رواية تحت الغطاء الأبيض الجزء الثاني للكاتبة مينار الفصل التاسع والعشرون

رواية تحت الغطاء الأبيض الجزء الثاني للكاتبة مينار الفصل التاسع والعشرون

رواية تحت الغطاء الأبيض الجزء الثاني للكاتبة مينار الفصل التاسع والعشرون

لا أعلم إن ما كنتُ أتوَهم ما يحدث لكني أحسستُ بِشيء غريب في صدري. كأنَ ضوء ما ظهر مع كل قُبّلة و لمسة و انا أحببتُ الشعور جداً، انه مُدمن يترجاني بِفعل المزيد و المزيد لكني رفضت و بقيتُ مُمسكاً بها اليّ و شفتاي على شفتيها الناعمة.
لا أعرف بِماذا تشعر كانيلا، فَليست لدي قوى قِرأت الأفكار لكن أحسستها تتفتح كالزهرة في فصل الربيع. جميلة، رقيقة خاطفة للأنفاس، حرفياً.

أنتظِر، هَمست هي بِصوت فيه بَحة و أنفاسها متقطعة لِتبعد رأسها عني قليلاً كي تنظُر اليّ في العينين.
لطالما قلت أنَ لون عيونها بني و أفتح و فيهم لهب مِن نوع يمكنكَ رؤيته إن حدقت بهم مطولاً أما الأن فهم نيران.
تلمع كالياقوت الأحمر، البؤبؤ متوسع و حوله الحَمار ليس بِشكل مُخيف بل جاذب للانتباه. وجهها يُشِع بريقاً و نضارة، كأنها شخص مختلف أمامي، شخص حقيقي.

ظللتُ ممسكاً بها، يدي خلف ظهره السُفلي و الأخرى خلف رقبتها بين شعرها و هي، يديها مِن حولي كلانا نتنفس كما لو اننا كنا نركض لأميال.
ه-هل من خطب؟ سألتها أحاول تنظيم أنفاسي و نبضات قلبي الهائجة.
هزت هي بِرأسها مرة واحدة تُشيح بِعينيها الجميلة لفوق كتفي، على ما أظُن تنظُر الى المنزل الصغير الخاص بِإكسانا فوق جذع نبتة، أو عصى موصولة بها و يبدو انها تتأكد أنَ مرافقتها و بلايز فيه.
آوه اللعنة!

لقد نسينا تماماً انهما معنا.
لكن لا يمكن أخفاء هذا عنهم، بِما انهم يرافقوننا أينما ذهبنا و أتمنى انهم لن يخبروا أحداً بما رأوه و إلا...
حسناً، لن يكون ما حدث أو يحدث بيننا مشكلة حتى لو عرف أحدهم، ليس بالضبط لأننا في يوم سيهينا و انا على اية حال سوف أنسى غداً بعدما أستيقظ.
ولكن كانيلا...
آوه لا!

كانيلا ليست سحرية مثلنا نحن الجنيات بل هي بشرية و ما يجري بيننا لن، لن تقدر على نسيانه و هذا، ما فعلته و قَبِلت به يكون قرارها هي بِ--
بِماذا تُفكر؟ قطع سؤالها حبل أفكاري العاصفة لأعيد عيناي عليها، فَكنتُ شارداً أحدق بالجدار خلفها.
أجِد رأسها مائل على جنب و رقبتها العارية مع صدرها واضحي--
سموك؟ تساءلت هي مجدداً لأرمش عليها كَسرعة البرق أهُز رأسي و أعطيها بسمة خفيفة.

كنتُ أفكر كم انني لطالما أردتُ تقبيلك.
حدقت بي متفاجئة عينيها بِلونها الأحمر اللهبِ متوسعة قليلاً لكنها لم تقل شيئاً لتشيح بِنظرها عني تَحطهم على القمر في أعلى السماء و النجوم التي تغمز، نسمة الربيع العليلة تدخُل عبر النافذة التي نقف بِجانبها، تحرك من شعرها الحريري و شعري.

توقعتُ منها أن ترُد بِشيء ما على كلامي، لكنها لم تفعل لأشعر بِخيبة أمل كبيرة بِداخلي لأني أردتُها أن تخبرني بِذات الشيء أو ربما اية شيء لكي تجعلني أسعَد بِكوني معها، أحضنها و ألمسها كما تمنيتُ سراً.
لكنها لم تفعل.
انها ليلة جميلة. تَمتَمت هي.
سحبتُ نفساً أملئ فيه صدري قبل أن أقول عيناي على جانب وجهها المثالي
نعم، انها جميلة لِلغاية.
حركَت هنا رأسها نحوي ثم أخبرتني بِغرابة.

ليتَ الأمور كانت مختلفة، ليتني كنتُ مختلفة.
عقدتُ حواجبي بِحيرة من كلامها الذي لم أفهم منه شيئاً و منعتُ نفسي من الاندفاع و أخبارها انها مُخطئة و انها رائعة كما هي و لا تحتاج أن تتغير مِن أجل أحَد، لكن في تلكَ الكلمات التي تفوَهت بها، معنى لستُ مدركاً به.
معنى هي وحدها تعرفه و انا لم اسألها ما هو لأنني متأكد انها لن تخبرني، على الأقل ليس الأن أو اليوم و ربما ليس غداً حتى.

ماذا تريدين؟ خرج السؤال مِن فمي و هي ابتسمت بِرقة.
هذا، هذا كل احتجته و إن لم تمانع، دعنا نبقى هكذا قليلاً.
حركت رأسها بأتجاه النافِذة ثم وضعت خدها على صدري المكشوف بين ياقة قميصي ليتوقف قلبي لِلحظة عن النبض لكني عدتُ أدخل الهواء عبر أنفي ثم قَرّبتُها مني أكثر.
هذا ما احتجته انا ايضاً.

