكته يذكُر انهم في عرين وحش مجهول الى الأن و الحمدلله لم يظهر مع أنَ الحمقى البعيدين عنه قليلاً لا يتوقفوا عن أصدار الضجيج بين حين و أخر.
توقفوا عن أصدار الضجيج فإذا لم يكُن يريد الكائن الظهور سيَظهر بِسبب تهوركم. أخبرهم هو بِصرامة.
عُلِم سموك. رد عليه توك بِصوت عميق ليُشقلب مُقلتيه الأمير لِلمرة العاشرة.
هيا دعونا نُكمل. أقترح فالكين يُشير لهم باللحاق به ليتبعوه و الى جانبه عادت كانيلا قريبة.
أخذوا مَمراً ثاني على اليمين يجدوه مثل الأخر فَجميعهم مُتشابهة و لو لم يحفظوه سيضيعون و لن يعثروا على المخرج.
دعونا نفترق كي نجده بِشكل أفضل لكن ابقوا مُتيقظين و مع بعضكم و عندما تجدون ما هو غريب أخبروني. قال لهم فالكين يقف لكي يَلتِفت باتجاههم.
تقدم توك نحوه و كانيلا لكي ينضم اليهم لكن فالكين هَزة رأسه عليه يخبره أن يظل مع ريزار و جونيبِر فهما أقل قوى منه، يحتاجون حماية أكبر فَهو لوحده يمتلك قِوة بِقدر خمسة معاً.
رفض بالبداية و لم يوافق لأنه أمير و يجب حمايته إلا أنَ فالكين أصَّر الى أن استسلم و ظل معهم ليُكمل هو و كانيلا و الصغيران طريقهم لا يبتعدوا كثيراً عن الباقي.
أغمض فالكين عينيه مجدداً يركز على قدرته بالعثور على الكتاب و من كل جهة تجذبه هالة مُختلفة، كلها مظلمة و مع ذلك حاول تجاهلها يستمع و يشعر بِغيرها.
من المدهش أنَ مَن يعيش هنا أحتفظ بِكُتب عمرها مِن عمره و منذُ ذلك الوقت لم يستطيع أحدهم الاحتفاظ بِكتاب معه. هَمست كانيلا تُحرك عينيها على كل رف من الأسفل للأعلى تتبع الأمير الصامت و فانوسه.
مِن المنطقي أن يعيش مخلوق سحري بين السحر لهذا هو قوي. أضاف فالكين يأخُذ خطواته بِحذر و بطء يسمع رفرفة أجنحة مَخلوقات البيلادو التي معهم تطير بِجانبهم و ذبذبات السحر التي تُرسل اليه.
ظل هو مُغمض العيون يعتمد على حاسة سمعه و الحاسة السادسة التي تكون القدرة الخاصة به الى أن سمع ليس ذبذبة عادية قادمة من جهته اليُمنى فَحسب، بل همس كأنَ السحر يخبره شيئاً.
تجمدت خطواته في أرضه ليفتح عينيه و ينظُر على الرفوف على يمينه فوق بعضها مُحتفظة بِعِدة كُتب و أغراض كثيرة من الألماس، الكريستال و المزيد.
هنا، قال فالكين يرفع الفانوس على الرفوف يسمع ايضاً أصوات مَن تركهم، يضحكون و يتكلمون بِنبرات مُنخفضة من خلفه.
هل عثرت عليه؟ سألت كانيلا.
نعم، لكن ليس هنا بالضبط.
اين؟
رفع رأسه مع الفانوس الى أعلى الرفوف يشعر بالسحر الذي يهمس له قادم من هناك.
تعتقد في الأعلى؟
أومئ لِكانيلا مُجيباً بِ نعم ليُفكر بِطريقة كي يصعد بها الى الأعلى، و أتضح أن له خيار واحد و هو استخدام أجنحته.
أنظُر على هذا سموك. قاطعت إكسانا حبل أفكاره لينظُر اليها على يساره يراها تطير بِمكانها و معها بلايز عند سلم حديد.
آوه، أو يُمكن استخدام السلم بدل مِن تمزيق سترته الثمينة عند أستدعاء أجنحته.
ذهب فالكين مُمسكاً بالسُلَم ليجره الى الجهة اليمنى على الرفوف الثانية و يثبته يتأكد انه لن يقع و يوقع معه الرفوف.
أمسكِ به جيداً. أمَر هو كانيلا بما انها تقف لا تكُف عن النظَر من حولها مُرتبكة و أشغالها بأمساك السلم و القلق عليه أفضل لها لتومئ تَلُف أصابعها حول جزء السُفلي من السلم تُثبته ليبدأ و يصعده فالكين الى أن وصل للأعلى.
ألقى نظرة سريعة من مَطرحه المرتفع لا يرى إلا المزيد من الظلام و الفراغ بعيداً و أصدقائه من الجهة الأخرى يلعبون بِلورة تضيء باللون الأرجواني كُلما لمسوها.
بالنسبة لِكانيلا فَلم تقدر منع نفسها من الشعور بِعدم راحة في قلبها، ظلت تنظُر الى خلفها من ثم على الصغيران يقفان فوق رف يدوران حول كُرة من الكريستال كبيرة تذكرها بِكُرة الساحرات التي تستعملها لِرؤية رؤيا سحرية و الخ.
