رواية تحت الغطاء الأبيض الجزء الثاني للكاتبة مينار الفصل التاسع والثلاثون

رواية تحت الغطاء الأبيض الجزء الثاني للكاتبة مينار الفصل التاسع والثلاثون

رواية تحت الغطاء الأبيض الجزء الثاني للكاتبة مينار الفصل التاسع والثلاثون

غادرتُ انا و بلايز الغرفة بِصمت في الساعة الحادية عشر ليلاً، في وقت، يكون كل مَن في القصر نائم أو على الأقل البعض بِما أنَّ الحرس مستيقظين و متأهبين.
مشيتُ بِخطوات غير مسموعة في ردهات القصر و ردائي الأسود يتطاير مِن خلفي مُمسكًا بِمقدمة سيفي المُعلق على خصري كي لا يصدر صوتً.

أخذتُ ردهة أخيرة تصلني الى الدرج الذي سيأخذني الى البهو الكبير و أبواب القصر المغلقة أنظُر من يميني و يساري اتأكد من أنني لوحدي و لا يوجد مَن يراقبني أو يتبعني.
نزلتُ الدرج بِسرعة ثم نظرتُ مِن اليمين و اليسار مجدداً و في كل أتجاه أرى أنه لا أحد يراقب في زاوية ما أو مِن بعيد و مِن حُسن خظي لم أجد أيًا مِن الخدم أو الحرس هنا.

أكملتُ طريقي أنزل درج آخَر بعدها خطوتُ على أرضية البهو اللامعة، أنوار المكان تنعكس عليها كالمرآة و لأنها مِن البلاط، جزمتي السوداء أصدر القليل مِن الصرير لأرُصّ على أسناني بِشدة ألعنه ألف مرة بِهمسات من بين أسناني.
أكمل، فَلا داعي لِلعن الأرضية و حذائك! همس بلايز مِن على كتفي لأرمقه بِنظرة قبل أن أتابع طريقي نحوى الأبواب العملاقة.

وضعتُ يدي عليها كي أفتحها و ظهري شبه مُنحني أنظر من حولي كل ثانية مع أنني أمتلك قُدرة خارقة على السمع تسمح لي بِمعرفة مَن قادم أو متواجد معي في نفس المكان، إلا أنَّ الحذر الإضافي واجب.
فتحتُ باب واحد مِن البابين أخلق شَق صغير لكي أنظُر مِن خلاله لِلخارج، أجد مجموعة حرس تمشي في الساحة الخارجية لِلقصر، يحملون رماح و على خصورهم سيوف حتى بعضًا منهم على أحصنة بحر يتجولون في الأعالي.

تبًا! مِن المستحيل الاختباء منهم بِفضل الحِراسة المُشددة. تمتمتُ مع نفسي أراقبهم أحاول عدهم و إيجاد خطة لكي أهرب منهم الى المدينة.
ظننت انكَ تمتلك خطة. قال بلايز بِحيرة.
لديّ خطة، و هي تخطي الحرس الى الإسطبل و أخذ فرس بحر كي أصل على الوقت.
و الأن لن أقدر و غير ذلك، أينَ كانيلا بِحق السماء؟
كانَ يجب عليها الظهور الأن و عدم التأخُر كي نصل لِلمدينة بِسرعة قبل رحيل الأتلانتيانز.

ماذا ستفعل الأن؟ سألني الضئيل يجلس على كتفي و ساقيها تتدلى.
سوف أفكر بِشيء ما قبل فوات الأوان.
كانَ يجب عليكَ التفكير أكثر، سموك. همس صوت مألوف لِلغاية في أذُني لألتفِت بِسرعة الى الشخص، يدي على مقبض سيفي مستعد لِقطع عنقه.
لكن توك مَن وقف بِسرعة مبتعداً عني خطوة كبيرة، يديه في الهواء باستسلام و على شفتيه بسمة عريضة، شعره الأشقر الغامِق يُغطي جبينه إثر الحركة.

توكانديومال أكيداشي! همستُ بِصراخ عليه لكونه جعل قلبي يكسِر قفصي الصدري من الرعب و لأنه تسلل من خلفي.
كيف تسلل من خلفي من دون أن أسمعه؟
أنزل توك ذراعيه ثم أنحنى كاملاً بِظهره انتبه انه لا يرتدي درعه الذهبي الخاص بِفالينيا و إنما ملابس عادية مِن قميص لونه زيتي فضفاض على جسده و سروال أسود مع جزمة سوداء تصل لِرُكبتيه و ردائه الخلفي الملتصق به، رمادي يتحرك مع نسمة خفية من خلفه.

انا أعتذر على إخافتك، سموك، لم يكُن قصدي. أخبرني هو يستقيم بِوقفته لأرمقه بِنظرات ترسِل رجالاً هاربة مني لكنه ظل أمامي و تلكَ البسمة السخيفة.
ما الذي تفعله هنا؟ سألته بِغضب ليُريح يده اليُمنى على مقبض سيفه.
حمايتك بالطبع.
ضَيّقتُ عيناي عليه ثم قلتُ له
أعلم، لكني لم أطلب ذلك منك.
سموك، يجب عليّ حمايتك دومًا.
فهمت، توك لكن لماذا لحقتني؟
لكي أحميك، سموك.

أحسستُ بِصداع بدء على طرف دماغي و بِبلايز يضحك بِصمت لأضَع أصبعي السبابة و الأبهم على جسر أنفي أضغطه كي يُخَفِف الألم.
كيف لحقتني مِن دون أن أسمع أصلاً؟ سألته بِصبر.
هَزة كتفيه بسمته تكبُر أكثر لتَكبُر معها رغبتي بِلكمه على شفتيه حتى أرى كيف ستصبح بعدها.
انتَ تعلم انه إن أردت بأمكانك السباحة و عدم استخدام الجاذبية على الأرض، صحيح سموك؟

بالطبع لا أعلم لكني لم أرُد عليه و شابكتُ ذراعاي أمام صدري أثبته بِنظراتي الحارقة و التي فيها تركتُ نيراني تشتعل حتى يراها.
و الحمدللّه انها جعلت مِن بسمته تختفي بِلمح البصر ليُصبح وجهُه جاداً كأيّ وجه حارس.
عُد الى مكانك، توك فأنا لا أحتاجك الأن. أخبرته التفت الى الأبواب.
لكن لا يمكنني تركك تغادر معها هكذا.
عدتُ إليه عاقد حواجبي لا أفهم ما يعنيه و بلايز مِن جانبي لعن تحت أنفاسه يستوعب الموضوع قبلي.

ماذا؟ سألته بِتعجب.
هل ظننت أنني لم أسمعك تتحدث مع السفيرة بعد مغادرتكم للاجتماع؟
توسعت عيناي بِتفاجُئ لكنه منطقي.
حتى لو كانَ يقف بأخر الردهة فَسمعه الخارق الخاص بالجنيات يجعله يسمع كل ما هو بعيد لهذا لن ألوم إلا نفسي فأنا الذي لم يرسله لكي يَحرُس غرفتي، بل الردهة و لِذكائي.
أحيانًا أقول أنني لو أستعمل عقلي بِشكل أفضل لكنتُ تفاديت الكثير مِن المشاكل و العواقب التي دهست عليّ أنا.

تنهدتُ باستسلام بعدما علمت انه مُدركًا لكل ما خططتُ له و انه لن يدعني و شأني أبداً و مهما حاولت أمره بِتركي لأضع يداي في جيوب بنطالي و أنظُر له بِصرامة.
إذا فتحت فمك لأي-- بدأتُ انا لكنه هَزة رأسه يخبرني و هو يُشَكِل بأصابعه حركة على فمه كأنه يغلقه كالسحاب
كل ما سيحدث و كل ما سمعته، سِر في بئر عميق، لا تقلق.
جيد و الأن هل لديكَ خطة لأخراجنا مِن القصر؟

نظَر توك مِن فوق كتفي على الشَق الذي سببته في الباب يُضَيّق عينيه البُنية ثم أعادهم عليّ.
سوف أخبرك بِها بعدما تصل الأنسة هاندسين.
فتحتُ فمي لكي أخبره انها سوف تتأخر و إذ بِأذُناي تلتقط أصوات أقدام خفيفة لِلغاية بالكاد واضحة و هي تنزل على الدرج خلف توك.
التفت حارسي الشخصي و انا رأيتها.
تنزل آخِر الدرج بِحذر ترتدي، سحقًا!