معانقتها بهذه الطريقة، لصدري و الأمساك بِها لفترة طويلة بين ذراعاي الى أن ننسى اين نحن و كل ما هو مِن حولنا. فقط نشاهد النجوم حول القمر، و نوره الساطِع الذي يُنير كل المملكة في هذا اليوم المميز بِحق.
لم أكُن لأخمن انني سأقضي أول احتفال سيهينا لي في حياتي كلها هكذا، مع شخص مميز و مَرغوب.
مع امرأة، مَخطوبة من رجل أخَر و لن أقدر يوماً على البقاء معها.

ارتجفت شفتي لِثانية و تعابير وجهي خَفت تعكس الحُزن الذي بداخلي و انا شكرتُ الله على كونها تشاهد السماء و لا تشاهدني انا لأني واثق انها سوف تعلم بالضبط بِما أفكِر به أو أشعر بِشكل عام.
عانقتها بِشدة ثم وضعتُ فمي على رأسها، أخُذ نفساً منها، أخَزِن رائحتها مِن الياسمين فيني و الأحساس بِها كله مع اني سوف أنساه، سوف أنسى كل هذا غداً.

أغمضتُ عيناي أدَع نفسي أستمتع بِهذه اللحظة معها و التي لن تتكرر فَلم يعُد هنالك عُذراً بعد هذا اليوم لِلأمساك بِها مثل الأن أو لِتقبيلها و مُعانقتها أو النظَر لها على انها مُسببة سعادة لا توصف بي.
كل شيء جميل له نهاية مؤلمة.

مَرت فترة زمنية طويلة و نحنُ نقف كلانا بِجانب النافذة نُعانق بعضنا. جانب رأسها على صدري و ذقني فوق رأسها على شعرها.
علي يميني أتى دفئ ما مع نور بعيد جداً فقط عيني اليمنى المُغمضة أحَست بِه.
تحركت كانيلا بين ذراعاي ثم رفعَت رأسها لأفتح عيوني و أرى تعابير وجهها مصدومة.

آوه يا للهول، قالت هي لأنظُر بِنفس الاتجاه أجد أنَ الشمس بدأت تظهر خلف الجبال بعيداً و هنالك غيوم بيضاء لا نجوم و لا قمر كبير في الظلام.
ما هذا؟ لقد قضينا ساعات بِنفس الوضعية؟
لم أكن أعلم انه بأمكاني الوقوف لساعات. أخبرتها مازحاً أحَرك ساق واحدة و ألعن بِصمت على الثقل فيها.
يبدو أنَ كل الدماء في جسدي أصبح يجري في ساقاي و رأيتُ أنَ كانيلا فعلت المِثل لتَعض على شفتيها بملامح وجه منكمشة.

و هي تحني ظهرها لكي تلمس سيقانها تتأفَف مِن التعب فيهم لمحتُ ذات الشيء الأسود على كتفها الايسر مع انه مُغطى بِكُم الفستان إلا انه تحرك قليلاً معها و كَشف جزءً من السواد.
انا واثق مئة في المئة انه وَشم الأن، هنالك خطوط مُلتوية بِخفة، خط واحد و خط أخَر بداخله و خطوط مختلفة من حول الأول.
بدا كَنصف زهرة؟
كانيلا؟ ناديتها أجعلها ترفع رأسها و تستقيم بِظهرها متسائلة.

ما هذا على كتفك الأيسر؟ أشرتُ بأصبع على الجزء المكشوف من الكتف لتتوسع عيونها كما لو انني أخبرتها انها تمتلك يَد ثالثة لتُعَدِل مِن كُم الفستان الى مكانه و تمسك بِذراعي لكي تُديرني في مطرحي و تبدأ بِدفعي نحوى الباب بِقوة.
مايكا سوف يكون هنا في اية لحظة بِما أنَ سيهينا على وَشك الانتهاء! أخبرتني هي تتفادى الإجابة على سؤالي تستمر بِدفعي خارج غرفتها.

سمعتُ كُلاً مِن بلايز و إكسانا يضحكون ورائنا و يلحقوا بنا.
متى غادرو المنزل الصغير؟
انا تساءلت.
لا أعتقد انه سوف يأتي الأن، فَما يزال هنالك ساعتين على انتهاء اليوم. قلتُ لها أدعها تدفعني مع انه باستطاعتي صدها و الالتِفات اليها بِسرعة لكني تركتها و هي مَذعورة بِشكل لطيف.
و مع ذلك، أحداً ما قد يرانا ايضاً.
و اين المشكلة؟ انا فقط أقضي يومي المميز مثل الجميع.
هذا ليس ما كنتُ أعنيه.
إذاً ماذا تعني؟

لا يهم ما أعنيه.
دفعتني مرة أخرى و أكملت حتى أصبح بيني و بين الباب أربعة خطوات كبيرة. و بِلحظة سريعة حركتُ رأسي على مكان التسريحة الخاصة بها لأجِد شيئاً يلمَع باللون الوردي مُعلق على المِرآة و عندما نظرتُ جيداً بِتمعن و أصبح لدي خطوتين كبيرة قبل وصولي الى الباب انتبهت أنَ ذلك الشيء الامع هي في الحقيقة القلادة على شكل فراشة التي أهديتها إياها مرةً.
هكذا تحتفظ بها؟

أعني انا لا أتذمر بل على العكس تماماً، فَرح جداً و مُمتن انها مَعلقة في مكان سهل رؤيتها فور دخولك الغرفة أو خروجك منها، مثلما انتبهت عليها الأن.
فتحت هي الباب لأفتح فمي و أعترض على لا أعرف ماذا بالضبط لكني لم أخرِج حرفاً، لتدفعني خارجاً.
انا حقاً أسفة. قالت هي ممسكة بالباب بيننا.

كانيلا انا-- رفعتُ أصبعاً لكي أخبرها انها تتصرف كالأطفال التي تم التَعدي على أغراضهم لكنها لم تسمع و أغلقت الباب بِوجهي تجعلني أرمش على الباب القريب من أنفي بِشكلٍ خطير.
أصبعي مازال مرفوع في الهواء و فمي شبه مفتوح.
هل، هل طردتني مِن غرفتها و أغلقت الباب بِوجهي؟
أم أنَ سحر اليوم يلعب في عقلي؟ لأني لا أصدق أنَ تلك المرأة الواعية و الذكية و اللطيفة فعلت هذا...