عندما لمستها إكسانا بِفضول توَهجت لِلحظة ليختفي ضوئها الأزرق الفاتح و عندما لمسها مرة أخرى بلايز، توَهجت مجدداً كأنها تَنبُض.
هييي! توقفا عن اللعب. صاحَت عليهم بِهمس لينظرا نحوها بِتأسُف يُنصتان اليها.
وضع فالكين الفانوس فوق رف فارغ ثم حَرك أصابعه يلمس كل كتاب أمامه مُغمِض العينين يترجى مِن قدرته على مساعدته و من الهالة على استدعائه فَهو شعر بها بِحق هذه المرة و ينتظِر منها إشارة أخرى.
اين انتِ؟ تَمتَم مع نفسه.
في الأسفل أحَسَت كانيلا بِنسمة باردة تُلامس جلدها المكشوف كأنَ شخصاً ما نفخ عليها، لتُحرك رأسها بِسرعة قسوة الى الوراء لا تجد أحداً و إنما ظلام حالك فقط كما هو من حولهم.
سموك كيف وَضعك؟ سألت الأمير بِقلق من دون أن يأتيها اية رد منه.
كلما تحركت أصابعه على الكُتب كلما شعر بِهالة مُختلفة تُناديه الى أن توقفت أصابعه على كتاب ينبض بِسحره له ليفتح عينيه يسحبه من مكانه.
انه بني الغِلاف من الجلد و عليه غباء مُكدس و ثَخين. نفخ عليه يُخَفِف منه ليتطاير الغبار أمام وجهه يدخل في عينيه قليلاً.
تباً. همس من بين أسنانه يمسح عيونه يرى على جِذع و غلاف الكتاب عنوان
غابات مظلمة في العالم الثاني لكنه فجأة بدأت كلمات العنوان بالتحرك، منها يختفي و منها يظهر جديد لتتحول الى عنوان الكتاب الحقيقي بِلحظة.
تاريخ مملكة شادونايت و حقائق عنها.
وجدته! قال فالكين بِرضا يُظهِر أسنانه البيضاء ليفتح الكتاب يقرأ أول صفحاته حتى يتأكد منه.
هل وجدته؟ سألته كانيلا تُلقي نظرة لورائها فأنها تسمع صوت غريب كأن أحدهم ينقُر بِأظافره على جذوع الكُتب و أصوات رفاقها مِن جهة أخرى يُشوش عليه.
سموك هل انتهيت؟ سألت مجدداً هذه المرة بِخوف.
لقد عثرتُ عليه و أخيراً.
قَلَب فالكين صفحة ثانية يجدها تتحدث عن بداية أنشاء مملكة شادونايت ليقرأها بِحماس فكل كلمة تجذبه لكي يقرأها كلها.
عاد صوت النقَر من جديد لتنظُر كانيلا الى خلفها و نبضات قلبها تتسارع.
فالكين! هل لكَ أن تسرع.
انتظري لحظة بعد!
عقدت حواجبها بِتوتر ترى إكسانا و بلايز مُشَتتان بِبعضهما و هي الوحيدة التي تسمع النقر المُستمر من خلفها يصبح أقرب و أقرب.
فالكين أرجوك أستعجل! همست بِقوة له تنظُر لِلمرة العاشرة الى ورائها لتجد فجأة ضباباً أبيض يتقدم نحوهم بِبطء في الهواء.
توَسعت عينيها على ذلك ليقشعر جسدها بأكمله، تسمع نبضاتها في دماغها.
فالكين! لم تكترث هي لِلهمس بعد الأن بل صاحَت بِوضوح لا تُبعِد عينيها مِن ورائها.
ما الخطب؟ رفع فالكين مُقلتيه عن صفحات الكتاب يُغلقه بِغضب لأنها تُكَرِر كلامها ليراها تحدق بِشيء ما في الأفُق و كذلك هنالك ضباب قادم من مكانٍ ما.
حرك عيونه التي تبدو سوداء في الظلام على منطقة ظهور الضباب منه ليرى فجأة ما رأت كانيلا، ضوءين صغيرين جداً باللون الأحمر. كلاهما قريبان من بعضهما يُشَكلا مُقلتين.
فالكين. أرتجفت نبرة كانيلا مَذعورة ليأخُذ الأمير الفانوس بيده الفارغة لا يُبعِد نظره عن تلكَ المُقلتين التي فجأة ظهر فيها نقاط سوداء.
تحركت المُقلتين نحوهم بِبطء مع الضباب الى أن بدأ يتجسد جسماً، ساقين، ذراعين، مَلابس سوداء، رقبة عليها رأس أفتح بِقليل من لون الملابس، شفتين بنفسجية داكنة، أنف، عيون حمراء و أخيراً شعر أسود.
توقف ذلك الشخص مُتوسع العينين لترتفع زوايا شفتيه حتى ظهرت أسنانه البيضاء ليست طبيعية، بل مُدببة و حادة.
لم ينتظِر فالكين أكثر فأنه لم يَعُد يسمع أنفاس كانيلا. قفز من على السلم يحمل بيد الفانوس و بالأخرى الكتاب حتى هبط على الأرض يُعطي كانيلا الكتاب مُمسكاً بيدها.
أركضوا! صرخ بأعلى صوته لِلذينَ معه ثم التَفتوا و ركضوا.
انتبه فالكين بِطرف عينه تحرُك ذلك الوحش و هو يسحب معه كانيلا لكي يركض بسرعته السحرية التي تمتلكها كل الجنيات.