لأول مرة أراها ترتدي بنطال في حياتي. و أعتقدت أنني فقدتُ الأحساس بالوقت و هي تمشي نحونا. كل ملابسها سوداء و كحلية و هي عبارة عن:
قميص أبيض سُفلي و فوقه سترة سوداء جلدية، حول ياقتها و أكتافها ريش أسود، كفوف سوداء و بنطال أسود، ضَيّق. من الجلد، أيضًا مع جزمة طويلة تصل لِرُكبتيها و فوق كل ملابسها رداء مثل خاصتي و توك، له غطاء رأس.

شعره الأسود المُموج الحريري يهتز مع كل خطوة سريعة تتخذها نحونا، و إكسانا تطير بِجانب رأسها.
بلعتُ ريقي الذي تَحوَل لِلجاف ثم وضعتُ قناع الغضب لأنها تأخرت مع أنني أردتُ الابتسامة لها لكونها تبدو بِوجهها المنكمش و الجميل، متأسفة.

و مع كل هذا الإلهاء الذي أغرقني حتى الموت، شعرتُ بِشعور آخَر متوحش يملئني لرؤيتي لِراث يمشي خلفها و الذي لأول مرة أراهُ لا يرتدي درعه بَل ملابس تشابه ملابسي و ملابس توك.
حارسها الشخصي الذي لا يعرف كيف يُحَرِك تعابير وجهه و يُبقيها مُجمدة و قاسية حتى مُخيفة كأنه تمثال حي متحرك لم يتعلم ما هي المشاعر بعد.
ما هذا؟ صحتُ بِنبرة مُنخفضة بعد أن وصلت لتنظُر لِورائها على حارسها و ينكمش وجهها أكثر.

انا حقًا آسفة، لكن لم أقدر على، تَخطيه. قالت هي تُعطيه رمقة تشبه النار التي بِداخلي لكن راث لم يتحرك ساكنًا يده مرتاحة على مقبض سيفه الكبير.
فتحتُ فمي لكي أعترض لكنها سبقتني تُبَرِر بِثقة
لن يفتح فمه و لن يفكر بأخبار أحد حتى.

أغلقتُ فمي أعض على شفتي السُفلية أحدق بِعيونها الجاذبة و هي بالمقابل أعطتني نظرة بريئة مع ابتسامة بالكاد تُسمى ابتسامة لألعن مرة أخرى على الوضع الذي كنتُ فيه و أصبحت فيه بِأقل مِن ساعة لأنَّ هذا ليس ما خططتُ له.
تنهدتُ مُستسلمًا لهم أيضًا أومئ مرتين يداي على خصري.
حسنًا، سُحقًا لكم جميعًا، استدرتُ لِحارسي ثم أكملت
أخبرنا بِخطتك، توك.

أومئ هو ثم بدءَ بالتفوه بِكل تفصيل مهم و غير مهم لِخطته و نحنُ أنصتنا اليه من دون مقاطعته الى أن انتهى و أختفى هو و راث لكونهما سيكونان مصدر إلهاء لِلحُراس في الخارج كي أذهب أنا و كانيلا الى الإسطبل، حتى نأخُذ الفرسان و نغادر.
بالنسبة لِحراسنا، هُم سوف يلحقون بنا مشيًا الى أن يتخطوا البوابة الأخيرة لِطريق القصر و هناك سوف نقابلهم و نأخذهم معنا الى المدينة.
خطة مُحكمة، بسيطة و سريعة.

وقفتُ أنا و كانيلا خلف أبواب القصر ننتظِر إشارة الحارسين لكي نبدأ بِدورنا و فعلاً مرت دقائق الى أن لاحظنا تحرُك الحُراس جميعهم الى منطقة بعيدة عن الإسطبل في الساحة و سمعنا فوراً أصوات صُراخ مِن داخل الدائرة التي شكلوها الحَرَس في وسط الساحة لكون المَسرحية بدأت.

هيا بنا! أمسكتُ بِمعصم كانيلا ثم سحبتها معي الى الخارج عبر الأبواب و الى الساحة، بلايز و إكسانا يُراقبون مِن كل الاتجاهات كي يُخبرونا إن ما يوجد أحَد سيرانا.
مشيتُ أنا وهي مِن خلف دائرة الحُراس التي تجمعت لأنَّ راث و توك زَيّفوا شجارهم كما خطتنا قبل لحظات. أصواتهم هي الوحيدة التي تطفوا من حولنا مع بعض اللكمات المُزيفة و ألقاء بالأخر على الأرض و الألفاظ التي لا يمكنني تخيل راث يتفوه بها.

و توك، انا أتوقع منه الاسوأ لكنه جيد و كلاهما يَصرِفان انتباه الحرس الذينَ يحاولون إيقافهم و أبعادهم عن بعض.
انتَ رجل وغد! صاح توك لِراث و الحرس مُمسكون به من يديه بينما أخرين يُبعِدون راث الذي أخرج سيفه.
أنتَ الوغد، ايها السافل!
أنا؟ أنت مَن سرق حبيبتي مني! لقد رأيتكما تقبلان بعضكما ايها الحقير.

أدرتُ مُقلتاي على الدراما أسُرِع مِن خطواتنا نحوى الإستطبل و مِن حسن حظي، كانيلا ركضت معي بِنفس سرعتي مع انها تحمل سيفًا نحيل لكنه طويل على خصرها و أشعر أنَّ أسفل هذه الملابس الضَيّقة، مجموعة خناجر و سكاكين لكنها ركضت بِخفة حركة و هذا ممتاز.

دخلنا الإسطبل، امتطينا فرسين و من دون تَضيع المزيد من الوقت سبحنا خارج المكان و عبر البوابة الأولى الى أن لم نعُد نسمع شجار الحارسين لكوننا أصبحنا بعيدين جداً.

سبحَت الفرسان فوق الأرض و في الأعالي، نتفادى الحُراس الذينَ يمتطون إما فرسان بحر مثلنا أو قروش و حيتان لكنه لم يرونا أو يلاحظوا أية شيء غريب عدا شجار الأحمقين في الأسفل لأبتسم مع نفسي و أدعوا الله أنَّ لا يؤخرهما بعدما يتأكدان أنني و كانيلا في المكان الذي أتفقنا عليه.

للأعلى! أخبرتُ كانيلا لتومئ هي تُحَرِك حبل فرسها كي يسبح للأعلى أكثر لأنَّ البوابة الثانية قريبة منا و لأنها غير مَحمية أو مُحاطة بِتعويذة تمنع أية كائن السباحة من فوقها، أخذنا طريقنا تمامًا مِن فوقها.
الحُراس الذينَ يحرسونها لا يعرفون ماذا يجري مِن فوقهم و ليست لديهم فكرة أصلاً. ابتسمتُ مجدداً على نجاح الخطة و بِطرف عيني لاحظت كانيلا تفعل المِثل.

شعرها الأسود يتطاير مِن خلفها بِخفة كَردائها و بالنسبة لِلصغيران فَكلاهما متمسك بِالأخر كي لا نُكمل مِن دونهم فأجنحتهم ليست بِسرعة الفرسان.
و أمامنا بالضبط، بدأنا نرى أنوار المدينة الخيالية، بِشكل أفضل و في وسطها، برج ساعة عملاق عقاربه المتحركة على شكل ذيول سمكة و الأرقام تبدو كأسنان قرش حادة، يُخبرنا انه ما يزال لدينا نصف ساعة على موعد منتصف الليل.

عندما وصلوا الحارسين و أشكالهم كالحيوانات المتوحشة بِشعرهم المُبعثر و وجوهَهُم حمراء، أخذناهم بالفرسان، لكن تبادلنا الأماكن هذا يعني، كانيلا جلست أمامي على فارسي و الأثنان الأخران لم يكُن لديهم خيار آخر غير الجلوس على فرس مع بعضهما.
إكسانا و بلايز ظلا يضحكان طوال وقت طريقنا نحوى المدينة على انكماش وجه توك لكون راث يجلس خلفه و ذراعيه حول خصره.