حسناً، كان ذلك مُمتعاً. قال بلايز ضاحِكاً مِن خلفي لأستدير اليه أزفر الهواء بِقوة من أنفي و أمسكه مِن جناحيه أدَع أذُناً تسمع اية صوت مِن الجهة الأخرى لِلباب لكن لا شيء، سوى أصوات أنفاس عالية.
هل كانيلا لا تزال خلف الباب؟
دعني ايها المتوحش! صاح بلايز يركُل الهواء بِقبضتي لأعيد تركيزي عليه أضَيّق عيناي.
و ماذا كان هذا الفم المثير للاستفزاز يفعل منذُ ساعات في منزل إكسانا؟

تبحلقت عينيه و توقف عن الحركة بِعُنف وَجهه تحول لِلون الأحمر.
همممم هل دُستُ على عرق حساس؟ سألته بِغيظ أرسم نصف أبتسامة.
انتَ حقير. هَمس تحت أنفاسه يعتقد انني لم أسمعه.
تركتُ جناحيه حتى يطير لوحده أمامي شفته السُفلية مَقلوبة منزعجاً من كلامي.
بدأتُ انا بالذهاب على الطريق الذي يقودني الى غرفتي و هو حلق ورائي.
يمكنني القول نفس الشيء عنك سموك، انتَ و الأنسة كانيلا كنتم سَتستمرون على ذلك السري--.

لم أسمح له بالأكمال لكوني استدرتُ بِسرعة البرق الى الخلف، التقطتُ جناحيه ثم ألقيتُ به بعيداً عني كأنه كُرة طائرة بعدها أكملت طريقي الى غرفتي و أغلقت الباب حتى لا يدخل و يزعجني، بالواقع الذي تفوه به.

استيقظتُ بِصداع طفيف لكني لم أهتم له و حاولتُ تجاهله قدر الأمكان. أخذتُ حماماً سريعاً ثم ارتديتُ ملابسي و غادرت الغرفة الى الطبيب لكي يأخُذ نظرة على جرحي الذي بدأ يُشفى بِشكل جيد.

أثناء وجودي عنده و هو يتفحص الجرح بِتمعن و هدوء يسألني بعض الأسئلة عن إن ما كنتُ أشعر بِنوع من الألم في جسدي أو اية شيء غريب و غير مألوف و انا أخبرته عن الصُداع ليتضح انه طبيعي، ولكن بعد لحظة تذكرتُ شيئاً فجأة جعلني أشهق كالأحمق في منتصف حديثي مع الطبيب.
و هو لكونه لم يتوقع ذلك أنتفَض بِمطرحه و ما يحمله بيديه وقع على الأرض.

تتساءلون عن الذي تذكرته لأنه جعل ردة فعلتي هكذا و أرعَب الطبيب ليتوقف عن عمله...
حسناً الأمر و ما فيه، أنَ وجه جميل جداً يعود لبشرية تعيش معنا في هذا القصر، ظهر في مُخيلتي و غير ذلك، ذِكرة واضحة لي معها في غرفتها، نُقَبّل بعضنا و نعانق بعض كأننا حبيبان منذُ سنين و سنين.
سألني الطبيب ما المشكلة و لماذا وَجهي شاحِب كما لو انني رأيتُ وحشاً في زاوية الغرفة. انا هَززتُ رأسي رافِضاً الإجابة.

بلايز مِن الجهة الأخرى رفع حواجبه بِحيرة لكنه كَبت نفسه الى أن غادرنا غرفة الطبيب و توجهنا الى قاعة الطعام مِن أجل تناول الفطور مع الملك و كل مَن يرافقنا في العادة.
و انا أخبرته كل شيء، بينما هو حدق بي على انني رجل لم يراه من قبل لأعرف انه لا يذكُر ذرة مِن الذي حدث البارحة في يوم سيهينا.
و هذا منطقي، هو كائِن سحري، و السحر في ذلك اليوم أثَّر به كَالجميع على الأقل.

لكني لسببٍ ما شعرتُ بِخيبة أمل لأنه لا يذكُر مع اني تمنيتُ أن ينسى سابقاً و بالفعل نسى، فَكُل شيء أنمسَح مِن ذاكرته عن ما حدث في الليلة الماضية.
مؤسف له و لإكسانا.
انتَ تمزح. تَمتَم هو يطير أمام وجهي و انا أمشي في الردهة التي بين حين و أخَر يظهروا خدم يعملون كَكُل يوم إلا انهم يبدون عاديين، ليلة أمس لم تحدث بالنسبة لهم، لكن هل انا الوحيد الذي يذكر؟
و لماذا يزعجني الأمر جداً؟

انا جاد بلايز، انني أذكُر كل شيء كأنه حدث قبل لحظات. قلتُ له بِوجه ثابت أجعله يَعقِد حواجبه يبدو انه يُدير الموضوع في دماغه و لا يجد سبباً مقنعاً.
هذا مستحيل،
وضعتُ يداي في جيوبي ثم هَززتُ كتفاي لستُ أدري ماذا أقول لأنني مازلتُ في حالة صدمة من الأمر.
هل، هل لأنكَ تحبها؟ تساءل بلايز بِنبرة هامسة كي لا يسمعونا مَن هُم قريبون منا.
أعطيتُ بلايز نظرة حادة ثم سرّعتُ مِن خطواتي قبل أن أخبره من بين أسناني.

انا لا أحبها!
شقلب هو مُقلتيه قائلاً
حسناً انا أعتذر مازال ذلك باكِراً، إذاً كيف تُفسر ذاكرة الفيل التي لديك؟
كما ترى انا لا أستوعب الموضوع مثلك و أكثر، لكن لا أعتقد أنَ للأمر علاقة بِما أشعُر به لها إن كانَ تجاذب أو شيء أخر.
شيء أخر؟
لم أتفوه بِحرف أو أبادر بالنقاش لأننا وصلنا الى القاعة و دخلناها.