ركضوا كلهم في ردهة بِلا توقف لأخذ نفس بعدها أخذو منعطفاً على يسارهم ليرى فالكين الضباب على كلتا الجهتين خلف الرفوف التي يُمكن رؤية ما ورائها من رفوف أخرى و ممرات أخرى.
انه هو! انه هو! صاحَت إكسانا بِرُعب تطير معهم.
لا تفقدوا تركيزكم و لا تنظُروا له. أمرهم فالكين يركض و يركض و يركض يحسب معه السفيرة و فستانها الأبيض يطير من خلفها الى أن توقفوا بين أربعة ممرات.
واحد أمامهم، على يمينهم، يسارهم و الذي أتوا منه.
اللعنة! ايهما نختار؟ قال هو ينير بالفانوس على الممرات ليجد الوحش يتحرك خلف الرفوف مِن يمينه يمشي بِبطء كما لو انه الضباب نفسه، لا يوجد صوتً لأقدامه على الأرض الى أن وصل لأمامه.
رفع الوحش يداً أصابعها مُدببة مثل أسنانه ليس لديه أظافر عليهم يُحرك رأسه على جنبه ليقول بِبطء.
لديكم شيئاً يَخُصني، صوته الشبيه بِهَسهسة الثعبان أرسل اهتزازاً لِلكيان ليرفع فالكين الفانوس نحوه يُنيره قليلاً كي يراه جيداً.
عصر هو يد كانيلا بيده يتأكد انه لن يُفلتها و هي أقتربت منه أكثر تلتصِق بِذراعه و تقف خلف جزء من جسده.
هذا الكتاب ليس لك. أخبره فالكين بِصرامة لا يخافه.
كَبُرت بسمة الوحش يُعيد ذراعه على جنبه.
انه لي فَهو من الظلام و كما ترى ايها الأمير انا ايضاً جزءً منه.
ليس صحيحاً لهذا سوف نأخُذه معنا مهما كان.
انكمشت بسمت الوحش لتصغُر بِبطء يبدو انه ليس معجباً بِكلام الأمير.
أعده لي أو اعطيني روحها، حرك تلكَ المُقلتين الحمراء و السوداء على السفيرة لتتبحلق عينيها و تبلع ريقها.
قربها فالكين من جسده يلاحظ أنَ حرارة جسدها منخفضة فَهو يشعُر بِحالتها لأنَ هذا الوحش ليس حسن المَظهر.
لم يتفوه فالكين بِحرف ينظُر على الممرات الباقية عدا التي أمامه بما أن الوحش فيه كي يُنقذ نفسه و من معه.
من الغريب رؤيتكَ هنا أيها الأمير. قال الوحش يُمرر أصابعه النحيلة المقززة على الرفوف بجانبه.
ما الغريب بِوجودي هنا؟
لستُ أدري، اسأل نفسك. اليس لديكَ ما تقلق من أجله؟
عقدت فالكين حواجبه لا يفهم ما يعينه.
ماضي، حاضر و مستقبل مظلم، تمتم الوحش يوقف تحريك أصابعه على الكتب ليحدق به فالكين و مع الباقين.
عن ماذا تتكلم؟ كانيلا سألته بِجرئة.
أشاح الوحش بِعينيه اليها لترتفع زوايا شفتيه الجافة للأعلى بِسمة عريضة في عينيه جحيم.
أنظروا من لدينا هنا، السفيييييرة. همست بِلقبها كأنه يتذوقه في فمه لتبلع هي ريقها.
الضحية، ذات القدر المُحزن.
ارتجفت جفونها على ذلك لكنها لم تتفوه بِحرف. تقدم الوحش خطوة نحوها ليرجعوا هُم خطوة الى الوراء و فالكين يستعد بِقوته إن أضطر لاستخدامها.
ذات القلب الشُجاع الذي أغلقت عليه و حبسته، تُعَذِب و تقتل نفسها بِ--
هذا يكفي! صاحَت عليه و الدموع تتجمع بِعينيها.
أخَذ فالكين نظرة على جانب كتفه، عليها يراها تُخفي وجهها بِكتفه.
بدأ الوحش بالضحك كالمجنون يُصبح صوته صدى من حولهم، يأتي من كل جهة كما لو انه يمتلك مستنسخين منه.
قلت أعيدوا الكتاب لي! صرخ الوحش يذهب اليهم مُسرعاً مادِد مخالبه ليُقَرِر فالكين أنَ المَمر الأيسر هو الأفضل.
ركضوا جميعهم يهربون من الوحش قبل أن يمسكهم يُخبر كانيلا أن تتمسك بالكتاب بأحكام كي لا يقع منها و يذهب كل بحثهم بلا فائدة.
أخذو مَمراً أخراً عندما لم يعودوا يرو الوحش خلفهم أو مِن حولهم، طار كُلاً من بلايز و إكسانا معاً أمامه كي يعثروا على طريق لِلعودة.
مِن هُنا! أشار بلايز على يسار فاكلين ليومئ هو يأخُذ معه السفيرة.
لن تهبروا من وحش الظلام، قال لهم الوحش هامِساً ليركضوا أسرع و أسرع يلحقون بِبلايز و إكسانا فَيبدو انهم حفظوا الطريق و يعرفون الى اين يقودونهم.
و هُم يركضون بِلا انتباه ارتطموا بِمَن تركوهم لتقع كانيلا على الأرض و جونيبِر كذلك.
