ظلال العقل : بحث عن علم الوعي الذي نفتقده

ظلال العقل : بحث عن علم الوعي الذي نفتقده

ما أهم مسائل العلم الباقية بلا حل في أواخر القرن العشرين؟ لا شك أن الإجابات ستختلف باختلاف الأفراد، ولكن اللائحة التي ستلقى الإجماع ستضم بلا ريب المسائل التالية: هل يمكن للحواسيب أن تكون بذكاء الإنسان؟ وكيف يمكن أن نجد معنى للواقع الكامن وراء ميكانيك الكم؟ وأخيرا، ما الأساس الفيزيائي للوعي؟ يرى الفيزيائي الرياضياتي البريطاني روجر بنروز في كتابه الأخير أن هذه الأسئلة الثلاثة مرتبطة ارتباطا وثيقا فيما بينها، وهو يبدي الجرأة في أن يضطلع بها كلها دفعة واحدة.

 

ويقدم بنروز في "ظلال العقل" عرضا أكثر تفصيلا ووضوحا للحجج التي قدَّمها في كتابه الصادر عام 1989 بعنوان العقل الجديد للإمبراطور The Emperor's New Mind. وينطلق في كتابه هذا من أن عقول الناس تستطيع أن تقوم بأعمال لا يمكن للحاسوب أبدا أن يقوم بها. ويبني حجته في ذلك على نظرية گودل Gödel التي تنص على أنه في كل نظام صوري متسق يخضع للحساب، توجد إفادة صحيحة ـ تدعى "جملة گودل" ـ لا يمكن لهذا النظام أن يبرهن عليها. إلا أننا نحن البشر نستطيع أن نعرف أن هذه الإفادة صحيحة، الأمر الذي يتخذ منه بنروز ـ ككثير ممن سبقوه ـ دليلا على أن عقلنا يستطيع أن يتجاوز في إمكاناته أي نظام صوري.

 

إن الرد الطبيعي على ذلك هو أن الناس كذلك لا يستطيعون دائما أن يتبينوا صحة جمل لا على التعيين من جمل گودل. وبتعبير منطقي، لا يمكننا تَعرُّف صحة جملة من جمل نظام گودل إلا إذا استطعنا أولا التأكيد بأن النظام متسق. وليس ثمة سبب يدعونا للاعتقاد بأننا نستطيع دائما القيام بذلك. وهكذا قد يكون الناس محدودين بالطريقة نفسها التي تُحَدّ بها نظم صورية كالحواسيب. وربما يكون كل منا نظاما صوريا معقدا لا يمكنه البت في اتساق ذلك النظام؛ ونظرا لتعقيدات الدماغ، فإن تلك المحدودية في إمكاناتنا لا تبدو غريبة. فبنروز لن يدرك أبدا، والحالة هذه، صحة جملة گودل الخاصة به.

 

ولكن مازالت لدى بنروز حجج أخرى جاهزة. ففي حوار طريف تخيل أنه يجريه مع إنسالي (روبوت) رياضياتي، تقدم بنروز بحجة تقوم على افتراضات تتعلق بما يستطيع البرهان عليه فيما لو عرف أنه مطابق لنظام صوري معين، دعاه F. فهو يؤكد باستخدامه لاستدلال ذاتي المرجعية ومثير للاهتمام، أن باستطاعته عندئذ أن يعرف صحة إفادة گودل التي لا يمكن لـ F أبدا أن يبرهن عليها، حتى وإن عرف حقيقة نفسه. وعندئذ إذا كان مصيبا، فإنه لن يكون مطابقا لـ F في نهاية الأمر. ويخلص بنروز، بعد أن يعمم هذا المنطق، إلى أنه من غير الممكن أن يكون مطابقا لأي نظام صوري.

 

ومع أن حجته هذه قد تبدو عويصة، فإنها أقوى من تلك التي سبقتها. ولكن أهم نقاط ضعفها تكمن في افتراض بنروز بأنه يستطيع أن يعلم علم اليقين أنه هو نفسه متسق. فقد يؤدي هذا الافتراض إلى مفارقة بحد ذاتها، وفي هذه الحالة ينبغي سحبه. ومن دون هذا الافتراض تفشل حجته.

 

ومع ذلك، إذا كان بنروز مصيبا، فلا بد أن يكون هناك عنصر لاحَسُوب (لا يمكن حسابه) في عمليات الدماغ الفيزيائية. لكنه لا يوجد في النظريات الفيزيائية الحالية ما يشير إلى مثل تلك العمليات اللاحَسُوبة. وفي النصف الثاني المثير من الكتاب، يستطلع بنروز مستقبل الفيزياء وعلاقتها بعلم الدماغ. فقد أتت هذه الفصول بعد أن بحث بنروز عن العنصرين اللذين تحتاج إليهما نظريته: أحدهما عنصر لاحَسوب في قوانين الفيزياء، والآخر آلية في الدماغ يمكنها الاستفادة من هذا العنصر.