وجدتُ فالين يتحدث مع مايكا عن أمر ما بينما فينار على يمينه و بِجانبها كانيلا، ظهرها لي و شعرها مَضفور على كتفها الأيسر أما ريزار في مطرحه على الكرسي الثاني من الجهة اليُسرى لفالين.
صباح الخير. قلتُ انا أجلس على الكرسي الخاص بي على يسار فالين بِجانب صديقي ليتوقف هو عن التحدث يُخبر مايكا بالذهاب لكي يستعد لشيء ما ثم أستدار الينا و أشار لنا كي نبدأ تناول الطعام.

سرقتُ نظرة سريعة على كانيلا و هي تتناول بعضاً مِن الفواكه من طبقها، أفكِر إن ما يجول ما حدث البارحة في عقلها مثلي بما انني لم أنسى و يبدو انني لن أنسى.
وضعتُ بعضاً من الجبن على طبقي مع بعض العنب الأسود ثم بدأتُ أتناوله اختلس نظرة ثانية عليها أراها تنظُر اليّ و عندما تقابلت أعيوننا ابتسمت لي بسمة بالكاد واضحة ثم عادت الى طعامها.
ماذا كانَ هذا؟ هل هذا ندم ما رأيته على وجهها؟

أحسستُ بِالصداع في رأسي يزيد لكني أشحتُ بِعيناي عنها و أكملت طعامي.
كان البارحة مشوقاً، لا؟ بدأ فالين يجذُب انتباه الجميع اليه عن طعامه.
نعم كانَ كذلك. قال ريزار يمسح فمه بِمنديله.
هل تذكُر ما حصل؟ سألت فينار أخاها و هو أخَذ رشفة من كأس مياهه الذهبي بعدها أجاب بِصدق
مع الأسف لا، لا أذكُر كل شيء عدا ما جرى بعد غياب الشمس فَكما تعلمين السحر يُصبح أقوى في تلكَ الفترة.

أوه، الملك نفسه، ملك هذه المملكة قد نسية كل ما جرى فَلِما انا الوحيد الذي يذكُر مجدداً؟
ماذا عنك ريزار؟ سألته فينار مُضَيّقة عينيها عليه لأرجع انا بِظهري على الكرسي و أنظُر اليهما.
هَمهَم هو قليلاً يَحُك لحيته الخفيفة بعدها قال
عقلي لا يسمح لي بِتذكُر كل شيء كأنه يوجد ضباب يمنع ذلك.
شابكت فينار ذراعيها أسفل صدرها تبدو لسببٍ ما منزعجة لكنها أشاحَت بِنظرها عنه و أخذت فنجان الشاي كي تشرب منه.

ماذا عنك فالكين؟ كيف كانَ أول يوم لكَ في الاحتفال؟
سألني فالين لأرمش عليه متفاجئ مِن سؤاله بينما بلايز و هو جالس على طرف الطاولة عند يدي اليُمنى، رفع رأسه و ابتسم بِشَر.
شعرتُ بِعيون تحدق بِي لكني لم أقابلها لأني عرفت لمَن هي تلك العيون، بل أخذتُ نفساً عميقاً ثم زفرته قبل أن أخبره.

كان ممتعاً، في الحقيقة كانَت الأجواء غريبة و جديدة عليّ و خصيصاً السحر الذي تحكَم بي لبعض الوقت إلا انني أذكُر استمتاعي به.
و بالنسبة لِلذي تعرفه ما بعد غروب الشمس؟ لاحظتُ الغيظ في نبرته و بسمته جعلت الدماء في عروقي تصعد الى رقبتي و أذُناي لكني وضعتُ الوجه الضجر و غير المُبالي.
ألقيتُ نظرة جانبية على كانيلا التي ما تزال تحدق بي بِفضول ثم تقدمتُ بِجسدي على الطاولة أرَكي ذراعاي فوقها قبل أن أقول.

لا، انا لا أذكُر شيئاً.
تحول فَم فالين على شكل 0 و أومئ بِتفهم. أمسكتُ انا الشوكة بيدي ثم عدتُ أتناول المزيد مِن العنب لكن قبل وضعي أول واحِدة في فمي لاحظتُ بأنَ كانيلا ترمش عَليّ، عيونها متوسعة لكنها بِبطء أحنت رأسها تُمسِك بِشوكتها ايضاً بين أصابعها و تعابير وجهها تبدو...
خائبة للأمل؟ حزينة؟ فَلستُ أدري بالضبط، يُصعب قرأتها.

هذا ما يُميز سيهينا، على اية حال بِما أنَ كانيلا معنا اليوم لما لا ندخُل في موضوع شادونايت الذي تركناه في المكتب مِن قبل؟ قال فالين بِنبرة جادة يجعلنا نستمع اليه فقط و نترُك ما كنا نتحدث عنه.

بدأ بأخبارنا عن بعض الخُطَط التي سوف نتكلم في تفاصيلها غداً عندما يصلوا الرجال الذينَ أرسلهم ريساند مِن قصره و طوال الوقت استمعنا اليه حتى النهاية أجد أنَ كانيلا لم تُمانع تواجُدها معنا في شادونايت في المستقبل القريب و لم يبدو عليها الخوف و هذا جيد لِلغاية.
بعد الحديث القصير عن الأمر غَيَّر فالين الموضوع و أخبرني بالذات يُعقد حواجبه الشقراء بِخفة.

يجب عليكَ مرافقة مايكا لاحقاً الى غابة ما على ضواحي فالينيا.
مررتُ أصابعي في شعر، أبعِد خُصلات عن جبيني لأسأل بِتعجب
لماذا؟
لقد عثرنا على جُثة جديدة هناك و معها على رجل قَد شَهِد على الجريمة. كاغوا الأن موجود معه و مع بعض الحُراس الذينَ أرسلتهم في الصباح و اريدك أن تذهب لكي تُحَقِق معه بِما انكَ المسؤول عن المشكلة كما تناقشنا من قبل.
لماذا أرسلتَ كاغوا؟

شابك ذراعيه العَضلية قميصه الأصفر الفاتح يشُد و لِلحظة ظننته سوف يتمزق ثم رد عَليّ
لأنه يقرأ الأفكار و قد يكون عوناً كبيراً في هذه الحالة و اختصار تعَب على التحقيق مع الشاهد مطولاً.
رفعتُ انا حاجباً للأعلى على كلامه لأنَ إن كانَ وجود كاغوا كافياً بِما انه يقرأ الأفكار، فَما فائدتي معهما؟
ابتسم فالين قليلاً كأنه قرأ ما أفكِر به ثم أخبرني.