يا للهول ما الذي يحدث؟ اين كنتم؟ سألهم ريزار يُساعد كانيلا على النهوض بينما فالكين ساعد جونيبِر لتنهض تشكُره و تُنَفِض الغبار عن ملابسها.
كانيلا الكتاب؟ التَفت فالكين عليها لتُريه انها تَحمله تُريح من باله.
انه هنا، الكائن، اعني الوحش لقد رأيناه! شرح لهم بلايز باختصار لتتوسع عيونهم و جونيبِر وَضعت يدها على فمها تشير لخلفهم على شيء ما.
عقد فالكين حواجبه يلتَفِت الى ورائه ليجد ما تُشير عليه.
انه الوحش نفسه يقف بعيداً رأسه على جنبه مُبتسماً أسنانه ظاهِرة.
لقد عثرتُ عليكم. أخبرهم الوحش ليمسك فالكين بيد كانيلا و يصرخ لِلجميع كي يركضوا نحوى المَخرج الذي لا يروه بعد.
أنصتوا له بِلا تفكير و ركضوا مع بعضهم.
لقد توقعتُ ظهوره! صاحَت جونيبِر راكضة تأخُذ نظرة على مَن يطاردهم.
اركضي و توقفي عن النظَر! قال توك يَسحبها معه ليسرعوا أكثر.
لن تهربوا مني، سوف. أخُذ. أرواحكم كلها. همس لهم الوحش صوته قادم مِن كل جهة.
اسرعوا اسرعوا! صاح لهم فالكين.
فجأة أصبح الضباب أثقل و أثقل من أمامهم يُصعِب الرؤية عليهم.
لا يمكنني الرؤية مِن الضباب! قالت جونيبِر.
انها مُحقة فالضباب حجب عليهم رؤية الممرات و طريق المخرج ليبدأ الأمير بالشعور بأول مرة منذُ البداية بالخوف، ليس على نفسه على مَن معه و خاصةً الفتاتين و الصغيران.
فهُم الأضعف.
ليس باستطاعتي رؤية الطريق! عادت جونيبِر تقول ليُلقي الأميرة نظرة على السفيرة يراها تركض بِعزم لا تكترث لشيء غير النجاة.
سوف ننجو منه. أخبرها هو لا يعلم إن ما كان يُقنعها أم يقنع نفسه.
لا بأس اركضي مهما كان. قال ريزار لجونيبِر ليطيروا الصغيران يسبقونهم فَلقد تذكَر فالكين انهم يستطيعون أخبارهم عن الطريق لأنهم أسرع منهم.
سوف أقطع أجزائكم الى قطع صغيرة أتغذى عليها كل يوم بِبطء و أشرب دمائكم الذيذ. عاد صوت الوحش هامِساً يجعل أعضائهم تهتز من الداخل.
أاااه لم ينتبه على ما حدث تالياً و إذ بِيد السفيرة تُفلِت من قبضته لوقوعها توقِع معها الكتاب.
تجمد فالكين بِمَطرحه يستدير اليها ليركض نحوها بسرعة يرفعها عن الأرض بينما ريزار ركض يحمل الكتاب و الباقي ينتظرونه لأخذ كانيلا.
لقد تعثرت بِشيء ما. قالت كانيلا مُمسكة بِاليد المَمدودة لها.
أراد فالكين أن يرفعها لكي يكمِلوا هروبهم لكنها و من دون سابق أنذار ارتفع الجزء السُفلي من جسدها في الهواء كأن أحداً أخر يسحبها بِعكس الاتجاه لتصرخ كانيلا بأعلى صوتها تُمسك بيد فالكين بِكلتا يديها.
كانيلا! صاح هو يسحبها اليه ليركض توك يَلُف يديه حول خصر الأمير يسحبه ايضاً يزيد من القوة.
سوف أخذها منكم و أعذبها الى أخر انفاسها و صرخاتها العذِبة. ضحك الوحش يَظهر من الظلام لا يستخدم يديه لِسحبها نحوه بل شيء ما مِن الضباب يفعل.
فالكين! صرخت كانيلا.
لن أدعكِ ابداً.
روحاً مُقابل الكتاب. قال الوحش ضاحِكاً.
رأى فالكين انها لا فائِدة من السحب لهذا رفع يداً حركها في الهواء بِقوته لكي يوقع الكُتب من كلا الجهتين من على الرفوف و فوق الوحش ليُفتلها الضباب حتى وقعت فوقه.
رفعت هي نفسها تضع يديها على الجهتين من رأس فالكين ليحدق بها لِلحظة وجهها قريب جداً من وجهه.
أسفة. هَمست هي تُحاول النهوض عنه لكنها لم تستطع ليعقد حواجبه لا يفهم سبب إطالتها.
لا أقدِر على تحريك ساقاي. قالت هي له لينهض من أسفلها و يحملها بين ذراعيه و يركض بها مع الجميع فلا وقت لِتَضيعِه بالأسئلة الأن.
اننا نرى المَخرج. قالت إكسانا قبل أن تطير تسبقهم الى بلايز.
لم يروه هُم المخرج الذي أخبرتهم عنه لكنهم ركضوا خلفهما يثقون بهم كما لو انهم أعينهم.
لن تهربوا مني! هذه المرة صرخ الوحش من كل الجهات ليشعر به فالكين خلفهم تماماً.