ملامح حارس كانيلا الشخصي ثابتة و إذا كانَ يشعُر بالأحراج أو الضيق مثل توك، فَهو لم يُظهِر شيئًا لكي نعرف.
بينما كانيلا و أنا ضِعنا في العالم الذي أمام بصرنا، مِن أنوار و أضواء مختلفة و قوية و ضجيج المدينة مع أنَّ الساعة متأخِرة إلا أنَّ الحياة ما تزال مستمرة.

الى الأن مازلتُ اتساءل كيف لِمدينة في عمق هذا المحيط الكبير أن تمتلك أنوار جميلة مصنوعة و ليست موجودة منذُ الأزل. طبعًا هنالك أنوار الطحالب و النباتات البحرية تكفي لوحدها لكن مع التي تم صنعها و التي تخرُج من بعض المباني الطويلة و المنازل...

خيالية، ساحرة كالتي تجلس أمامي، تُمسك بِحبل الفرس الأزرق معي، يديها الناعمة قريبة مِن خاصتي اليُسرى، تتلامس قليلاً مع كل قفزة يفعلها فرس البحر بين مطبات هوائية فأنا لستُ واثق مِن اسم هذه المطبات فَهي ليست هواءً على الأطلاق بل شيء ما يشبهها.

عدلتُ من ذراعي الثانية حول خصرها النحيل أثبتها عليّ كي لا تسقط لكني لن أكذب و أقول أنني لا أحب الشعور بِها. انها دافئة و صغيرة مُقارنةً بي حتى رائحتها تملء مجرى تنفسي و تُصبح الهواء الذي أتنفسه.
هي مالَت على صدري كأنها عرفت ما يجول في خاطري تُرسِل شرارات في أرجاء جسدي على فعلتها البسيطة، ذات تأثير ليس بسيط على الأطلاق.

هل تعلم أين تكون حانة بوسايدن؟ كسرت كانيلا الصَمت بيننا تبتعِد قليلاً عن صدري كي تلُف رأسها نحوي و تنظُر لي مِن فوق كتفها.
تلاقت عيناي بِعيونها و شعرها دَغدغ أنفي لأضيع لِلحظة في نظراتها. أمالَت رأسها على جنب كالعصفور المُتعجب لأصَفي حلقي و أعود الى الواقع
لا، لكنا سنسأل أحدهم.
أومأت هي تلتفِت مجدداً لكنها لا تستند عليّ تجعلني أشتاق لِها مع انها قريبة مني أكثر من أية مرة و مع ذلك هي بعيدة جداً.

سموك! يجب علينا الهبوط قليلاً الى شوارع المدينة. صاح لي توك مِن على يميني على فرسه.
حسنًا! رددتُ عليه قبل أن يُحَرِك حبل فرسه يقوده الى الأسفل و أنا لحقتُ به فوراً أصبح خلفه، ننزل بِسرعة الى شوارع لانتيا نصبح بين ضجيج المدينة و كل مَن يتجول في شوارعها المرتبة و النظيفة.

بين الطُرقات الحجرية و مجموعة عربات تقودها فِرسان بحر و الموسيقى الجميلة القادمة مِن أماكن مختلفة، أوقفنا رجل ما لكي نسأله عن حانة بوسايدن و هو دلنا على الطريق بِسرعة أشعر بِتوتره يطوف إليّ لكوننا أشخاص لا نبدو مِن أهل المدينة و لأني أنا و مَن معي نضع الأغطية على رؤوسنا بالكاد يرى وجوهنا في ظلامها الدامس.

بعدها بِسرعة توَجّهنا في أزقة عتمة ليسَ فيها أحد لتأخذنا الى طريق صغير فيه الأنوار قليلة جداً و الظلام كثير و على كلِتا الجهتين منه، حانات مختلفة و نُزُل كل واحد يبدو مقرف أكثر مِن الثاني و قديم.

لكننا أكملنا طريقنا بِصمت لا ننظُر لمَن ينظُر لنا، نُبقي أعيُننا على الأرض أو أمامنا. قررنا بعدها بِوقت قصير، أن نوقف الفِرسان في مكان مُنار، لِنَربِط حبالهم حول أعمِدة كي لا تهرب ثم تابعنا سيرنا على الأقدام.

المكان مُخيف بِحق و غامض بعض الشيء، أرضية الزقاق زلقة و حجرها أسود كأنه الليل ذاته و الجدران على كلتا الجهتين رمادية و قديمة عليها خدوش طويلة و هنالك أحجار منها مفقودة أو على الأرض كأن الزمن يقتلها بِبطء، و توجد أيضًا ملصقات لأشخاص مفقودين أو مطلوبين بالكاد واضح ما مكتوب عليها كَرسمات المجرمين و الضحايا.

و كلما مشينا أكثر االى العمق كلما توضحت أصوات بعض الموسيقى القديمة و التي جعلت مِن أذُني تنزف و أسناني ترُص على بعضها، قادمة مِن الحانات الرخيصة، و أحدِها في آخِر الطريق تقريبًا على اليمين بِجانب حانات، تكون ما نبحث عنه، حانة بوسايدن.

إنَّ بنائها مُهترئ، معلق على سقفها لوحة خشبية تتأرجح و عليها اسم الحانة بِأحرف حمراء بعضها مفقود كأنَّ الحياة مسحتها و مِن نوافذها أنوار برتقالية تخرُج و المزيد من الموسيقى المُتَكونة مِن آلة غيتار قديم تملء الأجواء.

كونوا مُتأهبين. همستُ لِمَن معي. راث و توك يمشون خلفنا لِلحِراسة بينما كانيلا التي بِجانبي أومأت مرة بِتفهم مِن دون أن تنظُر لي مع انها لو فعلت ذلك فأنا لن أقدر على رؤية ملامح وجهها أسفل غطاء ردائها.
هل أنتَ واثق انهم سوف يأتون؟ سألني بلايز يختبئ بِجيبة سترتي الصغيرة، رأسه ينبُع منها لكي يشاهد ما أشاهده.
رفعتُ أصبعي السبابة ثم دفعتُ رأسه بِها الى داخل الجيب، مجيبًا.

واثق أم لا، على الأقل يجب علينا الانتظار و رؤية ما سيحدث.
ماذا ستفعل لهم؟
سوف ترى.
أنتَ لن تقتلهم صحيح؟ هذه المرة توك مَن سأل مِن خلفي لأتوقف أنا في منتصف الطريق العتم و معي الباقي، الحانة بعيدة عنا بِضع خطوات.
التفتُ على الجميع ثم رفعتُ رأسي كي يروا وجهي مِن أسفل الغطاء، وجه صارم كي يلاحظوا ما أفكر فيه قبل أن أتفوه به.
لن تجرؤ على مقاطعتي أو التوقف بِوجهي عندما نقابلهم--.

إن قابلناهم. أضاف بلايز مِن داخل جيبي لأشقلب مُقلتاي.
أتركوا العمل و خصيصًا التكلم عليّ، هل فهمتم؟
أومئ توك و راث معه، بِخفة، بالكاد لاحظتُ حركتهم، لنكمل مشينا الى الحانة و ندخلها.

و كما توقعت، انها كأيّ حانة قديمة، على جُدرانها بعض العفن و كل شيء مصنوع من الخشب الفاتح و الرخيص، مِن مقاعدها، نوافذها مدفأة الحريق على اليسار قريبة و طاولاتها الى المنصة على يميني في آخِر الحانة، عليها يجلس رجل يبدو في عمري ملابسه لا بأس بها إلا أنَّ عزفه ليس بارع و غنائه بِكل تأكيد ليس نِعمة أو موهبة خلق بها.

صوت فيه بحة و يتقطع عندما يرفع مِن نوتاتِه لكن باللحظة التي دخلنا فيها المكان، تزحزحت عينيه الخضراء علينا كما توقف الجميع عن لعبهم، شربهم و طعامهم لكي يحدقوا بالدُخلاء الذينَ يكونوا نحن.