كاغوا بِنفسه مَن طلب قدومك و مايكا سيُرافقك مِن أجل أمر أخر أردتُ منه فعله هناك.
لا بأس، انا ايضاً أوَد التحدث مع الشاهد فَلدي بعض الأسئلة.
اومئ هو مرةً.
بالطبع لديك.

بَدلتُ ملابسي الى شيء مُناسب من أجل الرحلة القصيرة الى خارج المدينة. طبعاً جميعها بالأسود بِما انه أغلب ما أمتلكه في خزانتي، وضعتُ سيفاً على خصري و خنجراً عند ساقي ثم توَجهتُ خارج الغرفة الى الدرج الكبير الذي يقودني لمَخرج القصر في البهو الواسع.

و انا أنزل عليه، رأيتُ مايكا و معه كانيلا يقفون عند بوابة القصر المفتوحة قليلاً تدع مِن ضوء الشمس بين الشَق الصغير ينير الأرضية الرخامية الامعة. كانيلا تقف أمامه مُمسكة بِياقة معطفه، تُعَدِله و تحرك شفتيها تقول ما لا أقدر على سماعه لِخاطبها.
مايكا أومئ مرتين وَجهه كما هو، متحجر خالي مِن المشاعر ثم وقفت فجأة على رؤوس أصابعها وَضعت قُبّلة على خده تبتسم له بِخفة قبل أن أعلِن وصولي و رؤيتهم لي.

أستدار كلاهُما نحوي، بسمة كانيلا تختفي بِبطء بينما مايكا أومئ لي بِترحيب.
العربة جاهزة سموك. هو قال.
طارت إكسانا على كتف سيدتها و لوَحَت لي و لِبلايز لأرسم بسمة على شفتاي َكرَد.
متى سوف تعودان؟ تساءلت كانيلا لأنظُر لها أبحث عن شيء ما كي اقرأه، ربما نفس الشيء الذي رأيته عندما كُنا على طاولة الفطور لكني لم ألمَح ما يُقلق أو ذلك الخليط بين الندم، الحُزن و خيبة الأمل.

أو ربما انا في ذلك الوقت تخيلتُ مشاعرها، فَلا أدري كيف تُفكِر هذه المرأة و بِماذا تشعُر عندما تكون معي أو مِن حولي. انها صندوق مُغلق و مفتاحه ضائع.
أحتاج خريطة لكي تَدُلني عليه إلا انني لا أعرف مِن اين ابدأ أو إذا ما كانَ المفتاح حقاً ضائِع و هي فقط تمتلكه لكنها تُخفيه عن الجميع.
لسنا متأكد لكننا لم نطيل بِبقائنا هناك. مايكا مَن أجابها ينظُر لِما هو خارجاً عبر الشَق بين الأبواب خلفه.

سوف نأخُذ ما نريده مِن الرجل و نعود لنخبركم بِكل شيء. انا أضَفتُ و هي أومأت زوايا فمها ترتفع للأعلى.
انتبهوا على أنفسكم رجاءً، الله وحده يعلم ماذا يوجد في تلكَ الغابات و خارج المدينة.
لا تقلقي انسة هاندسين سوف نكون حذرين انا أعدكِ.
أعطتني بسمة جميلة و دافئة لِلغاية و إثر ذلك عينيها تَقلصَت، بعدها أومأت بِتفهم.
لنذهب سموك. قال مايكا يُشير بيده لي حتى أسبق.

ألقيتُ نظرة على كانيلا أجِدها تنظُر للأرض بعدها وَدّعتها و إكسانا ثم مشيتُ خارج القصر و الى العربة المنتظرة بالقُرب من البوابة في نهاية الساحة الكُبرى.
رأيتُ توك حارسي و سائق العربة يجلسون على مقعد في مقدمة العربة و عندما انتبهوا لوجودنا نزل توك من مكانه و فتح الباب من أجلنا. لقد أتفقنا على أخذ عربة واحدة و وأخرى تلحق بنا فيها بعض الحَرس مِن أجل الحماية بِما أنَ خارج المدينة أصبح خطير.

علي طريقنا خارج مدينة الشمس باتجاه الغابة التي تم العثور على الجُثة الجديدة و الشاهد فيها، لم نتكلم انا و مايكا كثيراً إلا مرةً عندما سألته اين يضعون الرجل و هُم في الغابة.
أخبرني انه في إحدى العربات هناك يحرسونه و كاغوا معه و هذا كل الحديث الذي جرى بيننا الى أن وصلنا الى المنطقة المُحددة التي أخذت ساعة طريق تقريباً.

نزل كِلانا مِن عربتنا ثم بدأنا المشي في الغابة الجميلة التي تملأها الأشجار الكبيرة ذات أوراق ملونة و أرضها تُرابية رطبة فيها عُشب أخضر يتحرك مع تحرك النسمة اللطيفة. نور الشمس الذي يظهر بين أوراق الشجر يُدفئ جلدي المَكشوف و يجعل مِن الأزهار و الورود تبرق جمالاً.
أصوات زقزقة العصافير في كل مكان مع خرير مياه الأنهار في مكانٍ ما و تراقُص أوراق الشجر و لمسها لبعضها فوقنا.

هذا مكان يُرخي الأعصاب بِمُجرد المَشي فيه فالطبيعة وحدها دواء لكل شيء، سكينتها تجعلني أتمنى العيش فيها و لو في خيمة بِما انني أحِب التخييم و التجربة لكن هذا غير مُمكن و الخطر يجول في العالم الأن.
مؤسف لكنها الحقيقة.
لم أرى كانيلا متفتحة يوماً لشخص جديد في القصر. فجأة قال مايكا و هو يمشي بِجانبي يُخرجني مِن التمعن بِروعة و سحر الغابة ليَضعني في صدمة.