تحكم هو بِقوته كي يجعل من الكُتب كلها تقع من ورائهم على الوحش حتى يُعرقلوه و إثر ضغط القوى أوقع فالكين الفانوس من يده على الأرض لتنطفئ الشُعلة بِداخله و يبقى لديهم ما يُنير هو فانوس الذي يحمله ريزار أمامهم.
هل اقتربنا؟ سألهم فالكين من بين أسنانه.
اننا نرى ضوء المكتبة. أجابته جونيبِر ليبتسم هو يدع من ساقيه تحمله بِقدر الأمكان الى أن رأى حقاً نور المكتبة.
لقد وصلنا. همس هو لِكانيلا لتومئ له تنظُر لِلمخرج.
أعطوني الكتاب! ارتجت الأرض تحت أقدامهم من صوت الوحش الغاضب.
خطوات قليلة تبقت على المَخرج.
انه قريب منا. أخبرته كانيلا تنظُر من خلف فالكين و الضباب حقاً يقترب منهم ترى فيه عيون حمراء و أسنان بيضاء حادة.
عشرة خطوات باقية لِلمخرج.
اسرعوا أرجوكم! صاحت لهم إكسانا من عند المخرج و الضباب أصبح يُلامس ملابس فالكين من الخلف.
خمسة خطوات تبقت لِلمخرج.
أخذ فالكين يتنفس بِشدة قلبه يضرب ضد صدره حتى الألم و فَخديه تحترق من الركض لكنه لم يستسلم أو يتوقف بل ركض أكثر.
هيا هيا! لوَح لهم بلايز من عند المَخرج بِجانب الصغيرة.
سَننجوا. قال ريزار يلقي نظرة خاطِفة على الأمير.
خطوتين لِلمخرج.
مَد يده الوحش لكي يُمسك بِسترة فالكين السوداء لكنهم وصلوا الى المكتبة و نورها ليقفزوا جميعهم له يقعون على الأرض عدا أنَ الوحش أمسك بِملابس فالكين و سحبه الى الوراء ليُلقي فالكين بِكانيلا من ذراعيه ينقذها.
وقعت على مؤخرتها تصرخ له ليركض ريزار بِعكس الطريق الى الأمير بأخِر لحظة و قبل فوات الأوان أخرج ريزار خنجراً من جيب بطاله في فخده ثم غرزه في يد الوحش لكي يُفلِت فاكلين يوقعه على الأرض يسمعوا صراخ الوحش و دمائه السوداء تَسيل من جرحه على الأرضية الخشبية.
لكن النهاية لم تَكُن سعيدة لأنَ بيد الوحش الثانية التَقط ساق ريزار و سحبه بِقسوة الى الظلام، فالكين لحقه بِأخِر نفس يُمسك بِيد صديقه.
فالكين لا تُفتلني!
لن أفتلك و لن أخسرك. رد عليه يسحبه اليه فَجسد ريزار السُفلي أصبح في الظلام بينما من بطنه و أعلى في نور المكتبة.
خطرت فجأة فِكرة على بال فالكين. أفلت هو يداً مُمسكة بِصديقه ليأخُذ الفانوس من على الأرض يكسره و يُلقي به نحوه الظلام بنفس اللحظة أفلَت يد صديقه الثانية ثم رفع فالكين كِلتا يديه أمامه و أطلق على الفانوس دفعة مُتحكمة بالهواء من حولهم لتأكل نيران الفانوس الهواء تتغذى عليه حتى تحولت من شُعلة صغيرة الى نيران متوَهجة عملاقة تحرق يد الوحش و ما يوجد خلفها من ظلام.
وقع ريزار على بطنه و وجهه و معه فالكين على مؤخرته يُشاهدون كرة النار الكبيرة تدخُل الظلام بِسرعة خارقة تُنير الظلام مع صرخات الوحش التي أصبحت بعيدة أكثر و أكثر مع الكُرة حتى صارت شُعلة صغيرة و أختفت.
حدق الجميع بالظلام يُشاركون أنفاساً هائجة و غير مُنظمة قوية يسمعوا من خلفهم أصوات أقدام أتية اليهم ليعلموا انهم العُمال و الحُراس قادمون لِلمساعدة.
نهض فالكين على ساقيه ثم ذهب الى صديقه الذي لا يتحرك من مَطرحه. جلس على ركبتيه بِجانبه ثم أزاحه حتى أستلقى على ظهره يراه بخير صدره يرتفع و يهبط بِسرعة.
هل انتَ على ما يرام؟
أومئ ريزار يمسح العرق من على جبينه ليقول
لكني لا أشعر بِساقاي.
عقد فالكين حواجبه يضع يديه فوق سيقان صديقه يضغط عليهم.
هل تشعر بالذي أفعله؟
ل-لا، لا أشعر بشيء.
أحَس أنَ حلقه تحول لِلجاف كَرمال صحراء كاداري ليلعن تحت أنفاسه.
سيدتي! رأى إكسانا تطير نحوى كانيلا ليركض فالكين اليها ايضاً يُقرفص بِجانبها و هي جالسة.
ما الخطب؟
انني لا أشعر بِساقاي و لا يمكنني تحريكها. أجابته كانيلا.
ما الذي يحدث بِحق الجحيم؟ فَكلاهما فقدا حاسة الشعور بِالجزء السُفلي من جسدهم و هما الوحيدان الذان لمسهما الوحش.