حتى المرأة التي تبدو في الثلاثينيات مِن عمرها، تقف خلف المنضدة في أخِر الحانة فوق ملابسها مُئزرة (التي يرتدونها الذين يعملون في المطبخ لكي يحموا ملابسهم من الطعام) بيدها قماشة مُتسخة تنشِف فيها كؤوس كبيرة لِلجعة، حدقت بنا تنسى عملها.
أوقفت تنشيفها للأواني، أيضًا تُضَيّق عينيها الزرقاء علينا و شعرها الأسود الذي يصل لِصدرها يميل على جنب مع ميلان رأسها.

كيف لي مساعدتكم؟ سألتنا تكمل عملها كما أكملوا الجميع ما يفعلونه و العازف عزفه و غنائه عن قصة رومانسية أقدم مِن العالم بين بوسايدن آلهة البحار و أميرة فاقِدة لِبصرها تعيش بِقماشة تغطي عينيها الجميلة.
تقدمنا جميعنا الى المِنضدة المرتفعة لأتكئ أنا عليها بِكوع، جنبي كانيلا و الحارسين خلفنا يحاولون قدر الأمكان التظاهُر بأنهم غير مؤذين أو كالحُراس، مع أنَّ تواجُد راث لوحده يقول العكس.

أنتم لستُم مِن لانتيا. لم يكُن سؤالاً مِن صاحبة الحانة لأعطيها بسمة جانبية مِن أسفل الغطاء لا أجرؤ على النظَر مِن حولنا كي أرى إن ما كانوا الأتلانتيانز هنا أم لا.
هل لنا خياشيم و زعانف ايتها الجميلة؟ سألتها أشعُر بِتحرُك كانيلا مِن جانبي و أنا تجاهلتها.
ابتسمت صاحبة الحانة، تُخرِج شخيراً مِن أنفها بِسخرية على غزلي الرخيص، تمسح أطباق تحتاج الغسل مجدداً لكني لم أخبرها بِذلك إن أردتُ البقاء هنا.

ما الذي تريدونه؟ إن أتيتم لِلمشاكل فأرحلوا عن حانتي لا ينقصني المزيد من الثيران.
هل نبدو لكِ و كأننا نبحث عن المشاكل؟ فأنا و زوجتي، أشرتُ بِيدي على كانيلا لتنظُر لها المرأة مِن الأعلى للأسفل تحاول رؤية وجهها ثم أكملتُ كلامي أشير على الرجلان اللذان معنا
و أصدقائنا أردنا فقط التوقف مِن رحلتنا لكي تناول الطعام و الشراب اللذيذ.

تجمدت يديها التي تبدو خشنة مِن كثرة عملها و هي تمسح الأطباق ثم رفعت حواجبها المُرتبة
اللذيذ؟ أنتَ في المكان الخطأ يا سيد و يبدو أنَّ زوجتك، لا توافقكَ الرأيّ. أشارت بِعينيها كَلون البحر نفسه على كانيلا.

أبعدتُ أنا الغطاء عني أظُهِر رأسي كله لتفعل كانيلا و الباقي مثلي. توَسعت عيون المرأة قليلاً تنظُر مني ثم لِكانيلا و خاصًة على أذُنيها البشرية مِن دون أن تُعَلِق مع انها فتحت فمها مرتين و أغلقته، ثم نظرت على الحارسين قبل أن تعيدهم عليّ.
أملتُ جسدي على المنضدة أكثر ثم قلتُ لها مازالت بسمتي الجانبية مرتسمة على شفتاي.

نحنُ جائعون جداً و سنأكل اية شيء تَضعينه على الطاولة و زوجتي الفاتِنة، وضعتُ ذراعًا حول كتفين كانيلا أقرَبها مني لاكمل كلامي
ستأكلنا جميعًا إن لم نُطعمها حالاً فَهي مَن أوقفت الرحلة من الأساس.
ضربتني كانيلا على معدتي بِيدها تتظاهر الخجل قائلة
عزيزي! لا تقل هذا.

في الحقيقة تفاجأت مِن فعلتها لِلحظة و على وجنتيها المَحمرة التي بطريقةٍ ما جعلت من نفسها حقًا تخجل، تُقنع المرأة و تقنعني أنا معها لكني أعدتُ نظراتي الماكِرة أركِز على صاحبة الحانة التي تراقبنا عن كثب.
و ماذا عنهما؟ أشاحت بِعينيها البحرية على راث و توك لأهُز كتفاي أجيبها
إن وضعتِ طحالب لهم، سوف يلتهمونها بِلا تردُد حتى.

ظلت تحدق بنا جميعنا في صمت تكمل عملها و نحنُ بقينا ثابتين لا نرمش و منتظرين لتومئ هي و أخيراً تُشير بيديها التي تحمل القماشة على طاولة في زاوية الحانة.
أجلسوا هناك و الطعام سوف يأتي لكم.
كَبُرَت بسمتي تُظهِر أسناني ثم أخبرتُ مَن معي لكي نتحرك الى الطاولة و نجلس عليها أعلم أنَّ بعض أعيُن مَن في الحانة علينا، تراقب كل حركة و كل نفس نتخذه.

جلستُ بِجانب كانيلا و الحارسين مُقابلنا صامتين ينظرون بِطرف أعيُنهم بِحذر على الجميع مستعدين لأيّ خطر قد يقفز من العدم.
بعد دقائق قصيرة نُجبِر فيها أنفسنا للاستماع الى الموسيقى و غناء الرجُل، أتَت المرأة تحمل صينية خشبية لِدهشتي تبدو نظيفة و جديدة و عليها كؤوس جِعة بِرغوة بيضاء على سطحها. وضعت لِكل واحد منا كأسه أمامه ثم اختفت من دون لفظ حرف لنا.

لم يشرب أحدنا الجعة إلا بعد دقيقة فيها تأكد الحارسين أنَّ الجعة غير مسممة أو خطيرة على أمعائنا لكونها جعة رخيصة.
كيف لهم أن يأتوا الى مكان مثل هذا لِمُقابلة الخادم؟ تساءل توك هامسًا يقترب بِجسده على الطاولة التي قد تقع إن نفخنا عليها بِقوة كَمقاعدها التي تُصدِر صريراً كلما تحركنا.
بلعتُ ما في فمي أقترب كذلك مِن الطاولة ذراعاي تستريح عليها.
على العكس، انه المكان الأنسب لهم.

ماذا لو كذب علينا الخادم و أخبرهم كل شيء؟ كانيلا مَن سألت صوتها بالكاد مسموع فخذها يُلامس فخذي من أسفل الطاولة.
لا أعت--
أو ربما تقابل معهم في المكان الحقيقي. أضاف توك يقاطعني بِقلق.
فتحتُ فمي مجدداً لكن راث هذه المرة تدخل بِصوته العميق
لا أعتقد، لأنه مراقب.
الأن نظرنا كلنا عليه بِتفاجئ ليُكمل هو مبرراً.

أخبروني بالصدفة، مجموعة حَرس القصر الذينَ يحرسون الزنازين، عن الأمر حتى أوقفوه عن العمل في المطبخ مِن بعد التحقيق الخالي مِن المعلومات الجديد.
و أنتَ تخبرنا بِهذا الأن؟ انا سألته مِن بين أسناني لكنه حدق بِكأسه لا يُبادر.
لم يعُد يهم إن عرفنا أو لا، المهم هو ظهورهم قبل اختفائنا الذي قد يُلحَظ في القصر. قالت كانيلا معقدة الحواجب.

تنهدتُ أحرك عيناي في الأرجاء لأضعهم على باب الحانة المغلق و على النوافذ التي لا تُظهِر أية أحد مثير لِلشُبهات يمُر من جانب الحانة.
مع أنَّ كل الرجال و النساء هنا يبدون و كأنهم على حافة قتل أحدهم إن نظَر بأتجاههم بِطريقة خطأ أو تنفس بِطريقة مختلفة إلا انهم لا يُشبهوا الأتلانتيانز و لو قليلاً هكذا عرفت انهم ليسوا بينهم.
الانتظار.
يجب علينا انتظارهم.