الحرس و توك يمشون خلفنا يتركون مسافة جيدة لكني مُدركاً أنَ عيونهم عشرة على عشرة.
ما الذي تعنيه؟ انا سألته أضَع يداي في جيوب بنطالي أرى بلايز يطير لِعند مجموعة فراشات لكن كُلما لاحظ هو اننا ابتعدنا يرجِع الينا لكي يسبقنا.
كانيلا، مُنغلِقة مع البعض لأسباب شخصية و لاحظتُ انها معك، مرتاحة لهذا تفاجأت عندما أراها تتكلم معك بِطريقة مختلفة.

بلعتُ ريقي أفتح فمي و أغلقه لا أعلم ماذا أقول. فَهل هذا جيد؟ أم لا؟ أعني بالطبع جيد لكن هل يعجبه؟
تمنيتُ لو أنَ نبرته مُتغيرة لكنها نفسها، عادية لا تعلم بِماذا يُفَكِر أو بِماذا يشعر منها فَهي لا تُساعد على فهمه ابداً و هذا ما يحدث لي بعد أن توقف عن كلامه.
يبدو انه كانَ يُراقب و ليسَ كما توقعت، بأنه لا يكترث.

الم تكُن دائماً هكذا؟ كما أذكُر تاليا كانت تقول بأنَها امرأة اجتماعية قبل أن أتعرف عليها جيداً فَكما تعلم انا كنتُ طفلاً و ليست لدي فكرة واسعة عنها قبل سنين. قلتُ له أرى الأن غَزالاً أبيض بِعيون زرقاء بعيد بين الشجيرات فيها فاكِهة التوت الأحمر، يتناوله و أذُنيه تتحرك يعلم بِوجودنا.
هَزة مايكا رأسه بِكِلتا الجهتين ثم أجاب لا يُبعِد تركيزه عن الطريق.

بأمكاني تشبيه كانيلا بِالملكة تاليا عدا انها كانت أكثر جنوناً، توقف هو لِلحظة زاوية مِن شفتيه ترتفع للأعلى لأول مرة منذُ فترة أراه شبه مبتسم لكنها اختفت بِسرعة قبل أن يُكمل
بِما انكَ تعرفها، أعني الملكة و كبرت معها لكن كانيلا، تغيرت مع الوقت و أصبحت أنساناً يَصعُب فهمه حاولتُ جعلها ترجع كما كانت لكن لم يفلح الأمر و بِسبب ذلك جعلت بعض الأمور بيننا معقدة.

لا أدري على ماذا أندهش أكثر، لكون كلامه تركني في حفرة غموض عميقة بِشأن ماضي كانيلا أم كونه يتحدث جُمل طويلة بما انه لا يتحدث لأكثر مِن كلمتين أو ثلاثة و غير ذلك، لقد فتح حديث طويل معي و شيء أخَر جلب انتباهي، لما حاول تغير خطيبته لكي يرجعها كما كانت؟
لا أحد يظل على حاله للأبد، الجميع يتغير على حسب الظروف و ما يشابه.
و هل هو رافضاً فكرة تغيرها؟ يعني لم يتقبلها كما هي الأن؟
عجيب.

ماذا حدث لها؟ الجميع يقول أنَ الكثير تغير في الماضي. انا سألت بِفضول ندخُل بين مجموعة شجر زهري أوراقها تتساقط كالثلوج و تطير مِن حولنا مع أرسال رائحتها اللذيذة من الفانيلا و الكرز في الهواء.
انها قصة طويلة و لا تخُصُني و غير ذلك أتمنى أنَ لا تسأل كانيلا عنها، فَهي حساسة جداً عن الموضوع و لا تُحِب التكلم فيه.

رمشتُ على جانب وجه مساعد الملك، عَضلة فكه تتحرك كأنه يعض على أسنانه بِشدة و انا مَصعوق حالياً مِن نبرته الحادة.
همممم، هنالك أكثر مِن ما لا يمكن توقعه، أمراً ليس عادياً.
كانيلا امرأة ذكية و شجاعة انا لم أقابل أحداً مثلها في حياتي و انتَ محظوظ مايكا. انا أخبرته بِصدق أنظُر لأمامنا على بلايز الذي يُشاهد دودة بيضاء رأسها أسود، تتسلق جذع شجرة.

حرك مايكا رأسه نحوي، رمش مَرتين ثم أعاده على الطريق أمامنا و بلايز بِطرف عيني رأيته الأن يشتم بعضاً مِن الزهور الزرقاء و الصفراء لينكمش وجهُه و يركُل أحدِها ثم يطير بعيداً عنها.
يبدو انها ذات رائحة غير جميلة.
انا كذلك. قال مايكا بِبرودة.
أعلم انه سؤال عشوائياً لكن كم مِن الوقت مضى على خطبتها بك؟

نظر لي مايكا بِعيون متوسعة قليلاً جعلني مندهش من شكلها، كما لو انني سألته أخطَر سؤال على وجه الأرض. فتح فمه لكي يقول شيئاً و إذ بِنا نسمع صوت أحاديث قريبة من أمامنا.
حركنا كِلانا رؤوسنا نحوى الصوت ثم توقفنا لنرى ثلاثة عربات عائدة لِلقصر بِجانب بعضها مفتوحة و عندها يقفون حُراس فالين بِدروعهم و سيوفهم يتحدثون مع بعضهم و غيرهم يشربون مشروب ما بِكؤوس خشبية لكن هنالك عربة واحدة خلفهم.

بابها مُغلق و يحرسونها أثنان غير متحركين من مكانهم.
لقد وصلنا.
أتى بلايز اليّ ثم و وقف على كتفي بنفس اللحظة ظهر كاغوا من العربة المَحروسة و أغلق الباب ورائه لتتقابل عيونه الخضراء بِعيوني يعطيني بسمة يمسك بِطرف قبعته العجيبة ذات العين في مقدمتها ليُنزلها قليلاً بإيماء رأس.