اين الكتاب؟ سأل فالكين جونيبِر لترفعه تُريه انه معها.
فهم أتوا من أجله و إن خسروه كان فالكين سيدخل الى ذلك الظلام و يُشعِل كل ما فيها بالحريق.
ما الذي يجري لهما؟ سأل بلايز يقف على كتف سيده قلق يحدق بِسيقان كانيلا.
لستُ أدري، لكن حالتهم خطيرة. رد فالكين ينظُر من كانيلا الى ريزار.
- فالكين-
في غرفة الطبيب الملكي جلس صديقي و كانيلا قريبان من بعضهما على سريرين بِأغطية بيضاء و الطبيب يفحصهما باستمرار يُطَرطِق بِلسانه بين حين و أخر لأتبادل انا النظرات مع جونيبِر و توك كلما سمعناه يتنهد يتنقل من شخص لِثاني.
إكسانا و بلايز وقفا بِجانب بعضهما مُتمسكان بِبعضهما يحدقون بِكانيلا التي تَهُز رأسها عندما يسألها الطبيب إذا ما تشعر بِحركة مُعينة أو وغزة الإبرة على أصابع قدميها.
تنهد الطبيب لِلمرة الألف ليترك الأدوات الطبية من يديه فوق الطاولة و يلتَفِت الينا، نحنُ الذين نقف بالقُرب من الباب الداكن كَلون الغرفة و أثاثها الكئيب.
لا اعلم ما خطبهما بالضبط، لقد حاولتُ العثور على المشكلة عن طريق السحر لكن لا شيء يُجيب على اسئلتي. أخبرنا الطبيب يخلع نظارته عن أنفه النحيل الأعوج ليَفرُك عينيه.
ما الذي تعنيه لا شيء؟ انهما فاقدان لِلحس في الجزء السُفلي من جسدهم منذُ ساعة الأن. اندفعتُ اُفرِد ذراعيي في الهواء بأحباط.
لا بأس فال، ربما يكون مؤقت و كل شيء سيعود كما كان. قال ريزار مبتسماً كما لو انني انا المُصاب يحاول تهدئتي و طمئنتي.
ما العمل إذاً ايها الطبيب؟ سألته جونيبِر معقد الحواجب.
سوف أصنع دواءً قد يساعدهم لكن أحتاج لِلوقت.
و كم من الوقت تحتاج؟ انا سألته.
نظر لي الطبيب ذو الشعر الأبيض الخفيف بِبطن كبيرة بعض الشيء و لحية مع شوارب مُلتوية عند الأطراف يرتدي رداءً طويل يصل لِكاحليه بِلون أخضر زيتي و على كتفه توجد علامة عصى حديدية حولها زهرة عليها أشواك (علامة الأطباء في المملكة) و حول خصره يلتَف حبل أسود سميك.
يومين أو ثلاث سموك. أجابني هو يعيد وضع نظارته المُدَورة.
رأيتُ بِطرف عيني وجه كانيلا يتحول لِلشاحب تعض على شفتيها لكنها لم تتفوه بِكلمة و ظلت صامتة.
فتحتُ فمي لكي أخبره اننا لا نملك الوقت للانتظار و قد لا ينجح دوائه بِأنقاذهم لينفتح فجأة الباب يدخل عبره فالين غاضباً، فينار و مايكا، لأول مرة على وجهه علامات القلق.
لما لم ترسلوا خبراً بِوقت أسرع! قال فالين يقف عند سرير كانيلا مُمسكاً بيدها بينما فينار ذهب الى ريزار تطمئن عنه و مايكا وقف بِجانب الملك ينظُر على كانيلا بِعيون مُتوسعة.
رفعت هي عينيها عليه ابتسمت قليلاً قبل أن تعود الى الذي يُكمل كلامه بِغضب
كان يجب عَليّ منعكم من الذهاب و عدم القبول، فأنظروا ماذا حدث.
رجاءً يا رفاق لا لِلذعر فَهكذا لن تقدروا على مساعدتنا. قال ريزار يُرَبِت على يد فينار المُمسكة به يُعطيها بسمته الجانبية.
كيف تقول هذا و أنتم لا تستطيعون المشي؟ سألته فينار.
سوف أفعل ما بوسعي لكي أجِد الحل جلالتك. تقدم الطبيب الى ملكه.
كيف حدث أصلاً؟ سألهم فالين ينظُر على كلاهما.
لقد تم مسكهم من قِبَل الوحش هناك و بعدها لا نعمل. أجابته جونيبِر ليستدير فالين اليها مُضَيّق العينين كأنه يتساءل مَن هذه التي تكلمت.
انتِ ابنت زيو الثانية صحيح؟
أومأت هي مرة تنحني احتراماً لِوجوده.
انني اعمل ايضاً في المكتبة لهذا رأيتهم و ذهبتُ معهم.
جيد ما فعلتِ.
فالين لا يوجد علاج لهما كما قال الطبيب للأن فَماذا يجدر بنا فعله؟ وقفتُ بِجانبه عند أقدام كانيلا المُغطاة القي نظرة خاطفة على مايكا و كيف أن عضلة فكه السُفلية تتحرك كثيراً كأنه يريد التكلم لكن غَيّر من رأيه، عينيه لا تترك كانيلا.
نعم، بكل تأكيد يوجد شيء ما بينهما لكنني لم أتفوه بِكلمة، بعد.