لا مزيد مِن التهديد و القتل و الغَدر، سوف أوقفهم عن حدهم اليوم و أضع نهاية لِخططهم و أسرارهم.
أتى الطعام الذي لم نكُن متحمسين له منذُ البداية لكنا حاولنا قدر المستطاع التظاهر بأننا جائعين و سعيدين برؤية الدجاج الشبه مشوي عليه نوع من الصلصة البرتقالية التي جعلت من وجه توك يتحول للأصفر.
و هنالك أطباق جانبية مِن الأرز المحروق و البطاطس المهروسة أخمن انها بائِتة.

السؤال المهم، مِن أين يحضرون الدجاج مع انهم في عمق البحر و كيف يطبخونه بالذات؟
ليست لدي أية فكرة لكنا بدأنا بالأكل و الدعاء لِله على حمايتنا مِن التسمم و الموت بِسبب كل ما يدخل بطوننا.
إكسانا و بلايز ظلوا في مطارحهم أعلم انهم يضحكون علينا بِسر.

لم تمُر الدقيقة كاملاً مِن بدأنا لِتناول القمامة و إذ بِباب الحانة يُفتح ليَدخل من خلاله رجلين. كلاهما ضخام البنية و عملاقان يرتديان عباءات مثل خاصتنا و على رؤوسهم أغطية تُغطي وجوههم و أشكالهم بالكامل.
لكني سمعت.
أصوات سيوفهم المُعلقة على خصورهم و أقسم أنني رأيتُ أسلحة تلمع على جسد أحدهما من بين العباءة باللون الزيتي الداكِن مائل لِلبني.

خطواتهم على الأرضية الخشبية، ثقيلة. تُخرِج زقزقة كلما أخذوا خطوة ثابتة و كبيرة الى أن وقفوا عند منضدة المرأة التي بدت شاحبة لرؤيتهم.
لقد وصلوا.
توقفنا عن تناول الطعام نراقبهم كما يفعل الأن الجميع و مِن ضمنهم العازف الذي أوقف عزفه ينسى تمامًا كيف يحرك أصابعه على الأوتار، فمه شبه مفتوح و مُعَلَق.
اللعنة. تمتم توك مِن أسفل أنفاسه ليُماثله راث الرأيّ.

أحسستُ بِتوتر كانيلا مِن جانبي كأنها لمسة على كتفي لأنظُر لها بطرف عيني أجدها متوسعة العينين، البياض ظاهر من حولهم.
ماذا تريدان؟ سألتهم صاحة الحانة تضع ما بيديها.
ليس من شأنكِ ايتها المرأة. رد عليها الذي يقف على اليمين صوته كَأنه قادم من عمق بئر مظلم يجعل الهواء من حولنا يُخطف لِلحظة.
لم تتفوه المرأة بِحرف و فَضَّلت البقاء صامتة لأنه الخيار الأذكى.

تحرك كلاهما بعد ذلك الى طاولة بعيدة عن الجميع و قريبة مِن الباب و نافذة متسخة من الأسفل سوداء كأنه رماد تجمع مع السنين.
لم يُبعِدان لأغطية عن رؤوسهم لكي نراهم لكني لم أحتاج لرؤية وجوههم كي أعرف انهم الأتلانيانز ذاتهم. مع أنَّ يديهم مُغطاة بالقفازات إلا أنَّ غطاء الشخص الذي يجلس على اليَسار مُقابل الأخر، شكله بدى غريب.

كأنَّ له قرون مُلتوية مِن الأسفل يُغطيه غطاء الرداء بِقدر الأمكان، قرون قد ذكرها الخادم.
ما العمل؟ تساءلت كانيلا تضع يدها على معصمي، تُعيدني الى الواقع مِن تحديقي المستمر بهما.
حركتُ رأسي لِمَن معي أدير الأفكار في عقلي مراراً و تكراراً. أفكِر بِكيف لنا أن نتصرف بما انهم حقًا هنا و ليسوا بعيدون عنا ابداً.

التصرف بِتهور سيُلقي بنا في مشاكل وغير ذلك يوجد أشخاص هنا قد يتورطوا، لهذا هذا الخيار خارج إطار الصورة.
أشحتُ بِبصري الى الرجلان يتحدثان بين بعضهما بِهمس، أذاني الجنية لا تلتقط ما يهمسونه قبل أن تأتي صاحبة الحانة و معها صينية جعة لِكليهما.
سوف ننتظِر، بدأتُ أنا لِرفاقي أنظُر لهم مجدداً.

كلاهما ينتظران الخادم و بما انه لن يأتي فهم بِكل تأكيد سوف يغادرون الى مخبأهم المؤقت في المدينة و نحنُ بِدورنا سَنلحق بهم.
خطة ممتازة، سموك. لكن ماذا لو لم يكونا لِوحدهم؟ تساءل توك.
لا أعتقد انه يوجد أكثر منهما، فَكونهما هنا من الأساس مُخاطرة كبيرة.

أومئ راث يوافقني كلامي و كانيلا زفرت كمية صغيرة مِن الهواء تَرجِع بِظهرها قليلاً على مقعدها الذي ليس له مسند ظهر، تحدق بِكأسها الغير مَلموس، أو هذا ما أظنه بِما انها تضع الغطاء مثلنا على رأسها، وجهها غير واضح.
هل مِن خطب؟ سألتها هي فقط بِهمس، لترفع رأسها اليّ أرى شفتيها المُمتلئة و أنفها الصغير من أسفل الغطاء.
لستُ أدري، فالكين. لقد خططتَ لِرؤيتهم و ربما مُقابلتهم، لكن هل تعلم ماذا ستفعل بعدها؟

لم أجبها على الفور ليس لأنني أفكر بإجابة مُقنعة بل لأني أشعر بِقلقها يُغطي عليها كالطبقة الثانية مِن الجلد و لأنَّ خطتي مجنونة قد تجعلها تتنازل عن مساعدتي و قد تجعل الحارسان يسحباني الى القصر حتى لو قلتُ العكس.
و أمر أخَر، قوة توك و راث غير معروفة بعد، فأنا لم أراهما يومًا يستعملانها مع أني أعلم قوتي تتعدى قوات الجميع إلا أنَّ كلاهما متدربان و محترفان قد يكون إيقافهم صعب لكن ليس مستحيل.

ماذا لو ساءت الأمور؟ أعادني سؤالها الى الواقع لأرمش عِدة مرات عليها قبل أن ألتفِت الى الذي يجلس أمامي (توك) و أحدق بِالرجلان في الزاوية، مِن أسفل غطاء ردائي.
لن تسوء الأمور و إذا ما حدث هذا بالفعل، سوف أتصرف بِحذر. ليست إجابة كاملة لكنها أسكتتها للأن.

عَدَت الساعة تقريبًا و فيها تناول الرجلان الطعام و شرِبا المزيد من الجعة قبل أن ينهضان و يرحلان من الحانة، الخادم لم يأتي لأنه لن يأتي أصلاً و حان وقت العمل.
نهضنا أيضًا بعد مرور ثواني و أنا ألقيتُ بضع قطع فضية على الطاولة أشكُر المرأة على الطعام و الشراب ثم غادرنا مسرعين.

رأيناهم يمشون في الأزقة لوحدهم، لا يوجد فرسان أو أية كائن بحري يمتطونه و هذا جيد جداً. أخذنا خطواتنا خلفهم في الظلام أسفل نور القمر الذي بالكاد يصل الى هذا المكان من المدينة، فقط أنوار كل نُزُل أو حانات تنعكِس على حجر الطريق، نترك مسافة كبيرة كي لا يلاحظوننا نتبعهم.

دخلوا الأتلانتيانز طريقًا آخَر على اليسار يختفوا منِ خلف الجدار لنلحق بهم أسرع على الأقدام، توك و راث خلفي أنا و كانيلا. المفاجئة لم تكُن حينما دخلنا نفس الطريق و رأينا انه عريض و مليء بالنباتات المُضيئة بأحجام و أشكال مختلفة كأنها حديقة صغيرة يمكن تسميتها حديقة أنوار.
المفاجئة كانت عندما وجدنا المكان فارغ.

