المادة المظلمة

واحد من أكبر الألغاز في العلم الفلك الحديث هو واقع أن أكثر من 90 بالمئة من الكون غير منظور. وهذه التسعين بالمئة هو ما يُعرف بالمادة المظلمة.

 

المادة المظلمة

 

المشكلة بدأت عندما حاول الفلكيون وزن المجرات، ومن المعلوم أن هناك طريقتين للقيام بذلك. الأولى تكون عن طريق قياس مقدار لمعان المجرة ومن ثم تحويل ذلك إلى كتلة. والطريقة الثانية هي بالنظر إلى حركة النجوم. فكل شيء في الكون يدور، الأرض تدور حول محورها باقي الكواكب أيضا، وكل ذلك يدور حول الشمس، وهذه الأخيرة تدور حول مركز مجرتنا "درب اللبان" مع مليارات النجوم الأخرى في المجرة. هذه الدوران يُقدم الطريقة الثانية لقياس وزن مجرة، وذلك بدراسة سرعة النجوم النجوم عن حافتها. وكلما كانت سرعة دوران المجرة أكبر كلما كانت كتلتها أكبر.

 

عندما قام فلكيون أمثال، "جان أورت" و "فريتز زويكي" بعمل حسابات بالطريقتين في سنة 1930، واجهتهما مشكلة كبيرة وهي أن كل مجرة يتم قياس وزنها بالطريقتين تكون نتيجة كل طريقة مختلفة عن نتيجة الأخرى. فطريقة قياس دوران المجرة تُعطي كتلة أكبر بكثير جدا من طريقة قياس لمعان الضوء وبما أنهما كانا متأكدين من صحة طريقتي القياس، فقد خلصا إلى أن هناك مادة ما لا يُمكننا رؤيتها وهي سبب زيادة الهائلة في الكتلة عند استخدام الطريقة الثانية، وهذه المادة هي ما أطلقا عليه اسم "dark matter" المادة المظلمة.

 

قد يبدو هذا الاستنتاج غريبا لكنه ليس كذلك حقا، وكمثال على عدم غرابته فإنك عندما تنظر إلى ناطحة سحابة في الليل فإنك لا ترى سوى أضواء عدة غرف، وهذا لا يعني أنه لا توجد غرف أخرى في ناطحة السحاب تلك، بل هي موجود فقط لا ينتج عنها ضوء فبالتالي لا نراها، وهكذا هي المادة المظلمة مثل تلك الغرف غير المنظورة.

 

وعلى أي حال فإن المادة المظلمة ليس بالضرورة شيئا عجيبا كما قد يبدو لأنه قد تكون عبارة عن ما يُعرف ب"macho" وهي اختصار ل" massive astronomical compact halo objects"، (عذرا لا أعرف كيف أترجمها بشكل سليم للعربية) لكن المقصود بها هو الأجسام التي توجد تحت هالة النجوم والمجرات وذلك يعني الكواكب، الأقمار، النيازك ، المذنبات ، و الثقوب السوداء...

 

وكل هذا الأشياء يُوجد منها الكثير في الكون ولكنها لا تُنتج الضوء بذاتها كما تفعل النجوم بل تعكس الضوء فحسب، وبالتالي فإن الضوء الذي تعكسه قليل جدا بحيث لا يُمكننا رؤيته عبر المسافات الهائلة بيننا وبين النجوم والمجرات، بينما الثقوب السوداء تفعل ما هو أسوء ألا وهو ابتلاع الضوء وليس عدم إنتاجه فحسب.

 

الفلكيون يُحاولون اكتشاف ماهية هذه المادة المظلمة، لأن ذلك قد يُنتج حلولا تتعلق بأمور حول نشأة الكون، ولكن الأهم هو أن معرفة ماهية هذه المادة سيجيب على أهم الأسئلة الأساسية في علم الفلك، ألا وهو "كيف سينتهي الكون؟".