أخذتُ نظرة كاملة على ملابسه غريبة الأطوار مثل شخصيته لأجده هذه المرة يرتدي ملابس باللون التوتي (لون مشتق من البنفسجي) و درجة مِن درجات الأحمر و على عينيه نظارة خضراء دائرية.

ذهبنا جميعنا اليه ثم وقفنا مقابله.
أهلاً بكُم، أتمنى أن الطريق لم يكُن طويلاً الى هنا. قال كاغوا.
هل حدث جديد قبل وصولنا؟ سأله مايكا ليَهُز الساحر رأسه و يُشير بيده على العربة خلفه.
انه ينتظر في الداخل و إن أردتم، يوجد مكان لِلجلوس خلف العربة انتظروا هناك الى أن أجلبه اليكم.

اومئنا له بالموافقة ثم غادرنا الى ما وراء العربة و كما أخبرنا، يوجد ليس مكانً لِلجلوس بَل لِلتحقيق. يوجد كرسيين، مُقابل بعضهما البعض مِن الخشب و جذعين مِن شجرة مقطوعة ما، حول موقد نار مطفئ.
لم يجلس أحدنا على اية جذع أو كرسي بل وقفنا منتظرين الى أن ظهر كاغوا مع الحارسين نفسهما اللذان كانا يحرُسان العربة و رجل بينهما ذو شعر طويل يصل لكتفيه بني اللون و مجعد لسببٍ ما يعرُج على ساق.

وضعوا الرجل على كرسي ثم أمرهم كاغوا بالوقوف عند العربة ليومئوا و يذهبوا يتركونا مع الرجل الذي لا يبدو عليه و الخوف أو التوتر.
لا يوجد على معصميه اية نوع مِن السلاسل لكي لا يهرب و لا على قدميه لهذا أعتقد انه غير خطير أو ليست لديه نية بالفِرار.
هذا جيد، سيكون التكلم معه سهلاً.

تفضل، خُذ كل وقتك معه فَلديكَ أسلوب مختلف عن أسلوبي. أخبرني كاغوا في نبرته ذرة تسلية، يقف بالقُرب مِن الرجل الذي ينظُر اليّ و عيونه الداكِنة مُضَيّقة كأنني مألوف بالنسبة له.
لكنه لم يتفوه بِكلمة و ظل فمه مغلقاً.
جلستُ انا على الكرسي المُقابل له ليُخرج صريراً لكونه قديماً. تقدمتُ بِجسدي للأمام أرَكي أكواعي على ركبتاي ثم شابكتُ أصابعي بِبعضها أنظر لِلرجل.

إذاً، أخبرني يا سيد؟ انا قلت اسأل عن أسمه أولاً.
أممم انا أدعى هانت سيدي.
إذاً سيد هانت، أخبرني عن كل شيء.
اومئ هو و بلع ريقه ثم حدق بِيديه فوق حضنه قبل أن يقول.

لقد رأيتهم وانا أصطاد في الغابة لوحدي مِن أجل عملي فأنا أحتاج جلد الأرانب لصنع الملابس و عندما كنتُ أصطاد قبل يومين، رأيتُ مجموعة مِن الرجال يضربون رجلاً ما. انا راقبتهم الى أن لم يَعُد يتحرك و فقد حياته بعدها لخوفي حاولتُ الهروب قبل أن يكشفوا وجودي و إذ بِواحد منهم رأني و لسوء حظي أمسك بي و سألني بضع أسئلة و الأخرين أخذو مني أغراض الصيد و ما أمتلكه من مال و أشياء.
ما هي الأسئلة؟

هَزة رأسه مرتين كأنه يتخيل ما رأه في هذه اللحظة تعابير وجهه تتحول لِلغاضبة
عن هويتي و مِن اين انا و الى أخره و سألني إن ما كنتُ أعرف الرجل الذي قتلوه و انا أجبتهم بِلا تفاصيل كي لا يلحقوا بي إن تركوني لأنني عرفت انهم ليسوا مجرد متنمرين أو مجرمين.
هل عرفت هوية الجثة؟
رفع عينيه عليّ لفترة ثم أجاب
لا، انه شاب لا يقل عمره عن المئة سنة و كانَ مِن شكله و كأنه يصطاد ايضاً لكني لم أراه يوماً.

رأينا بعضاً مِن أثار قطع خشب عائدة لِقوس ما في موقع الجريمة. أضافَ كاغوا لأومئ بِتفهم.
غير هذا؟ انا سألت الرجل ليلعق شفتيه المُتشققة و يُكمل
ضربوني قليلاً و سألوني عن إذا ما كنتُ أعرف الأمير فالكين لوماريل من مملكة أسليرا.
رأيتُ مايكا الذي يقف ايضاً قريباً مِن كرسي الرجل، يرفع حواجبه للأعلى بينما انا ضَيّقتُ عيناي أنتظِر منه أن يلاحظ انه يتحدث مع الأمير ذاته.
لماذا سألوك؟
لا أدري.
و ماذا أخبرتهم؟

انني لا أعرفه شخصياً لكني سمعتُ به.
هَمهمتُ انا أعود قليلاً الى الوراء و بلايز طار من على كتفي ليقف على مَسند مقعدي يُراقب الرجل.
لكن قالوا شيئاً غريباً، أكمل الرجُل يرفع رأسه اليّ الأن بدا متوتراً.
لا تَخف، قل كل ما تعرفه.
أومئ هو يرتخوا أكتافه قبل أن يتابع
قالوا أنَ رئيسهم ينتظر الأمير منذُ زمنٍ طويل و انه لا يُمكنه الانتظار أكثر لرؤيته.

هذ الكلمة مجدداً. لقد سمعتها ثلاثة مرات الان مِن مختلف الأشخاص. أولهُم ذلك الرجل من الأتلانتيانز في مملكة أريزو، ثاني مرة مِن الرجل الذي دَخل الى مكتبة القصر و تهجم عَليّ و على مَن معي بعدما خرجنا مِن عند مكتبة جي أوكس و أخرهم هذا.
اللعنة على الألغاز و الغموض اللذان يتعلقان بِذلك الرجل الذي يظل ينتظرني.