 

ويعلق بنروز آماله في الفيزياء على إنجازات مستقبلية في نظرية ميكانيك الكم. فهو يعتقد، مثل كثيرين غيره من العلماء والفلاسفة، أنه لا توجد حاليا نظرية تعطي صورة مقبولة عن الواقع الكمومي. ونخص بالذكر أنه ما من نظرية من هذه النظريات تُفسِّر تفسيرا مُقنِعا لماذا تنهار أحيانا الدالة الموجية الكمومية (أي الدالة الرياضياتية التي تصف وضع الجسم واندفاعه) لتصبح حالة منفصلة، كما يجب ذلك وفق ميكانيك الكم. فبنروز يرفض الفكرة القائلة: إن هذا الانهيار يحدث فقط نتيجة مراقبة يقوم بها راصد واعٍ. كما أنه يستبعد التأويلات الغريبة التي تتجنب الانهيار كليا. وهو يقترح بدلا من ذلك أن المطلوب هو قوانين جديدة أساسية لتفسير العملية التي يتم بها الانهيار. ويعتقد أن العنصر اللاحسوب يمكن أن يوجد هنا بالذات.

 

ويراود بنروز الظن في أن القوانين الجديدة ستنبثق عن الجهود المبذولة للتوفيق بين ميكانيك الكم والنسبية العامة. فدمج النظريتين في شرح جديد "للثقالة الكمومية" يؤدي إلى الاستنتاج بأن الزَمكان يمكن أن ينثني أحيانا معتليا نفسه. ويخمن بنروز بأن انهيار دالة موجية قد يحدث عندما يصير هذا التراكب شديدا.

 

ولكن ما من شيء يتعلق باقتراحه يقتضي بأن تكون عملية الانهيار لاحسوبة. والدافع الحقيقي الوحيد للتفكير بأنها كذلك، يأتي من حجة بنروز الأصلية بشأن إمكانات الإنسان ونظرية گودل. ولكن نادرا ما تتوجه نظريات الفيزياء بهدي من نظريات العقل! فحتى لو تبين مع ذلك أن اللاحسوبية لا علاقة لها بهذا الانهيار، فإن تخمينات بنروز بشأن النظريات الفيزيائية تظل ذات شأن كبير بحد ذاتها.

 

ويحاول بنروز في خطوته الأخيرة أن يجيب عن الأسئلة التي بدأ بها، ويبين إلى أي مدى يمكن أن تكون هذه القوانين اللاحسوبة في الفيزياء على علاقة بعلم الدماغ. فيقترح اعتمادا على أفكار طبيب التخدير أن آثار الثقالة الكمومية تحدثها قنيات مجهرية (مِكْرَوِيّة) بروتينية البنى عثر عليها في هياكل العصبونات،إذ إن هذه القنيات المجهرية صغيرة لدرجة أن التأثيرات الكمومية يمكن أن يكون لها تأثير في سير عملها، ولكنها بالمقابل كبيرة بما يكفي لتترك أثرا في الطريقة التي تتصرف بها العصبونات بأكملها. فإذا صح ذلك، أمكن عندئذ لعملية الانهيار الكمومية اللاحَسوبة الجارية داخل إحدى القنيات المجهرية أن تتضخم إلى عمليات ماكروية (جهرية) لاحسوبة أثناء عمل الدماغ.

 

ويبدو الدعم المباشر لهذه الفرضية هزيلا بصورة مدهشة. ذلك أن بنروز لا يقول إلا القليل جدا عن الكيفية التي يمكن بها للتأثير الكمومي في القنية المجهرية أن يؤدي إلى سير عمل العصبون. كما أنه لا يقدم بيانات بيولوجية عصبية يمكن لفرضيته أن تفسرها. إذًا، يجب أن تؤخذ هذه الأفكار حاليا على أنها مجرد تأملات طريفة.

 

ثم ماذا عن وعي الإنسان الذي هو هدف بنروز النهائي؟ إنه يلاحظ منذ بداية كتابه "ظلال العقل" أن أعظم الأسرار كلها هو كيف يؤدي النشاط الكهربائي في الدماغ إلى تجربة الوعي. ويشق علينا أن نفهم لماذا يجب أن تنبثق حياة في العقل أو الروح عن مجرد إجراء عملية حساب، مهما بلغ تعقيدها. لكن البديل عن ذلك عند بنروز ـ سيرورات كمومية في القنيات المجهرية ـ لا يبدو أنه أكثر إقناعا من ذلك. فلماذا يجب أن ينبثق الوعي عن انهيار دالات موجية في القنيات المجهرية؟ في أحسن الأحوال، يمكن أن تساعدنا أفكار بنروز حول الثقالة الكمومية على تفسير بعض جوانب السلوك البشري، كقدرتنا مثلا على إثبات نظريات في الرياضيات. أما أن يكون هذا السلوك مرافقا لتجربة وعي، فهذا يبقى محيرا كما هي حاله دائما. فعلم الوعي بالنسبة إلى عمل بنروز كله مازال يفتقد أهم مكوناته.

 

وسيظل العديد من القراء غير مقتنعين بأن بنروز قد دحض الذكاء الاصطناعي وَفَكَّ مغاليق أسرار العقل. ولكن هذا النوع من الكتب يعتبر ناجحا سواء أكان مقنعا أم لا: فوظيفته هي أن يحض ويتحدى، وفي هذا نجح نجاحا كاملا. إذ يستحيل علينا أن نقرأ "ظلال العقل" من دون أن يخامرنا شعور بالإعجاب إزاء معضلات العلم الحديث وقوى عقل الإنسان.