لا أثر لِلرجلين أو لأيَّ شخص هنا لأنه فارغ، النباتات تهتز و تتحرك بِخفة في مطرحها، تنير المنطقة كأنها مدينة ملاهي صغيرة مِن الطبيعة.
لمسَت كانيلا رأس نبتة بِأطراف أصابعها، لها جذع نحيل و طويل يُضيء باللون البنفسجي و رأسها على شكل قُبة، كالفِطر، لِيَكبُر ضوئها أكثر كأنها تستجيب لِلمستها الرقيقة و يَخِف بعد أن أبعدت أصابعها عنها.
ما هذا المكان؟ تمتمت السفيرة بانبهار تنظُر من حولنا.

أنا، توك، و راث أبقينا أعيُننا على كل منطقة بين النباتات نرى مِن الجهة الأخرى شارع المدينة لكنه بعيد بعض الشيء فَلا أعتقد أنَّ الرجلان أستطاع كلاهما الهرب بِتلكَ السرعة اليه.
انهم هنا. قال توك يُخرِج سيفه مِن حمالتها ليفعل راث المثل.
مع أنَّ المكان مضيء بِشدة و هم يرتدون ملابس داكِنة إلا انهم غير مَرئيين كأنهم فجأة اندمجوا مع النباتات و أصبحوا منهم.
لكن هذا مستحيل.

سيدتي. راث نادى كانيلا بِتحذير لتقترب منه مِن أجل الحماية و ليُمسك بِذراعها اليُسرى كي يسحبها الى خلفه يبقيها بأمانه.
تحركت أذُناي بِتنبيه على أصوات أقدام على النباتات، مِن جهتنا اليُمنى. تحركنا جميعنا بِردة فعل باتجاه الصوت لنرى كلاهما يَخرُجان من بين النباتات الطويلة بِطولهم تقريبًا كأنها أشجار لكن الأتلانتيانز هذه المرة لا يضعان الأغطية لكي يُخفوا أشكالهم.

و كما وصفهم الخادم بِدقة، رأيتُ الذي يمشي على اليمين، ذو بشرة صفراء له قرون رمادية مُلتوية، شعره محلوق على الأطراف أسود بِأنياب كبيرة تنبُع من فمه و عيون زرقاء فاتحة مخيفة.

أما الذي بِجانبه و على شفتيه بسمة عريضة ماكِرة بشرته أيضًا صفراء إلا انها تبدو كأنها من الحجارة، شعره محلوق من نفس الشكل، عيون سوداء و له وَشم ما على رقبته و يديه و ما جذب انتباهي أكثر، هي أصابع يديه التي لا تبدو طبيعية و إنما مخالب حادة قادرة على اختراق العظام.
سموك. قال توك يقترب مني أكثر لأتجاهله أقابل عيون الرجلان و خصيصًا الزرقاء منهم.

توقف الأثنان بين مجموعة زهور صغيرة، يُواجهونا لكن بعيدين عنا بضع أمتار كأنه مترددين بالاقتراب.
الَم يُعلموكم أهلكم أنَّ مُطاردة الغير شيء سيء و خطير؟ قال صاحب المخالب.
الَم يُعلمكم قائدكم أنَّ الدخول الى ممالك و خاصًة حفلات زفاف من دون دعوة، شيء سيء و خطير؟ انا سألتهما بِسُخرية واضحة في صوتي.
توَسعت عيون صاحب المخالب لكن الأخَر بدى ضجِراً وجهه ثابت غير متحرك.

تتكلم وكأنكَ مرتاح، أمير أسليرا. تفوه صاحب العيون الزرقاء يُفاجئني و توك لعنة من تحت أنفاسه.
خلعتُ غطائي عن رأسي ثم وضعتُ يداي في جيوب بنطالي و بسمة صغيرة على جانب شفتاي ليُضَيّق الرجل الأول عينيه عليّ و الثاني أختار الصمت أخمن أنَّ سيد قرون هو القائد بينهما.
انتَ أكثر أشجَع مِن ما توقعه قائدنا. أخبرني سيد قرون لأميل رأسي على جنب أرفع حاجبًا.
يبدو انه يعرفني جيداً.
لا، لكنه راقبكَ جيداً.

مَن تكونا و كيف دخلتما الى المملكة؟ سألهم توك يتقدم خطوة نحوهم ممسكًا بيده سيفه لكنه لم يرفعه بعد.
نظَر له سيد مخالب و عيون سوداء مِن الأسفل للأعلى يدرسه بِصمت و يُحَدِد إن ما كانَ خطراً أو مجرد عرقلة و أنا خمنت انه ثبت على الخيار الأخير.
لابُد و انكَ توكانديومال، حارسه الشخصي. قال سيد مخالب.

لم يتفوه توك بِحرف و لم يبدو عليه الصدمة لكونهم يعرفونه لأننا جميعنا نتوقع معرفتهم بالكثير مِن الأشياء عنا فَنحنُ أهداف كبيرة لهم و كل مَن يكون معنا معروف حتى مِن قِبَل العامة.
كيف دخلتما الى المملكة؟ انا سألته هذه المرة بِضجر يُماثل ما على وجه سيد قرون.
لقد تعرفنا على مَن يُحِب الذهب و المجوهرات فَهذا ليس بالمستحيل، سموك. أجاب ذو عيون سوداء.
هَمهمتُ أركُل حجرة صغيرة بِقدمي.
كيف عرفتم أننا نراقبكم؟

توَسعت بسمة الذي قررتُ تسميته بِمخالب يُشابك ذراعيه الضخمة و العضلية أمام صدره، أصوات أسلحته المَخفية أسفل ردائه و ملابسه تُهَسهِس ضِد بعضها.
صحيح انه مِن الصعب، شََم رائحة أحد الطبيعية هنا لكن البشر، أشار سيد مخالب بِعينيه على كانيلا التي تقف على يَميني مع راث مكملاً
من السهل تعقبهم حتى مِن على بُعد أمتار.

تحركَت كانيلا بِمطرحها منِ دون اللفظ بِكلمة تُبعِد الغطاء عن رأسها تُريهُم مَن تكون لأنهم مدركون من الأساس.
جميلة. قال مخالب ليرفع راث سيفه نحوه و يقول مِن بين أسنانه بِحدة تقطع الرؤوس
أحذر مِن ما تقوله.
شقلب مخالب مُقلتيه يُعطي كانيلا غمزة و هي ضَيّقت عينيها تقترب مني خطوة قد رأها قرون قبل أن يُعيد عينيه عليّ.

لقد وصلتني رسالتكم كما تعلمون، و أهتمَمتُ بها جيداً إن كنتم تتساءلون. قلتُ لهما أدخُل بالموضوع فأصبح الوضع مُمِلاً.
رفع مخالب حواجبه للأعلى لكن قرون مَن سألَ بِصوته العميق
و كيف كان رد الملوك؟ القائد يُثيره الفضول لِلذي سيحدث لاحقًا.
أخبر قائدك أنَّ يفعل ما بوسعه، لأنه سيتلقى ما يستحقه قريباً.
رمش مرتين بِصمت ثم قال بعدها.

لقد حان الوقت سموك، أنتَ تعلم انكَ ستأتي معنا و بالنسبة لِرفاقك، أشار بِرأسه عليهم
لن يعودوا الى القصر.
تكلم عن نفسك ايها اللعين! صاح توك عليه لأضع ذراعي اليُسرى أمامه أجعله يتوقف.
لماذا تفعلون كل هذا؟ ما هو سبب أتباعكم لِذلك الرجل؟ هل لأنه أعطاكم وَعد بإرجاع مملكتكم مجدداً و جعلكم الأقوى؟ انا سألتهما أعقد حواجبي.