بعد الكثير من النقاش الذي دار بيننا في غرفة الطبيب قررونا أن نُرجِع كانيلا الى غرفتها و ريزار الى غرفته لكن قبل ذلك خرجنا جميعنا مِن عند الطبيب لأطلب فالين لوحده كي أتكلمه معه على أنفراد ليومئ مايكا و يتركنا يقف مع توك.
هل وصلك الكتاب؟
نعم سوف ابدأ بِقرأته بالإضافة لقد أرسلتُ طلباً الى مملكة سنويان و ننتظِر رد كيجا قريباً.
جيد جداً و متى سَتُشاركنا الكتاب؟
هَمهَم فالين يَحُك ذقنه بِتفكير ليرد.
بعدما أقرأ ما يهم فيه كي أشارك المعلومات الازمة معكم.
أوماتُ له بِتفهم ليذهب مع مساعده الشخصي الى مكانٍ ما. أرادت فينار اللحاق بهما لكنني أمسكتها من ذراعها العُلية أوقفها لكي تلتفِت لي.
هل مِن خطب؟
لقد سمعت انكِ سوف تذهبين الى المدينة الأن.
رمشت عَليّ لِلحظة قبل أن تقول نعم تكمل
لدي عمل لأكمله هناك.
هل من مشكلة لو أخذتني معكِ الى المدينة فَلدي شيئاً لأفعله هناك.
رفعت هي حاجباً أشقراً للأعلى بِتساؤل.
شيئاً؟ هل سَتخبرني ما هو أم انه خاص؟
ابتسمتُ لها أضع يداي في جيوب بنطالي مُجيباً
لنقول انكم سوف تعرفون بعد عودتي.
أومأت هي موافقة لنذهب انا، بلايز و معنا توك في نفس عربتها الى قلب مدينة الشمس من دون أن أضَيّع المزيد من الوقت فَهنالك شخصاً قد يقدر على مساعدة أصدقائي فَهو خبير في مجال السحر.
و أتمنى أن يوافق على القدوم معي الى القصر فإذا رفض، فَلا أدري ماذا سأفعل من أجل مساعدتهم مِن أثَر ذلك الوحش الذي رمينا أنفسنا اليه و ها نحنُ نندم أو بالأحرى انا الذي أندم أشَد الندم لسحبهم معي.
في عربة فينار جلستُ مواجهاً لها أنظُر عبر النافذة على ما في مدينة الشمس الجميلة في هذا الوقت من النهار.
يبدوا أنَ الجنيات في أتَم نشاطهم يطيرون في عملهم أو لكي يتبضعوا في السوق الشعبي و منهم يتمشى مع أحبائه أو لوحده يحملوا أكياساً ورقية و منها على شكل خيوط فيها أغراضهم.
تمنيتُ لو باستطاعتي عيش و لو يوم واحد من حياتهم لكي اعرف تماماً ماذا يفعلونه عند أستيقاظهم و حتى نومهم و لكي أشعر بِبساطة حياتهم.
أعلم أن حياة مَن هُم من الطبقة الفقيرة مختلفة جداً جداً عن من هم مَن الطبقة المتوسطة و الغنية. حتى رأيتُ البشر يُصادقون الجنيات و يضحكون معهم، هُم ايضاً لديهم حياتهم الخاصة، مُختلطين بيننا جيداً كأنهم منا و هُم أصلاً منا.
فَلا يُمكن القول انهم لا ينتمون الى هذا العالم بعد الأن.
علي ذِكر البشر، خطرت كانيلا على بالي و بالأخص نظراتها على مايكا و مايكا لها، لقد حدث بينهما شيئين أمامي جعلاني اُفَكِر من منظور أخَر عنهما.
لو كانا صديقان فالبتأكيد سيُلاحظ الشخص على الفور لكني رجل و أعلم كيف و ماذا تعني نظرات رجل لأمرأة بِأنواعها و مايكا لم يكُن ينظُر لها كما ينظُر الصديق لِصديقته.
فينار، ناديتُها مِن شُردها بالكتاب الذي تقرأه لترفع رأسها لي تُغلقه بين يديها.
ماذا هناك؟
أممم اريد أن اسألكِ عن شيءٍ أشعُر بالفضول بِأمره.
نعم تفضل، ما هو؟
أخذتُ اُفَكِر إن ما يجب حقاً عَليّ سؤالها أم ابقاء فمي و فضولي لِنفسي لربما هي لا تعلم أو قد تفكر انني أهتم لِلموضوع و انني شخص يُحِب التدخل في شؤن غيره.
لكن لساني تحرك من تلقاء نفسه و سبقني يسألها
هل يوجد شيء بين اللورد مايكا و كانيلا؟
حدقت هي بي قليلاً و العربة تهزُنا إثر تحركها كما فعل بلايز الذي يجلس فوق كتفها كان يقرأ معها، لتضع الكتاب فوق المِقعد بِجانبها قبل أن تجيب
ألا تعلم أن كانيلا تكون--
لقد وصلنا سموكما! قاطعها صوت سائق العربة من الخارج لننتبه انها توقفت عن التحرك و ضجيج المدينة يفوق ما كانَ يحجُبها من عجلات و صوت حوافر الأحصنة على الأرض من الحجر.
فتح باب العربة يَظهر لنا السائق ليَمُد يده لِفينار كي يساعدها بالخروج منها.