مَن هو رئيسهم؟ سأله بلايز بدلاً مني ليُلقي الرجل نظرة متفاجئة على صوت بلايز يبدو انه لم يلحَظ وجود مرافقي معنا لأنه ضئيل الحجم أو فقط كانَ شارداً و لم يراه.
لا يمكنه أخبارك، أجاب كاغوا.
و لما لا؟ انا تساءلت أنظُر للأعلى عليه.
شابك هو ذراعيه أمام صدره ثم أمسك جانباً من شاربه المُلتَوي بين أصابعه يُدير الزاوية للأعلى.

لأني قرأتُ أفكاره رأيتُ بعضاً مِن ذِكراه معهم لكن أغلبيتها كانت ضبابية كأنهم مَسحوا كُل ما يتعلق بالتفاصيل التي أخبروه عنها أو عن أنفسهم و عن رئيسهم.
استدرتُ انا نحوى الرجل كي اسأل المزيد لكنه سبقني قائلاً
أذكُر انهم تكلموا معي عن الرجل أعني رئيسهم على ما أظن لكني كُلما حاولتُ أخباركُم بالتفاصيل يتعقد لساني و يمنعني من ذلك.

لقد وضعوا تعويذة على دماغه تمنعه من التكلم. أخبرنا مايكا ليومئ كاغوا يوافقه الكلام.
عندما دخلتُ دماغه كانَ هنالك نوعاً ما مِن جدار سحري يَصعُب كسره لِلدخول الى ذكرياته، انه سحر أسود لم أرى مثله مِن قبل أو فقط لنقول انه حقاً حقاً معقد. قال كاغوا مُتنهداً يدع شاربه ليُسَرح لحيته الشبه طويلة.

حسناً و هل تعرف المزيد عن ما يريدونه؟ مثلاً الى اين ذهبوا بعد ذلك أو إن ما قالوا كلاماً وجدُته عجيباً. سألته انا يبدأ صبري بالنفاذ على هذا اللغز و قطعه التي تأخُذ مِنا وقتاً طويل لتركيبها.
هَزة الرجل المسكين رأسه بِخيبة أمل يضع يديه على وجهه.
لا يمكنني أخباركم مهما حاولت.

سموك، لقد سبق و حاولت معرفة ما لديه في عقله لكن لا فائدة من الضغط عليه، التعويذة أقوى مِن ما توقعته. أخبرني كاغوا يبدو ايضاً انه مثلي، صبره على حافة جُرف.
لكن، أثناء بحثنا عن ما قد يُساعدنا في هذا الموضوع عثرنا على مجموعة سلاسل قد تكون مألوفة لك. قال الساحر يُحَرِك يده اليُمنى في الهواء لتظهر مجموعة سلاسل بالطبع مألوفة تُحلِق في الهواء من وراء الرجل لتَحُط بِجانب الكرسي الذي أجلس عليه.

انها نفسها تماماً، فضية اللون لِشدة لمعانها بدت زرقاء كَلون السماء و مِن حولها هالة بنفسجية داكِنة بدت سوداء. انها نفسها التي لديّ في غرفتي التي عثر عليها ذلك التاجر و أعطانا إياها كي نعرف مصدرها الأصلي.

لقد استخدموا هذه السلاسل بِتعذيب الشخص الذي مات و بالمُناسبة لقد دفنا الجثة قريباً مِن هُنا أو على الأقل دفنا ما تبقى منها. أخبرنا كاغوا شفتيه مَضغوطة على بعضها ليقشعر بدني أتخيل الجُثة أو ما تبقى منها كما ذكر.
لكنا الأن نعرف انهم الأتلانتيانز بكُل تأكيد و عملهم المُقرف الإجرامي.
الى متى سوف يستمرون بِتعذيب الأبرياء و لماذا يفعلونَ هذا؟ ما الذي ستفادون منه؟

وضعتُ انا يدي في جيب سترتي ثم أخرجتُ شارة لعَل هذا الرجل يعرفها بِما انني لم أعُد أمتلك الكثير لِلسؤال عنه، فَكلام هذا الرجل لا يوَضِح ما أحتاج معرفته
هل رأيتَ شيئاً مثل هذا على ملابس المجرمين؟
حدق بها الرجل بِتمعن بعدها أومئ بسرعة عيونه متوَسعة بأدراك
نعم! لقد كانوا يمتلكون نفس الشارة على ملابسهم.

ما الذي يفعلونه هنا مجدداً؟ لماذا يستهدفون مَن هُم في فالينيا أكثر الأن؟ هل لأنني موجود و أعيش فيها؟ نعم انا واثق انها هذا على الأقل أحد الأسباب.
ما هذه الشارة؟ تساءل الرجل لأعيد وضعها في جيبي و أرجِع بِظهري على الكرسي أزفُر الهواء من فمي بِقسوة.
من الأفضل أن لا تعرف. أخبره مايكا بِبرودة لينخَطِف لون وجه الرجل و يومئ بِتفهم يعرف ما معنى هذا جيداً.

لدي سؤال أخير لكَ يا سيد هانت، انا بدأت مِن جديد بِنبرة منخفضة لينظُر لي الرجل بِبطء، صدره لم يَعُد يتحرك كما لو انه توقف عن التنفس.
لماذا تركوكَ على قيد الحياة و لم يقتلوك بِما انها كالرياضة لهم؟

حدق بي الرجل لِلحظة طويلة ظننته لن يتفوه بِحرف أو انه فقد تجمد و لم يعُد يعرف كيف يُحرِك لسانه و ربما هذا لأنَ الأتلانتيانز وضعوا تعويذة ايضاً تمنعه مِن أخباري. لكنه و لِدهشتي فتح فمه المُرتجف ثم قال بِهمس
لأنهم يريدون أرسال رسالة لكم و فيها قالوا أنَ الوضع سوف يُصبح أكثر سوءً، قريباً جداً ايها الأمير.

الفصل التالي
بعد 08 دقائق.
جميع الفصول
روايات الكاتب