مِن السهل الجلوس على العرش بينما يغمرك المال، الطعام و كل ما هو ثمين لكن لا تعرف شعور الفقدان و الضياع و الضعف، لِيس لِسنين بَل قرون و قرون. أجابني قرون بِهدوء يبدو انه الواعِظ و العاقل بينهما لكن مَن مثله يجب الخوف منه أكثر.
قتل الأبرياء يجعلك أفضل؟
لِلوصول لِهدفك، يجب عليكَ التضحية، سمو الأمير. انتَ مازلتَ شابًا لكي تفهم بالحرب و عواقبها لكن تضحياتهم لن تذهب سُدى.

التضحية بالأبرياء لن يوصلكم الى شيء و لن يكون هنالك أية حرب، لأنها لن تحدث ابداً.
رفع حواجبه الداكنة بِتعجب
ماذا ستفعل لكي توقفها؟ هل سوف تقاتلنا؟ تقاتل جيش لا تعرف عنه شيئًا؟ أسمع لديكَ خيارين، سموك، إما أنَ تنضم الينا أو تواجُه عواقبك و مَن حولك أولهُم.
أحسستُ بِقلبي يقَع في معدتي و بِدمائي تتجمد في عروقي على كلماته كالصفعة لِلوجه.

سرقتُ نظرة جانبية على كانيلا لكنها بدت، هادئة، ساكنة يَصعُب قرأتها و ما تفكر به و كأنها غير متأثرة بتاتًا.
ماذا عن الخيار الثالث؟ انا سألتهم أتحكم بِنفسي كي لا أظهِر مخاوفي على مَن أحبهم و مَن يقربوني فهُم لا يمزحون و إن استطاعوا دخول مملكة مَحروسة بِهذه السهولة إذاً لن يكون صعب عليهم دخول ممالك أخرى بأعداد أكبر.
و هو؟ سأل مخالب مبتسمًا.
هَززتُ من كتفاي ثم أجبته
التخلص منكم قبل انتشار الداء.

ضحك مخالب بِصوت مرتفع، يهُز من النباتات و الزهور التي حولنا و أقسم أنني تخيلتُ أمواج البحار في الأعلى تصمت.
هنالك كثير مِن ما لا تعرفه، سموك. و أولهم أننا في كل مكان و لا مكان، حتى لو اصطدتنا جميعًا، ستكتشف أننا في زوايا لم تنظُر لها مِن قبل و سيَفوت الأوان في اللحظة التي تُخفِض فيها دروعك.
بِمعنى آخَر، سأعيش و انا متأهِب و قلق دائمًا.
للأبَد.

انا سوف أقتلهم جميعهم لو أخَذ مني كل عمري الطويل الى أن يُصبحوا مُنقرضين إن كانَ عليّ فعل ذلك لكي أحمي العالم منهم و مِن قائدهم السافل.
لكني لم أخبرهم بِهذا بل ابتسمتُ لهما متنهداً مِن أنفي.
لاحظتُ انكَ تُحِب سماع نفسك تتكلم، هاه؟
اختفت بسمة مخالب لتبقى زاوية مُرتفعة قليلاً مِن شفتيه الشاحبة، و بشرته الصفراء بدت لسببٍ ما داكنة أكثر مع أنَّ الأضواء تحيطهم.

كانَ بأمكاننا أنَ نأخذك معنا عندما كُنا في حفل الزفاف لكن هذا ليس ما تم أمرنا بِه، قال سيد قرون يكسر الصمت.
أخمن انه بعثكم مع رسالة، انكم سوف تبدأون عملكم ضدنا؟
أومئ مرةً واحدة وجهه البارد لا يتزحزح.

لقد خطتنا لكل هذا منذُ أن دمرونا الممالك الستة بعد حرب الملكين و لم نستسلم لأننا إن فعلنا فَسوف نخسر كل ما بنيناه مِن أجلنا و من أجل مملكتنا فَمُحاولاتك بِمُخاطبتنا لكي نتنازل لن تؤثر علينا، بعد الأصرار و العزم لا هزيمة إلا الموت، سموك.
ماذا ستفعلون بي أنا إذاً؟ ما دوري في خططكم؟
انتَ تخُص قائدنا و كل ما علينا فعله هو الأنصات. رد عليّ صاحب العيون السوداء بدلاً من الثاني.

و مَن يكون قائدكم؟ لقد سأمت من غموضه و ألاعيبه، أليسَ لديه ما يعمل عليه بدلاً من اللحاق بي؟
أخرج هو صوتً من حلقه ليُجيب بارد الوجه لا يُبعِد عينيه عني
أبقاء السِر أفضل مِن أفشائه لأنَّ الهواء يرسل الأخبار بسرعة بين الجميع، و ألاعيبه كما تُسميها هي مَن أنقذته و أبقته قويًا يقود الأتلانتيانز نحوى النصر.
و بالنسبة لدورك في خططته، أكمل مخالب يبدو انه حقًا يُحِب سماع نفسه يتكلم.

يجب عليكَ رؤيته لكي تعرف، فأين المُتعة بأخبارك الأن؟
شقلبتُ مُقلتاي على نبرته الماكرة أريح يدي بِشكل طبيعي على مقبض سيفي أتكئ على ساق أكثر من الأخرى.
مَن يكون، انا سألت. قلتُ لهما بأصرار.

تعال معنا لكي تكشتف. أخبرني أزرق العينين لأسحب نفسًا عميقًا أحبسه قليلاً في صدري قبل أن أزفره أسحَب بِنفس الوقت سيفي لتفعل و لمفاجأتي كانيلا الأمر ذاته، في عينيها نيران مشتعلة لو لم نكُن في عمق البحر لكانت أحرقتهم بِمكانهم.
في الحقيقة لديّ خطة مختلفة. أنا قلت ليسحبوا الأتلانيانز أيضًا سيوفهم يقفون مستعدين لِلهجوم.
آوه حقًا، و ما هي؟ سألني مخالب يُدير سيفه بيده مرتين.
طرقتُ بِلساني على أسناني قائلاً.

تعال لكي أهمس لكَ عنها.
فتح هو فمه لكنه لم يقدر على التفوه بِحرف لأننا هجمنا عليهما بِسرعة.
انا أولهم يُقابل سيفي بِسيف مخالب لتُصدِر صَليل، تتصادم بِبضعها بين وجوهنا كالحاجز على شكل حرف أكس، أسنانه البيضاء واضِحة و مطبقة على بعضها كأنه كلب شرس.
لا تقاتلنا، لن ينتهي الأمر على خير. هو أخبرني لأدفعه بِسيفي حتى أخذ خطوتين الى الخلف.
سوف أجعلكم تندمون على قتل الأبرياء و ألقاء جُثَثِهم من دون ضمير.

مِن على يميني سمعتُ صوت الحديد على الحديد أرى توك و راث ضِد الأخر. تهجم عليه توك أولاً بِسيفه ليصد قرون الضربة بِسرعة و يستدير بِنصف دائرة من حول حارسي كي يركله على ظهره يفقده القليل من توازنه.

لم يتوقف راث لِلمُشاهدة لأنه ركض نحوى قرون سيفه صلب في قبضته، يوُجّهه على صدر قرون لكن قرون رأى الضربة قادمة و بِبسمة جانبية تلاقت سيوفهم بِبعضها ليتصرف قرون بِذكاء سريع يلكم راث على ذقنه بِكوعه يجعله يتخذ بضع خطوات الى الأسفل.

الرجل على عكس ما توقعته، فأنه قوي جداً و لا يقدر عليه حارسين مدربين بأحترافية و لم يجرؤ أحدنا بعد على استعمال قوانا فَلا نريد جذب انتباه أحد قريب الينا. بِلحظة كان الحارسين يقاتلان الرجل القوي و بِلحظة ثانيةً أستطاع الرجل أيقاع توك على مؤخرته و لَكم راث بِقبضته المُحَطِمة لِتبقى كانيلا الوحيدة.
تبحلقت عيناي أشعُر بأنَ كل الدماء في وجهي جَف بالكامل.
لا!

أردتُ التحرك نحوها قبل وصول الرجل اليها مع انها تحمل سيفًا بيدها إلا انه أكبر منها بأضعاف و قوته تعدَت على اثنان فكيف هي؟
تحركتُ متجهًا اليها لكني سمعتُ الصوت قبل رؤيته. تحَرُك سيف عدوي مِن خلفي لأستدير بِسرعة أصُد الضربة البعيدة عن وجهي ذرة بِسيفي، و صاحبها مبتسمًا بِحقارة.
الى أين؟ نحنُ لم ننتهي اللعِب بعد. قال هو يضع كامل قوته على سيفه، يضغط بِشدة يجعلني أرجع خطوة.