لنتكلم عن الأمر لاحقاً. أخبرتني هي تنزل من العربة لألحق انا وبلايز بها، نرى توك يُرَبِت على رقبة أحَد الأحصنة البيضاء.
انا سوف اذهب الأن، هل انتَ متأكد انكَ ستكون بأمان الى حين انتهائي، فأنا لن أطيل عليك. قالت فينار تُغَطي رأسها بِغطاء الرداء الذي ترتديه و مُماثل له ارتديت واحداً انا و توك القادم نحوي.
نعم، خُذي وقتك و سوف نتقابل عند العربة.
أومأت هي متفهمة لتَمُد أصبعاً تمسح على رأس بلايز توَدعه ثم التَفَتَت و ذهبت الى مكانها تَختفي بين الحشد.
هيا بنا توك لدينا عمل. قلتُ لِحارس الشخصي ليضع الغطاء مثلي على رأسه يمشي بِجانبي في طريق المدينة و حاراتها.
مشينا دقائق قصيرة في الطرقات الى أن وصلنا أمام متجر ألبسة شهير. رفعتُ عيناي على أرجاء المتجر بعدها فتحتُ الباب و دخلت اليه، كالعادة مليء بالمُشتريين و العُمال الشبه عاريين و الموسيقى يعزفها فريق على مِنصة يزيدون من جمال الأجواء.
تحركنا باتجاه الدرج الذي يقود لِلطابق الثاني مكان تواجد مكتب كاغوا، أومئ لِمن يراني لا اتوقف لِلحظة لكي أرد على العاملة التي سألت إن ما كنتُ أحتاج شيئاً.
تصرُف وقح مني لكنني في عجلة من أمري و لا استطيع التأخر أكثر.
طرقتُ الباب ثلاث مرات لأنتظِر بِنفاذ صبر أضرب بِقدمي على الأرض بِسرعة لأسمع صوت أحدهم يتحرك من خلف الباب بعدها فتح يظهر لي كاغوا رافع الحواجب.
سمو الأمير، أية رياح ألقت بكَ الى هنا؟
لم ابتسم له بل دخلت أخبر توك و بلايز أن ينتظراني في الخارج حتى انتهي.
أغلق كاغوا الباب لأذهب انا و اقف بالقُرب من المكتب من دون الجلوس و هو وضع يداً في جيب بنطاله البني المُخَطط باللون الأصفر.
يبدو انكَ غاضب، مَن اغضبك؟ سألني هو عندما لم أتفوه بِحرف.
اريد من أن تُساعدني بِمسألة مهمة جداً.
أخَذ هو خطواته الكبيرة الى خلف مكتبه ليقف خلف كرسيه و يتكئ عليه بِذراع.
لديكَ الكثير من المَسائل المهمة هذه الأيام، سموك.
عقدتُ حواجبي بِبعضها لا افهم سبب بسمته الجانبية و كلامه ذاك لكني لم أبادره بل أكملتُ عن الذي قدمتُ من أجله
حدثت معنا-اعني مع أصدقائي مشكلة، لقد تعرضوا لِسحر أسود قد افقدهم القُدرة على تحريك أعضائهم السُفلية و لم نستطع تداويهم.
مِن اين تعرضوا لِلسحر الأسود؟
تنهدتُ اُمَرِر أصابعي بين خُصلات شعري الأسود ليقع القليل منه على جبيني
لقد دخلنا مكان خطير في المكتبة الملكية و هناك يوجد ال--.
جي أوكس، الأسطورة المُظلمة في عمق المكتبة الملكية و وحشها.
رمشتُ عليه كالأحمق الذي تم صفعه لأهُز رأسي اُعيد نفسي لِلجدية لأومئ له.
نعم هو، يبدو أنَ أسطورته شهيرة جداً.
لا، لكنني اعرفها لأني أكبر منكم جميعنا، على اية حال ما الذي تريده مني سموك؟
تقدمت انا خطوة الى مكتبه أرى بِطرف عيني قبعته العجيبة و العين في مقدمتها مُغلقة هذه المرة.
اريد منكَ أن تأتي معي الى القصر لي تُعالجهم.
ارتفعت زاوية من شفتيه للأعلى ثم وقف مُستقيماً.
ما الذي يجعلك تظُن انني قادراً على علاجهم؟
الستَ أقوى ساحر في هذا العالم؟ اعتقد أنَ لديكَ الخبرة بِسحر أسود و من المُمكن أن تداويهم لأنَ الطبيب الذي لدينا لم ينفع.
هَمهَم هو يُسَرِح شعر لحيته الخفيفة تصل لأسفل ذقنه بِقليل.
و هل انا مُرحب بي في القصر الملكي؟
إذا احضرك أمير اليه فَنعم انا متأكد أنَ فالين لن يُمانع.
ظل مبتسماً لا تتزحزح شفتيها النحيلة من مطرحها ليَحمل على ذراعه معطفه البني مِن على كرسيه ثم قبعته العجيبة ليضعها فوق رأسه و العين التي عليها، فُتِحَت بِبطء كأنها استيقظت من نومها لترمُش عدة مرات قبل أن تنظُر لي.
شعرتُ بِقشعريرة تصعَد على عامودي الفقري.
لنذهب إذاً و ننقُذ أصدقائك. قال كاغوا يُظهر أسنانه اللؤلؤية لنغادر المكتب و مع فينار المُحتارة التي تحدق بِكاغوا المبتسم نحنُ بالعربة نعود لِلقصر الملكي.