نظرتُ لا إراديًا على يميني مكان تواجُد كانيلا ضِد الأخر و هو يرفع سيفه كي يُصيبها و يقطعها الى أرَب، لكنها تحركت كالرياح تستدير مرة تتفادى الضربة و سيفها مرفوع فوقها. بِظهر مُنحني و سيقان ثابتة تفادته مِن على جنبه، تُمَرر سيفها على جسده لِيُمَزِق جلد خصره و منه خرج صوتً كالصرخة العميقة و هي توقفت و على سيفها دماء.

ما الذي-- لم يكمل الذي أواجِهَهُ جملته لأني ضربته بِكوعي على ذقنه ليعود الى الوراء يداً على وجهه و أنا أخذتُ فرصتي بِركله على معدته حتى وقع على الأرض.
نظرتُ مجدداً على الأخَر و كانيلا التي ركضت اليه مُستعدة لِقتله لكنه قرفص على الارض، حمل مجموعة حجارة صغيرة بِقبضته ثم ألقاها على وجهها لِتحمي نفسها بِذراع قبل أن تصيبها و تفقدها بصرها و ربما تكسر جمجمتها.

صرختُ باسمها كي تبتعد لكن الذي أقاتله تحرك بِلمح البصر قبل أن ألاحظ، يركلني على بطني الى أن وقعت على ظهري مِن فقدان التوازن و سيفي أفلِت من يدي.
لعنتُ نفسي أفتح عيناي لأجده يقف فوقي و سيفه موَجَّه على صدري يحمله بِكلتا يديه و باللحظة التي أنزل فيها سيفه لكي يُنهيني تدحرجتُ مبتعداً ليُصيب سيفه الأرض.
نهضتُ بِلا أخذ نفس على ساقاي أرى توك يتهجم على الأخر بينما راث سحب كانيلا الى خلفه الى الأمان.

أخرجتُ زفيراً عملاقًا على ذلك لكنه لم يُطِل لكون سيد مخالب تهجم مجدداً عليّ يُصَوِب بِسيفه المخدوش، لأقفز في الهواء أدير حول نفسي أصبح خلفه. هو لم يلحق بِالالتفات لأركله على ظهرها أبعده عني قليلاً و أبحث عن سيفي.

وجدته بين الزهور المُضيئة يلمع بِنورها باللون الفضي و مقبضه عليه حجر أسود مائل لِلبنفسجي، فَهذا سيف قد أهداني إياه ريس عندما أصبحتُ في الثامنة عشر قائلاً انه سيف عائلي ثمين و يجب عليّ الحفاظ عليه بِحياتي.
لو يراني الأن لكان أخذه مني مع لكمة على وجهي كي يُذَكرني أنني شخص لا يتحمل مسؤولية عائلية بتاتًا.

ركضتُ و ركضت نحوى السيف أسمع صياح مَن خلفي لكني لم أتوقف لِثانية الى أن وصلت له ألتقطه، و أستدير لا أجد الرجل.
حتى الأخر اختفى تاركًا راث على الأرض من حوله بركة دماء و كانيلا عنده تصرخ أما توك لا وجود له.

نظرت لي كانيلا بِعيون متوسعة يدها على بطن حارسها الذي ينزِف بِشدة، صدرها يرتفع و يهبط لتَخرُج إكسانا مِن جيبها تطير أمامها مُشيرة بيدها الصغيرة الى الجهة الأخرى من الطريق مكان تواجُد الحانات التي كُنا نمشي بينها قائلة
لقد هربوا مِن هذا الطريق و توك خلفهم.
ظهر بلايز مِن الجهة نفسها، خلف الجدار يُشير بيده يبدو مذعوراً و مَخطوف اللون لا أذكُر انه خرج مِن جيبي.

أسرع! صاحَ لي لأركض انا نحوى راث و كانيلا أولاً.
كيف حاله؟ سألتُ كانيلا التي تضغط بيديها على بطنه.
انا بخير سموك، أذهب الى القصر و خُذ معكَ السيدة. أخبرني راث لأنظُر على كانيلا التي تضغط على مكان النزيف بيدين مرتجفة.
انه يحتاج الطبيب. تمتمت هي عينيها على وجه حارسها الأبيض مِن الثلج، يبدو انه على وشك فقدان وعيه.
الإصابة ليست بسيطة و مِن شكلها التي جعلت مِن قلبي يتوقف عن النبض، عرفت كيف تلقاها.

ليس بسيف و لا بِأية سلاح، بل جرحه عميق و كبير كما لو أنَّ قرن حيوان ما أخترقَ لحمه و عظامه بأستطاعتي رؤية عظامه و...
لقد أصيب بِقرن ذلك اللعين.
سيدتي، انتِ أ-أذهبِ مع سموه. أخبرها راث بِصرامة ينظُر لها بِعينين فاقدة لِضوئها.
هَزت هي رأسها عِدة مرات لا تُبعِد يديها التي تغطت بِدمائه القرمزي، عن إصابته.
نحنُ سوف نبقى معه، فالكين، و أنتَ أذهب خلف الباقي. قال بلايز معقد الحواجب يومئ لي.

لم أجبه على الفور بَل ترددت. ترك راث بِهذه الحالة قد يجعل إصابته تتجرثم و اسوأ لكن توك رَحل خلف الأتلانتيانز و الله وحده يعلم ماذا حدث له.
لا لن أفقده!
كانيلا أنتِ أيضًا ابقي و أهتمي به أنا سوف أذهب خلفهم و أعود. نهضتُ على ساقاي لكنها امسكت بِمعصمي بِقوى تمنعني من التحرك أكثر تنظُر للأعلى عليّ.
دعني أتي معك.
لا.

حاولتُ جعلها تُفلِت يدي لكنها نهضت تقف مقابلي و على وجهها الجميل الشاحِب نوع غضب لم أراه يُزَيّن ملامحها مِن قبل، نوع تحكَم بي.
لن أدعك تذهب لوحدك و قد يكونوا، قد يكونوا أذو توك.
لا يمكنكِ مجاراتهم!
لن أدعكَ تذهب لوحدك! صاحَت بوجهي تعصِر معصمي الى حَد الألم بيدها الأخرى، ممسكة سيفها الذي ما يزال عليه دماء ذلك الرجل كما هو حال ملابسها، أتمنى انها ليست دمائها هي.

أرحلوا، نحنُ هنا معه الى عودتكم. قالت إكسانا تُضيء باللون الأبيض و الأصفر يديها في الهواء أمامها، بِجانب بعضها البعض موُجَّهة على إصابة راث التي مِن الصعب أن تُشفى لوحدها حتى لو راث له قُدرة الشفاء التلقائي كما هو حال جميع الجنيات.
فَهي إصابة خطيرة و عميقة كسرت عظامًا كثيرة.
نعم، أرحل فالكين و خذها معك. أضاف بلايز يوافق الصغيرة يُضيء هو أيضًا بِنفس الألوان يديه في الهواء باتجاه بطن راث.

انهم يستعملون قوة مِن قواتهم المتعددة التي تُستخدم مرة كل فترة.
الشفاء.
أغمضتُ عيناي لِلحظة أتنهد مِن فمي قبل أن أفتحهم أمسك بِيد كانيلا بِأحكام.
أبقي معي دائمًا. أخبرتها بِهدوء لتومئ متفهمة.
أخذتُ نظَرة أخيرة على الصغيران و راث الذي فقد وعيه مِن حوله بركة دمائه تحولت لِلسوداء في الظلام الذي كوناه بِوقوفنا من حوله، ثم ركضتُ و معي كانيلا خلف المُجرمان و صديقي الذي لا أعلم إن ما كانَ حي أو لا.

الفصل التالي
بعد 19 ساعة و 29 دقيقة.
جميع الفصول
روايات الكاتب